المسلمون يقولون بالتوحيد بل إن عنوان دين الإسلام هو لا اله إلا الله ولكن الفلاسفة وعلماء الكلام فلسفوا هذا التوحيد وبحثوه بحثا كلاميا وعمقوه تعميقا جدليا وأضفوا عليه صيغا منطقية ومصطلحات فلسفية وعدد الذين شكوا في وجود الله ووصلوا إلى مرتبة الإلحاد والزندقة يعدون على الأصابع، فمعظمهم ينطلق من أن الله صانع العالم ومبدع الكون ويقيم أنساقا معرفية ومناهج فلسفية كلها تبرهن وتثبت وجود الله لكن إن اتفق المسلمون أن الله تعالى واحد اختلفوا في علاقة ذاته بصفاته وعدد أسمائه الحسنى و قالوا أن كثير من الآيات القرآنية والأحاديث النبوية تنسب إلى الله العلم والقدرة والإرادة والحياة والكلام فهل هذه الصفات هي أسماء زائدة أم عين الذات؟ بعبارة أخرى هل الأسماء مجرد صفات أم عين للذات الإلهية؟ ثم ما الفرق بين التصور الاعتزالي والتصور الأشعري للذات الإلهية؟ ألم يقع التصور الكلامي برمته في خطأ منهجي هو قياس الغائب الإلهي على الشاهد الإنساني؟
1- الله عند المعتزلة:
يقصد المعتزلة بعلم التوحيد العلم بأن الله تعالى واحد لا شريك غيره فيما يستحق من الصفات نفيا وإثباتا على الحد الذي يستحقه والإقرار به وهذا الحد الذي يستحقه هو عندهم التنزيه المطلق للذات الإلهية ونفي المثلية عنها بأي وجه من الوجوه وفي إطار هذا التنزيه المطلق نشأت عندهم مباحث متعددة كمبحث الذات والصفات. إن معرفة الذات الإلهية عند المعتزلة واجبة لما تؤدي إليه من الالتزام بحدود الشريعة الذي هو غاية وهدف الدين الإسلامي ولأن المفهوم الاعتزالي للإيمان والذي أساسه العمل يستوجب معرفة الحقيقة الإلهية والاقتناع بها مما يدفع إلى كمال العقل والتشبث بالطاعات العملية ولذلك فان شيوخ الاعتزال وجهوا جهودهم إلى تركيز حقيقة التوحيد في النفوس واستعملوا في ذلك مختلف الأساليب والمعطيات الفلسفية والطبيعية هادفين إلى أن يصل التصديق بهذه الحقيقة إلى مرتبة الدفع إلى العمل وأجمعوا على أن الله واحد ليس كمثله شيء وأنه ليس بجسم طبيعي أو حيواني وأن ذاته ليست مؤلفة من جوهر ذي أعراض تدركها الحواس وأنه منزه عن عوارض المادة وخواصها وأنه بسيط يستحيل عليه التجزؤ ولا يحيط به المكان ولا يجري عليه الزمان ولا تحدده الحدود والنهايات ولا تحيط به الكميات، انه تام الكمال بحيث لا يتصور له شبيها ووجوده أزلي لا شاركه في الأزل أحد،فالله واحد لا شريك له من أي جهة كانت ولا كثرة في ذاته البتة وهو خالق الجسم وليس بجسم ولا في جسم ومحدث الأشياء وليس بمحدث منزه عن كل صفات الحدوث.
قراءة في المقالة السابعة من "الطبيعة"
بقدر ما يبدو صعبا رصد المسار الفلسفي-السياسي لمفكر من طينة "كورنيليوس كاستورياديس"، المتشعب والمتوغل في ذاكرة قرن فائر بالثورات والاضطرابات العظيمة التي لا يزال وعينا الراهن مشدودا بقوة لنتائجها، بقدر ما أن أصالته وحيويته الفكرية التي تواصلت على مدى نصف قرن تسمح برسم صورة واضحة لذلك المفكر المقاتل، المتعدد/ المتوحد في جبهاته الثلاث: الفلسفة، السياسة والتحليل النفسي. صورة نستعيد من خلالها ملامح مقاتل مقدام، خاض حروبا كثيرة بشجاعة نادرة وكفاحية عالية، إنما أيضا بحكمة بليغة وعميقة تنتصر للحقيقة في وضوح الفكر، ورهان الفعل من موقع سياسي مكشوف: لم توجد الفلسفة لتحايد ولا أن تسلم الأسلحة، لا في زمن الحرب ولا في زمن التسوية.
تقديم:
«
الفلسفة العربية الإسلامية هي إحدى الحركات العقلية التي نشأت في ظل الإسلام وحضارته وارتبطت به بأنواع مختلفة من الارتباط . فإن الإسلام لم يعبر عن ذاته بعلوم الدين والنقل فقط، بل لقد وجد في علوم الفكر والعقل أيضًا متسعًا فسيحًا للتعبير عن هذا الذات.
ثمانية قرون تفصل بيننا وبين المفكر العربي القرطبي الكبير ابن رشد، بيد أن هذه الفاصلة الزمنية الهائلة لم تلغ اتصاله بنا واتصالنا به، فكراً وعلماً وفلسفة. لقد كان الرجل فيلسوفاً بارعاً، خلّف لنا آثاراً شامخة في الحكمة،أبرزها:(تهافت التهافت)،(مناهج الأدلّة)،(فصل المقال) وكتاب في الطب أسمه(الكليات). كان ابن رشد نابغة أهل زمانه، لكن نبوغه كان وبالاً عليه، فقد رمي بتهمة المروق من الدين، ونفي خارج مدينة قرطبة، ثم أحرقت كتبه، وحُرّمت دراسة الفلسفة! بيد أن المحنة لم تدم طويلاً، فقد رد الاعتبار إلى الرجل بعد مضي سنة على المحنة، بفضل من ذوي الفضل وأصحاب الضمير. وفي ليلة الجمعة (11ديسمبر 1198م)الموافق 10صفر595هـ، وفي مفتتح دولة الناصر بالأندلس كانت الفلسفة محمولة على ظهر جمل. الجمل خرج من مراكش قاصداً قرطبة، وكان يمشي وئيداً، لكنه ما كان يحمل جندلاً أو حديداً.. كان يحمل كتباً ضخاماً في جهة، وجثمان رجل في الجهة الأخرى. الرجل هو ابن رشد، الذي مات جسداً، ولم يمت فكراً وروحاً.. أليس هو القائل:"تموت روحي بموت الفلسفة"؟. لقد كان ابن رشد ظاهرة بكل ما تعني هذه المفردة من معنى.ز ظاهرة متفردة في عصره، وصار جسراً من جسور الفلسفة العربية التي امتدت إلى أوربا. وبرغم الأجواء العدائية التي غلفت ابن رشد، إلا أنه قد استطاع بإصراره وأصالة تفكيره أن يضع أُسساً فكرية ونقدية تنم عن تحرر عقلي لا يستسلم للأجواء الملبدة بالغيوم والمصحوبة بقصف الرعود. كان هاجس ابن رشد هو إدراك الحقيقة.. وهذا حسبه.
عادة ما يتم الأخذ بسنة 1798م كبداية لمشروع النهضة العربية، التي حاولت تغيير واقع الإنسان المفتقر للعلم والتفكير العقلاني والممارسة الديمقراطية. من الجلي أنه على ما يزيد من قرنين مرا على محاولة تحقيق ذلك، ما زالت الكثير من إشكاليات النهضة لم تحل لأنه مازال المفكر العربي إلى الآن يطرح نفس الإشكاليات النهضوية حول الدين والفلسفة، الدين والسياسة، وقيمة المعرفة العقلانية مقابل المعرفة الدينية، وطبيعة العلاقة المفترض إقامتها مع الغرب. حيث يقول برهان غليون: <<...بل أن العديد من المثقفين انتبهوا إلى أننا عدنا نطرح اليوم نفس المشكلات التي كان يطرحها منذ أكثر من قرن جيل النهضة.>>()، ويظهر أن العائق المركزي الذي أدى إلى الفشل في تحقيق النهضة، والذي انتبه إليه من انصب اشتغالهم على نقد مشروع النهضة، يتمثل في ميل المفكرين إلى اتخاذ المواقف التوفيقية، وقبول الحلول الوسطى. هذه التوفيقية أو كما سماها نصر حامد أبو زيد بالتلفيقية تجنح في آخر المطاف إلى التمسك بالماضي وبالدين أساسا. وقد اكتفى رجال الإصلاح بتقليد المرحلة الأولى من الحداثة الأوروبية. كما رأى بن مزيان بن شرقي() في كتابه "التاريخ والمصير". لأن المستوى الأول من الحداثة الغربية كان يتجه إلى استرجاع التراث الإغريقي، أما المستوى الثاني فعلى العكس اتجه إلى المستقبل بعد تطور العلوم التجريبية. وهذا ما يفسر أن العرب بقوا حتى سنة 1967م يريدون تغير أحوالهم باسم مشاركتهم السابقة في الحضارة. وميل مصلحي النهضة إلى الماضي لم يكن عفويا بل كان نتيجة ما تعرضوا له من ضغوطات جعلتهم يقدمون تنازلات و ترضيات للاتجاه السلفي. إذا ما هي الأسس الفكرية التي بني عليها مشروع النهضة العربية الإسلامية، وما حقيقة العوائق التي حالت دون أن يحقق أهدافه؟