اللغة حياة، وحياتنا لغة، ولغتنا العربية هي مجدُنـا وشرفنا.. رمز الأمة المعبر عن ثقافتها وحضارتها.. ديوان آدابها، ووعاء علومها، وترجمان أفكارنا ومشاعرنا، ووسيلة تحصيل معرفتنا وخبرتنا، وسبيل تواصلنا واجتماعنا.. فلا تستقيم حياتنا وثقافتنا وفهمنا لتراثنا إلا بها.. شَرُفنا بالنطق بها، والانتساب لها، وكفي أن الله تعالي شرفها فجعلها لغة قرآنه الخالد، فهي باقية ببقائه، محفوظة بحفظه:(كِتَابٌ فُصِّلَتْ آيَاتُهُ قُرْآنًا عَرَبِيًّا لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ) فصلت:3، (وَكَذَلِكَ أَنزَلْنَاهُ قُرْآنًا عَرَبِيًّا..) طه:113،:(بِلِسَانٍ عَرَبِيٍّ مُبِينٍ) الشعراء:195.بيد أننا نسمع بين حين وآخر ارتفاع أصوات، وأحيانا صرخات تشكو ما تزعم أنه صعوبةٌ في اللغة العربية وقواعد نحوها وصرفها، ومناهج تعليمها وتعلمها، لذا تجد من يتجرأ عليها من الدخلاء، ومن يستخف بها من الجهلاء، ومن يُحرّض عليها من الأعداء، ويدعي الأدعياء كذبا وزورا: "عجزها عن مسايرة ركب التقدم والتطور"، و"عقمها عن التواصل مع روح العصر، وتطور العوم""، ويرد علي هؤلاء وأولئك شاعر النيل "حافظ إبراهيم" في رائعته: "اللغة العربية تنعي حظها بين أهلها":
رموني بعقم في الشبـاب وليتني عقمت فلم أجزع لقول عُداتيِ.
ولدت ولمـــا لم أجـد لعرائسي رجـالاً أكفاءً وأدت بنـــاتيِ.
وسعت كتــاب الله لفظاً وغايةَ وما ضقتُ عن آيٍ به وعظاتِ.
فكيف أضيق اليوم عن وصف آلةِ وتنسيق أسمـاء لمخترعاتِ.
أنا البحرُ في أحشائه الدُر كـامنٌ فهل سألوا الغوًّاص عن صدفاتيِ.
التخطيط :
حين اطلعت على المؤلف الصادر عن دار توبقال بعنوان "نحن والمسيحية: في العالم العربي وفي العالم" 2010، للباحث التونسي عزالدين عناية، وقد سبق لي ان اطلعت على ترجمته القيمة لكتاب "علم الأديان" للكاتب الفرنسي ميشال مسلان، الذي صدر عن المركز الثقافي العربي ببيروت خلال العام الفائت، تبين لي أن عزالدين عناية، الأستاذ بجامعة لاسابيينسا بروما، يقف على حقل مهمل في الثقافة العربية الراهنة، ألا وهو الدراسات العلمية للأديان.
إنّ كلّ كلام عن الإله هو "كلامنا" نحن وإن ظنّ البعض أنه يقول الله كما تعرّف إلينا- على حدّ لغة المتصوّفة- ،أي زعم أنّه ليس إلا ّمجرّد صدى يعيد إنتاج الصوت الأصلي كما هو.و إذا ما أردنا تخصيص هذه الملاحظة و البحث عن تجسيداتها الحدّية أو القصوى داخل التراث الإسلامي،لوجدنا أنّ الفكر السّلفي –قديمه وحديثه- هو الممثّل الأبرز لهذا المنزع التأويلي و ما أنتجه من عنف تراوح بين حجب جسد الدلالة المخالفة و تهميشها ضمن مجال دوران النصوص، و بين إقصاء جسد المستدلّ أو جعله محلاّ لجملة من الأحكام الفقهية و ما يستتبعها من تبديع أو تكفير داخل السياق الفرقي المهيمن و ما يعنيه ذلك من" نتائج في غاية الخطورة تتعلّق بالمصاحبة والموالاة و المشاركة والتزاوج و التوارث و العيادة عند المرض و الإغاثة من الضائقة و الصلاة والترحّم و الدفن عند الموت"(1)
مدخل:
يعتبر التعدد اللغوي والتنوع الثقافي سمة ملازمة للمجتمع البشري، بحيث يصعب الحديث عن مجتمع أحادي اللغة أو الثقافة، ففي كل الدول تتعايش اللغات المختلفة والثقافات المتنوعة بهذا القدر أو ذاك. و المجتمع المغربي لا يشكل استثناء، فعبر تاريخه تعايشت حضارات عريقة عابرة مع الحضارة الأمازيغية التي يشهد لها التاريخ بكونها أولى الحضارات المتواجدة في منطقة شمال إفريقيا.
من خلال كتاب "وصف إفريقيا"
رغم الإهتمام الكبير الذي حظي به مصطلح العولمة ، والكتابات الكثيرة حوله والمقاربات التي حاولت الإحاطة به ،إلا أن الغموض لازال يكتنفه ،مما يجعله جديرا بالمناقشة .