تحتاج حاضرة الفاتيكان، كدولة ذات خاصيات دينية وروحية، إلى متابعة لمواقفها وسياساتها بشأن القضية الفلسطينية، لمعاينة الثوابت والتحوّلات، وهو ما يستدعي بالمثل، توقّفا عند طبيعة العلاقة مع إسرائيل أيضا. إذ يتداخل الديني بالسياسي في مناورة الفاتيكان، وهو ما يستلزم الإمساك بالتأويل النصّي القدسي في دلالته الكاثوليكية من ناحية، وبالمثل الوعي بموقع الفاتيكان في السياسة العالمية، كدولة منخرطة في المجتمع الدولي وشتى التحالفات والولاءات التي تتجاذبه. إذ التصور الديني لفضاء فلسطين، يتحدّد ويتعرّف لدى الفاتيكان بنصّ جامع مانع، الكتاب المقدّس بشقّيه القديم والجديد، ويردف بواقع حالي صنعه الإنتداب البريطاني، فصل فيه الفضاء الفلسطيني عن بنيته التاريخية والتراثية والدينية.فالموقف الفاتيكاني من فضاء فلسطين، تنطلق مقوّمات وعيه من مدوّنة نصّ لا واقع نص، أي الأرضية الحضارية والتاريخية للمنطقة. ومن هنا عُدَّ المترسّب البشري على الرقعة الجغرافية الفلسطينية مهمَّشا، في حين كان النصّ المقدّس بشقّه القديم أساسا هو المرجع والفيصل، والخاضع لتأويلية وعي صنعتها الرؤية العزْراوية التي ختمت الصياغة النهائية للتوراة. مهتديا بذلك يؤسّس العقل الفاتيكاني وعيه بتراث المنطقة وشعوبها، عبر استلهام المنتوج الحبري -مدارس صياغة التوراة- ويلغي كافة المدوّنات الخارجة عن النصّ المقدّس، باعتبارها مرجعية أبوكريفية منتحلة، برغم الحجّية العلمية المعتبرة لها والتصحيحية أحيانا للنص التوراتي الرائج اليوم.
كان هذا المدخل ضروريا لمتابعة أسس وعي الكنيسة الكاثوليكية بالمنطقة، والذي بدأت تتجلّى ملامحه مع الأطماع الصهيونية المبكّرة في فلسطين، وما رافقها من ردود أفعال محلّية. يذكر الأستاذ علي المحافظة في كتابه: "الحركات الفكرية في عصر النهضة في فلسطين والأردن" أن أوّل من أشار إلى الأطماع الصهيونية في فلسطين الرهبان الكاثوليك، الذين كانوا يتابعون باهتمام وقلق النشاط الصهيوني، فقد نشر هنري لامنس اليسوعي مقالة في مجلّة "المشرق" عام 1899م بعنوان "اليهود في فلسطين ومستعمراتهم" تحدّث فيها عما ذكرته صحف الأستانة عن انتشار اليهود في فلسطين، وحثّها السلطات العثمانية على مواجهة النشاط الصهيوني. كان انتشار الرهبان والمبشّرين اليسوعيين الكاثوليك مكثّفا في تلك الفترة، وكانت مساعي الإستيطان الصهيوني في بداياتها، وبرغم ذلك مثّلت تناقضا حادا مع المخطّط الكنسي. فقد جاء ردّ البابا بي العاشر (1835-1914م)، في الخامس والعشرين من يناير 1904. على تيودور هرتزل برفض حاسم بشأن توطين اليهود في فلسطين بقوله: "إن اليهود لم يعترفوا بربّنا يسوع المسيح ولأجل ذلك ليس بوسعنا الإعتراف بالشعب اليهودي"، ومن هذا المنظور كان اليهودي أو المسلم، الذي يقيّم المسيح تقييما يتناقض مع الفهم الكاثوليكي، لا شرعية ولا حق له في "أرض المسيح"، ستبقى هذه العقدة متحكّمة في النظرة للقدس ولفلسطين عموما.
منذ تجليات مرحلة محمد علي باشا في مصر، وعودة رفاعة رافع الطهطاوي من باريس في وقت لاحق، يحيا العالم العربي في ظل شعور قوي بأن هذا هو عصر النهضة العربية، أو مرحلة اليقظة العربية/الإسلامية. لقد بقي هذا الشعور مذاك سائداً لا يقبل النقاش لأسباب عدة، منها ما هو متصل بما سبق في الحياة السياسية والثقافية، ومنها ما هو متصل بما تمخض عنه التالي من الأعوام من نتاجات فكرية وتطورات سياسية قادت نحو تغيرات جذرية نحيا اليوم بعضاً من آثارها المتأخرة. ولكن، ألم يأتِ الوقت المناسب الذي يسمح لنا، ابناءً لما جاءت به النهضة العربية، أن نتساءل: هل نحيا عصراً حقيقياً للنهضة، أم إنه عصر لا يختلف عما سبقه من العصور المظلمة التي نقلل من شأنها متخذين من تغزل أحد شعرائها بـ"مخدة" أو بإبريق شاي دليلاً على التردي والنكوص الذي كان يحياه العقل العربي في ذلك العصر المظلم.
د. مصدّق الجليدي
ينظر الكاثوليك إلى كنيستهم بصفتها تجلّيا لوحي الربّ على أرضه، تسعى لتثبيت سلطانها في الأرواح، ويغلب نعتهم لها بالدين بدل المذهب، ويراها غيرهم مؤسسة عالمية للمقدّس، تتطلّع جنب السلطات الزمنية للفوز بمغانم للمؤمنين بها. ويخبر واقع الحال أنها مؤسّسة مركّبة، قائمة على شرْعة فيها من التميّز والتماثل مع غيرها من شتى الملل والنحل، تشكّلت قداستها عبر الدهور، ضمّت بداخلها مكونات عدة. يبلغ عدد الحركات المنضوية تحتها والتي تحوز اعترافها في الوقت الراهن 120، إضافة إلى تجمّعات دينية صغرى، 226 منها رجالية و900 نسائية.
تقديم:
1. تقديم
باتت السلفية الشغل الشاغل الآن للباحثين والدارسين والإعلاميين على حد سواء، خاصة لدى الدوائر الغربية ومراكز صناعة القرار بعد هذا الانتشار الذي لقيته والمد الذي تتسع رقعته بمرور الأيام.. وهو نفسه ما دفعني لكتابة هذا الموضوع إضافة إلى ما وجدته من تجافي أو قل (الهوة) بين الإعلاميين والباحثين من جهة وأصحاب ودعاة المنهج السلفي من جهة أخرى حول فهم "السلفية" كمنهج إسلامي.. فهي محاولة لتقريب الأفهام حول هذا التيار الأصولي الآخذ في التمدد، نقف من خلالها على معالم ومحددات المنهج السلفي كما يراه السلفيون.
تجربة الحوار الكاثوليكي مع البلدان المغاربية تجربة متفرّدة، من ناحية تعويل الكنيسة على نتائجها ومقاصدها، ما جعل تلك التجربة واعدة من طرف واحد، من الجانب الكاثوليكي. فالطرف المغاربي، المفتقد لاستراتيجية علمية أو دينية، قد جُرّ جرّا إلى ما يسمّى بالحوار، على مدى أربعة عقود، ولم تنبع المثاقفة من مطلب أكاديمي أو استعداد مؤسّساتي له، بل كان استجابة للمواكبة والمجاراة. كان أوج تلك المثاقفة بتأسيس مجلة "إسلاموكريستيانا" المسماة بـ"إسلاميات مسيحيات" سنة 1975، بإشراف وتسيير لاهوتيين من الآباء البيض، حشِد لها رهط من الجامعيين من تونس بالخصوص، بغرض صنع وعي ديني ليّن وطيّع. غير أن الآباء البيض، الذين ارتبط منشأهم ودورهم بالكنيسة الاستعمارية، لم يوفّقوا في تجاوز الحوار العُصابي مع الإسلام، عبر ذلك التجمّع، الذي سعوا في تشكيله.