مما لامراء فيه أن اللغة ــ بصفة عامة ــ لها أهمية قصوى في تحديد الهوية للقومية لمجتمع معين من المجتمعات عبر عصور التاريخ . وذلك لما تتميز به من خصائص تشترك في تكوين بنيتها الدلالية والتركيبية كما أن لها علاقة بنيوية مع الفكر . إذ أن الكيفية التي ينطق بها الإنسان ويتواصل مع الآخرين هي تقريبا الكيفية التي بها يفكر. وقد قيل في هذا الصدد إن الأسلوب هو صاحبه .ولعل تساؤلات كثيرة تطرح نفسها هنا بإلحاح :
فما علاقة اللغة بالقومية ــ باعتبار أن اللغة بنية فوقية ــ ولا تمس البنية الاقتصادية والاجتماعية والسياسية التي هي أساس الوحدات القومية لأي مجتمع ؟
ثم ما الفرق بين القومية بمفهومها الواسع ، والقطرية بمفهومها الضيق ؟ وهل المجتمع الذي يدعو إلى تقزيم وحدته داخل القطر الواحد يحدث قطيعة فعلية مع المجتمعات التي يشترك معها في عديد من الخصائص ( مثل اللغة ، التراث، التاريخ ، والجغرافيا ، ووحدة المصير ) ؟؟
هل القضية القومية ( وخصوصا العربية ) أصبحت في خبر كان . بعدما كانت الشغل الشاغل والمطلب الأساسي لكثير من التيارات الإيديولوجية في القرن الماضي ؟؟
هذه التساؤلات وغيرها يجيب عنها الواقع المادي الملموس . فباستقرائنا للواقع العربي الراهن يتبين بالملموس أن المجتمعات العربية المعاصرة اختارت النهج القطري على النهج القومي لاعتبارات سياسية ومصلحية بالأساس .
فالتنمية الاقتصادية والاجتماعية في غالب الأقطار العربية اختارت سيرها وصيرورتها بمعزل عن الأقطار الأخرى .
فالبعض شرق .. والأخر غرب . ولاتجد نهجا بنيويا يربط دولة عربية بأخرى في سائر المجالات . بل نجد الهوة سحيقة بين نظام اقتصادي عربي وآخر متجاور . وبرزت إشكالية التقدم والتخلف بين دولتين عربيتين متصلتين جغرافيا ( السعودية مثلا واليمن . المغرب وموريطانيا. سوريا ولبنان. مصر والسودان وقس على ذلك )..
لم تبدأ نهضة أي شعب من شعوب الأرض من الصفر، ولم ينجز أي شعب نهضته بالانغلاق عما أنجزته ثقافات وحضارات سبقته في التاريخ أو في التقدم. أو بالادعاء انه يملك في موروثاته الثقافية أوالدينية كل ما يلزمه للتقدم العلمي أو الاقتصادي او الفكري أو التكنلوجي .
في وقت يبحث فيه البابا راتسينغر عن لمّ شمل الكنيسة ورص صفوفها، بالسعي لإعادة المنشقين لبيت الطاعة، أفرادا كانوا أم جماعات، جراء ما يتهدّد المؤسّسة من تحلل قسري، ينفرط العقد مجدّدا بمجرّد تجميعه. فلا شك أن البابا الحالي في سعي دؤوب، لإقناع الجميع أن التحدّيات والمخاطر التي تواجه الكاثوليكية، هي تحديات تتربص بالجميع وليس بإكليروس روما وحده. فتحلّل الهوية المسيحية في قارة أوروبا العتيقة، وفي مقابلها حضور تكتل إسلامي نشيط بيولوجيا، يعد بنشاط حضاري ثقافي في المستقبل القريب، صار من الكوابيس الثقيلة. وأحداث الضواحي الباريسية في السنوات القليلة الماضية، كشفت تلك المصائر التي تسير نحوها أوروبا، باستفاقة الجموع الوليدة في الغرب عن هوياتها المغتصبة، في غرب يرنو لطحن المغاير داخل مطحنته الحضارية، من خلال سلبه حتى أبسط رموزه الثقافية.
يلاحظ المتابع للشأن العربي الإسرائيلي هيمنة الرؤية السياسوية، في تفسير كل ما يتعلق بمبحث الفكر اليهودي، مما خلّف مقاربة محدودة وقاصرة ألحقت ضررا بالرؤية العلمية العربية، وأعمت عن تناول الموضوع خارج هذه الأطر الضيّقة. لذلك نرى غيابا لدراسة الفكر الديني اليهودي بشكل موضوعي، القديم منه والحديث، واختزالا لإسرائيل في محددات سياسية لا غير. وبرغم نشأة عديد ما يسمى بمراكز الأبحاث، في بلدان عربية، تتولى الشأن الإسرائيلي، فإن هناك غيابا لافتا لإيلاء اهتمام للجانب الديني العميق، الذي تستند إليه إسرائيل.
هل هناك حدود لحرية الفكر والرأي ؟ ما هو الفكر ؟ ما هو الرأي ؟
تكاد تتزامن الذكرى السنوية الأولى لرحيل الشاعر سركون بولص مع تهجير أكثر من ألف عائلة مسيحية من الموصل، تحت وابل التهديد والعنف السياسي اللذين يجتاحان العراق، ومثلما رافق وفاة سركون بولص سيلٌ من المقالات، منها ماكان صادقاً ومنها لكُتّاب مراثٍ يشحذون أقلامهم كلما مات مبدعٌ، وتصبح لهم ذكريات معه وتواصل ومكالمات هاتفية من نسج خيالاتهم، رافق وما يزال سيل مقالات تشجب وتستنكر ما يجري لمسيحيي العراق، خصوصاً وأن إلغاء المادة 50 من قانون انتخابات مجالس المحافظات، قد سبق القتل والتهجير، الذي جاء بضغط واضح من جهات تريد الاستيلاء على كل شيء، بالروحية ذاتها التي كانت لدى سابقيهم في الحكم، ناهجة نهج الإقصاء والتهميش أولاً، ومن ثم توزيع الفضلات تحت تسميات المكرمة والدفاع عن مكونات الشعب العراقي، مثبتين أن العقلية التي اتهموها بتهميشهم، هي عقليتهم، لأنهم أبناء حاضنة ثقافية لا تؤمن بالتنوع إلا إذا كان حسب مقاساتهم.
ـ ما هي العلمانية ؟
1. اللغة العربية عبر العصور