يُعْتَبَر ابن خَلْدُون ( 732 ه / 1332 م تونس _ 808 ه / 1406 م مِصْر ) المُؤسِّسَ الفِعْليَّ لِعِلْمِ الاجتماعِ ، والمُنَظِّرَ الأوَّلَ له ، وَهُوَ أوَّل مَنْ حَلَّلَ أسبابَ قِيامِ الحَضاراتِ وسُقوطِها بأُسلوبٍ مَنطقيٍّ قائم على قواعد المَنهجِ العِلْمِيِّ في البَحْثِ ورَبْطِ الأسبابِ بالنتائج ، وَبَيَّنَ أنَّ لِقِيَامِ الحَضَارةِ وانهيارِها أسبابًا مُتداخلة ، سِياسية واجتماعية وأخلاقية واقتصادية .

     عَرَّفَ ابْنُ خَلْدُون الحَضَارةَ بأنَّها " تَفَنُّنٌ في التَّرَفِ ، وإحكامُ الصنائعِ المُستعمَلة في وُجوهِه ومَذاهبِه ، مِنَ المَطابخِ والمَلابسِ والمَبَاني والفُرُوشِ والأبنيةِ وسائرِ عَوائدِ المَنزلِ وأحوالِه " . كَما أنَّهُ عَرَّفَ الحَضَارةَ ضِمْنَ الإطارِ الاجتماعيِّ والتاريخيِّ بأنَّها " الوُصولُ إلى قِمَّةِ العُمْران ، والتَّطَوُّرُ الثقافيُّ والشَّخصيُّ للمُجتمع ، والدُّخُولُ للرُّقِيِّ الاجتماعيِّ الثابت " .

     والحَضَارةُ مِنْ وِجْهَةِ نَظَرِهِ هِيَ نِهايةُ العُمْرَانِ ، والطبيعةُ الجُغرافية لها دَوْر مُهِم في تَطَوُّرِ العُمْرَانِ ، حَيْث تَختلف الأقاليمُ الحَارَّةِ عَن الباردةِ ، وأيضًا ، عمليةُ التَّحَوُّلِ والانتقال مِنَ البَدَاوَةِ للحَضَرِ ، وكذلك السِّياسة والحاكمية والثَّرْوة والمال الذي يأتي مِنَ العَمَلِ والإنتاج . وَهُوَ يَعتبر أنَّ العَدْلَ عاملٌ مُهِمُّ في تَطَوُّر العُمْرَانِ ، والظُّلْم أحد أسبابِ الانهيارِ ، فَهُوَ مُؤْذِن بِخَرابِ العُمْرَانِ وَسُقوطِ الحَضَارةِ .

     مِنْ أهَمِّ نظريات ابن خَلْدُون في تَكوينِ الحضارةِ نظريةُ العَصَبِيَّة ، وَهِيَ الوَعْيُ الجَمَاعيُّ والتضامنُ والوَلاءُ القَبَلِيُّ أو الوطنيُّ أو الحِسُّ المُجتمعيُّ، وهي التي تَجْعَل مِنْ جَمَاعةٍ مُعيَّنة جَمَاعةً قوية . والعَصَبِيَّةُ هِيَ الركيزةُ الأساسيَّةُ لأيِّ نَشاطٍ سِياسيٍّ واجتماعيٍّ في بِناءِ الحَضَارةِ ، والمُحَرِّكُ الأوَّلُ للمُجتمع . مِثْلَمَا يُعَدُّ الإنسانُ الثَّروةَ الحقيقية لِكُلِّ حَضارةٍ. وَهُوَ يَعتقد أنَّ للحَضَاراتِ أعمارًا كما أنَّ للأشخاصِ أعمارًا ، ومراحلُ قُوَّتِها وضَعْفِها مُشابِهة تَمامًا لِمَراحلِ حَياةِ الإنسان .

     وللدُّوَلِ أعمارٌ لا تَتَعَدَّى مِئة وعِشرين عامًا، وتَمُرُّ بِثَلاثةِ أجيال: الخُشونةُ والبَسالةُ في المَجْدِ، والتَّرَفُ والانكسارُ وَضَعْفُ العَصَبِيَّة ، والتَّرَفُ والعَجْزُ عَن المُدَافَعَةِ وانقراض الدَّولة .

     حَلَّلَ ابنُ خَلْدُون الحَضَارةَ وأزمةَ الإنسانِ ، ورَأى أنَّ انهيارَ الحَضَارةِ مُرتبط بِبُعْدِ الإنسانِ عَن المَبادئِ والقِيَمِ ، لِهَذا وَجَبَ أنْ تُبْنَى الحَضَارةُ على الأخلاقِ ، وأكَّدَ على مَبدأ التفاعلِ بَين الحَضَاراتِ ، حَيْثُ تأخذ كُلُّ حَضَارةٍ إنجازاتِ الحَضَارةِ التي قَبْلَهَا ، عَبْرَ جَدَلِيَّةٍ حَضَارية وَتَفَاعُلٍ بَنَّاء ، يَقُومُ على التَّعَاوُنِ لا الصِّدَامِ . والحَضارةُ مَتَى مَا وَصَلَتْ إلى ذِرْوَةِ النَّعيمِ والتَّرَفِ ، فإنَّ هَذا يُهَدِّد بِسُقوطِها وانحلالِها .

قلّة في عالم الجنوب ظلّت في مأمن من "غواية الغرب"، ولو رمنا توصيف هذه الغواية بشكليها الطوعي والقسري، لقلنا هي وصفة محكمة من الاستلاب والاستمراء. تنبّهَ جملة من المفكرين الكبار، ممّن عملوا على تفكيك هذه الظاهرة في حدود الموضوعية العلمية، إلى ضرورة فهمها والتوقّي من آثارها. منهم الراحل حسن حنفي، والمفكر نعوم تشومسكي، وعالم الاجتماع شموئيل نوح إيزنستادت. في كتاب من تأليف الإيطالي ماسيمو كامبانيني حوْل المفكر المصري حنفي، اعتبر أنّ علاقة العرب المضطربة بالغرب، تعود في شقّ واسع منها إلى عدم التناصت. لاختلاف "الطبقات الفهمية" على غرار تنافر "الطبقات الصوتية"، وكأنّ هناك تفاوتا في التسامع يصدّ عن الإصغاء السويّ. وأنّ العرب ليس أمامهم سوى تطوير نظر علمي، بحسب ما دعا إليه حنفي في "مقدمة في علم الاستغراب"، للفوز بتخاطب سوي مع الغرب، والخروج من ثنائية الغواية المضلّلة والكره الأعمى.
وأمّا مع تشومسكي الذي قضى ردحا من حياته ولا يزال في مقارعة سطوة الغرب على العالم، فهو يدعو إلى تحرير الوعي الجمعي من ضلالاته، بهدف التحرر من بطاركة العالم، ولهذا عدَّ نزع تلك الغشاوة بمثابة العمل العلمي الموازي لاهتماماته الألسنية. فكلاهما يسير قدما لترسيخ منظور موضوعي مجرّد لما يحفّ بالإنسان من ظواهر. في حين مع عالم الاجتماع شموئيل إيزنستادت فقد جاءت النظرة من باب مراجعة مفهوم الحداثة الغربية المحوري، بهدف التحرر من ذلك الإغواء الآسر. فلطالما ساد النظر إلى الحداثة بمثابة "الحاوِية المعبَّأة"، وأن المجتمعات التوّاقة إلى هذا المغنم، لا مناص لها من القبول بالحمولة كلّها. وهو ادّعاء ساد على مدى عقود طويلة في النظر إلى هذا المنجَز البشري، وخلّفَ أنواعا شتى من الاستلاب. كشف إيزنستادت زيف هذا الفهم الأحادي للحداثة، وما ينطوي عليه من تجنٍّ بصهْرِ الحضارات في بوتقة الحضارة الغربية، وعمِل على إدراج تحوير جذريٍّ بطرح مقولةِ "الحداثات المتعدِّدة"، في مقابل الحداثة الوحيدة. فعالَم متعدِّدٌ هو أحوج ما يكون إلى فهْمٍ متعدِّدٍ، هكذا راعى إيزنستادت ديناميات التعدّد، ومن ثَمّ إمكان أن تبنيَ تكتلات حضارية جنوبية حداثتها من داخل أنماطها الخاصة، بعيدا عن الخيارات القسرية الواحدة.

يعتبر كتاب الدكتور عبد الأحد السبتي الموسوم" من عام الفيل إلى عام الماريكان" الذاكرة الشفوية والتدوين التاريخي"، كتابا ثمينا من نوع الكتب التي تقرأ أكثر من مرة، تلك الكتب التي تجعلك تسجل ملاحظات جديدة عند كل قراءة. كما أنه من نوع الكتب التي لا تقرأ قراءة مباشرة، حيث يجد القارئ نفسه في كل لحظة محتاجا للبحث في موضوع جديد، إذ لا يمكن فهمه إلا بعد ربطه بمجموعة من الكتب في مجالات علمية متعددة أثرت في المشروع العلمي لعبد الأحد السبتي الذي انتقل فيه من هاجس نمط الإنتاج والتشكيلة الاقتصادية والاجتماعية (أحمد توفيق، بول باسكون، عبد الله العروي...) إلى تركيبة تؤلف بين التاريخ الاجتماعي والأنثروبولوجيا والمقاربة النصية (جاك بيرك، ميشيل فوكو،لوفي ستروس، بول ريكور...).
لقد واكبت المقاربات التي تبناها السبتي في مشروعه التطور الذي عرفته الكتابة التاريخية مع " مدرسة الحوليات" الفرنسية و"مدرسة التاريخ من أسفل " البريطانية ومدرسة التاريخ الشفهي الأمريكية ومدرسة السوبالتيرن ستاديز الهندية…
ويندرج كتاب من عام الفيل إلى عام الماريكان في سياق التطورات التي عرفتها المعرفة التاريخية التي لاحظها فوكو في مدخل كتابه حفريات المعرفة إذ "أن الأدوات الجديدة التي صارت بيد المؤرخين مكنتهم أن يتبنوا داخل حقل التاريخ، طبقات رسوبية متباينة، فحلت مكان التعاقبات الخطية، التي تشكل موضوع البحث التاريخي عمليات سبر الأغوار بدءا من الحركية التي تطبع السياسة حتى التباطؤ الذي يميز الحضارة المادية، وتعددت مستويات التحليل، وتميز كل منها بانفصالاته الخاصة... وهكذا اخلت الأسئلة التقليدية التي كان التحليل التاريخي يطرحها (نحو ما الرابطة التي تجمع بين أحداث مشتتة؟ كيف نوجد بينها تسلسلا ضروريا؟ ما الاتصال الذي يسري فيها؟) أخلت السبيل لتساؤلات من نوع جديد (ما المراتب التي ينبغي إثباتها بين هذه السلسلة وتلك؟ وداخل أي جدول زمني رحب يمكننا أن نميز مجموعة من الأحداث؟)

الفلسطينيون شعبٌ ذو تاريخ عريق وجذور راسخة في أرضه وتقاليده. لآلاف السنين، كانت فلسطين محوراً لأحداث تاريخية كبرى. تنتمي فلسطين إلى الهلال الخصيب الشهير في عصور البشرية القديمة، موطناً لبعض أوائل المجتمعات الزراعية في العالم.

كان يغلب على المجتمع الفلسطيني التقليدي الطابع الزراعي. تاريخياً، عاش معظم الفلسطينيين في قرى صغيرة، غالباً بين أقاربهم. وللأرض قيمة خاصة في الثقافة الفلسطينية، فقد عبّر عنها الشاعر الفلسطيني الشهير محمود درويش بقوله: "الأرض التي نحملها في دمنا". وعلى عكس بعض المجتمعات الزراعية الأخرى، كان العمل الزراعي يُمارس بشكل جماعي.

على مرّ القرون، بنى الفلسطينيون تلال وطنهم الصخرية على نطاق واسع، مُدرّجات. ولا تزال هذه الجدران الاستنادية الحجرية، المعروفة باسم "السناسيل"، تتقاطع على سفوح تلال الضفة الغربية، وقد أدرجتها اليونسكو ضمن قائمة التراث العالمي. كما بُنيت المنازل على مرّ السنين من الحجر بدلاً من الطوب أو الأخشاب، مستفيدةً من الموارد الأكثر وفرةً في المنطقة.

جعل مناخ فلسطين المتوسطي مثالياً لزراعة محاصيل مثل الحمضيات والزيتون. وأصبح البرتقال، الذي يُشحن من يافا، فاكهةً مشهورةً ومُقدّرةً في شمال أوروبا في أواخر القرن التاسع عشر، قبل اختراع التبريد. في الماضي البعيد، اشتهرت مدينة غزة كميناء تجاري قديم.

ترتبط أشجار الزيتون ارتباطاً وثيقاً بفلسطين لدرجة أنها تكاد تكون مرادفة للمنطقة. ولعل هذه المنطقة كانت أول مكان بدأ فيه البشر زراعة هذا المحصول.

على الرغم من وجود مجال واسع لمزيد من التطور، إلا أن المجتمع الفلسطيني الحديث يتمتع بمستوى تعليمي عالٍ ويضم طبقة مهنية كبيرة. منذ النصف الثاني من القرن العشرين، أصبح من الشائع أن تعمل النساء خارج المنزل وفي مزرعة العائلة.

تعكس الثقافة الفلسطينية الحديثة التقاء العديد من الشعوب في فلسطين عبر التاريخ، بما في ذلك العرب والأرمن والكنعانيون والأوروبيون واليونانيون والعبرانيون والرومان والسامريون والأتراك والأنباط والقبائل البدوية.

البدو هم جماعات وقبائل البدو الرحل تقليدياً في فلسطين. وعلى الرغم من أنهم يعيشون أنماط حياة أكثر استقراراً اليوم، إلا أن الكثيرين منهم يحتفظون بأساليب عيش رعوية. توجد مجتمعات بدوية في جميع أنحاء الضفة الغربية، عاش الكثير منها في النقب قبل طردهم خلال قيام إسرائيل. ولا يزال عدد كبير من البدو يعيشون في جنوب إسرائيل، ويقيم عدد أقل في غزة. تشمل القبائل البدوية الفلسطينية العزازمة، والرماضين، في محافظة الخليل. والجهالين، والكعابنة، في محافظة القدس. والرشايدة في محافظتي بيت لحم وأريحا.

    تعتبر القوانين الوضعية اليوم، هي المرجعية الرئيسية في التشريع للدولة الحديثة، وهي المرجعية المؤطرة بمجموعة من المواثيق والقوانين والبروتوكولات والقيم والمبادئ الدولية...التي صادقت عليها الدول المنضوية تحت لواء منظمة الأمم المتحدة، والتزمت بالتقيد بمضامينها حين وضع قوانينها الداخلية، ولم يعد من المقبول تبعا لذلك، أن تشرع أي دولة لقوانين تخالف مضامين تلك التوافقات، وهذا ما يفسر كيف استعاضت الدول الإسلامية الحديثة، عن المرجعية الفقهية في التشريع، كونها تخالف في العديد من أحكامها المرجعية الدولية، ففقه العبيد مثلا، وكما أخرج أحكامه فقهاء الإسلام، يعتبر اليوم بلغة القانون الدولي، جرائم ضد الإنسانية، ما دام أن الإعلان العالمي لحقوق الإنسان يؤكد في مادته الرابعة على أنه " لا يجوز استرقاق أحد أو استعباده، ويحظر الرق والاتجار بالرقيق بجميع صورهما ". كما وأن فقه الجهاد، بما يتضمنه من أحكام تخص جهاد الطلب، ليعتبر اليوم وبنفس معيار القانون الدولي، اعتداء غاشما على دولة ذات سيادة، وهو ما يصنف ضمن الجرائم الدولية، التي تقتضي فرض عقوبات قاسية على الدولة المعتدية. والشيء نفسه ينطبق على ما سنه فقهاء الإسلام من أحكام تخص فقه الحدود، ذلك أن كل العقوبات البدنية، أصبحت اليوم بلغة القانون الدولي، انتهاكات جسيمة لحقوق الإنسان.

   لكن لماذا تجاوز الواقع الأحكام الفقهية، أو إن شئنا الدقة، لماذا لم يواكب الفقه الإسلامي حاجيات المجتمع في المادة التشريعية؟ ولماذا أخفق فقهاء الإسلام في مسايرة التطور الطبيعي للمجتمع الإنساني وما يفرزه من مستجدات ومحدثات؟

   يمكننا القول ـ قبل التفصيل في ذلك ـ أن الأمر يعود إلى سبب رئيسي؛ وهو المتمثل في توظيف الدين في السياسة، ففقهاء الإسلام، لم يكونوا أكثر من مثقفي السلطة ومنظريها، وقد كانت مهمتهم الأساسية هي تخريج الأحكام وفق حاجيات الحاكم المستبد.

   لقد كان من النتائج المباشرة لتشكيل السلطة السياسية لمذاهبها الدينية الرسمية، ولقرارها إغلاق باب الاجتهاد بعد ذلك، أن حدث جمود في عملية التشريع، فظهرت تبعا لذلك فجوات تشريعية كبرى، أخلت بالسير الطبيعي والعادي الذي كان من المفترض، أن تسير عليه تلك المجتمعات.

  لقد عمل الفقهاء تنزيلا لقرارات السلطة السياسية تلك، على التضييق على عملية الاجتهاد، بعدد من الآليات المنهجية الصارمة، التي كرست الجمود والاتباع، وضيقت بشكل كبير على حرية الإبداع والتفكير.    ـ الخط التشريعي للفقهاء والتضييق على الاجتهاد:

«أريد أن أؤكّد، إن كان هذا يحتاج إلى تأكيد، أن الكتاب يقع داخل الإسلام ومن أجله لا خارجه ولا ضدّه. هدفه تجديد الفهم للإسلام بوسائله الخاصة، وسائل الحضارة العربية طبعا، معزّزة ومؤيّدة بمكاسب ومنجزات الفكر الحديث والمعاصر. باختصار، طموحي كان ولا يزال هو عقلنة فهمنا للإسلام دينا ودنيا. الكتاب الأول والثاني يحاولان أن يعقلنا فهمنا للإسلام كتراث فكري ديني مجرد، كعقل مجرد. وهذا الكتاب يحاول أن يعقلن فهمنا للإسلام كمسيرة حضارية، كدولة وسياسة. وربما أطمح أيضا أن نتمكن يوما من تجاوز المعادلة الصعبة الخاصة بالأصالة / المعاصرة، إذا استطعنا أن نعقلن فهمنا للدين والدنيا معا.»[i]

«والدّوغمائية تقوم في جوهرها على تقديم مفتاح وحيدٍ يفتح جميع الأبواب. والمفتاح الّذي من هذا النّوع هو واحد من اثنين: إما مفتاح بوليس وإما مفتاح لصوص»[ii]

فاتحة:

   تشكِّل المناقشة التّالية الجزء الثّاني الّذي نخصّصه لمقال العمري »الوظيفة البلاغية والرؤية البيانية في أعمال الجابري « المنشور ضمن المؤلَّف الجماعي  المعنون بـ»محمد عابد الجابري، المواءمة بين التراث والحداثة«. وقد أدرنا المقال الأوّل على محورين: الأوّل هو اعتراض العمري على جمع البلاغة والنّحو والفقة والأصول وعلم الكلام في إطار "النّظام البياني"، والثّاني هو ادّعاء العمري تحوّل الجابري من الفلسفة إلى البلاغة. وندير المقال الحالي على ثلاثة محاور، الأوّل هو استدراك العمري على الجابري بتشعيب "النّظام البرهاني" إلى "برهاني شبيه" و"برهاني صميم"!، والثّاني هو قوله إنّه "كان الأجدر بالجابري تناولَ "العقل السياسي" و "العقل الأخلاقي" ضمن مبحث البيان"، والثّالث هو "حسمه" في موقع رباعية "التفسير" بالنسبة إلى رباعيّته "النقد"، والزّعم أنّ الثّانية خرجت من الفلسفة إلى البلاغة التّطبيقيّة.

1.   الاستدراك على الجابري بتشعيب "النّظام البرهاني" إلى "برهاني شبيه" و"برهاني صميم":

   يقول العمري: «أعتقد أن هذا التحول نحو المجال البلاغي بدأ بمجرد الخروج من الجزأين الأول والثاني من نقد العقل العربي (التكوين والبنية): فبقطع النظر عن صلابة الرؤية وتماسك المنظومة في العقول الثلاثة (العرفاني والبياني والبرهاني) التي يدور حولها الكتابان، فلا نقاش في أن التصنيف هنا مبني على مستوى المعقولية التي تتصاعد صلابتها من العرفان إلى البيان، ومن ثم إلى البرهان. ونظرا إلى أن البرهان لم يستعمل بمعناه المنطقي الدقيق –بحسب تصريح الباحث- بقيت هناك درجة رابعة )عليا) في سلم المعقولية، هي درجة العقل البرهاني بحق. وربما تكون الرتبة التي سيحتلها «الفكر العلمي» الذي فكر الجابري في تناوله بعد الانتهاء من رباعية نقد العقل، كما جاء في مقدمة مدخل إلى القرآن الكريم. وبذلك نكون بصدد سلّم للصلابة العقلية من أربع درجات: عرفاني وبياني وبرهاني شبيه وبرهاني صميم.»[iii]

تخلى العديد من العرب ـ لأسباب مختلفة ـ عن إيمانهم بالأمة العربية، وأصبحوا يشككون علناً في وجود قومية عربية جماعية. وأخذ البعض يُفضّل اعتبار أنفسهم مسلمين في المقام الأول، وأنهم ينتمون إلى الأمة الإسلامية. وقد تحوّل مصطلح "العرب" في قاموسهم إلى تسمية مهينة ـ في بعض الأحيان ـ توحي بالإسراف، والسطحية، وعدم الكفاءة، والتبعية. فيما يُفضّل عرب آخرون أن يُعرفوا بوضوح بأنهم مصريون، أو سوريون، أو أردنيون، أو عراقيون. مواطنون في أكثر من إحدى وعشرين دولة مستقلة ـ باستثناء فلسطين المحتلة ـ لكل منها علمها ومصالحها الخاصة. حتى أن بعضهم لجأ إلى وصف أنفسهم بالشرق أوسطيين، تحسباً لسلام عربي إسرائيلي ونظام تعاون إقليمي جديد على غرار أوروبا. ويتمسك قلة من المثقفين على شعلة الحماس العربي والقومية متقدة. وهم غالباً ما يكونون في الخارج، في لندن أو باريس، أو في عواصم غربية أخرى حيث يتشاجرون حول ما إذا كانت العروبة والقومية العربية في حالة ركود، أم أنها في مرحلة التعافي.

كان الشعور بـ"العروبة" قائماً منذ أن وطأت أقدام العرب مسرح التاريخ، وظلت محل تفاوض من قِبَل كل جيل لما يقرب من ألف عام ونصف. في هذا الجيل، يجب أن يتكيف هذا الشعور "العروبي" مع ازدياد الولاء للدولة العربية القطرية، ​​وتنامي التيارات الإسلامية، والانتصار العالمي للديمقراطية الليبرالية، وصعود رأسمالية السوق، والاختراقات التي حققتها إسرائيل في عدد من الدول العربية، واحتمال السلام معها. كانت جميعها عوامل أثرت سلباً على القومية العربية في تطورها على مدار معظم القرن الماضي ولغاية اليوم.

 لا شك أن "العروبة" قادرة على استيعاب التحديات الجديدة، كما فعلت دائماً. فالقومية العربية ـ وهي إبداع حديث لهذا القرن ـ قد تتلاشى تماماً تحت وطأتها. ولكن مهما كانت آفاق القومية العربية، فإن تاريخها حتى هذه اللحظة يمثل أحد أبرز الأمثلة على سرعة نشوء أي قومية حديثة وصعودها وتراجعها. هذا التاريخ يستحق رواية جديدة، لأنه لم يُستدعَ في النقاش الأوسع حول تنامي عدم الاستقرار.

لقد كان هناك وقتٌ حظيت فيه القومية العربية بمكانةٍ بارزةٍ في الدراسات المقارنة للقومية، لكنها أصبحت لاحقاً حكراً على المتخصصين. حاول المؤرخان البريطاني "أرنولد توينبي" Arnold Toynbee والمؤرخ الأمريكي "هانز كون" Hans Kohnدمج القومية العربية في إطارٍ مقارن أوسع، أصبحا مناصريها الفعليين بين الحربين العالميتين، على الرغم من تحفظاتهما على القومية في كتابهما "القومية العربية: هوية خاطئة" Arab Nationalism: Mistaken Identity. لقد قبل ـ توينبي للسياسة البريطانية، وكوهن للصهيونية - أكثر شعارات القومية العربية تطرفاً باعتبارها بيانات عن حقائق اجتماعية أو ادعاءات أخلاقية لا تقبل الجدل، ولم يروا أياً من التناقضات الكامنة وراءها.

ضمن رصدِ خصائص المثقّفين، كنّا قد أوردنا في مؤلَّف سابق "العقل الإسلامي.. عوائق التحرّر وتحدّيات الانبعاث" (2011) أصنافا ثلاثة من "المثقّفين" حاضرة بوفرة في قطاع الثقافة العربية أطلقنا عليها نعوت: النّائم، والسّائم، والهائم. نستعيد توصيفاتها وملامحها بإيجاز في هذا المقال لصلتها بحديثنا عن الفكر المستقيل. يُعتبَر الصّنف النّائم الأعلى نسبة بين الأصناف الثلاثة. فقد كانت المؤسّسات التّربوية والتعليمية الناشئة مع بداية الاستقلال، في حاجّة ماسّة إلى كوادر محلّية مما حثَّ على دمج عناصر واهِنة، يشحذ السواد الأعظم منها وَهْمُ التغيير الحالم، فتحوّلت وظيفة التعليم معهم إلى حرفة ميكانيكية. والصّنف الثاني، وهو صنف المثقّف السائم، فقد انعكس الواقع السياسي الاجتماعي المأزوم على ذهنية كثيرين سلبًا، الأمر الذي خلص على إثره المثقّف إلى أنّ دوره في إصلاح تلك البنية الاجتماعية الثقافية متعذّر ومنعدم. وأمّا الصّنف الثّالث، وهو الهائم: إذ جرّاء التشتّت الهائل الذي لحق الشريحة المثقّفة، وقعت فئة من بينهم رهينةَ العبث واللاّيقين، مما حوّل منتهى إدراكها إلى انسداد تاريخي، تجلّى في ترديد مقولات موت الفلسفة، وموت الشعر، ونهاية الكاتب، ونهاية التاريخ، وغيرها من القوالب البائسة. وتقبّلها العقل المنفعِل وحاكاها، محدِّثا النفس بالانخراط في حركة الفكر العالمية، والحقيقة أنه لم ينخرط سوى باستهلاك موبقاتها.

فمع الفكر المستقيل يغدو تغييب التفكير تقليدا جاريا العمل به، وإن خلّف ضررًا فادحًا بتحوّل مروياته، وحكاياته، وأخباره، وأمثاله، إلى ما هو مألوف ومعتاد بين الناس. ولا يتوقّف تعطيل التفكير عند حدود الأفراد، بل يمتدّ ليشمل جموعا واسعة تجد أريحية في استحضاره والحفاظ عليه. يتأمّل المرء فئات متعلّمة لدينا، في مجالات الطبّ والهندسة والتقنيات، مَثَّل التفكير العلمي، والاختبار التجريبي، والتمحيص العقلي، ديدنَ انشغالاتها، غير أن تلك الفئات المهمّة في مجتمعاتنا بمجرّد عودتها إلى مهدها الأوّل، نقصد حاضنة المجتمع، إلّا وتتخلّى عن ذلك الطابع المعرفي الذي حصّلته طيلة مشوارها التعليمي وتكوينها الدراسي. لذلك لا تفرّق في كثير من الأحيان بين المتعلّم وغير المتعلّم، وبين الدارس والأمّي، في النهل من معين الخرافة والأسطورة والركون سويا إلى اللامعقول واللامنطق. فهل هي سطوة التفكير الخرافي التي تثقل الوعي الجمعي وتحُول دون إرساء رؤية سويّة أم هو الانفصام في الشخصية الذي نعاني منه وآثاره الفاعلة والعميقة؟