"المعجزة هي انتهاك لقوانين الطبيعة" — ديفيد هيوم
من الفهم البدئي، تُعرَّف المعجزات الدينية بأنها انتهاكٌ لقوانين الطبيعة الفيزيائية. ويمكن القول إن المعجزات ليست خواصًا إلهية يحتاجها الرب لإثبات الإيمان به، بل هي خواص للأنبياء تتمثل في تبنّيهم خوارق فيزيائية مؤقتة لكسب تأييد الناس وإيمانهم بهم وبما يحملونه من رسالات، مَكَّنهم الخالق من امتلاكها وحدهم دون غيرهم من البشر، بوصفهم مرسلين من الرب بمعجزات خصّهم بها لتأكيد صدقية الإيمان الديني بهم في نقلهم رسالة الخالق إلى عامة الناس.والتساؤل الذي يفترض أن يأتي تابعًا لتعريف المعجزة—الذي عبّر عنه ديفيد هيوم والعديد من الفلاسفة بوصفها خرقًا لقوانين الطبيعة—هو أنهم لم يحسموا مصدر هذه القوانين الثابتة في الطبيعة: من يمتلكها حقيقة؟ ومن أين جاءت القوانين الطبيعية الثابتة التي تحكم الطبيعة نفسها بها من غير إدراكٍ منها، ولا تحكم الإنسان وكل المخلوقات والكائنات التابعة للطبيعة في إدامة بقائها؟ وما علاقة المعجزة الدينية بأن يكون تعريفها الدقيق خرقًا قصديًا للقوانين الفيزيائية العامة التي تحكم الطبيعة والإنسان؟ فالمعجزة، بهذا المعنى، خرقٌ قصدي لقوانين الطبيعة التي لا تدرك قصديتها ولا تعي أهميتها في تنظيم حياة الإنسان.
إجابة هذا التساؤل تقتضي التفريق بين الإيمان الديني وعدم الإيمان الديني، الذي يقوم مرتكزه على الإيمان بالمعجزات أو رفضها. ولكلٍّ من الفريقين حججه التي تناقض حجج الآخر، لكنهما يبقيان—بوصفهما قطبين متضادين متناحرين—في سجالٍ ساحته المركزية تخطئةُ أحدهما للآخر، لا تقديم الإجابة الشافية عن موضوع الاختلاف حول المعجزة الدينية وترابطها الوثيق بقوانين الطبيعة الثابتة، وكيفية البرهان العقلي على ذلك.
هذا الإشكال طرحه بيرتراند رسل بقوله إن قوانين الطبيعة اصطلاحات إنسانية متواضع عليها عبر العصور الطويلة، وأصبحت بمرور الزمان قوانين ثابتة طبيعية. غير أن الاعتراض الوجيه على هذا الطرح هو: لو كانت قوانين الطبيعة من صنع إنساني، لتوجب بالضرورة—بحكم السببية—أن تكون قوانين غير ثابتة ومتطورة، يترتب عليه أن تكون الطبيعة في قوانينها في حالة من السيرورة الدائمة التي لا تحدها حدود قوانين ثابتة لا يمكن للإنسان تجاوزها بالتبديل أو التغيير. وعدم ثبات قوانين الطبيعة—بوصفها ابتكارًا إنسانيًا—يلحق به بالضرورة أن المعجزات ليست خوارق لقوانين طبيعية هي من صنع الخالق لا من ابتكار الإنسان.
فخرق الإنسان لقوانين طبيعية ثابتة—إذا كان مصدر ابتداعها إنسانيًا—يقتضي تاريخيًا أن تكون مطواعة مستجيبة لرغبة الإنسان الذي وضعها، وأن يقوم بعملية تغييرها عبر العصور. لكن عجز الإنسان عن خرق قوانين الطبيعة الثابتة جعل خرقها مقتصرًا على مقدرة الصفوة المختارة من الأنبياء، الذين قاموا بها استثنائيًا، في خرقهم تلك القوانين بما أُطلق عليه «المعجزات»، متمثلةً في عجز غيرهم عن مجاراتهم بصنيعهم. وبذلك خرجت المعجزات عن أن تكون من اختراع الإنسان في محاولته السيطرة على الطبيعة. وكذلك لم تكن المعجزات تراكمًا من الفعاليات الفريدة التي ينتج عنها بالضرورة تطور متغير لا يتسم بالثبات كقوانين تحكم الطبيعة والإنسان، وليس بمقدور الإنسان أكثر من التكيّف مع تلك القوانين الثابتة لإدامة حياته ومنعها من الانقراض.
وبذا انحسر موضوع القوانين الطبيعية بين قطبين: قطبٌ يرى عائدية تلك القوانين إلى ذاتها استقلالًا عن صانعٍ أودعها بها من جهة، وقطبٌ مضاد يرى أن قوانين الطبيعة جزءٌ لا يمكن انفكاكه عن الطبيعة بما هي معطى موجود هكذا منذ آلاف العصور وبداية الخليقة إلى يومنا هذا، وليس بمستطاع الإنسان التلاعب بقوانين الطبيعة الثابتة خارج سلطةٍ لا تتجاوز البناء عليها والاستفادة منها. وبقيت تلك القوانين ثابتة في ملازمة الطبيعة كماهيةٍ جوهرية وصفاتٍ لها، أخذت سمة الثبات الذي لا يتغير. ومحاولة التفكير بخرق واحدة من تلك القوانين مرهونة بعمل نبيٍّ مختار مزودٍ بقدرة إلهية فوق قدرات البشر على القيام بها أو فهمها تفسيرًا عقليًا.
المعجزة بين قدرة الخالق والمخلوق
المعجزات الدينية أمرٌ مشكوك أن يقوم بها إنسانٌ نبيٌّ بخرق قوانين طبيعية هي من صنع إنسان سابق عليه في زمانه التاريخي. كما أن المعجزات—في هذا التصور—لا تمتُّ إلى الإلهي الخالق بصفة خلقها، لأنها اصطلاحات إنسانية متواضع عليها دينيًا ومختلفة في تفسيرها علميًا وعقليًا.
والخروج على قوانين مصنوعة إنسانيًا لا يُعدّ معجزة؛ فالقانون الوضعي من صنع الإنسان، ومن السهل خرقه، ولا يُعد ذلك معجزة. ومما يزيد الإشكالية تعقيدًا: هل كان العقل الإنساني الذي وضع قوانين الطبيعة بهذا الإتقان «الإعجازي» المذهل الذي نعيشه في أكثر من مجال بالحياة وعلاقة الإنسان بالطبيعة أكثر تقدمًا وتطورًا من عقل الإنسان (الأنبياء) الذين تعاقبوا على خرق تلك القوانين عبر العصور؟ وما يزال العديد من تلك القوانين يستعصي على الإدراك العقلي الديني والعلمي تفسيرُه، كما يستعصي خرقُ المعجزات لتلك القوانين بسبب محدودية العقل الإدراكي للإنسان عن التصديق بها طبيعيًا، فضلًا عن تعذر البرهنة عليها تجريبيًا وفق المنهج العلمي.
ولو كانت قوانين الطبيعة—مثل قانون الجاذبية، ومثل قانون الإدراك في تعالق المكان إدراكيًا بالزمان، وقوانين حركات الكواكب وغير ذلك—من صنع الإنسان، لكانت معظم تلك القوانين قد استهلكت نفسها وفقدت تأثيرها على التحكم بالطبيعة ذاتها والإنسان معًا تبعًا لتطور التفكير العلمي عند الإنسان في تغيير الكثير مما تمتلكه الطبيعة باستقلالية منفردة عن الإنسان. فقانون الطبيعة ثابت لا يتغير، وجد هكذا منذ بدء الخليقة إلى يومنا هذا، وفي المستقبل أيضًا.
ومن المفيد تثبيت رأي هيغل في هذا المجال، إذ يقول إن حركة النظام الشمسي تجري طبقًا لقوانين ثابتة، وهذه القوانين هي «عقله»—ويقصد عقل النظام الشمسي الذي هو عقل الإنسان ولا فرق بينهما—لكن لا الشمس ولا الكواكب الأخرى التي تدور حولها لديها أي وعي ذاتي بتلك القوانين التي تحكمها. (نقلًا عن حاتم حميد محسن، عن هيغل: العقل في التاريخ).
وهذا ينسجم مع ما سبق ذكره: الطبيعة محكومة بقوانين ثابتة لا تعيها الطبيعة ولا تعي نفسها. فالطبيعة بهذا تكون مخلوقة غير خالقة لنفسها ولا لقوانينها؛ لأن ما لا يعي ذاته لا يكون خالقًا لذاته، بل يكون موضوعًا لإدراك غيره من ذوات مدركة له ومدركة لذاتها—وهي هنا الإنسان. كما أن تعبير امتلاك قوانين النظام الشمسي «عقلًا» تعبير مجازي؛ فقوانين النظام الشمسي تمتلك نظامًا حركيًا ثابتًا، ولا تمتلك عقلًا مفكرًا يعي ذاته وينظم موجوداته التابعة له بمعزل عن عقل الإنسان.
أما احتمال نظرية أن تكون الطبيعة وجدت هكذا بقوانين تحكمها ولا تدركها الطبيعة نفسها، فإنه يثير علامة استفهام تقود إلى فرضية أن الطبيعة بمجملها—من قوانين وموجودات—محكومة بقدرة خالق إعجازية لا يدركها العقل الإنساني. وهذا باب يدخلنا إلى مناقشة الموضوع بأكثر من الاكتفاء بطرحه على شكل تساؤلات بلا حلول ناجعة يقبل العقل الإنساني التسليم بها في عصرنا اليوم؛ إذ لم يعد التعامل مع المعجزات كما كان في الأزمنة التاريخية الماضية، بل أصبحنا أمام عقل يشكك بكل شيء، ولا يقوم على التصديق اليقيني بمعزل عن امتلاك براهين إثبات معقوليتها تجريبيًا وعلميًا.
هيوم وقوانين الطبيعة
يشرح هيوم عدم إيمانه بالمعجزات الإلهية بقوله إنه ليست هناك عنايةٌ خاصةٌ إلهية تعطل قوانين الطبيعة من أجل إرضاء أشخاص معينين. ويحاول التفريق بين الإرادة الإلهية الخارقة لقوانين الطبيعة على أنها ترجمة انعكاسية ثانية لما ترغب الإرادة البشرية في تحقيقه بواسطة قوانين سيكولوجية يمكن ملاحظتها ووصفها. كما يربط هيوم بين حتمية إرادة الإنسان المقترنة بالمسؤولية الأخلاقية. (1)
هنا يسحب هيوم بساط الانفراد الإعجازي من الأنبياء في نسبته المعجزات إلى طائفة مختارة مقربة من الرب؛ هم الأنبياء المختارون الذين يستودعهم الخالق قدرات خارقة لا يتقبلها العقل الإنساني الطبيعي العادي، وتعجز البشرية عن فهمها وفق التناسق الطبيعي العام لقوانين طبيعية تحكم الحياة، وفي الوقت نفسه يُجبر الإنسان العادي على التسليم بالإيمان الديني بأن وراء هذه المعجزات الله لا غيره، وأن القائمين بها أنبياء مختارون منه.
قوانين الطبيعة الثابتة لم توجد تلبية لرغائب الإنسان، كما أن خرقها وانتهاكها ليس من صلاحية الإنسان ولا من مقدرته العبث بها. كذلك لا تكون تلك القوانين مخلوقة لتنظيم حياة الإنسان قبل أن تنظّم قوانين الطبيعة الثابتة ذاتها كما هي موجودة معطًى في الطبيعة. فالطبيعة لم توجد بهذه الكيفية تلبيةً لتأمين حياة الإنسان والكائنات الحية الأخرى. والذي لا يعقل ذاته وجودًا لا يمكنه أن يعقل غيره في علاقة سببية معه.
وإذا أجزنا منح قدرتنا الإيمانية بالمعجزات خاصيةً نبوية وقتية زائلة لا يحتاجها الخالق لتثبيت الإيمان الديني عند البشر بألوهيته، تكون المعجزة خرقًا لقوانين الطبيعة التي وضعها الخالق في الطبيعة من قبل أنبيائه برغبة ذاتية تتملكهم تحقيق الإيمان الديني الجمعي الذي لا تجدي معه الوصايا الأخلاقية ولا المواعظ نفعًا—وهذا محال. فمعنى ذلك الإقرار بوحدة المصدر: قوانين الطبيعة والمعجزات مقولتان ناتجتان عن قدرة إلهية واحدة، وهي وسيلة الخالق في تكليف الأنبياء القيام بها برغبته لا برغبة أنبياء يريدون زرع الإيمان الديني لتثبيت الإيمان بهم لا الإيمان بالخالق الغني عن تحصيل الإيمان بالمعجزات.
وتوجد بديهة تقول إن المعجزة خرق لقوانين الطبيعة بالتفسير العلمي الفيزيائي، بينما الإيمان عابر للمعجزات بطابعها الفيزيائي، لأنه «قلبي» قبل أن يكون عقليًا.
والمقولة الثانية المناقضة التي يتبناها الملاحدة تقول إن قوانين الطبيعة المخترقة بالمعجزات تلتقيان في مصدر واحد هو الإنسان الذي ابتدعها ويروم خرقها لأسباب تتعلق بتثبيت القناعة الدينية على الأرض، في تبرير محصلة ذلك بخلود الإنسان في الانبعاث الميتافيزيقي السماوي ثوابًا لإيمانه الديني الأرضي بالمعجزات.
ثم إن إرادة الإنسان العادي المقترنة بالمسؤولية الأخلاقية تجاه إيمانه الديني بالمعجزات ليست هي ذاتها المسؤولية الأخلاقية لدى الأنبياء في إتيانهم المعجزات على أساس من تداخل إعجازي إلهي، يتقاطع مع نقيضه: عدم قدرة الإنسان العادي، بأي شكل من الأشكال، على أن يصنع معجزاته بإرادته ومسؤوليته الأخلاقية. ومن ثم نصل إلى محصلة: لا قيمة لمعجزة يستطيع تكرارها العديد من الناس، وليست حكرًا على الصفوة المختارة من الأنبياء بإرادة ومشيئة الرب.
وبوجيز التعبير: هل المعجزة خاصية إلهية يحتاجها الخالق لتدعيم إيمان الناس به، أم هي خاصية إلهية وضعها في أناس اختارهم صفوة للتبشير بما يرغبه الخالق من إيمان بوجوده المطلق، الذي يرى في البشر أنهم خلقوا لتلبية الإيمان به، والمعبر عنه بوصايا أخلاقية وأشكال من صلوات وطقوس عبادية يتقدمهم الأنبياء في الإيمان بها وممارستها، بما يفعّل الضمير الأخلاقي بوصفه إيمانًا بكل ما هو خير وترك كل ما هو شر يقود لمعصية الخالق بما أمر بالنهي عنه على لسان أنبيائه وكتبه المقدسة؟
الشيء الواجب مناقشته: هل رغبة الخالق كسرُ قوانين الطبيعة الثابتة التي على وفقها منح الخالق الطبيعة إعجازها المنظَّم كمصدر بقاء حياة الإنسان؟ إن الخلل المصنوع من قبل الإنسان لنظام تلك القوانين يترتب عليه أن الإنسان يعدم ضرورات بقائه على الأرض التي تؤمنها له قوانين الطبيعة الثابتة الإعجازية بما تحتويه من علاقات تجمع الإنسان مع الحيوان مع النبات مع الجماد ضمن قوانين صادرة عن مصدر إلهي واحد استودعها في نظام الطبيعة. فلا نجد هنا مبررًا كافيًا أن يكسر الأنبياء—بإعجاز يمتلكونه بسلطة الرب أو غيرها—تلك القوانين الطبيعية التي تناسب مدارك الإنسان. فهي موضوعة من خالق يريد جعل الطبيعة بقوانينها في خدمة حياة الإنسان لا تدميرها. فكيف يجوز للأنبياء، الصفوة الإيمانية المختارة من الخالق، امتلاكهم قدرة كسر قوانين طبيعية تعتبر مقدسة بخالقها الذي استودعها الطبيعة؟ وكيف يستقيم أن يكسر الخالق تلك القوانين من أجل تأييد أنبيائه بمعجزات هي خوارق لقوانين طبيعية وضعها هو، مع ما عبّر عنه هيوم من أنه لا توجد ضرورة ملزمة لإرضاء نخبة من البشر بتزويدهم بمعجزات ليست من ابتكار الإنسان؟
هنا يجب التفريق: لا أولوية لضمان صالح الأنبياء في توسّلهم القيام بمعجزات تنسب إليهم في نشر الإيمان الديني، لكن تبقى المعجزات ليست خاصية بهم؛ فالأنبياء—خارج احتكارهم المعجزات بعد الرب—بشر متساوون بكل شيء مع البشر الآخرين. وهم يعبّرون عن هذه الحقيقة بأنفسهم على الملأ الذي يدعونه إلى الإيمان، لكنهم يعتمدون المعجزات خارقةً لقوانين الطبيعة لا الوصايا الأخلاقية الوعظية المجردة عن دعاماتها التصديقية.
الخروج الوحيد من مأزق أن معجزات تكسير الأنبياء لنظام قوانين الطبيعة هو القول إن المعجزات خروقات وقتية زائلة زمانيًا لقوانين الطبيعة الثابتة دائمًا، وهي وليدة عصرها التاريخي. وهذا لا يلزم عنه تبديل لثوابت الطبيعة التي لا تتغير قوانينها بمرور العصور والأزمان وتبدلات تاريخ وجود الإنسان على الأرض. بمعنى أن ثبات قوانين الطبيعة يلغي بقاء المعجزات عبر كل الأزمنة والعصور كوسيلة لتدعيم الإيمان الديني المتأرجح عند البشر اليوم. لذا كان أقصر الطرق لهروب اللاهوت الديني من مواجهة اضمحلال المعجزات بوصفها وسيلة إقناعية خارقة في ترسيخ الإيمان الديني—بعد انتهاء صلاحية الإقناع بها—هو القول إن عصر المعجزات وظهور الأنبياء توقف من حياة الناس إلى إشعار آخر، في انتظار ظهور أنبياء جدد موعودين يملأون الأرض عدلًا وسعادة.
المعجزة الدينية بين إرادة الخالق ورغبة الأنبياء
وهنا يبرز تساؤل مشروع: هل المعجزة عمل أنبياء بشر تُنسب إليهم، أم هي تحقيق رغبة الخالق بتوسيل الأنبياء القيام بها وتُنسب لقدرتهم العابرة؟ وهنا نرجّح كفة أن المعجزات وحيٌ إلهي يقوم به الأنبياء لتثبيت نبوتهم وكسب قناعة الناس بالإيمان، لكنهم لا يمتلكون خاصية المعجزات بوصفها صفة دائمة؛ إذ هي خاصية الخالق وحده. فالمعجزة الدينية التي يقوم بها نبي لا تتكرر مرتين بالوتيرة الإيمانية نفسها. والمعجزات—في كل الأحوال—لا يحتاجها الخالق بقدر حاجة الأنبياء إليها لتثبيت دعاواهم ببراهين وقتية يصدقها الناس، وبذلك لا يكون الأنبياء يمتلكون خاصية إعجازية تنسب إليهم لا يمكن أن يمتلكها غيرهم، بدليل أن تقديرات عدد الأنبياء المرسلين لهداية الناس على الأرض تجاوزت الألفين، فضلًا عن الذين وردت أسماؤهم في لاهوت الأديان وربما آلاف غيرهم. وبهذا الدليل تصبح مقولة هيوم إن الإنسان خلع على الطبيعة قوانينها الثابتة المكتشفة منه باطلة تفتقد برهانها. والسبب الآخر الأهم أن وجود الطبيعة بقوانينها سابق على وجود الإنسان، وأن إدراك الإنسان لقوانين الطبيعة وعلاقته بها يدحض مقولة هيوم ورسل أن المعجزات ابتداع عقلي إنساني لا دخل لخالق به.
وفي كلا الاحتمالين—سواء كانت المعجزة من مصدر إلهي، أو خاصية وقتية لدى الأنبياء في عصر تاريخي زائل—فإن المعجزة لا تتكرر دائمًا، بما يفقدها مع مرور الزمن إعجازيتها الاستثنائية في عالمٍ يتحدى فيه اليوم أيُّ إنسان يدعي النبوة القيام بمعجزة يصدقها الناس. وعليه لا يوجد موجب أن تتساوى إعجازات الأنبياء الخارقة لقوانين ثابتة وضعها الله بالطبيعة مع تلبية إرادة إنسانية في كسر تلك القوانين لتأكيد صحة نبوة الأنبياء بوصفهم صفوة مرسلين لهداية الناس.
ثم هل المعجزات لتلبية سد نقص موجود في قوانين الطبيعة، فتحتاج التأييد الإلهي للخروج عليها بالمعجزة الوقتية ثم التراجع عنها بعد كسب يقين الناس بنبوة من يقوم بها، دون التدخل في ثبات قوانين الطبيعة؟ أم هل المعجزات إضافة لقوانين الطبيعة الثابتة توازيها بالتداخل معها أو بالاستقلالية عنها؟ لا شيء تحققه المعجزة من هذه الأسئلة في علاقة التوازي الإعجازي مع قوانين الطبيعة التي لا تدرك نفسها بل يدركها العقل الإنساني، وتداخل الإنسان بها إنما هو لتحقيق بقائه الأرضي.
المعجزة وقوانين الطبيعة
هل المعجزة في كسرها قوانين الطبيعة لصالح حياة الإنسان على الأرض في تعديلها أو سد نقص غير موجود فيها؟ أم هي وسيلة يمتلكها الأنبياء مؤقتًا لإثبات أنهم مرسلون قادرون على القيام بمعجزات مؤيدة من الرب لا يستطيعها غيرهم؟ وهنا تكون المعجزة لخدمة الأنبياء لا لخدمة الرب المستغني عنها سواء تحققت أم لم تتحقق.
المعجزة ليست خاصية إلهية بمعنى أن الخالق يحتاج معجزات لتكوين قناعة التسليم الإيماني به. وفي حال صدورها اليقيني عن الخالق، فهو يودعها في قلوب الأنبياء لكسب برهان الإيمان بهم بوصفهم مرسلين. لكن فهم المعجزة المقترنة بالنبي يجعلها في نظر العقل العادي قدرةً متعالية يمارسها الأنبياء على القوانين الطبيعية التي تحكم الإنسان وحياته على الأرض.
وميزة الشك بالمعجزة—سواء كانت من صنع إنساني أو من مصدر إلهي—أن المعجزات «زمانية» يحكمها تاريخ الإنسان؛ فقد توالت عليها عصور طويلة من تقدم مسيرة الإنسان الأرضية. والأقوام التي صدقتها في عصور غابرة ليست هي الأقوام التي تتعامل اليوم بالعقل العلمي، ما يجعل المعجزات حاجة لا يحتاجها الإنسان المعاصر حتى لو كان الغرض منها استعادة الإيمان الديني المتأرجح في فضاءات العلم. فالإيمان الديني اليوم—عند كثيرين—لا يحتاج معجزات أنبياء ليتيقن، لأنه يقوم على تنظيم حياة الأرض بقيم الأخلاق والسلوك التي تعطي الإنسان حقوقه الأرضية، ولا يجعل غاية الإيمان الديني وحدها وعد الخلود السماوي.
المعجزات والزمن
إذا ناقشنا أن المعجزات النبوية كسرٌ مؤقت لا دائم لقوانين الطبيعة الثابتة أو لبعض ظواهرها الأرضية، فإن حقيقة المعجزات لا تأثير لها على ثبات وكمال قوانين الطبيعة. بعبارة أخرى: خرق المعجزات لقوانين الطبيعة الثابتة لا يغيرها ولا يبدلها ولا يستطيع إضافة شيء عليها أو حذف شيء منها، وهنا يكون معنى ذلك أن المعجزات—في حال تصديقنا لها—توازي قوانين الطبيعة ولا تستطيع التأثير فيها.
وهذا التوازي يجعل من المعجزات أحداثًا تاريخية ماضية زمانيًا عابرة، قياسًا إلى ثبات قوانين الطبيعة. مثال ذلك: معجزة المشي على سطح الماء، أو الكلام المباشر مع الله، أو شفاء الأعمى، أو إحياء الميت، أو الولادة بلا زواج من رجل، أو تكلم الرضيع في المهد. فهذه—في حال حصولها—كانت كسرًا مؤقتًا لظاهرة أو قانون ينتهي بانتهاء زمن المعجزة. وبمعنى آخر، كل من يحاول تقليد المشي على سطح الماء اليوم سيغرق، حتى لو ادعى النبوة، إذا كان لا يجيد السباحة. وكل من يحاول تقليد الكلام مع الله سيُعدّ في النهاية خارجًا عن السواء، ولا تصلح عاهته مستشفيات الأمراض العقلية.
وعليه، فإن ثبات قوانين الطبيعة، مع توقيت المعجزات المؤقت الزائل، يكرّس حقيقة أن قوانين الطبيعة وجدت لخدمة الإنسان في حياته، بينما تبقى المعجزات براهين إعجازية وقتية لا تعمل لصالح الإنسان بمقدار ما تثبت نبوة الأنبياء وإيمان الناس بهم بوصفهم مرسلين من الرب، وأن ذلك يتبعه من وصايا وإرشادات ونواهٍ تُنسب للخالق والنبي.
بيرتراند رسل وقوانين الطبيعة
قبل البدء بعرض محتوى هذا العنوان الفرعي، نذكر أن بيرتراند رسل يفهم وجود الله فهمًا مغايرًا عن غيره من الفلاسفة الملحدين، إذ يقول إنه ليس من واجبه البرهنة على وجود الله قبل أن يبرهن «الرب» على وجوده بما يقنعه عقليًا. وهو يضع اللوم على المشككين بإلحاده أن يبرهنوا هم له الإيمان الديني بما يقبله العقل خارج أساطير وخرافات المعجزات.
ويرى رسل—في معالجته خرافة المعجزات، كما سبق أن ذهب إليه سبينوزا وهيوم—العودة إلى ما جاء به نيوتن ثم دحضه أينشتاين، أن الكواكب تدور حول الشمس بإرادة إلهية بفعل قانون الجاذبية الذي وضعه الرب خاصيةً تعالقية بين تلك الكواكب. ويؤكد أن الإنسان اكتشف الجاذبية قانونًا موجودًا في الطبيعة لا اختراعًا مضافًا عليها. ولم يتم إلى اليوم التعامل مع قانون الجاذبية على أنه مجرد اكتشاف لقانون من قوانين الطبيعة دون أن يترتب عليه اختراعات وفتوحات علمية لا حصر لها. ولم يكن قانون الجاذبية المكتشف دليلًا على أنه قانون أوجده الله في الطبيعة من أجل تدعيم الإيمان الديني لدى الإنسان؛ بل هو خاصية للطبيعة، في ظل عدم معرفة الإنسان مصدر قوانينها العامة التي تحكمها بلا وعي ولا إرادة منها.
ويرى رسل أن قوانين الطبيعة اصطلاحات إنسانية أخذت—بحكم تكرار العادة، مستعيرًا تعبير هيوم—من خلق تصورات العقل الإنساني، وأن الطبيعة لا تمتلك قوانينها المستقلة. ولنا التعقيب الآتي:
- إن تعبير لايبنتز، الفيلسوف الألماني، أننا نعيش «أفضل العوالم الممكنة» كان بفضل توازي منجزات العلم مع القوانين التي تحكم الطبيعة. غير أن العقل الإنساني—مُمثلًا بالعلم—لا يتقبل معجزات خرق قوانين الطبيعة ولا إبطال فاعليتها. والعلم لا يمتلك معجزات دينية، بل يمتلك «معجزات عقلية» تقوم بتطوير الوجود الإنساني بعيدًا عن ميتافيزيقا الإيمان الديني القائم على معجزات لا يقبل البرهان العلمي بها. كما أن مقولة لايبنتز ليست صحيحة إذا حاكمناها بواقع العالم اليوم: تهديد الأمن الغذائي والصحي، التفاوت بين الغنى والفقر، التفاوت بين الصحة والمرض على صعيد الشعوب، تلوث البيئة، انتشار الأوبئة، اختلال التوازن الطبيعي وارتفاع حرارة الأرض… إلخ.
وبمعنى آخر، فإن هذا التوازي بين العلم وقوانين الطبيعة وتعالقهما في محاولة تنظيم حياة الإنسان دليل يدعم النظرية القائلة إن قوانين الطبيعة ثابتة ملازمة للطبيعة، وأن الإنسان لا يدرك الطبيعة إدراكيًا من غير قوانين تحكمها. وينتفي وجود الطبيعة الحي إذا جُرّدت من قوانينها العامة. كما ينفي ذلك القول بأن القوانين أزلية بوصفها «معطًى إلهيًا» لا يمكن تغييره لا بمعجزات الدين ولا بمعجزات العلم، ما يجعل من موقف الإلحاد والمؤمن—كليهما—مطالبًا ببرهنة دعواه بعيدًا عن التسليم بالمعجزات.
- إذا سلّمنا مع هيوم ورسل أن قوانين الطبيعة تصورات إنسانية لمدركات غير ثابتة لا تمتلكها الطبيعة خارج تخيلات الإنسان—وهو مرفوض—فإن ما يخترعه العلم لا يلغي قوانين طبيعية لا يعرف يقينًا مصدرها، مثل قانون الجاذبية ومفهوم الزمان. فلا الطبيعة تمتلكها بوعي، ولا يستطيع الإنسان خلعها على الطبيعة من أجل إدراكها؛ بل هي قوانين تحكم الطبيعة وجودًا.
- إذا صادرنا مقولة رسل أن المعجزة ليست من خلق الله، نصطدم بأن المعجزة الدينية—بحسب ما وردت—هي ما فوق إنسانية، لا على المستوى الديني فقط بل على المستوى العقلي أيضًا. أي إن خرق قوانين الطبيعة بالمعجزات يفقد أهميته إذا كان مصدره الإنسان وحده، ولم يكلف الرب أحدًا من البشر القيام به.
- ويبقى السؤال المحيّر: كيف نشأت المعجزات في صلب الإيمان الديني؟ هل هي واقع يدركه العقل، أم وهم أسطوري رافق نشأة الإنسان ولازم الإيمان الديني قرونًا من الشد والجذب دون نتيجة؟ وهل الطبيعة اخترعت قوانينها من غير إدراك منها؟ وهل المعجزة تكليف من رب العالمين لتدعيم الإيمان به أم لتدعيم الإيمان بمعجزات الأنبياء؟ وهل المعجزات أساطير تطورت أم وقائع حدثت؟ ومن أوجد قوانين الطبيعة الثابتة التي تمكن العلم من اكتشاف بعضها وأهميتها في حياة الإنسان، في مقابل عجز الإنسان عن خرقها خرقًا دائمًا؟ إن فرضية انفكاك الإنسان عن الطبيعة تهدم معنى وجود «طبيعة» ومعنى وجود «إنسان» على الأرض.
هامش:
- وليم رايت، تاريخ الفلسفة الحديثة، ترجمة محمود سيد أحمد، مراجعة وتقديم إمام عبد الفتاح إمام، ص 21.