قرَعْتُ الباب بهدوءِ الحَذِر، انتظرْتُ لثواني مَضَتْ بطيئةً كدَّهْرٍ، صوتٌ دَعَانِي للدخولِ، اعتقَدْتُ سبقَ سماعه، كان المدير جالساً على كرسيِّه الفَخْمِ ، يشاهد التلفاز ويعبث بجهاز التَّحكم، رافعاً قدميه فوق مكتبه، فعَادَتْ ذاكرتي خمْسَةَ عشرَ عاماً إلى الوراء.
جاء الطبيب المُقِيمُ الجديد، أنيس، خِرِّيجُ إحدى الجامعات الروسيَّة، أذناه كبيرتان بشكلٍ مُلفِتٍ، شفتاه غليظتان قليلاً،  بوجهه  بعض الشحوب مع طيبةٍ ظاهرةٍ.
مرَّتْ أسابيع قليلة على وصوله إلى المشفى الجامعيِّ، بدَتْ الحقيقةُ مؤلِمةً، فالطبيب الجديد رغم شهادته المُعترَفِ بها، ومُعَدَّلهِ المؤَهِلِ لاختيار اختصاصٍ كالأمراض الباطنة، إلَّا إنَّ معارفه الطبيَّة تعادل مستوى جدِّيَّ الفلاح بذات الموضوع.
أثار أنيس للأسف سُخريَّة الجميع، أساتذةً و زملاء، مع ذلك كان متماسكاً بشكل واضح، أبدى الجديَّة في العمل، وما تخلى يوماً عن مظهره الأنيقِ.
الحقائقُ القاسيَّةُ بدأتْ بالظهورِ، فوالده التَّاجر مُفْرِطُ الغِنَى أبى على ابنه إلَّا أنْ يدرس الطبَّ في روسيا رغم أنَّ شهادته الثانويَّة أدبيَّة.

 1.
      رذاذ رُضابي يلف بيوتا داكنة ، مشرئبة بأفاريزَ مغلفة بالقماش ، تثقلها الحجارة . في المكان ضريحٌ ومقبرةٌ و مُغُرٌ بحرية مهجورة. صيَّادون ، كلما اشتد هدير الامواج ، ينبعثون من هنا وهناك ، وحتى من سديم الضباب الكثيف . يحملون متاع صيدهم  وقفافهم ، ويغيرون الامكنة ، صاعدين صخورا ضخمة ؛ تعلو هاماتها المياه الزرقاء .
     بنت ، بشعرها الكستنائي المنسدل على طرف الظهر ، تعبث بالرمل المبلل على الشاطئ ؛ ترسم دوائرَ تضيق بإصبعها الحليبي الجميل . وتحاصر سلطعونا و قَفَّازا رمليّا ، تضع لهما حواجزَ من الرمل المبلل ، و تصيح :
ـ   لا مَنَاصَ لكما ...
ـ  لا مَنَاصَ لكما ، الآن ...
لما فرغت من مغازلة كائنيها ؛ تذوب الرمال ، وتعود الغنيمة حرة طليقة . تتبعها ؛ فتحيطها بقدمها الغضِّ في دورات غُنْجِية ، كراقصة البالي على الكعب الذهبي .

عدتُ إلى النهر، جلست عند ضفته وفتحت الكتاب لأقرأ ما تيسّر منه.
رميته جانبا -الكتاب- بعد بضع دقائق من مباشرتي له.. لم أعلم ما دفعني إلى ذلك؟ ربما لأني كنت مالّا..! على صفحة الماء طفت صورتكِ التي ارتسمت ذات صيف قائظ في ذاكرتي..
لا أدري هل كنتِ تبتسمين حين كنت أتأمَّل وجهكِ!؟ أم كنتِ زامّةً شفتيكِ فحرك الماءَ نسيمٌ رسم تلك الابتسامة التي تراءت لي!؟
عندما أتذكر تلك اللحظة ألعن السماءَ التي لم تجد وقتا أنسب لها، وأسوء لي، من تلك اللحظة التي كنت فيها أهُمُّ باحتضان صورتك..! أو ربما إن السماء كانت تعلم أنكِ ستحتضينني إلى الأبد..! فأشفقت علي..؟
أدخلت يدي في جيبي سروالي الأسود الأماميين، قذفت بقدمي اليمني زهرة، كانت هي الوحيدةُ هناك.. بعد بضع خطوات، بدا وكأني أسمع نحيبا.. التفت خلفي، فكان النحيب نحيبَ الزهرة الصفراء.. انتابني شعور بالذنب.. من عينيَّ تسربت عبرات رغما عني.. أدركت خلالها أنيَ هش كورق الشجر اليابسِ.. تقدمتُ نحوها وحملتها بلطف شديد..

" إنك تتحسس طريق الذين عبروا قبلك. يالك من أحمق أيها الشقي، كم يلزمك من حيوات لمعرفة الطريق؟"      
   كاتب سها البال عن ذكر اسمه.
حين توقع مارشينا أنه منذور لشيء عظيم، رفع بصره إلى السماء ليتلمس وجهة الغروب، فهذا النذر يرتبط في ذهنه أو قواه النفسية بالأشعة الوردية على الساحل الباسكي ببياريتز. كانت الأشعة قد مرت على معصمه، منزلقة على ساعته المتوقفة عند الساعة السابعة. كان بإمكان هذا النذر أن يكون سباقا، ويلقي بثقله عنوة وسط النهار. لكنها مسألة مبنية على مشاورات حسية، تسعفها عوامل خارجية كذلك؛ كيوم خال من الغيوم، وشمس لذيذة الملمس تخترق العصب الحركي، وجلال الصمت المنغمر بين ثنايا الموج حين يصدح، ويرجرج كسوة مده إلى شريط الرمل، أو نباح كلب السيد باستيان المتواصل، المؤشر على ميعاد خروجه بغية إلقاء حاجاته الطبيعية، وجريه ودورانه على نفسه، متوهما أنه يشاكس كلبا آخر بحركة من طقمه بتهديد لطيف. وحتى يقف عند القصد الذي لا يخذله، فقد أحس أنه لا يملك القدرة على تحمل جسده، إن لم تقل: إن ثمة خلطا في فهم الإحساس بين النذر والصدف الغامضة والحلم الصاحي، بعبارة أدق؛ إنها مرحلة تخطي القنوط والرتابة وديمومة الشعور إلى ذلك الحشد المنسجم مع الحواس كنوبة موسيقى أو مخدر يدب دبيبه إلى مراكز السعادة و موطن الأسرار عقب انتعاشة يرشح  معها عرق بارد، تتدحرج حبيباته على ظهره حد المفرق.

- كان ذلك قبل عشرين عاما، عندما كانت تأتي لباب الموتى، يتأهب الناس لصلاة الجنازة.
استعاد أنفاسه و زفر متأوها، فتحرك ضوء الشمعدان و تحركت معه ظلال الحاضرين. بلل الطبيب منديل القطن في طست الماء، ثم وضعه على جبهة الوزير، تمتم بصوت مترهل، لا تجهد نفسك يا سيدي، حاول أن تنام قليلا. كالأصم، تجاهل صوت الطبيب و تطلع في خادمه الواقف عند رأسه مبتسما،
- هل تتذكرها، لقد كانت كثيرة الوقوف بأبواب الجامع الكبير، جلبابها الأخضر و لثامها الأبيض، لا تغيرهما و لا يتسخان. لطالما وجدتها تحدق في بيتي العامر بمكناسة، وأنفت أن أكلم مجذوبة و أنا  الوجيه ابن عثمان. صمت للحظة كمن يريد أن يوفر ما تبقى له من الكلمات. بإشارة من سبابته،  طلب من طبيبه أن يزيح الغطاء عن صدره. بدت الدمامل على ضوء الشموع متقرحة و بشعة، و بدا الألم مشوبا بالحيرة على ملامح الخادم الحزين، و هو يرى رفيقه ينازع سكرات الموت. كيف تصيب العدوى وزير السلطان و تترك خادمه، صاحبه الذي لا يفارقه. تبدد السكون البارد الكئيب، على بحة سعال قبيح، أفلته المكناسي، كأنه يخرج من بين الأشواك، أما حكايته، فلا تصدر إلا عن شجن، في سلاسة و عذوبة.

إلهي أتعبد في محراب حبك كل يوم
أنحني لقدسية جمالك و أراك في كل زهرة و كل نملة
ملأت روحي حتى فاضت بمياه العشق و سكنت كل حجرة في قلبي و كل شريان
أيقظت مياه إحساسي الراكدة و أذبت جليد الكبر و اللامبالاة
رويت قلبي بحبك بعد أن تشقق من فرط العطش حتى بت لا أشتهي بعدك شرابا
حبك أخرجني من العدم و أنقذني من التوهان
حبك أسكن أمواج أفكاري المتلاطمة و أغناني عن الدنيا فأصبحت لا أرى إلاك و لا يزاحم حبك في قلبي أحد
تحايلت الدنيا علي بزخرفها فدفعتها و صددتها صدا
مذ عرفتك ألجمت وحوشي و جمعت أجزائي و مدي و جزري في كأس حبك

كيف لي أن أقول لنفسي إنه حقا مات , كيف لي أن أصدق ذلك , لا أستطيع بتاتا, و لا أظن أن هناك من يستطيع أن يصدق ذلك خلال لحظات, فهذا لا يمكن, و أن يصلك هذا الخبر اللعين فهو أمر سيء حقا , بل أن يصلك عن طريق الهاتف و أنت بعيد كل البعد فهذا هو الأسوأ, لم أستطع أن أعرف حينها يدي من رجلي, أحقا وقع ما أخبرني به أخي على الهاتف حقا؟ أحقا ؟ أخذت في تكرارها مئات المرات, لم أستطع أن أتنفس حتى فما بالك أن أفكر في الأمر, بعد كل ما مر, و بعد كل ما جمعنا نحن الاثنين, سنوات و سنوات عشنا خلالها الحلو و المر, قاومنا مصاعب الحياة معا, و وصلنا في النهاية إلى كل ما نتمناه, و فجأة يتحطم كل شيء بهذه السهولة, و يصبح كل شيء رمادا, كل ما بنيناه أنا و هو أصبح من الماضي, أصبح من الخيال, هل يمكنني أن أتخيله ؟

بالقرب من إحدى المدن الصغيرة المعروفة بحماماتها الاستشفائية، عند أسفل التلة، كان هناك كوخان متجاوران يكسوهما القش. بالأرض العقيمة كان الرجلان القرويان يعملان بجهد كبير ليعيلا جميع صغارهما. بكل منزل أربعة أطفال. أمام البابين المتجاورين يلعب الصغار مجتمعين منذ الصباح حتى المساء.  الولدان البكران كانا في سن السادسة وكان عمر الصغيرين يناهز الخمسة عشر شهرا. في كلا المنزلين، الأعراس والولادات تمت في آن واحد تقريبا.
بالكاد تميز الأُمان نتاجهما وهم مجتمعون. أما الأبوان فيخلطان بينهم تماما. ترقص الأسماء الثمانية  داخل رأسيهما. تتداخل على الدوام. وعندما يضطران إلى المناداة على أحدهم، غالبا ما يردد الرجلان بأعلى صوتيهما ثلاثة أسماء قبل الوصول إلى الاسم الحقيقي.
يقطن آل توفاش أول المسكنين وأنت عائد من محطة مياه رول بور. كان لهذه العائلة ثلاث فتيات وصبي واحد. أما ثاني المسكنين المتهالكين فكان يأوي آل فلان.عائلة لها فتاة وثلاثة صبية.

مفضلات الشهر من القصص القصيرة