"إن عقلانية باشلار ما فوق عقلانية. وهو يعرف كيف يُعلم العلم والحلم معاً".جان فالمقدمة:
بدايةً، لا بُد من الاعتراف باستحالة الإحاطة بمشروع باشلار (Gaston Bashlard) المعرفي بجوانبه الإبستمولوجية، والعلمية، والتاريخية، والشاعرية في مقالة أو حتى في كتاب، ولكننا سنحاول في هذه المقالة عرض خيط رفيع من هذا المشروع العابر لجدلية: العلم والفلسفة، الاتصال والانقطاع، العقل والوجدان، الخيال والواقع، الحدس والتجريب، الموضوع والذات، وذلك بهدف تقديم مقاربة مغايرة لموضوع المعرفة العلمية، هذه المعرفة التي يُمكن رؤيتها من خلال منظورين: الأول، منظور عقلي-تجريبي، حيث المعرفة العلمية تخضع للتجربة والقياس المنطقي، وكل ظاهرة قابلة لأن يُعبَّر عنها بمعادلة رياضية دقيقة، وقد أفرز هذا المنظور اتجاهات تقتنع بموضوعية المعرفة العلمية وإمكانية فصل المعرفة عن الذات العارفة، ويُعد جاليليو (Galileo) وديكارت (René Descartes) من الآباء الروحيين لهذا المنظور، والثاني منظور يرى أثر العوامل النفسية والشروط الاجتماعية والمعتقدات الشخصية على النظريات العلمية، حيث أن هناك عناصر من الخيال والحدس تساهم في عملية تكوين المعارف العلمية أو صياغتها، ويُعتبر باشلار أهم دليل على هذا المنظور.إذن، في هذه المقالة سنتطرق إلى المشروع الباشلاري، كمشروع علمي- معرفي-فلسفي، تأسس على عقلانية علمية حاورت تجريبية بيكون (Francis Bacon) ووضعية كانط (Immanuel Kant)، متنقلاً من عقلانية تطبيقية إلى عقلانية صوفية انفتحت هذه الأخيرة على أشعار بودلير (Charles Pierre Baudelaire)، وريلكية (Rainer Maria Rilke)، ورومانتيكية نوفاليس (Novalis). لقد وضع باشلار مشروعه في مراحله الأخيرة تحت راية التحليل النفسي وطاقات الشعر العالية. ومن يعرف باشلار عالماً عقلانياً من خلال قراءات مؤلفاته الأولى: تكوين العقل العلمي، فلسفة اللا، العقلانية التطبيقية،... الخ، قد يستغرب من هذا الرجل العقلاني وضع مشروعه بعيداً عن عقلانية القرنين الثامن عشر والتاسع عشر بكل يقينياتها، والدخول فيها إلى مختبرات الشعر في كل ما تحمله من لايقين، ولكن نظرة باشلار للعقلانية تختلف عن نظرة عصر التنوير والفلسفة الوضعية، التي اعتقدت بفصل العقل عن اللامعقول، بفصل العلم عن الأدب، وقللت من دور الحدس والخيال في الوصول إلى المعرفة، ولم تعترف بالعلاقة الجدلية بين الوعي واللاوعي، وبين الحلم والواقع، على العكس فباشلار يرى أن تركيبتنا النفسية يشتبك فيها الواقع بالحلم، والوعي باللاوعي، والعقل بالخيال، لذلك فهو كثيراً ما كان يعثر على "نظرة ذات أعماق متكافئة من عنصري العقل والخيال، فالعلم والشعر لدى باشلار هما حدسان كامنان في الإبداع البشري، وهما الرغبة الكامنة لإضفاء معنى وجمال ما على العالم" (محمود، 2005: 7). ولهذا، كان مشروع باشلار في مراحله الأخيرة يهدف لتوجيه العقل نحو المباهج الأخرى للرضا الفكري-مباهج العلم- تأسيساً على تحليل نفساني للمعرفة الموضوعية، حيث يُعتبر العلم بالنسبة له جمالية العقل، فلا فصل بين الواقع والحلم، بين الأدب والعلم، بين العقل والوجدان.
تمخضت حقوق الإنسان و التي تبدو اليوم، في غالب الأحيان، وكأنها مسألة بديهية وتلقائية، عن تحول عميق طال مفهوم طبيعة الحق. والذي امتد عبر مدة طويلة، منذ أفول العصور الوسطى إلى الثورة الفرنسية. هذا التحول هو الذي ولد، في جميع الميادين، ما يعرف بالحداثة.
"
"المرأة لا تُولد امرأة
بين الفلسفة والادب والفكر من اواصر التواصل وشباك التواشج مالايلغي نقاط التفاصل وعلامات التفرد وسمات التمايز .تمتد جذور الخصومة بين الفلسفة والادب في الفكر الغربي الى العصور القديمة .. في عهد الاغريق ، عندما ربط افلاطون المعرفة بالفلسفة فيما وسم الشعر بالانفعال والعاطفة وجعله نقيض الفلسفة وعدوها اللدود .. وفي القرن السابع عشر ومع ظهور النزعة العلمية والاكتشافات الجديدة .. بان جلياً ان الفصل بين الفلسفة والادب كان قد تجسم على يد الفيلسوف الفرنسي ديكارت الذي جاهر بعداوة شديدة للشعر والشعراء حتى قيل فيـه انه : (( حز عنق الشعر )) كما هاجم توماس لف بيكوك في كتابه (( عصور الشعر الاربعة)) الادب وعده نشاطاً متخلفاً لاينتمي الى روح العصر الذي تهيمن عليه المعرفة والعقل والتنوير وحاكى وجهة نظره هذه الفلاسفة النفعيون مثل جون ستيوارت مل .
لقد اعتبرت مسألة الميتافيزيقا والشعر من أهم المسائل التي تناولها الفلاسفة بداية من أفلاطون وأرسطو وصولا إلى مارتن هيدغر و هانس جورج غادامير، حيث عرفت العلاقة بينهما لحظات صراع وعداء، ولحظات التقاء وحوار، إلا أننا قد نجد وراء الصراع الظاهري مؤشرات و معالم غير مرئية توحي بالارتباط و التكامل، وبذلك فإن الصراع بين الميتافيزيقا والشعر يبدوا أقرب إلى صراع طرفين متكاملين، فالتجربتان لا تنيان تتقطعان و تتوازيان، بل وأحياناً تختلطان، حيث أن الشعر والميتافيزيقا صورتان إنسانيتان للتعبير عن الوجود، كما أن منطلقهما هو الإنية المتفاعلة روحياً وعقلياً مع ذلك الوجود.
تشيد الحداثة على أقانيم محددة تشكل نظاماً فكرياً واحداً ينتج الفعل الأداتي الصارم في التطبيق ضمن عنايتها بالعالم الواقعي .. الذي تعمل على دراسته بصفته موضوعياً ( مادياً ) .. قائماً لذاته ومستقلاً عن العقل على ضوء تحليل المفاهيم .. وهي إذ تفعل ذلك فإنما تسعى للوصول الى اليقين ودراسته لأنها ترى أن لكل شيء جوهراً كضرورة لوجوده .. وهي إذ تقوم على تأصيل الثنائيات الضدية ضمن صدام مرير بين ( إرتدادات الماضي .. وإشرئبابات المستقبل ) فإنها تقول بوجود قيم أفضل من بين مجموعة قيم مختلفة .. فالحداثة القائمة على فلسفة الذات ونفي الآخر .. أنتجت وسائلها ، الصدام الإستعماري المعروف بين التمركز الغربي من جهة والثقافات الغيرية من جهة ثانية . لأن الحداثة تفهم نفسها – التمركز الغربي – على أنها قطيعة مع الماضي الآخر / الشرق .. في حين أن هذا الشرق لا ينفك من الحضور في الثقافة الغربية بشكل من الأشكال .. أما إستخدام التراث من الطرف الآخر ضد الحداثة فهذا الإستخدام غير منتج وعقيم . الأمر الذي حدا بفلاسفة الإختلاف لتوجيه نقودات لاذعة لـ (( فلسفة الذات والهوية )) بإعتبارها أداة لتهميش (( الآخر سواء كان هذا الآخر كتابة ( دريدا ) أو رغبة ( دولوز ) أو حمقى ( فوكو ) . )) في عملية زحزحة لمفهوم ( الذات ) الكلية المتوحدة عن مركزه لإحلال مفهوم آخر هو مفهوم الذات المتموضعة .. المتشظية والتي يعاد بناؤها بإستمرار.. في عملية إنتاج مفاهيم جديدة لا تؤمن بإستقلال الواقع عن العقل .. بل تدرسه دراسة خلاقة لأنها تعد العالم ( بناءات عقلية ) .. لاوجوداً موضوعياً . ان دعائم ما بعد الحداثة تقوم على اساس تفضيل إنتشار ( الإختلاف ) أكثر من إنتاج الثنائيات الضدية .. وفيها يتم التعامل آركيولوجيا لاستيلاد الاخر المقصي .. يقول جيل دولوز : (( إن الآخر ليس هو ذلك الموضوع المرئي ، وليس ذلك الاخر . إن الاخر بنية الحقل الحراكي كما إنه نظام من التفاعلات بين الأفراد كأغيار . فحين تدرك الذات شيئاً ما فإنها لا تستطيع أن تحيط به في كليته إلا من خلال الآخرين ، فالآخر يتمم إدراكي للإشياء )) .
للنظر الى أبعاد معينة بغية فهمها يتطلب الأمر مقاربتها من منظور مقارن يبلور رؤانا المركبة عندما يتم تشغيل هذا المنظور لإستدعاء علائق المعنى في إطار النظرة النقدية وجدليتها المصوبة نحو التضاد والإختلاف ذلك ((فإن المعاني يمكن أن تفهم على نحو وافٍ فقط في ضوء الإشارة الى التضادات والإختلافات المحددة التي تزيح المعاني المرتبطة بها )) .. ولكي نستحضر ما بعد الإنسان لابد من إستجلاء مفهوم ما بعد الحداثة في سياق التجاذبات النقدية مع إطروحة الحداثة وما قبل الحداثة من تطورات فكرية أسست في ما بعد لما وصلت اليه الموجة العولمية من آلية فكرية في العالم مع دينامية إجتماعية في العالم الغربي ..
"النهر للمنبع لا يعود
"
1- مفهوم الفن في فلسفة (فـ-نيتشه)