تصدير: اللغة تجريدٌ للتعبير اللفظي عن المعنى الإدراكي في مرجعية بيولوجيا العقل. فهل اللغة استعدادٌ فطريٌّ موروث؟ أم هي نزوعٌ إنسانيٌّ غريزيٌّ مكتسبٌ بالتجربة الحياتية ومؤثرات البيئة والمحيط، وقبلهما العائلة، لغرض إدامة التواصل الدائم بين النوع الموحَّد من البشر الذين يربطهم العيش المشترك؟
اللغة: البيولوجيا والفطرة
نرى الأمر واقعًا أنثروبولوجيًّا طبيعيًّا حين نعدّ فهمنا للغة البشرية على أنها «موضوع بيولوجي»، رغم خاصية اللغة التجريدية الغالبة على البيولوجيا في فهمهما الوظيفي الفسيولوجي، على الأقل وفق ما تذهب إليه النظريات العلمية في دراسة وظائف مكونات الدماغ، لا مباحث الفلسفة على السواء التي ترى موضوع اللغة بالتفسير البيولوجي مصدره الرؤية الذاتية لاختراع تصنيع كل فردٍ لغته الخاصة به كسلوك مجتمعي، في محكومية اشتراطات عديدة؛ منها فطرية وأخرى بيئية مكتسبة، في تكوين ما يطلق عليه عالم اللغات تشومسكي «النحو الكلي» الذي يجمع قواعد أكثر من لغة واحدة. ومجتمعية اللغة المكتسبة عند الفرد تكون بتفاعل لغته الذاتية مع لغة مجتمعه.
اللغة تولِّد استعدادًا فطريًّا بيولوجيًّا عضويًّا ناتجًا عن تطور حنجرة الطفل الوليد الإنسان، باختلافها عن حنجرة الحيوان، على مدى أحقاب زمنية سحيقة في التطور الأنثروبولوجي. فاللغة اخترعها الإنسان تواصليًّا في تقليده أصوات الحيوانات، التي اختلفت عنها لدى الإنسان على أنها أصوات ذات معنى تواصلي محدد، مع عدد من الاختلافات التي سنمر بها سريعًا لاحقًا في فرادة لغة الإنسان.
ربما يذهب تفكير البعض إلى أن صيحات أنواع الحيوانات هي أيضًا ذات معنى تواصلي، يجمعها في درء الخطر عن نوع تلك الحيوانات، وفي نداءات صيحات الحيوان من أجل إشباع غريزته الجنسية التي تكون عادة موسمية، بخلاف عملية الجنس لدى الإنسان التي تكون حاضرة على الدوام على مر الفصول. وهو تساؤل وجيه، والإجابة عليه أن تطور حنجرة الإنسان الصوتية جعله يهتدي إلى اختراع نوع من الأبجدية الصورية اللغوية التي يفهمها الفرد الآخر من نوعه، بينما بقيت حنجرة الحيوان لا تمتلك الخاصية التعبيرية اللغوية في الوصول إلى شكل صوري معين يحمل دلالة صوتية يفهمها النوع. والسبب وراء ذلك ليس فيسيولوجيًا من تطورات الطبيعة، وإنما يكمن في ذكاء الإنسان النوعي بما لا يمتلكه الحيوان: ميزة الذكاء عند الإنسان حين وجد أهمية اختراع لغة تواصل بينية في وسط بشري من نوعه، بينما ظل الحيوان لا يجد أهمية لاختراع لغة خاصة بنوعه.
الفرق بين لغة الإنسان ولغة الحيوان
في مطالعتي مقالة الباحث مصطفى بن الزهرة على موقع «Google» على الإنترنت، خرجتُ بالتالي، بتصرف غير مخلٍّ مني: اللغة، سواء عند الإنسان أو عند الحيوان، إنما تكون لإشباع رغبات وحاجات مختلفة يحتاجها الجسم. كما أن الرمزية الدلالية اللغوية، أي الأبجدية الصوتية، تختلف بين الإنسان، كما تختلف عند الحيوان في عدم وجودها أصلًا. فلغة العربي غير لغة الفرنسي، كذلك صيحات القرود لغة تختلف عن صيحات الأسود أو النمور. أما عن الاختلافات بين لغة الإنسان ولغة الحيوان فيمكن اختصارها بالآتي:
لغة الإنسان مكتسبة من البيئة والمحيط، بخلاف لغة الحيوان الفطرية الطبيعية غير المكتسبة. وهذا ينسجم مع وجهة نظري في متن هذه المقالة، ويقاطع تمامًا منحى التوليد الفطري الذي يربط الفعالية اللغوية بالسلوك النفسي عند «سكينر»، وملكة التوليد اللغوي التي يحوزها الإنسان كخاصية بيولوجية عقلية عند «نعوم تشومسكي». قلنا إن لغة الحيوان فطرية كأصوات حوارية داخل الجنس الحيواني الواحد؛ فهي ليست أصواتًا تحكمها أبجدية لغوية يمكن التأكد منها بتحويلها إلى كتابة تعطي الصوت معنى. ميزة لغة الإنسان أن الصوت محكوم بأبجدية حرفية، وهذا لا يتوفر في صوت الحيوان.
لغة الإنسان واعية بقصدية، بينما لغة الحيوان طبيعية عفوية. والحقيقة الثابتة التي مررنا عليها تقول: كما أن لغة الإنسان قصدية لتحقيق هدف أو إشباع حاجة غريزية، كذلك هي عند الحيوان؛ والفرق لا يكون باللغة بل بالوعي الذكي. ولا يعني هذا أن الحيوان لا يمتلك وعيًا، بل يمتلكه بحد أدنى من خصائص ما يمتلكه وعي الإنسان من خصائص متعالية على وعي الحيوان تقوم على ذكاء العقل البشري في اختراعه لغة تواصل، وغيرها من المميزات.
لغة الإنسان إبداعية تتسم بالتنسيق الجمالي المفتوح على أطر وفضاءات وعي الحياة، بينما هي عند الحيوان ساذجة، لانعدام خاصية الذكاء والوعي بالزمن، وفقدان الحيوان ملكة توليدية لأفكار لغوية تعمل على تطوير لغته.
لغة الإنسان متطورة بالتقادم الزمني، بينما تكون لغة الحيوان غير قابلة للتطور لأنها لا تدرك حاجتها إليه، طالما أنها تحقق هدفي التواصل النوعي في مجموعاتها وهدف التكاثر النوعي معًا، وطالما كانت الطبيعة توفر لها الغذاء دون وعي منها.
أصل اللغة أنثروبولوجيًّا
اللغة في تطورها وصلت قبل 300 ق.م (اللغة السومرية واللغة الهيروغليفية الفرعونية) إلى أبجدية مقطعية صورية، وليست أبجدية حرفية (من الحرف)، واتخذت شكل تدوين صوري تفهمه مجموعة من الأقوام. ولم تولد اللغة فطرية يمتلكها الطفل بالولادة كما هو الحال في امتلاكه الموروثات الجينية الأخرى التي توصلت إلى معرفتها علوم اللغة واللسانيات وعلم النفس. إلا أن هناك من فلاسفة وعلماء نفس يعتبرون اللغة استعدادًا فطريًّا لتعلم اللغة، وهو صحيح إذا كان المقصود به استعدادًا لا يعني الفطرة الموروثة الخالصة.
يُعدّ التدوين الأبجدي الصوري غير الصوتي في لغة السومريين والفراعنة والصين والهند بداية تاريخ دخول الإنسان مرحلة صنع الحضارة الإنسانية، التي يرجعها علماء الأنثروبولوجيا إلى بدايات العصر الزراعي الذي بدأ 7500 ق.م. ويطلقون على تاريخ ما قبل التدوين (الكتابة الصورية والرمزية) «تاريخ اللاتاريخ» للأقوام البدائية (الإثنولوجيا) التي نعرف تاريخها اليوم عبر أركيولوجيا الحفريات الأثرية، لا عبر الكتابة التي لم تكن معروفة تدوينيًّا لدى أقوام ما قبل التاريخ. وظهر التدوين بالكتابة مع اختراع بدايات اللغة.
نظرية تشومسكي في «النحو الكلي»
اللغات التي اخترعها الإنسان عبر العصور تجاوزت المئات، وربما تصل إلى عشرات الآلاف اليوم وأكثر، إذا أضفنا إليها اللهجات العامية الخاصة بكل مجموعة بشرية، حتى لو كانت صغيرة تعيش في كنف لغة شعب أشمل من لهجات الأقليات التي تتعايش معها. ولكل لهجة عامية أو لغة شعب، بمرور الاستخدام التداولي المجتمعي، قواعد نحوية ثابتة مستقرة لدى بعض الشعوب، وهي أبجدية صوتية تختلف عن غيرها من لغات شعوب وأمم العالم.
لذا فاللغة وليد استعداد فطري يكتسب كامل تمام بنيته الأبجدية وقواعده النحوية من العائلة والمجتمع ومراحل التعليم الدراسي، ومن قراءة الكتب، ليستقر على نحو لغوي من القواعد والأحكام الصرفية والبلاغية ورسم دلالة الحرف الصائت وغيرها، مما لا يشابه غيره في لغات أخرى. ولا يمكن تداخل لغة مع أخرى بالاندماج في احتواء الأشمل للمحدود من اللهجات اللغوية. وهذا لا يشبه تداخل مفردات لغوية مع مفردات أخرى قد تقترب في الأبجدية وتختلف بالمعنى، وربما العكس وارد.
واللغة ليست حوارًا تواصليًّا فسيولوجيًّا فقط عند أصحاب السعي نحو إيجاد نحو كلي جامع لأكثر من لغة واحدة في محاولتهم تسهيل قواعد بعض اللغات. ولا هي فعالية إدراكية تبدأ بالحواس وتنتهي بالنفس، كما تذهب إليه المدرسة السلوكية اللفظية الأمريكية في علم النفس، التي يعتمدها تشومسكي بتفرد نقدي خاص له عليها، أطلق عليه «القابلية الفطرية التوليدية في تعلم اللغة». بينما يرى آخرون اللغة موضوعًا بيولوجيًّا عقليًّا يرتبط بوظائف المخ وتخليقه الفكر الإدراكي والوعي بالموجودات في صور، وتجريد اللغة للتعبير عن تلك المدركات.
إنكارُ بعضِ فلاسفةِ اللسانيات أن اللغة ليست تخليقًا إدراكيًا استبطانيًا على صعيدي التعبير عن موضوعات الخيال ومخزون الذاكرة، ولا في التعبير عن موجودات العالم الخارجي المادية وظواهره، لا يلغي حقيقةَ العلم في تأصيل السمة العضوية لإنتاج العقل للغة أنثروبولوجيًا. ولا يمكن فصل اللغة عن تفكير العقل؛ فاللغة ليست ماهية فكرية مغلقة للعقل، بل هي خاصية انفرادية منفتحة للعقل. بمعنى أن اللغة ليست ماهية العقل الوحيدة، بل هي خاصية عقلية انفرادية ضمن مجموع خواص عقلية لا يمكن حصرها.
من المهم التنويه إلى أن تفكير العقل استبطانيًا جوانيًا في موضوعات خيالية لا يختلف عن التفكير في تعبير اللغة عن المدركات الخارجية في العالم الخارجي؛ فالتفكير العقلي، في كل أحواله الإدراكية المادية والخيالية، هو تجريدٌ لغوي يقوم على أبجدية الأصوات في شكلها الصوري الذي يتمثّل الأشياء والمدركات المادية، ضمن الآلية نفسها للتعبير التجريدي الصوري عن موضوعات الخيال. بمعنى أن اللغة، من حيث إيصالها المعنى في كتابة قصة أدبية، هي نفسها اللغة المعبّرة عن وجود أزهار في حديقة. ففي الحالتين تكون اللغة تفكيرًا عقليًا تجسده اللغة من حيث الآلية التي تقوم على ثنائية الإدراك الحسي والخيالي في التعبير اللغوي عن تلك المدركات. فمثلًا، حين يريد شخص وصف الحالة الجوية، فهو يستعمل لغةً تجريدية هي نفسها في أبجدية تجريد كتابة رسالة من حيث آلية رصف الحروف والكلمات والجمل في التعبير عن المعنى. وطبعا من المحال أن تكون أبجدية لغة عربية هي نفسها أبجدية لغة فرنسية أو إنجليزية.
يرى عالمُ اللغات والفيلسوف نعوم تشومسكي أن اللسانيات يجب أن تخضع، كما هو العلم الطبيعي، إلى منهج التجريبية، وأن اللغة ليس منشؤها التوليدي «البيولوجي العضوي» الناتج عن تركيبات فسيولوجيا وظائف أعضاء محتويات وتكوينات المخ في منظومة الخلايا العصبية، التي هي فعل تخليق بيولوجي صادر عن بعض مناطق تكوينات المخ المرتبطة بخاصية كهربائية عصبونية تصدرها الخلايا العصبية كردود أفعال استقبالية للمخ أو ردود أفعال انعكاسية صادرة عنه تجاه مدركاته؛ وإنما اللغة، بحسب هذا المنحى، فعالية إدراكية تقوم على البصيرة التفسيرية وقوة نظرياتها، لا في امتثالها لقيود الفلسفة كما يرغب تشومسكي ذلك. فهي مسألة تنسف الطريق المسدود الذي قطعته فلسفة اللغة ونظرية المعنى. وطريق فلسفة اللغة المسدود، وفق هذا التصور، هو اعتبار النسق اللغوي نظامًا محايدًا يوازي واقع الحياة ولا يقاطعه ولا يساهم في تصنيعه.
ديكارت وماهية اللغة
كما يرفض علماءُ اللسانيات، ومنهم تشومسكي، بيولوجيا اللغة بمعناها الوظيفي الفسيولوجي الذي يبدأ بوعي المدركات الحسية وموضوعات المخيلة الذاكراتية وينتهي بعضوية بيولوجيا علاقة العقل بالجسد، التي يجدونها علاقةً معقدة ممثلةً في تداخل السلوك النفسي للغة مع الخاصية التجريدية لتعبير اللغة عن العالم المادي والعالم الخيالي على السواء.
أي إن اللغة ليست محدودية ماهوية في تجريدها تفكير العقل وفي التعبير؛ وهو ما وصفه ديكارت بأن العقل جوهر غير فيزيائي ماهيته التفكير الإدراكي في معرفة العالم الخارجي، ولا تربطه علاقة تخارجية بالجسد. وقد عزل ديكارت تفكيرَ العقل اللغوي عن بيولوجيا الجسد الفاني؛ بمعنى أن موت الجسد لا يلغي خلود العقل غير الفيزيائي المجرد بما يتركه من تعبير لغوي. وهنا اعتبر ديكارت لغة العقل ماهية العقل في خاصية التفكير الخالد الذي لا يموت بموت الجسد. وخلود اللغة يكون في التجريد لا في معاملتها عضوًا بيولوجيًا.
هذا العقل التجريدي، الذي تطلق عليه فلسفة اللغة «الخطاب» أو «اللوغوس»، هو—حسب توصيفات ديكارت—العقل القائم جوهره على تجريد جوهر اللغة، وليس على جوهر بيولوجيا العقل ذاته. وليس هناك علاقة عضوية بيولوجية تربط تجريد اللغة بالمخ والأعصاب والحواس؛ أي إن اللغة ليست موضوعًا بيولوجيًا كما يقول به اليوم تشومسكي وعلماء اللسانيات اللفظية السلوكية. وبيولوجيا العقل لا تقتصر بمحدودية إنتاج اللغة. بينما يُعدّ خلود اللغة أوفر حظًّا للقبول به من خلود النفس كما يدّعي ديكارت؛ لأن اللغة تدوينٌ مكتوب باقٍ، بينما النفس عواطف وخلجات نفسية زائلة بزوال مسبباتها.
ومن المعلوم جيدًا أن ديكارت يعدّ العقل جوهرًا غير فيزيائي يلازم النفس بعدم الفناء وخلودهما (العقل والنفس)، ويدعو إلى خلودهما بعد فناء الجسم عضويًا. وديكارت حين يقول خلود «النفس» إنما كان يقصد—قصد أو لم يقصد—مرادفها «الروح»، وإلا لكان سقط في تعبيره بأن النفس جوهر خالد. والادعاء بخلود أي شيء يتعالق بالميتافيزيقا أقرب للاقتناع به من خلود النفس في مرجعيتها للجسم عضويًا، بخلاف ارتباط الروح بالجسم مجازًا، إذ لا دليل عقلي يثبته.
النفس في علم النفس التجريبي والسلوكي ظاهرة استبطانية وجدانية تحكمها الرغبة في إشباع حاجات الجسم النفسية داخليًا وخارجيًا، وترتبط عضويًا تجريديًا بالعقل، وترجمة السلوك لها يمكن إدراكها، ولا يعاملها علم النفس على أنها روح خالدة كما يصورها اللاهوت الديني. ومصطلح الروح لا معنى له خارج التصورات الميتافيزيقية الغامضة التي تستوعبها بالحديث عنها وحسب وتعجز عن تفسير ماهيتها.
وقد تغاضى ديكارت عن معاملة النفس سلوكًا فرديًا للذات المنفردة بقناعاتها ضمن مجتمع، كما هو دارج في أبسط أدبيات علم النفس. والنفس ممكن إخضاعها لتجارب علم النفس كما تفعل العلوم الطبيعية بتجاربها. وقول ديكارت بخلود النفس والعقل، كونهما جوهرين من التجريد الذي يفارق فناء الجسد العضوي، تعبير غير متوازن.
والصوفية في الأديان الوثنية (البوذية والهندوسية والزرادشتية) لا يؤمنون بالخلود؛ لذا نجد الإحلال النفسي الصوفي في موجودات الطبيعة عندهم تجسيد النفس–الروح ولا فرق بينهما. ومذهب وحدة الوجود الصوفي يعتبر الحلول النفسي في موجودات الطبيعة تجسيد عظمة نظام الكون، ولا فرق أن يكون خالقًا أو مخلوقًا.
تجزئة العقل بما يلغي ماهيته التجريدية اللغوية يلغي بيولوجيا العقل–الجسد، ويلغي بيولوجيا اللغة–السلوك. كما يلغي بيولوجيا العقل التوليدي للغة المكتسبة عن المحيط والأسرة ومراحل التعليم مجتمعيًا. وإلغاء العلاقة التوليدية اللغوية، على أنها لا تكون لها رابطة بالفلسفة بل رابطتها الحقيقية بالبصيرة التفسيرية كما يذهب إليه تشومسكي، هو نظرية نراها تحتاج إلى العديد من الأسانيد. (انظر مقالتنا المنشورة على صحيفة «أورك» بعنوان: نظرية السلوك اللفظي اللغوي، ومواقع عربية عديدة).
اللغة جزء أو مبحث من مباحث علوم اللسانيات، والفلسفة كمنهج معرفي—رغم احتشادها بمختلف شؤون المعرفة والطبيعة واللغة والحياة والإنسان—مثل علم النفس والبيولوجيا والأنثروبولوجيا والإبستمولوجيا والتاريخ والوعي الفطري والوعي المكتسب والسلوك والأخلاق وغيرها؛ تجعل من تواصل وشيجة اللسانيات بفلسفة اللغة أقوى من تلك التداخلات التي مررنا بها، بحكم أن جميع تلك التداخلات وغيرها مباحث متعالقة بالفلسفة في أوثق الأواصر، ومنها فلسفة اللغة.
وبعيدًا عن اعتماد البصيرة التفسيرية وقوة نظرياتها «بعيدًا عن الفلسفة» على حد تعبير تشومسكي، فإن البصيرة التفسيرية—إضافةً إلى أنها تنحو نحو الفردانية في الفهم—لا ينبغي أن تطغى على الوصاية العقلية في تفسير معنى اللغة وتعالقاتها بغيرها من حلقات منظومة العقل الإدراكية. فالبصيرة الحدسية لا يمكنها اختزال العقل في الإدراك التجريدي الذي وسيلته الوحيدة تعبير اللغة. كما أن العقل يعامل اللغة على أنها أصوات تعبيرية عن معاني الأشياء المادية وموضوعات الخيال التي يدركها.
صحيح أن الفلسفة ليست المنهج التقليدي الوحيد في تفسير قضايا اللغة ومباحث علوم اللسانيات، إلا أنها الأرجح والأقرب أكثر من غيرها—مقارنةً باعتماد البصيرة التفسيرية وقوة نظرياتها بعيدًا عن مباحث الفلسفة في فلسفة اللغة. فالبصيرة التفسيرية—إضافةً إلى نزوعها نحو الفردانية ومركزية الذات—لا يمكنها اختزال إدراكات العقل في تجريد تعبير اللغة عما نريده. البصيرة حشدٌ استقبالي لمعاني مدركات تعبير اللغة، بينما العقل تخليق عضوي بيولوجي تجريدي للغة. ونحصل على نتيجة مفادها أن موضوع اللغة بيولوجي وليس فطريًا. وبيولوجيا اللغة المستمدة من العقل ليست بيولوجيا تكوينه العضوي الفسيولوجي. واللغة تبقى أبدًا (صوتًا ومعنى) تجريديين.
فريدريك سكينر ومبادئ السلوك اللفظي
سكينر فيلسوف وعالم نفس أمريكي (1904–1990) حاول دراسة ترابط علم اللغة بعلم النفس، وعمل أستاذًا في جامعة كامبريدج الأمريكية، وهو عضو الجمعية الأمريكية للفلسفة. برز سكينر رائدًا لهذا الاتجاه حين أصدر كتابه «السلوك اللفظي»، وكان الكتاب يعتمد تداخل صوت اللغة مع السلوك اللغوي في مرجعية علم النفس، في السعي إلى إثبات عدة فرضيات نظرية فلسفية لغوية هي:
تركيز الاهتمام بالظاهر الخارجي من اللغة (الصوت–الكلام) فقط، ومعاملتها حالها حال أية ظاهرة سلوكية أخرى ترتبط بعلم النفس. (1)
إهمال دراسة المعنى اللغوي على اعتبار أنه ليس مظهرًا خارجيًا يمكن النظر فيه والتحقق منه كموضوع مستقل بالمنهج العلمي التجريبي، كما يجري في دراسة موضوعات ونظريات العلوم الطبيعية التي تقوم على التجربة. (2)
هنا لا بد من التنويه إلى أن علماء السلوك اللفظي اللغوي حين أهملوا جانب المعنى في اللغة، فقد جرّدوها من أهم مقوماتها وأهم أهدافها الحياتية المتفرعة عنها، وهي عديدة لا حصر لها. وفي مقدمتها مهمة التواصل، وتعطيل تبادل اكتساب المعرفة بأنواعها، وكذلك تعرية اللغة من قواعد النحو والصرف وغيرها الخاصة بكل لغة مكتوبة تمثل خاصية انفرادية لشعب من الشعوب أو أمة من الأمم، في السعي نحو الوصول لما أطلق عليه تشومسكي «النحو الكلي» الجامع لخصائص نحوية لأكثر من لغة واحدة.
ركز اللغويون السلوكيون على اللغة المنطوقة (الصوت–الكلام) وأهملوا المعنى في اللغة المكتوبة إهمالًا كبيرًا، وصبّوا جل اهتمامهم على نظام اللغة الصوتي واعتبروه المظهر الأساس في اللغة. (3)
كما اهتموا بالصوت كمظهر خارجي وحيد يمكن اعتماده في دراسة اللغة، ومقارنتها بظواهر صوتية في لغات أخرى، محاولين الوصول إلى قواسم مشتركة تجمع بين لغات مختلفة في نحو توليدي خاص يجمع اختلافاتها النحوية ويعمل على تيسير سهولتها التداولية؛ وهو ما يطعن الهوية الوطنية للشعوب التي تجد لغتها القومية الخاصة قد انصهرت وذابت في معترك ما يسمى النحو الكلي الجامع لأكثر من لغة. ولم يُوْلِ علماءُ لسانيات السلوك اللفظي وفلاسفةُ الفطرة التوليدية في اكتساب اللغة اهتمامًا كافيًا بأن اللغة كائن أنثروبولوجي حاله حال الإنسان، يتطور ويتغير باستمرار.
تشومسكي ومبحث النحو التوليدي
لقيت كتابات تشومسكي في اللسانيات والسياسة ومختلف مباحث الفلسفة رواجًا غربيًا كبيرًا في الجامعات الأمريكية والعالمية. والشيء المهم أن العديد من علماء اللسانيات وفلاسفة العقل واللغة انبروا للدفاع عن «سقطة» تشومسكي في اعتباره اللغة فطرية بالكامل، ويرجع له الفضل في اكتشافه «النحو الكلي». ويُفهم من هذا أن النحو التوليدي الجامع لأبجدية أصوات اللغات المختلفة كان موجودًا واكتشفه تشومسكي ولم يخترعه، وهي مغالطة أقبح من ذنب. ويعزو تشومسكي سبب إيمانه بالنحو الكلي إلى استعداد فطري لدى الطفل في تعلمه اللغة. وتدارك بعض علماء اللسانيات الإنجليز قولهم إن هذا المفهوم سبق لهم أن قالوا به.
لا أعتقد أن مباحث فلسفة اللغة فرّقت بين الاستعداد الفطري لدى الطفل في تعلم اللغة: هل يعود لموروث عضوي تكويني في تمايز حنجرة الإنسان وتوافقها الوظيفي مع اللسان في نطق أبجدية أصوات اللغة، باختلاف عن الحيوان؟ أم إن الاستعداد الفطري في تعلم اللغة—الذي يؤيده تشومسكي وأتباعه—لا علاقة عضوية بيولوجية تربط التعلم بالوعي العقلي، وإنما يرثه الإنسان كما يرث الخصائص الجينية الموروثة التي اكتشفها العلم؟ وعلى البصيرة التفسيرية، حسب تشومسكي، تحقيق البرهنة في اكتشاف التفسير التجريبي، حاله حال إجراء التجارب على أية قضية علمية.
إرجاع الاستعداد الفطري لتعلم اللغة إلى ملكة تجريد صوتية غير عضوية خطأ سبق أن قال به ديكارت حين اعتبر ماهية وخاصية التفكير العقلي تجريدًا غير فيزيائي لا علاقة له بالعقل العضوي (المخ). وبنى على هذا الخطأ تصوره الآخر: أن لا علاقة تربط بين أزلية جوهر العقل التفكيري وخلوده مع النفس، ولم يقل الروح، بعد مغادرتهما الجسم الفاني المتفسخ عضويًا بعد الممات.
تعامل ديكارت مع قوله إن العقل والنفس جوهران خالدين لا يفنيان بعد موت الجسم بوصفه طرحًا لا يفرق بين تجريدية الإدراك العقلي، الذي تُفترض له مرجعية لا فيزيائية ولا عضوية—وهو محال—وبين ماهية العقل التجريدية لغويًا في مرجعية تكوينه عضوًا يستقر في جمجمة الإنسان ويفنى بفناء الجسم.
والحصيلة التي لم يتقبلها ديكارت—تحت سطوة التماهي مع سلطة ونفوذ رجال الدين—أنه لا بد من التسليم بوجود خلود بعد الموت وفناء الجسد. فاختار ديكارت أهون الشرين أمام اللاهوت الذي يرى الروح خالدة ولم يقل النفس. ولما كانت الروح مصطلحًا لاهوتيًا يتقاطع مع نزعة ديكارت العلمية التجريبية، قال بالنفس الخالدة.
لا يوجد ما يثبت لنا أن العقل والنفس جوهران عضويان لا يفنيان بفناء الجسم. اللغة، في جميع تحولاتها الاستبطانية في تعبيرها عن موضوعات الخيال وفي إدراكاتها عالم المادة الخارجي، هي أولًا وأخيرًا تجسيد لعلاقة عضوية تربط اللغة بتفكير العقل، ولا حتى ترتبط بتفكير الذهن خارج تعالق الذهن بوصاية العقل عليه. والبعض ينسب للذهن خاصية تفكيرية مستقلة أيضًا لا علاقة عضوية تربطها بالعقل.
أكرر العبارة التي سبق لي ذكرها: إن اللغة ليست ماهية العقل الوحيدة، بل هي خاصية عقلية واحدة من جملة ما لا يُحصى من خصائص عقلية تربط علاقة الجسد بيولوجيًا بالعقل.
فهم اللغة بدلالة علاقة العقل بالجسد
يصرّ تشومسكي على اعتبار اللغة ليست موضوعًا بيولوجيًا، ويتغاضى عن حقيقة أن «الرؤية الذاتية للغة تدخله في حقل علم النفس—كما أشرنا له سابقًا—وفي نهاية المطاف تدخل حقل علم الأحياء (البيولوجيا)، ما يترتب على ذلك وجوب تحليل اللغة عن طريق منهجية العلوم الطبيعية التجريبية، وهو ما لا يقبل به تشومسكي». (4)
هذه الإشكالية التي ينكر تشومسكي طبيعتها المنهجية تقودنا إلى معضلة علاقة العقل بالجسد: كيف يستطيع ما هو—بتعبير مجازي خيالي تجريدي للعقل غير المادي ممثلًا بتفكير العقل اللغوي—تحريك ما هو مادي في الجسد؟ أمام هذه الإشكالية التي لازمت الفلسفة يعترف تشومسكي بتشاؤمه من حل هذه المعضلة التعالقية بين العقل والجسد في توسيط اللغة، ويعزو الحل إلى وجوب توفر إمكانية التوصل إلى حل علمي متى ما تحقق لنا التفريق بين استعمالنا اللغة كمقابل معرفتنا اللغة.
وأود تثبيت الملاحظات التالية:
أرى أن تجريد اللغة من أنثروبولوجيتها وجينالوجيتها في التأصيل البيولوجي لتاريخ اختراع ونشأة اللغة عند الإنسان يقود إلى العلاقة الإشكالية بين العقل والجسد، وعلاقة اللغة بالسلوك، وعلاقة النفس بالعقل. وجميع هذه التجليات الإشكالية تدور بالمحصلة حول المشكلة، وليس الدخول في حل وافٍ يستطيع البرهنة على أن اللغة استعداد فطري موروث وليست موضوعًا بيولوجيًا.
وبنفس هذه الآلية في تأصيل اللغة بيولوجيًا، وبما يعزز مباحث علوم الأنثروبولوجيا والتطور التاريخي للإنسان، تُحالنا إلى حل معضلة هيمنة العقل اللامادي على الجسد المادي. وتجسيد ذلك يكون من خلال التعالقات الوظيفية بينهما، وأبرزها أن اللغة سلوك إنساني وفهم إدراكي للعالم. وبيولوجيا اللغة تتمثل في أنها تجريد بيولوجيا العقل الوظيفية. واللغة لا تدخل عضويا في تكوين وظائف العقل البيولوجية، لكنها وسيلة تفسير إدراكات العقل في تعبير اللغة تجريدًا.
الفقرة الأخيرة التي تثير تشاؤم تشومسكي باستغلاقها العصي على الحل—وهي ما لم يتم التفريق فيها بين استعمالنا اللغة (أي بيولوجيا اللغة السلوكي) وبين اعتبار ذلك مرادفًا معرفتنا اللغة—لا تمثل إشكالية؛ فالاستعمال الوظيفي للغة هو الذي يمنحنا معنى اللغة في الحياة.
الهوامش
نعوم تشومسكي، آفاق جديدة في دراسة اللغة والعقل، ترجمة عدنان حسين، هوامش (1، 2، 3، 4)، الصفحات 19–21.