المدخل:

كتب هذا النص في شباط 2026 للنشر في دورية يسارية عراقية، غير أن تأخر النشر جاء بسبب الظروف الإقليمية المتقلبة التي تعصف بالمنطقة. وعلى الرغم من أن النص يتخذ من التجربة العراقية مدخلاً تحليلياً، فإن ما يطرحه يتجاوز الحالة العراقية وحدها، إذ تشترك كثير من دول الشرق الأوسط ودول الجنوب العالمي في وقائع متقاربة: حركات احتجاجية جماهيرية واسعة واجهت صعوبات جدية في التحول إلى قوة سياسية منظمة، ويسار أثبت حضوراً ميدانياً لافتاً في الشارع رغم تشتته، في حين تظل التحديات التنظيمية والانتخابية وضعف العمل المشترك قائمة وتستدعي المعالجة. العراق هنا نموذج للتأمل والاستفادة، والسؤال المطروح أوسع بكثير من حدوده الجغرافية.

وفي هذا السياق، تستحق التجربة المغربية الراهنة الإشارة والتأمل، إذ تقدم نموذجاً حياً ومتجدداً في مسار الحوار والعمل المشترك بين القوى اليسارية. فقد جاء تأسيس "تحالف اليسار" بين مجموعة من القوى اليسارية المغربية تتويجاً لمسار طويل من التنسيق والعمل المشترك، معبراً عن إرادة سياسية واضحة لتجاوز حالة التشتت التي عرفها اليسار خلال السنوات الأخيرة، ومستنداً إلى رصيد نضالي وتاريخي مشترك. وقد أكدت الأحزاب المشاركة أن طبيعة المرحلة وما تطرحه من تحديات سياسية وحقوقية واجتماعية تفرض تعزيز العمل الوحدوي، وإطلاق مبادرات مشتركة ونفَس نضالي موحد دفاعاً عن الحرية والكرامة والديمقراطية والعدالة الاجتماعية. وتدرك القوى المشكِلة لهذا التحالف أن المرحلة المقبلة تستوجب التجديد الفكري والسياسي وتطوير أساليب النضال، وصياغة برنامج عملي موحد يجيب عن أسئلة العمل والصحة والتعليم والسكن والعدالة وغيرها من متطلبات الجماهير الكادحة.

هذا النموذج المغربي، رغم خصوصية سياقه، يحمل دلالة رمزية ورفاقية مهمة لكل قوى اليسار في المنطقة: التوحد ممكن حين تتقدم الإرادة السياسية على حسابات الحزبية الضيقة. وفي هذا الإطار تحديداً، تجدر الإشارة إلى أن قوى وشخصيات يسارية عراقية عقدت قبل أيام اجتماعاً موسعاً، في خطوة تسير في الاتجاه ذاته، وتعبر عن إدراك متنامٍ بأن لحظة المراجعة والعمل المشترك والتوحد باتت ضرورة لا تحتمل التأجيل. التجربتان، المغربية والعراقية، وإن اختلفتا في سياقهما وأدواتهما، تلتقيان في جوهر واحد: الوحدة والإرادة الرفاقية المشتركة هي وحدها القادرة على تحويل الغضب الاجتماعي وعدالة القضية إلى قوة سياسية منظمة وفاعلة.

وتتناول هذه المساهمة تجربة اليسار العراقي والكردستاني، انخراطاً في الحوار الرفاقي الجاري حول إمكانيات بناء إطار يساري موحد قادر على استعادة دوره التاريخي وتجديد حضوره الفاعل.

"كشفت أحداث غزة، كما فضيحة إپستين، عن أزمة عميقة في بنية الوعي السياسي والأخلاقي لدى بعض النخب المعولمة"
"بروز محور محافظ عابر للأديان...ضمن رؤية مشتركة للعالم تقوم على الاستقرار القيمي ومقاومة التفكك الاجتماعي"

يشهد النظام الدولي لحظة تحول غير مسبوقة، يُميّزها تداخل الأبعاد الجيوسياسية مع التحولات القِيَميّة والتفاعلات العقائدية على نحو يصعب فصله. هذا التّحول لا يُظهره فقط تعدد مؤشرات تراجع الأحادية القطبية، بل نراه أيضًا في ارتفاع الأصوات المطالبة بإعادة تشكيل المرجعيات القِيَميّة التي تؤّطر العلاقات الدولية. وقد شكّل السكوت على الإبادة في غزة، ذروة انكشاف ازدواجية الخطاب، وزيف ادّعاء الرّيادة الأخلاقية لدوائر عديدة في الغرب. إلاّ أنّنا الآن نشهد صعوبة تمرير أجندات عدائية هيمنيّة دون التّعرض للاحتجاج والإدانة والمقاطعة، كما كان خلال عقود ماضية.

 وقبل التّطرق الى ما تمّت الإشارة اليه في عنوان هذا المقال حول الانفلات المعياري وملامح الصّمود أو الصّحوة القِيَميّة تجاه التّصدع القانوني والمؤسساتي الدّولي، نسلّط الضّوء على مأساة غزة وملف ابستين، كثنائيّة كاشفة للمستوى المنحطّ الذي نزلت اليه قطاعات داخل منظومة الفعل السّياسي الدولي. وطبعا، دون الدّخول في جزئيات الاحداث، وبعيدا عن الطّرح الوقائِعي الذّي اهتمت به تغطيات متعدّدة.

غزة وإپستين: انحطاط الوعي ولاإنسانية الفعل السّياسي الدولي

زاوية النظر في القراءة التّي ستلي، تحاول الرّبط بين غزة وفضيحة إپستين للتّنبيه إلى مستوى السقوط الأخلاقي والقِيمي الذي وصلت إليه الإنسانية؛ وخاصة، بعض الأوساط الغربية الممسكة بالسّلطة. وقد كشفت أحداث غزة، كما فضيحة إپستين، عن أزمة عميقة في بنية الوعي السياسي والأخلاقي لدى النخب الغربية المعولمة. وللأسف، تدّعي الفئات المتورّطة انّها سليلة التّنوير والفكر الليبرالي، المدافع عن حقوق الإنسان والديمقراطية.

مأساة الشعب الفلسطيني وما تمّ في غزة من تدمير شامل وإبادة جماعية، أسال الكثير من الحبر، وليس المقصود هنا تكرار تحليل الأبعاد القانونية أو الجيوسياسية للقضية. فغزة، لا تُختزل في كونها ساحة صراع عسكري، بل يمكن اعتبارها فضاء تُمارَس فيه ما سمّاه ميشيل فوكو «سياسات الحياة والموت» (فوكو، يجب الدفاع عن المجتمع)، حيث تحتكر السّلطة حق تقرير من يستحق الحياة ومن يمكن التّضحية به.

موجز، أبرز ما تطرحه هذه الورقة
تشترك بلدان الشرق الأوسط والجنوب العالمي ذات الأنظمة الاستبدادية في أزمة بنيوية واحدة، قوامها ضعف حاد ومزمن يصيب المنظمات الجماهيرية والنقابية والنسوية والطلابية، ويمتد ليطال التنسيق بين قوى اليسار ذاتها. وتتناول هذه الورقة هذه الإشكالية من خلال التجربة العراقية بوصفها تجربة معاشة وحية، مستخلصةً منها دروساً وأسئلة ذات صلة بسياقات مشابهة في المنطقة والجنوب العالمي. وتستند الورقة في جزء منها إلى تجربة ميدانية مباشرة تعود إلى صيف 1992، حين واجه بناء اتحاد للعاطلين في إقليم كردستان سؤالاً جوهرياً لا يزال راهناً حتى اليوم: هل نبني منظمة جماهيرية واسعة تعبر عن مصالح الجميع، أم واجهة أيديولوجية تضيق قاعدتها قبل أن تنطلق؟

فقد أفضى نهج بناء نقابات ومنظمات جماهيرية مرتبطة بالتنظيمات الحزبية ارتباطاً وثيقاً إلى مشهد يتسم بتعدد المنظمات الصغيرة وتشتت الطاقات وتضاؤل الفاعلية الجماهيرية الفعلية. وقد كان هذا النهج مبرراً تاريخياً في مراحل الاستبداد الشديد حين فرض الواقع القمعي المركزيةَ التنظيمية ضرورةً قصوى. غير أن الثورة الرقمية والمتغيرات الجديدة في طريقة تفكير الجماهير وأساليب تنظيمها، ولا سيما الأجيال الشابة التي نشأت على ثقافة التنظيم الأفقي والمشاركة المباشرة، باتت تستدعي مراجعة جوهرية لهذا النهج.

وتضاف إلى ذلك تحديات هيكلية أعمق، أبرزها الطبيعة الريعية للاقتصاد التي تقيد هامش التنظيم النقابي المستقل، ودور بعض الجهات الدولية المانحة في تعزيز نماذج من "المجتمع المدني" تتحاشى المساس بالبنى الاقتصادية الجوهرية وتضعف النقابات ذات التوجه الطبقي الواضح.

وفي مقابل هذا التشخيص، تستند الورقة إلى تجارب نقابية فاعلة من تونس والبرازيل وجنوب أفريقيا والهند والدنمارك، تثبت جميعها أن النقابات والمنظمات الجماهيرية المستقلة حين تتجذر في قواعدها الجماهيرية وتتجاوز الارتباط الحزبي الضيق، تستطيع أن تكون رافعةً حقيقية للتغيير الاجتماعي والسياسي في اللحظات الحاسمة.

وترى هذه الورقة أن تجديد اليسار وبناء قوته الجماهيرية الحقيقية يستلزم مراجعة جوهرية تقوم على ثلاثة مرتكزات متكاملة: أولها بناء نقابات واتحادات ومنظمات جماهيرية تقدمية مستقلة تستند إلى المواثيق والاتفاقيات الدولية لحقوق الإنسان والعمال والمرأة لا إلى البرامج الحزبية، وثانيها مشاركة اليساريين واليساريات داخل هذه المنظمات كأفراد ملتزمين بقضايا قطاعاتهم لا كممثلين لأحزابهم، وثالثها بناء أطر تنسيق وتحالف واسعة بين قوى اليسار المختلفة تتجاوز الخلافات الأيديولوجية الثانوية نحو مشروع تغييري موحد يضم الأحزاب والتنظيمات اليسارية والتقدمية والنقابات والمنظمات الجماهيرية.

من يتابع ما ينشر على وسائل التواصل الاجتماعي يلاحظ وجود حملة مسعورة تُشنّ اليوم ضد الفلسطيني، لا ضد فردٍ أخطأ أو تجاوز، بل ضد شعبٍ كاملٍ حمل على كتفيه وجع التاريخ وكرامة الأمة. حملة تتغذّى من الحقد، وتُدار من خلف الشاشات، وتُساق فيها الأكاذيب كحقائق، والافتراءات كوجهات نظر، والجهل كمنهجٍ إعلامي.

تتكاثر الأصوات التي تريد شيطنة الفلسطيني في العديد من الدول العربية، وكأنها وجدت في تشويه صورته وسيلة لتبرئة نفسها من عجزها، أو لتغطية على خيباتها. فجأة صار الفلسطيني متهمًا بكل شيء: بالفساد، بالأنانية، بالخذلان، وكأن تاريخه الطويل في النضال والتعليم والثقافة والتضحية قد مُسح بجملةٍ على منشورٍ تافه أو تغريدةٍ حاقدة.

لكن الحقيقة لا تُمحى. الفلسطيني ليس مجرد جنسية، بل هو ذاكرة أمة، هو جرحٌ مفتوح في ضمير العالم، هو المثقف الذي كتب، والطبيب الذي علّم، والمعلم الذي بنى، والمقاتل الذي صمد. من يهاجم الفلسطيني اليوم لا يهاجم شخصًا، بل يهاجم فكرة الكرامة نفسها، يهاجم معنى الصمود، يهاجم ذاكرة الأرض التي لم تنحنِ رغم سبعين عامًا من القهر.

هذه ليست حملة ضد الفلسطيني فقط، بل ضد الوعي العربي كله. إنها محاولة لتفكيك التضامن، لتشتيت البوصلة، لتبديل الضحية بالجلاد. ومن واجبنا أن نكتب، أن نصرخ، أن نفضح هذا الانحطاط الأخلاقي والإعلامي، لأن الصمت في وجه الظلم خيانة، ولأن الدفاع عن الفلسطيني اليوم هو دفاع عن الإنسان العربي نفسه، عن الحق في أن تبقى الكرامة حيّة رغم كل شيء.

إن أخطر ما في هذه الحملة ليس فقط أنها تستهدف الفلسطيني، بل أنها تستهدف فكرة الانتماء والهوية، وتزرع بذور الشك بين الشعوب العربية نفسها. حين يُصوَّر الفلسطيني كعدو، فإن الرسالة الخفية هي أن التضامن العربي لم يعد قائمًا، وأن كل شعبٍ يجب أن ينغلق على ذاته ويترك الآخر يواجه مصيره وحده. هذه ليست مجرد كلمات عابرة على وسائل التواصل، بل هي مشروع تفكيك ممنهج، مشروع يريد أن يحوّل الضحية إلى جلاد، وأن يبدّل صورة المثقف والمقاتل والمعلم بصورة مشوهة مليئة بالاتهامات. إننا أمام معركة أخطر من أي معركة عسكرية، لأنها معركة على الوعي، على الذاكرة، على صورة الإنسان في المخيال الجمعي. وإذا لم نواجهها بالكتابة، بالوعي، بالصوت العالي، فإننا سنترك الباب مفتوحًا أمام جيلٍ جديدٍ يتربى على الكراهية بدلًا من التضامن، وعلى التشويه بدلًا من الحقيقة، وعلى الخيانة بدلًا من الوفاء.

حين نتحدث عن الفقر في خطاب سياسي أو أكاديمي، نميل في أحيان كثيرة إلى معاملته كظاهرة محايدة، كأنه يقع على الجميع بالقدر ذاته وبالطريقة ذاتها. لكن النظرة النقدية الطبقية تكشف زيف هذه الحيادية، وتؤكد أن الفقر لا يوزَع بالتساوي، وأن النساء يتحملن عبئه بشكل أكثر حدة واستمرارية.
من هنا يأتي مفهوم تأنيث الفقر، ليس توصيفاً إحصائياً فحسب، وإنما أداة تحليلية نقدية تكشف العلاقة البنيوية بين النظام الاقتصادي الرأسمالي وعلاقات النوع الاجتماعي، وما ينتج عنهما من أشكال متعددة من الإقصاء والتهميش.
ظهر هذا المفهوم في سبعينيات القرن العشرين لوصف التزايد المستمر في نسب الفقر بين النساء، خاصة مع ارتفاع عدد اللواتي يتحملن مسؤولية إعالة الأسر وحدهن. ومنذ ذلك الحين اتضح أن الفقر ليس محايداً لا من حيث الجنس ولا من حيث الطبقة، ويرتبط بهياكل قوة تحدد من يملك الموارد ومن يحرم منها.
تشير أحدث بيانات هيئة الأمم المتحدة للمرأة إلى أن 9.2% من النساء والفتيات يعشن في فقر مدقع مقابل 8.6% من الرجال والفتيان، مع تفاقم الفجوة في الفئة العمرية 25-34 سنة حيث تكون النساء أكثر عرضة للفقر المدقع بنسبة 25%. كما توضح تقارير البنك الدولي أن فجوة الأجور بين الجنسين تبلغ 23% عالمياً، وتقفز إلى 47.9% في مناطق الجنوب مثل جنوب آسيا. هذه المعطيات تؤكد أن الفقر ليس محايداً من حيث الجنس، لكن الأرقام وحدها لا تكفي لفهم ما يجري، لأنها تصف الأعراض دون أن تحفر في الجذور.

حين يكون الاستغلال مزدوجاً
لا يمكن تفسير تأنيث الفقر بالاقتصار على الفجوة في الأجور، ويجب فهمه في إطار بنية اقتصادية أعمق تعيد إنتاج اللامساواة بين الجنسين بشكل ممنهج. فالرأسمالية لا تنتج التفاوت الطبقي فحسب، وتعيد أيضاً إنتاج التفاوت بين الجنسين من خلال تنظيم العمل وتقسيمه على نحو يخدم مصالح رأس المال قبل أي اعتبار آخر.
هذا ما رأته كلارا زيتكين بوضوح حين أكدت أن المرأة العاملة تتعرض لاستغلال مزدوج لا يمكن فهم أحدهما دون الآخر: تستغل كعاملة بأجر أقل من الرجل في سوق العمل، وتستغل داخل الأسرة من خلال العمل المنزلي غير المدفوع الذي يضمن إعادة إنتاج قوة العمل دون أن يكلف رأس المال شيئاً. وقد أعادت أنورادها غاندي التأكيد على هذا التحليل، مشيرة إلى أن هذا الاستغلال المزدوج يتخذ أشكالاً أكثر حدة في سياقات الجنوب العالمي، حيث تتشابك الطبقة والطائفة والنوع الاجتماعي في منظومة واحدة من الهيمنة.

في الثلاثين من مارس 2026، أقر الكنيست الإسرائيلي قانونا يفرض عقوبة الإعدام شنقا على الأسرى والمعتقلين الفلسطينيين الذين تدينهم المحاكم العسكرية في قضايا تنطوي على هجمات مميتة، مع تنفيذ الحكم في غضون تسعين يوما من صدور الإدانة. هذا ليس قانونا جزائيا، إنه أداة مقننة للتطهير العرقي تعمل في ظل منظومة أبارتهايد موثقة. والأبارتهايد هنا ليس توصيفا خطابيا أو مبالغة بلاغية، إنه مصطلح قانوني دقيق يعرف في القانون الدولي بوصفه نظام هيمنة مؤسسية ممنهجة لمجموعة قومية على أخرى، يقوم على التمييز في الحقوق والحركة والوجود القانوني. هذه المنظومة تحظى بغطاء سياسي أمريكي غير مسبوق. لفهم ما جرى، لا يمكننا البدء بالقانون وحده. يجب البدء بالبنية الكاملة التي أنتجته، والمنظومة الرأسمالية التي تحميه، والنفاق الغربي المنظم الذي يطيل عمره.
 لفهم ما جرى، لا يمكننا البدء بالقانون وحده. يجب البدء بالبنية الكاملة التي أنتجته، والمنظومة الرأسمالية التي تحميه، والنفاق الغربي المنظم الذي يطيل عمره.
 
1. عقوبة الإعدام، الحل الأرخص لدولة فاشلة
انطلاقا من موقفي المبدئي والإنساني، أرفض رفضا تاما وقاطعا عقوبة الإعدام. فالحق في الحياة حق متأصل، لا ينفصل عن إنسانية الشخص، ولا يحق لأي دولة، مهما ادعت من شرعية، أن تصادره. وهذا الرفض لا يتزعزع حين يصدر القانون عن دولة تقدم نفسها ديمقراطية، ولا يتزعزع حين يصدر عن دولة تمارس القمع القومي المقيت على مرأى من العالم وبمباركته الضمنية.
لا أحد يولد مجرما أو عنيفا. كل إنسان يولد في فطرة البراءة الكاملة. ثمة ظروف وأحوال بعينها هي التي تحول الإنسان إلى مجرم: الفقر، والبطالة، وغياب الحماية الاجتماعية، والاستبداد، إضافة إلى التمييز والقمع القومي والديني والطبقي. وعقوبة الإعدام توفر للحكومات الفاشلة ذريعة جاهزة للتهرب من مسؤوليتها الحقيقية في معالجة الجذور الكامنة للجريمة والعنف. أما في سياق التمييز القومي المقيت، فهي تذهب أبعد من ذلك: إنها أداة لتصفية المقاومة وتجريم الضحية وتحويل الشعب الخاضع للقمع إلى متهم أمام محاكم قامعيه ذاتهم، في مشهد يبلغ فيه انعدام العدل حده الأقصى.
إنها الحل الأسهل والأرخص تكلفة، في حين أن معالجة جذور الجريمة والعنف مكلفة وتستلزم عملا جادا وحقيقيا، لا تبدو السلطات الفاسدة والعاجزة مهتمة بأدائه. وحين تكون هذه السلطة قائمة على الظلم والتمييز القومي، يغدو السؤال عن جذور العنف سؤالا سياسيا بامتياز، إذ الجواب معروف مسبقا: جذر العنف هو القمع نفسه، والفقر الذي يصنعه، والتهجير الذي ينتجه، والإذلال اليومي الذي يغذيه.

في خطوة وُصفت بأنها من أخطر التحولات التشريعية في تاريخ إسرائيل، صادق الكنيست الإسرائيلي يوم 30 مارس 2026 على قانون غير مسبوق يقضي بفرض عقوبة الإعدام على الأسرى الفلسطينيين، بأغلبية 62 صوتًا مقابل 48 معارضًا، ما أثار موجة واسعة من الإدانات الحقوقية والدولية. القرار يضع حياة أكثر من 10 آلاف أسير فلسطيني في خطر مباشر، ويُعتبر تصعيدًا خطيرًا في سياسات الاحتلال ضد الفلسطينيين.
اقتراح القانون تم تقديمه من قبل عضو الكنيست ليمور سون هارميلخ، بدعم مباشر من وزير الأمن القومي إيتمار بن غفير. والمستفيد السياسي رئيس الحكومة بنيامين نتنياهو، الذي دعم القانون علنًا، في سياق أزمة داخلية ومحاولة لتصديرها عبر التصعيد ضد الفلسطينيين.
هذا القرار لا يمكن قراءته بمعزل عن السياق السياسي والأمني الذي يعيشه الكيان الإسرائيلي، حيث يتقاطع مع تصاعد نفوذ التيارات اليمينية المتطرفة، ومع محاولات الحكومة الإسرائيلية تصدير أزماتها الداخلية عبر تشديد القبضة على الفلسطينيين.
من الناحية الرقمية، نحن أمام واقع يضم أكثر من 10 آلاف أسير فلسطيني في السجون الإسرائيلية، بينهم نحو 1,300 معتقل إداري محتجزون دون محاكمة، وأكثر من 500 أسير يقضون أحكامًا طويلة أو مؤبدة. التصويت داخل الكنيست جاء بأغلبية 62 صوتًا مقابل 48 معارضًا، وهو ما يعكس انقسامًا داخليًا لكنه منح الشرعية القانونية لسياسة قد تُدخل المنطقة في مرحلة أكثر دموية.
القرار يطرح إشكاليات قانونية عميقة، إذ يُعتبر سابقة في تاريخ التشريع الإسرائيلي، حيث يتم توجيه عقوبة الإعدام بشكل حصري ضد فئة محددة، ما يثير اتهامات بالتمييز العنصري وانتهاك اتفاقيات جنيف التي تحظر الإعدام الجماعي أو العقوبات التمييزية. منظمات حقوقية دولية مثل العفو الدولية وهيومن رايتس ووتش حذرت من أن هذا القانون يمثل "إعدامًا خارج إطار العدالة"، ويقوض مبادئ المحاكمة العادلة.
على المستوى السياسي، يُقرأ القرار كأداة لتوحيد صفوف اليمين الإسرائيلي المتشدد، وتعزيز موقع الحكومة في ظل أزمات اقتصادية واجتماعية داخلية. أما على المستوى الإقليمي، فإن انعكاساته قد تكون خطيرة، إذ يهدد باندلاع موجة احتجاجات واسعة في الضفة الغربية وقطاع غزة، ويمنح حركات المقاومة مبررًا إضافيًا لتصعيد المواجهة.
إننا أمام لحظة مفصلية، حيث يتحول القانون إلى أداة للصراع، ويصبح الأسرى الفلسطينيون ـ الذين يمثلون شريحة واسعة من المجتمع ـ في قلب معركة سياسية وقانونية وأخلاقية، قد تحدد ملامح المرحلة المقبلة في الصراع الفلسطيني–الإسرائيلي.

تُعَدُّ النَّكبة الفِلَسْطينية التي وقعت عام 1948 واحدة من أكثر الأحداث تأثيرًا في التاريخ العربي المُعاصر، إذْ أدَّتْ إلى اقتلاع مئات الآلاف من الفلسطينيين من أرضهم ، وتدمير مئات القُرى ، وتحويل المُجتمع الفلسطيني إلى شعب مُشتَّت بين اللجوء والاحتلال .
وقدْ أصبحت النَّكبة مِحْوَرًا أساسيًّا في الدراسات التاريخية والسياسية ، وبرز عدد من الباحثين الذين حاولوا تفسيرها ، وتحليل أسبابها ونتائجها .
مِن أبرز هؤلاء الباحثين : المُؤرِّخ الفلسطيني وليد الخالدي ( 1925 _ 2026 ) ، والمُؤرِّخ الإسرائيلي إيلان بابيه ( وُلد 1954 )، حيث قدَّما تفسيرين مهمين ومتقاربين في بعض الجوانب ، ومُختلفين في جوانب أُخرى لطبيعة النَّكبة الفلسطينية وأسبابها .
يُعتبَر وليد الخالدي من أبرز المُؤرِّخين الفلسطينيين الذين دَرَسُوا النكبة دراسة مُوثَّقة تعتمد على الوثائق التاريخية والشهادات الميدانية والخرائط .
وهو يَرى أن النكبة لم تكن حادثة عشوائية أوْ نتيجة عرضية للحرب ، بل كانت نتيجة مشروع استعماري استيطاني مُنظَّم سعى إلى إقامة دَولة يهودية في فلسطين على حساب الشعب الفلسطيني .
في تفسيره للنكبة ، يؤكِّد الخالدي أن الحركة الصهيونية منذ نشأتها وضعتْ هدفًا واضحًا يتمثل في السيطرة على الأرض ، وإقامة كِيان سياسي خاص بها ، وهو ما تطلَّب تقليل الوجود العربي إلى الحد الأدنى المُمكن . وقدْ تجسَّد هذا التوجُّه في السياسات التي اتُّبِعت خلال الحرب عام 1948 ، والتي أدَّتْ إلى تهجير السكان الفلسطينيين ، وتدمير قُراهم .