مقدمة عامة :
شغلت الحداثة و لا تزال مساحات واسعة في خطابات الفكر العربي المعاصر ، فأعطيت دلالات و معاني للمفهوم يصل التداخل و التناقض بينهما إلى الحد الذي يجعل كل فهم معرفي لها ملغيا المفهوم الآخر ، نظرا إلى جملة من العوامل و الأسباب التي أسهمت في بلورة وعي العقل العربي بهذا المفهوم كغلبة المنزع النضالي و الاصطفاف الايديولوجي على التفهم المعرفي و الفلسفي للحداثة بوصفها مفهوما تشكل في سياقات تاريخية مرتبطة بالمجتمعات الغربية ، الأمر الذي أدخل العقل العربي في نوع من السجال السلبي و الذي لم يفض إلى فهم معرفي للحداثة العربية و منجزاتها السياسية و الاقتصادية و الثقافية و العلمية و قد سعى العقل العربي بشتى الوسائل المعرفية و الادوات المنهجية إلى التعرف على العقل الغربي و تفكيك مقولاته ، و السعي لهضمها و استيعابها و تجاوزها ، و هذا كله من أجل الولوج إلى الأزمنة الحداثية على شاكلة المجتمعات الغربية ، فالوعي بالحداثة الغربية في الفكر العربي تقلب في أطوار ثلاثة ؛ انتقل فيها الوعي بها من نمط الصدر الكلي للحداثة لعدم تطابقها مع النموذج المثالي التاريخي ، إلى نمط الاستيعاب الاسقاطي للحداثة على الواقع العربي ، وصولا إلى نمط الوعي النقدي بالحداثة الغربية .
نشطر الوعي بالحداثة إلى تيارين فكريين ؛ أحدهما دعا إلى الأخذ بالشروط التاريخية و المقدمات الفلسفية التي قامت عليها الحداثة الغربية لولوج المجتمعات العربية إلى الأزمنة الحداثية ، و تيار فكري آخر فصل بين روح الحداثة و تطبيقاتها بوصفها تجربة تاريخية في المجتمعات الغربية ، و دعا إلى طرح بديل منها نظرا إلى استحالة استنساخ التجارب الحداثية ، مع إمكان الافادة منها في عملية ولوج المجتمعات العربية إلى أزمنة حداثية مخصوصة ، و في هذا المنطلق انخرط الفكر العربي المعاصر في مساءلة نقدية للحداثة الغربية ، و نتلمس ذلك في عدد من النصوص الفكرية و في خضم الحديث عن قضية الحداثة تبرز النصوص الفكرية للمؤلفين : عبد الله العروي و طه عبد الرحمان ، و مبرراتنا المعرفية في اختيارهما أن نصوصهما تنتمي إلى نمط من الوعي النقدي بمفهوم الحداثة ، و تكشف عن وعي منهجي نقدي بالآليات و الشروط التي انبثقت منها الحداثة الغربية ، و تنم عن تبلور وعي انتقل من نمط الصدر و الانبهار بالحداثة إلى نمط من الوعي الذاتي و النقدي بها ، و السمة البارزة لهذا الوعي النقدي تحوله من وعي تجزيئي بظاهريات الحداثة إلى نمط من الوعي التركيبي بها و انطلاقا من هذا التأسيس الإشكالي للموضوع نسعى للإجابة عن التساؤلات الآتية : ما أنماط الوعي بالحداثة الغربية في الفكر العربي المعاصر ؟ و ما الانتقادات التي وجهها طه عبد الرحمان إلى الوعي بمفهوم الحداثة الغربية في الفكر العربي المعاصر ؟ و ما طبيعة الوعي البديل الذي اقترحه لاستيعاب الحداثة الغربية و كل منجزاتها الفلسفية و العلمية ؟