الحافلة تمضي بلا توقف، يشق صوت محركها الهادر المنهك هذا السكون الممتد إلى ما لا نهاية، تعبُر هذه الفجاج الموحشة المقفرة. الطريق ممتدة كخيط رقيق بين كثبان الرمال بالكاد يتيسر لسائق الحافلة رؤيتها. يكابد ليتفادى الاصطدام بقطيع جمال يشق الطريق متهاديا في سكينة، ويحاول أن يتجنب الدوس على زاحف يعبر لاهثا وراء فريسة يريد اقتناصها في هذه الهاجرة الناشبة مخالبها في كل شيء، في اللحم والحديد والنباتات الصحراوية التي تكابد لتتخطى هذا الصيف الجارح العنيد الذي يأبى الرحيل سريعا.
أفكار كثيرة راودته منذ امتكن في المقعد الثالث وراء السائق في هذه الحافلة نصف الخالية من الركاب القلائل الذين يسعى كل منهم إلى مأرب، تطوح بهم المقادير نحو دروب مجهولة، ترميهم متاهة إلى متاهة ويقودهم درب إلى درب. قدموا من كل فج عميق ليعبروا هذه الحياة الزاخرة بالفراغ والعذاب والهجر، فإذا اللهاث وراء تحقيق الغايات والمآرب يصبح ضربا من العبث واللهو الطفولييْن الذي ينتهي عادة بالركون إلى إحدى الزوايا في انتظار طيف يعبر ليحقق للحالمين أحلامهم.
العينان غائرتان تدوران في المحجرين الغائصين تحت تجويفات بين الحاجب وعظام الخد البارزة. والشعر أغبر غلب بياضُه سوادَه. الفم أدرد تناثرت أسنانه فما عاد يصلح إلا للتمتمة بألفاظ السباب والشتم. والجبين مغضن بالتجاعيد الشاهدة على سنوات سبع من التيه والعذاب في هذه البيداء المترامية الممتدة بلا حدود. والجسم ناحل هزيل يلفه قميص بهتت ألوانه بل اختفت تحت طبقة من الوسخ والتراب. أظافر اليدين طويلة بما يكفي لهرش الجسد المزروع في المقعد الثالث لهذا الصندوق الحديدي بصوته الهادر الذي يشق سكون هذه الصحراء الفسيحة.