حفظت الذاكرة تراثا إنسانيا هائلا في الأدب الذي كان في بداياته الأولى معبرا عن آمال ورؤى وتوجهات تتسم ببساطة التركيب الذي تسايره عبقرية المنحى والتصور ،لكن في العصر الآني مع توجه خارطة العالم نحو التوحد والانصهار ،واختفاء الحدود والهويات ظهر التساؤل حول أهمية الأدب الشعبي ودوره في تاْطير الرؤية الوجودية للإنسان ،وهنا يكون التساؤل:ما هو مستقبل الأدب الشعبي في ظل هذه الظروف الآنية والمتعاقبة؟.
تعامل العقل الإنساني بالإقصاء والإلغاء لأنماط تعبيرية مختلفة وفي طليعتها الأدب الشعبي،حيث همشت هذه الأشكال نظرا لوجود متعاليات مختلفة منها :المتعاليات النفسية أين كان العزوف وليد ضغط نفسي اطر رؤية الإنسان وفق ماتقتضيه الأهمية،إذ التهميش الذي وسم به الأدب الشعبي شكل هاجسا ومانعا نفسيا حال دون الاهتمام به،حيث نظر إليه في مقابل الأدب الرسمي نظرة دونية.
وأما المتعاليات الاجتماعية فقد تمثلت في ضغط المجتمع بفرض نظرة قيمية تخدم الأطر العامة وكل القيم والعادات التي رسخها منذ القدم ،وبالتالي ألغيت أشكال معينة وهمشت لأنها لا تخدم هذه القيم.بالنسبة للمتعاليات السياسية ففي طبيعته شكل الأدب الشعبي بديلا عن الأدب الرسمي وخضع لاهتمام الفئة البسيطة ،ولان كل سلطة تتسم بالجمود وتحاول الحفاظ على الثبات والنمطية أدى ذلك إلى محاربة هذه الأشكال التعبيرية.لكن يدعونا التساؤل إلى القول:هل شكلت هذه المتعاليات حاجزا أمام تطور الأدب الشعبي وموضعته في إطار من الحضور الفاعل ،أم لازال الحديث عن حضور الأدب الشعبي موجودا إلى الآن؟.
* العولمة كضرورة:
يتركز موضوع هذا البحث-الذي يقع في 820 صفحة (بجزءيه الأول والثاني)- حول ظاهرة الزوايا بالمجتمع المغربي، وهي ظاهرة لها أهميتها بالطبع وأصالتها التي تستمدها من عمق تجذرها في بنيات هذا المجتمع، وفي تاريخه الديني والسياسي. وانسجاما مع الإشكالية المطروحة للبحث، فإن أهمية الزوايا تتأكد بالنظر إلى ما اضطلع به هذا التنظيم الديني-السياسي من أدوار اجتماعية وسياسية حاسمة، في سياق مغرب ما قبل المرحلة الكولونيالية. هذه الفترة من تاريخ المغرب، التي ستعرف- وكما تطلعنا المصادر التاريخية- مجموعة من الأحداث والوقائع السياسية التي تشهد بتأزم العلاقة، وعلى مستويات عدة، بين السلطة والمجتمع. وهنا بالذات ومن هذا المنطلق، سيرتبط تاريخ الزوايا وبشكل وثيق، بالتاريخ الاجتماعي والسياسي للمغرب الماقبل كولوينالي، بحيث شكلت في هذا الإطار قوة سياسية وازنة، استطاعت أن تفرض نفسها على المخزن (كسلطة محلية قائمة بذاتها) تسندها قاعدة قبلية عريضة. وقد استفادت الزوايا في ذلك-وعلاوة على تنظيماتها المتجذرة من ذلك الامتياز الإيديولوجي القوي الذي كانت تمنحه إياها فكرة الانتماء الشرفاوي، ولا يخفى في هذا الإطار ما كانت تشكله من خطورة حقيقية على المخزن، باعتبارها القوة السياسية الوحيدة التي كانت تنافسه في إحدى أهم رموز مشروعيته السياسية؛ ونعني بالطبع (الإيديولوجية الشرفاوية) القائمة على فكرة الانتساب إلى آل البيت : (فكل من السلطان وشيخ الزاوية يعتبر شريفا، تربطه قرابة دموية بنبي الأمة).
يمكن القول ان للعولمة اجندتها المنطلقة من المركز – اميركا – الى الاطراف – العالم بما بدأت به او تروم عمله من تغيير جوهري .. ترغيبا وترهيباً – في طبيعة علاقات الانسان بتاريخه وتراثه او بيئته الحياتية بما في ذلك قيمه وسلوكه وعلاقته مع مجتمعه ، بل وبعلاقته بالكون ونظرته اليه .
I - إطلالة على النّقد القديم
يعدّ بول تلّيش (1886-1965م) إحدى اللحظات المتوتّرة في التاريخ المسيحي الحديث. ذلك أن التشكّل الديني لهذا اللاّهوتي، فضلاً عن التحولات الفكرية العالمية التي كان وقعها مؤثرا عليه، طرحت أمامه عديد الأسئلة الحرجة بشأن علاقة اللاهوت بالثقافة وبالتحوّلات الاجتماعية والتاريخية. فضمن أي تأويلية يمكن للدين أن يجاري بنى
التفكير الحديثة، خاصّة وأن التأقلم مع أنظمة الوعي المستجدّة مشروط بطروحات تأويلية مستجدة للنصّ المرجعي المأطلق قراءةً وفهمًا؟
ليس من الشّطط أن نقول إنّ عاملا أساسيا في أزمة الوعي بالقضية الفلسطينية والتقدير الصائب لتداعياتها في العقل الغربي، يعود لنمطية التصوّرات الدينية القوية والمتجذّرة. فلطالما ردّد العرب خطأ ولازالوا، بأن الغربي يحتكم في تصوّره للوقائع إلى منطق عَلماني يخلو من تأثيرات الدين، وواقع الحال غير ذلك. فلازالت الرؤية والحكم بشأن الفلسطيني على ارتباط بآليات
دينية يتشارك فيها المتديّن مع غير المتديّن في الغرب. ذلك أن جانبا من أزمة الوعي بفلسطين والفلسطيني، مرهونة بقناة فهم تراثية دينية واحدية، تعشي عن متابعة الفلسطيني من منظور أوسع، حتى ولو كان هذا الفلسطيني مسيحيا وشريك إيمان في الاعتقاد الديني للغربي.
"كبدى خذوه..