أنفاس منذ أن رُبِطَت لاهوتيا مصائر شقّ واسع من أتباع المسيحية في البلاد العربية بالكنيسة الغربية، تكثّف العمل لإضعاف الأواصر التي ترتبط تلك الجماعات بالحضارة العربية الإسلامية. واشتدّت الإغراءات لإلحاقها، خدمة وولاء وتبعية بالكنيسة الغربية. ترافق ذلك المسعى مع الضّعف الذي دبّ في الكيان الحضاري العربسلامي. وربما يلحظ المراقب التاريخي أبرز تلك التحوّلات في ما صار ينعت به مسيحيو البلاد العربية بمسيحيي الشّرق، والنّعت ليس بريئا.
اختُلِقت لتلك الجماعات المجتثّة هويات وقوميات عدّة: آشورية وكلدانية وسريانية وفينيقية وقبطية، إلاّ أن تكون عربية. وصارت العناوين التي تعقد تحتها المؤتمرات واللّقاءات في الغرب، بشأن مناصرة المسيحية "المستضعفة"، وتطارح إشكالياتها وقضاياها، تحت مسمّيات "مسيحيو الشّرق"، مع تغييب متعمّد لنعت "المسيحيين العرب" أو "المسيحية العربية". وغالبا ما تنتهي خلاصة الحديث في تلك اللّقاءات إلى تصوير المسيحيين المشارقة كبش فداء، واتهام الإسلام أوّلا والعرب المسلمين ثانيا. والغريب أن المغرَّر بهم صدّقوا ذلك، وراحوا يتملّصون مما يربطهم بمهدهم الحضاري الشّامل والرحب. تذكّرني واقعة نفي الهويّة والتملّص منها بحكاية شائعة في الغرب الإسلامي -تروي أنّه سئل بغل عن والده -الحمار-، استحى من ذكره، فردّ قائلا: خالي الحصان!!-.
آخر تلك النّدوات التي عقدت لتباحث مستقبل المسيحية العربية كانت خلال اليومين 16 و17 من شهر نوفمبر من العام المنصرم، بدعوة من المعهد العالمي لعلوم الأديان بباريس، والتي حضرها لفيف من رموز المسيحية العربية، منهم البطريارك ميشال الصبّاح، والأب أميل شوفاني، ورئيس أساقفة بغداد يوحنا بنيامين سليمان، والمطران جورج خضر، والأب اليسوعي المصري سمير خليل سمير. كما حضرها جمع من الغربيين ممن ينشغلون بالأديان، منهم المأسوف على ثوريته المفكّر ريجيس دوبري.
المسيحية العربية محنتها الأساسيّة واردة ممن يدّعون أنهم حماتها وأوصياء عليها، ولكن الاعتراف بذلك الواقع يتطلّب شجاعة روحية في مستوى صدق السيّد المسيح، عليه أفضل الصّلاة والسّلام، في حادثة "من لم يفعلها منكم فليرمها بحجر". فمن سخرية القدر أن المسيحيين -على افتراض أن بوش وآله منهم- هم من يجلُون ويهجّرون أتباع المسيح من دورهم وأراضيهم في العراق. فقد كان البلد يضم قبيل الحرب ما يربو على نصف مليون مسيحي، تراجع العدد مع حملة "اللاّهوتيين المحافظين" إلى ما يقارب المائتي ألف. كما أنّ أعوان بوش في فلسطين السّليبة هم من يهجّرون المسيحيين الفلسطينيين، لا حركتا "حماس" و"الجهاد" "المتطرّفتين" كما يروَّج بهتانا.

أنفاسالكنيسة ومكارِه الحداثة
حين نشر الفيلسوف الأنجليزي برتراند راسّل (1872-1970) كتابه: "لماذا لست مسيحيّا" سنة 1957، وقد جمّع فيه مقالات نشرها في ما مضى بين 1925 و1954، كانت المسيحيّة تشهد تخلّفها عن مسايرة نسق حداثة المجتمعات الغربية. في الكتاب المذكور عالج راسّل المحاور التي جعلت المنظومة اللاّهوتية في الدّيني المسيحي، ولواحقها المؤسّسية السّلطوية، غير قابلة للتعايش مع العقلانية والدّيمقراطية، اللّتين تطبعان الفكر والمجتمعات الحديثة. ولئن عرض في تلك الفترة راسل المبرّرات التي تحول دون أن يكون المثقّف الحداثي مسيحيّا، فإنّ مشروعية طروحاته تبقى حاضرة التّرجمة في واقع تراجع المسيحيّة في الغرب.
ففي معطلع العام الماضي نشرت مجلّة "عالمَ الأديان" الفرنسيّة ملفّا خاصا عن الكاثوليكية في فرنسا، التي درج نعتها بمقولة الكاردينال لانجينيو سنة 1896 "فرنسا، البنت الكبرى للكنيسة"، بينت فيه أن تلك الرّيادة في الغرب، دبّ فيها تراجع مذهل، منذ الثّورة الفرنسية ومنذ إعلان قانون فصل الدّولة عن الكنيسة سنة 1905، وذلك لعدّة أسباب: منها النزوح عن الأرياف وثورة العوائد وتصاعد الفردانية، ويتواصل ذلك الانحدار بدون توقّف حتى الرّاهن.
مازالت ممارسة الشّعائر بشكل منتظم المقياس الأكثر رواجا في قياس التديّن، وفي الحالة الفرنسية تشهد انخفاضا لافتا، فهي لم تعن سوى 10% من الفرنسيين خلال 2006. والاعتقاد في الله الذي بقي تقريبا مستقرّا حتى منتهى السّتينيات، حوالي 75%، تنازل إلى 52% مع 2006. كما أن 7% فقط يرون أنّ الكاثوليكية هي الدّين الصّحيح فحسب، وارتفع عدد الذين يقولون أنهم "بدون دين"، حيث بلغوا 31%. ويزداد تباعد النّاس من المؤسّسة الدّينية، خصوصا حين يتعلّق الأمر بمسائل ذات صلة بالأخلاق والانضباط، إذ نجد 81% مع زواج رجال الدّين، و79% كذلك، مع ترقية النّساء للمناصب الدّينية. خسر إكليروس الكنيسة تقريبا كافة سلطته الأدبية على المؤمنين في فرنسا.
والواقع أن عديد المفكّرين الكبار استشعروا مبكّرا انعزال الكنيسة، فحاولوا تدارك الخطاب الكنسي للخروج به من عقمه اللاّهوتي. كانت محاولة مصالحة الكنيسة مع الحداثة من الباب الفرنسي، مع مجموعة من المفكّرين المؤثّرين مثل: جاك ماريتان، فرانسوا مورياك، بيار إمانويل، هنري دي لوباك، وإمانويل هونيي، غير أنّ هؤلاء أدينوا بالصّمت من البابوية في روما، التي تخشى تولّد قطب مؤثّر لا يدين بالخضوع للفاتيكان.

أنفاسحاوره: أحمد الطراونة *
يرى أستاذ التاريخ في الجامعة الأردنية علي محافظة، أن التاريخ لا يعود ولا يمكن أن يعيد نفسه، مبررا ذلك بأن هنالك أمماً تنقرض وأخرى تتقدم وثالثة تخرج من الحضارة وتعود إليها أو يتوقف إسهامها في الإنسانية. ويضيف محافظة: من يقول إن التاريخ يعيد نفسه، ما يزال يعيش في الماضي ولم يعِ التاريخ والحاضر .
ويؤكد محافظة المولود في بلدة كفر جايز (إربد) سنة 1938، والحاصل على درجة دكتوراه دولة في الآداب والعلوم الإنسانية من جامعة السوربون-باريس (1980) أن الوعي بشكل عام هو وعي سياسي، والوعي بالتاريخ هو جزء من الوعي السياسي، مضيفاً: حتى تعي التاريخ يجب أن تكون متعلما، بمعنى أن الوعي مرتبط بالتعلم، وبما أن التعليم في الوطن العربي كان متأخرا فإن الوعي بالتاريخ وغيره ظل متأخرا أيضاً .
تالياً حوار مع محافظة، حول علم التاريخ، وعلاقة المؤرخ بالمثقف والسياسي، ومدى قدرة الوعي بالتاريخ على فهم المستقبل.
الطراونة : إلى أي حد يمكن أن يكون المؤرخ مثقفا، أو العكس: أن يكون المثقف كالروائي أو المسرحي أو الشاعر ملمّاً بالتاريخ أو عارفا به؟
- من الخصائص الأساسية للمؤرخ أن يكون مثقفا إذا قصدنا بالثقافة الإلمام بمختلف العلوم الاجتماعية وبمختلف قضايا الأمة ومشكلاتها، خصوصا أن المؤرخ يحتاج بشكل مباشر إلى العلم بالجغرافيا والاجتماع والاقتصاد والآثار ومجمل العلوم التي لها علاقة بعمله، وبغير ذلك لا يستطيع أن يفهم الحدث التاريخي وان يحلله ويتوصل إلى معرفة الحقائق فيه، خصوصا ان هدف المؤرخ دوما هو البحث عن الحقيقة: حقيقة الحدث التاريخي أو المسألة التاريخية التي حدثت عبر الماضي. وبغير ذلك سيكون مؤرخا أعرج أو غير قادر على تحليل الوقائع التاريخية تحليلا منهجيا دقيقا.
الطراونة : وهل ترى أن العكس مطلوب أيضا، أي أن يكون المثقف ملما بالتاريخ؟
- الروائي أو الشاعر أو القاص مضطر إلى أن يكون عارفا بالتاريخ أو بالفترة الزمنية التي تدور الأحداث فيها، خصوصا إذا كانت الرواية تاريخية أو قصة تاريخية أو مسرحية تاريخية، فلا بد له أن يفهم الحالة الاجتماعية والاقتصادية والسياسية والحالة النفسية للشخصيات التي ساهمت في هذا الحدث.

أنفاسمن الواضح أن من أهم منجزات الصحوة البورجوازية "تصنيف العلوم وتبويبها",واستقلال بعضها عن البعض الاخر,وظهور علوم جديدة لها مباحثها ومناهجها.
وعلى ذلك فليس من المستغرب أن يشهد حقل المعرفة التاريخية الظاهرة نفسها,فيظهر التاريخ كعلم مستقل بذاته عن المعارف الأخرى,ويفيد منها في الوقت عينه,ويصبح "مصطلح التاريخ"_ الذي ظهر إبان بواكير بورجوازية ما قبل الاسلام- شائعا في عصر الصحوة البورجوازية بعد غيبة طويلة إبان العصور السابقة.وتلك ملاحظة بالغة الخطورة على ارتباط العلم بالبورجوازية ,ومن ثم صدق مقولة سوسيولوجية الفكر.
ونتلمس كذلك تأثيرات الصحوة في تقدير علم التاريخ- الذي كان ينظر الى مباحثه وموضوعاته قبل الصحوة نظرة استخفاف – وتبجيل المؤرخين باعتبار "بضاعتهم" "من العوامل المؤثرة في تيارات الحياة...وتؤدي دورا تربويا وسياسيا فعالا".ومعلوم أن ارتباط العلم بالحياة وتكريسه لخدمة أغراض عملية,سمة بارزة من سمات الفكر الليبر الى البورجوازي.وهذا ينفي الرأي القائل بأن "حاجة العرب الى العلم إنبثقت من الدين".
وتقود حقيقة سوسيولوجية نشأة علم التاريخ الإسلامي الى مناقشة آراء الدارسين بصدد تلك النشأة.وتكاد هذه الآراء جميعا تضرب في اتجاه واحد وهو النشأة العربية المحضة,وإن أشارت بعضها الى وجود تأثيرات أجنبية طفيفة.
يقول العلامة أحمد أمين "إن تأريخ حوادث الإسلام في عصوره الأولى كان إسلاميا بحتا ونتيجة تطور طبيعي من الداخل..فلم تحدث تأثيرات من اليونان أو الفرس في حياة المؤرخين الأوائل ".وفي المعنى نفسه ذكر مرجوليوث "لم تكن نشأة التاريخ الإسلامي استمرارا للتواريخ القديمة,وإنما هو نمو طبيعي جاء به الى الوجود حاجات المجتمع,وتتجلى به خصائص خاصة به".ورغم تأكيده على "حاجات المجتمع"كواقع لنشأة العلم,تجاهل تلك الحقيقة حين أبرز "المغزى الأخلاقي كهدف للمعرفة بالتاريخ آنذاك".
كما وقف لاكوست على حقيقة النشأة السوسيولوجية حين رأى أن "الفكر التاريخي جاء تطورا كميا نتيجة تحول كيفي ".
أما روزنتال فقد تخبطت آراؤه في هذا الصدد,فتارة يؤكد النشأة الاجتماعية الخالصة,وأخرى يبرز دورالتأثيرات الأجنبية وخاصة في الجوانب التقنية.يقول "لم يكن هناك تأثيرات فارسية أو إغريقية فيما ابتكره المسلمون من المنهج الحولي".لكنه أثبت في موضع آخر "تأثيرات الحوليات البيزنطية وخاصة ما نسب الى المؤرخ البيزنطي أيونيس ملالاس الذي ربما عرفه العرب من طريق السريان الذين اتبعوا الأسلوب الحولي نفسه,وبالذات عند يعقوب الرهاوي".

أ معلوم أن الجهود السابقة للثورات البورجوازية تمخضت عن تراكم إبستمولوجي تاريخي من حيث المادة والتقنية، فقد تنوعت موضوعات التاريخ، وتشعبت مباحثه، وتعددت أساليب روايته وطرائقها، وتباينت رؤى رواته بما يتمشى وطبيعة التطور السوسيولوجي.
وبديهي أن تفرز الصحوة البروجوازية بنزعتها الليبرالية في التفكير أعلاماً في حقل المعارف التاريخية، لإحداث النقلة في هذا الميدان، بما يواكب التطور الجديد. ولكن الانعطافات الفكرية الكبرى لا تحدث بين عشية وضحاها، فوفقاً لقوانين الجدل يتم التحول تدريجياً، ويظل الفكر السالف يمارس فعالياته إبان عمليات التحول حتى يتلاشى رويداً رويداً، في الوقت نفسه الذي يولد فيه الفكر الجديد ليحل تدريجياً محل القديم.
وإذا ما وضعنا في الاعتبار ما سبق تأكيده من أن نمط الإنتاج البورجوازي السائد بأبنيته الفوقية ـ بطبيعة الحال ـ ولد ولادة متعسرة لم يبرأ من عاهاتها تماماً، مما أعطى نفساً للنمط الإقطاعي الآفل، أدركنا سر استمرارية أغطيته الفكرية تترنح لفترة طويلة دون أن تموت.
في ضوء هذا التحليل يمكن القول: إن المعطيات السابقة لعصور ما قبل الصحوة بصدد الفكر التاريخي ظلت متواجدة في عصر الصحوة، وأن تجاوزها تم بعد تمثلها واستيعابها، وأن هذا التجاوز تم ببطء، لأن معطيات الماضي أصبحت موضوع أولئك الذين تجاوزوا تصور الماضين له.
نفصل ذلك فنقول: إن موضوعات المعارف التاريخية السابقة ظلت في المرحلة الأولى من نشأة علم التاريخ إبان عصر الصحوة هي هي من حيث الشكل، وإن لحقها تطوير في المضمون والمنهج والرؤية. فرواية السير والمغازي وأخبار التراث القبلي والقصص القديم ظلت تشكل عصب المعارف التاريخية في المرحلة التي نحن بصددها، وإن كان من الملاحظ حدوث تطور مؤداه جمع السير والمغازي مع القصص القديم في مبحث واحد.
وقد برز في هذا الصدد عالمان شهيران هما محمد بن إسحاق (ت 151هـ ) ومحمد بن عمر الواقدي (ت 207هـ ) يعزى إليهما الفضل في تطوير هذا الفرع من المعرفة التاريخية. ولا غرو، فهما إفراز لعصر الصحوة البورجوازية أي من أصحاب الاتجاه الليبرالي، فالأول قدري الفكر شيعي الهوى أخذ بعض علمه عن عبدالله بن الحسن بن الحسين بن علي، والثاني كان ذا ميول علوية، وكلاهما حظي بمؤازرة النظام العباسي (المتبرجز) فقد اشتغل ابن إسحاق في خدمة المنصور وحاز رضاه حتى لقد كتب سيرة الرسول وأهداها إليه، كما كان الواقدي من قضاة المأمون الذي أغدق عليه لاستنارته، ومعلوم أن هذه الظاهرة من مآثر الصحوة البورجوازية.

أنفاس صفوة القول، إن الاهتمام بتدقيق المفاهيم وتقعيدها يعتبر ضروريا سواء من الناحية الإبستمولوجية أو من الناحية الديداكتيكية/التربوية خاصة إذا تعلق الأمر بمفهومي التاريخ والحضارة اللذين أعطيت لهما دلالات وتعاريف مختلفة، أحيانا متضاربة وأحيانا أخرى متكاملة تبعا لتضارب أو تكامل الحقول المعرفية والمدارس المنهجية التي توظفهما في أبحاثها وخطاباتها "العلمية".
مقدمة:
يبدو أن المراجعات النقدية والتقويمية التي تتم اليوم لبعض المفاهيم وحمولاتها المعرفية داخل "مطبخ" العلوم الإنسانية، لا زالت لم تتخلص بعد من شحنتها الإيديولوجية، ولم يتحقق لها بعد شرط الحياد والانفصال عن تلك الشحنة لإعادة تقويمها تقويما موضوعيا ومعقولا، وينطبق هذا القول على مفهوم التاريخ، وبشكل أكثر حدة على مفهوم الحضارة. فالبحث عن تحديد دقيق لدلالة هذين المفهومين يبقى صعبا وشائكا، وغير مانع في نفس الآن وذلك لعدة أسباب منها: أولها أن الحديث في موضوع تحديد مفهوم التاريخ ومفهوم الحضارة يجرنا، وبالضرورة إلى الحديث عن فلسفتهما، ثانيها وجود مقاربات منهجية وحقول معرفية متعددة تستعمل وتهتم بمفهومي الحضارة والتاريخ وموضوعهما، وثالثها تعدد التعاريف وتناقضاتها أحيانا التي أعطيت لهذين المفهومين يحول دون إعطائهما تعريفا دقيقا، شاملا ومانعا. لكن رغم هذه الصعوبات المذكورة وغيرها، فهذا لا يمنعنا من تجديد طرح الأسئلة التالية:
ما هو التاريخ وما هي الحضارة؟ وما هو إطارهما المنهجي والمعرفي؟ وأية علاقة يمكن أن توجد بينهما حاليا؟ هل من نماذج لكتابات قاربت مفهوم وموضوعة "تيمة" الحضارة من خلال الدراسات التاريخية؟
1 – إشكالية تعريف المفاهيم المركزية الثلاثة: تاريخ، حضارة، جدلية:
1-1-مفهوم التاريخ: أي تعريف؟
يقول عبد الله العروي إن ".. التساؤل حول مفهوم التاريخ أمر جوهري وتافه في آن. هذا ما قاله ابن خلدون وهذا ما نؤكده اليوم.. جوهري لأنه قائم أينما اتجه الفكر، وتافه لأن منفعته غير واضحة لكل فرد متخصص، الخطاب موجه في ظاهره إلى المؤرخ، لكنه في العمق يستهدف كل مفكر..". هكذا يؤكد العروي على أهمية البعد الإبستمولوجي لمفهوم التاريخ بالنسبة للمفكر قبل المؤرخ ما دام التاريخ في حقيقته هو المجال المفضل للفكر والتفكير العامين.

أنفاس يقول المثل الروسي "ويل للخزف إذا وقع على الصخر، وويل له إذا وقع الصخر عليه"...!
نتيجة لقسوة التاريخ, قسم الشعب الفلسطيني الى ثلاثة اجزاء, فأصبح كالمثلث باضلاعه الثلاثة: قاعدته سكان الضفة الغربية وغزة. وضلعه الأول هم فلسطينيو الشتات، بينما يشكل مواطنو" إسرائيل" الفلسطينيون، الضلع الثالث، الضلع الأقصر...وهم "المكوِّن" الأصغر، لكن ما من مثلث بدونهم. كما أنهم مختلفون لأنهم مواطنون في "إسرائيل"، مع كل المعاني الإيجابية والسلبية لذلك.
التسميات:
ان التسميات معقدة، فذلك يقول "فلسطينيي 48" وآخر "عرب 48" أو "عرب الداخل"، أو "الجماهير العربية الفلسطينية في إسرائيل"، أو "الأقلية الفلسطينية في إسرائيل" رغم مأساوية تسمية أهل الوطن بـ "الأقلية"،أو فلسطينيي الاحتلال الأول(حسب رأيي الشخصي اعتبرها افضل تسمية) ولكن بالإمكان التعايش مع هذه المصطلحات، أما "عرب إسرائيل"، فحقا انها تسمية قاسية ولا ترحم، فقد يكون لإسرائيل عرب، ولكنهم قلّة، وقلّة جدا جدا. ان أية محاولة للتحليل العلمي للظروف الموضوعية لفلسطينيي الداخل، بحكم كونهم مواطنين في دولة "اسرائيل"، لا بد ان تنطلق من بديهية كونهم لم يناضلوا يوماً ما من اجل قيام هذه الدولة اسرائيل، لم يهاجروا الى الدولة الجديدة كمعظم الأقليات القومية والاثنية في العالم، ولم يتنازلوا يوماً ما عن انتمائهم القومي لشعبهم الفلسطيني وامتهم العربية ولا عن حقهم الشرعي في وطنهم بدل الالتحاق بكيان استعماري عنصري اقيم على انقاض شعبهم.
مفهوم الأقلية القومية:
يجب ان نميز بين نوعين من الأقليات القومية "او الاثنية" في العالم. اولا، هنالك الاقليات الارادية التي هاجرت من محض ارادتها، وبغض النظر عن الأسباب التي دفعتها للهجرة الى بلد جديد تاركة البلد الاصلي والوطن وراءها بهدف الاندماج والتعايش في المجتمع الجديد الذي هاجرت اليه. فهذا النوع من الاقليات الاثنية يتخذ من مفهوم المواطنة والمساواة في الحقوق المدنية في الدولة الجديدة التي اختارها المرجعية الاساسية لحقوقه الجماعية. اما النوع الثاني من الاقليات القومية فهو الاقليات غير الارادية والتي فرض عليها الواقع الاستعماري والهيمنة الخارجية بالقوة. فهذه الاقليات القومية تمتد قضيتها الى ابعد من حدود المواطنة في الكيان الاستعماري المفروض عليها رغم كل محاولات الهيمنة والترويض التي تُمارس ضدها لأن وجودها يتنافى اساساً مع وجود الاستعمار.

أنفاستُعدّ الأطروحات الحديثة الرّائجة، بشأن منشأ اليهودية والمسيحية وتطوّراتهما، صناعة للعقل الغربي بمدارسه الأساسيّة: التاريخيّة والأثريّة واللاّهوتيّة. وقد أملى امتلاك زمام المعرفة في هذه الحقول إلى إشاعة مقولات شتّى، شرقا وغربا، صارت بمثابة اليقينيات. فقد ساهم عدم الاهتمام بتواريخ المذاهب والنّحل الأديان بين العرب، بعدم مواكبة الأبحاث والتطوّرات في هذا العلم، إلى رواج عديد الأطروحات الوافدة، وتقبّل مقولاتها دون تروّ وتثبّت، أو إدراك لأبعادها ومقاصدها.
صيغ التأريخ الحديث لأديان منطقة فلسطين وما جاورها في حضن لاهوتِيي الكنيسة الغربية أساسا، بنحلهم المختلفة، ويمكن الإشارة في هذا المجال إلى عمق تأثير "المدرسة التّطبيقة للدّراسات الكتابية" - l'école pratique d'études bibliques-، المعروفة بشكل أوسع تحت تسمية:- école biblique-، في الأوساط الفرنكفونية، التي أسّسها الدّومينيكاني م.ج لاغرانج (1855-1938م)، وهو من أبرز الدّارسين الكاثوليك للكتاب المقدّس.
ترافقت عملية التأريخ الحديثة للأديان في المنطقة الشّرقية مع فترة الخروج الأوروبي من عهود الظّلمات وانبلاج عصر الأنوار، الفترة التي احتدّ فيها الصّراع بين النّموذج المسيحيّ الغربي والنّموذج الإسلامي، الذي عرضه الأتراك، وهي فترة مثّل فيها الأواخر عنوان التحدّي للكنيسة الغربية، باعتبار تركيا حينئذ ثالثة الأثافي في مصادر الخوف الرّئيسة لأوروبا القروسطية، جنب الطّاعون والشّيطان. سعى العقل الغربي، النّاهض من غفوته على إثر قرون من الغياب، بكلّ ما أتيح له، لسحب المشروعيّة الدّينية من مزاحمه الحضاري. ولذلك مثّلت تلك الفترة أعلى مراحل نَحْلنَة الإسلام، باعتباره هرطقة وبدعة منشقّة عن الأصل المسيحي. فبعد أن تعذّر النّيل من الإسلام –الحاضر في صورة العثمانيين- عسكريا، تركّز البحث للنّيل منه عقديا ورؤيويا. وتكثّفت عملية القضْم-الهدم في منطقة فلسطين وما جاورها، مستودع الميراث الرّمزي الإبراهيمي الحنيفي، من خلال مساع لتفريغها من حضاراتها السّابقة واللاّحقة، عبر إعادة صناعة مفبركة ومحوّرَة لمخزون المنطقة، غابت على إثره تشكيلات حضارية، أو هُمِّشت وبخست قيمتها.
وقد شكّل موضوع عرْقَنَة اليهودية، من خلال ربطها بجماعة بشرية محدّدة، مُيِّزت عمّا سواها، عرقًا ولسانًا ودينًا، المحور الذي بُنيت حوله النّظريات وصيغت له الدّعامات. لذلك يلاحظ المتابع للرّؤية الغربية بشأن اليهودية عرقنة لهذه الدّيانة وحصرا لها، يتناقضان مع مقرّرات البحث الموضوعي للتاريخ الدّيني في المنطقة. تَشَارَك في تلك العرقنة كتّاب متهوِّدون وآخرون كنسيِّون، شرعوا في لملمة "الهوية العبرية" انطلاقا من إبراهيم الخليل (ع) الأوري الكلداني، الوافد على فلسطين من العراق، لتُعاد الصّياغة الثانية للـ"الهوية اليهودية"، مع فترة الفوران النّبوي الذي امتدّ من موسى(ق. 12-13ق.م) إلى عزرا (ق. 5-6 ق.م)، ولتنتهي إلى إرساء "الهوية الإسرائيلية" الحالية.
كان سكّان فلسطين الأصليين ومن جاورهم، والمتقاطرين حتى تاريخنا المعاصر، أكثر الأهالي تغييبا، في تلك الخلاصة التاريخية. لذلك تجد الفلسطيني الحالي، المار عبر تحوّلاتِه التاريخية من أديان ما قبل التوراة، إلى اليهودية، إلى المسيحية، إلى الإسلام، غائبا أو ظلاًّ باهتا في أدبيات تاريخ الأديان الغربية التي أرّخت للمنطقة، وإن سَمّتهم فبنعت البدو تحقيرا وتهميشا.