برحيل المستشرق فرانشيسكو غابريالي (1904-1996) طَوت الدراسات العربية في إيطاليا مرحلة مهمّة من تاريخها، ودخلت طورًا جديدًا صار يُعرَف بـ "الاستعراب" (L’arabismo)، طرأت عليه مستجدّات ودبّ فيه نوع من التفرّع. لماذا شَكّل الرجل مرحلة فاصلة رغم أن السابقِين واللاحِقين العاملين في مجاليْ الاستشراق والاستعراب كثيرون؟ أوّلا لانهماكه بحزم في تطوير الدراسات العربية بحثًا وتدريسًا وترجمةً؛ وثانيا لطبعه الأجيال اللاحقة بمنهج التعاطي العلمي والتخصّصي مع الدراسات العربية. ففي مرحلة مبكرة كان الإتيان بفرانشيسكو غابريالي لتولي مهام "معهد الشرق" في روما (IPO)، الذي أسّسه المستشرق كارلو ألفونسو نللينو سنة 1921، والذي مثّل أهم بؤرة في دراسة الحضارة العربية في إيطاليا، بغرض تطهير المعهد من النظرة الفاشية للشرق والعبور به نحو رؤية جديدة تجاري أوضاع إيطاليا ما بعد الفاشية. لكن غابريالي لم ينحصر عمله بتولي مقاليد المؤسسة البحثية المعنية بالشرق والعالم العربي، بل أشرف أيضا على كرسي اللغة العربية وآدابها في جامعة روما "لاسابيينسا"، كبرى جامعات أوروبا التي يفوق عدد طلابها في الوقت الحالي المئة ألف. ولِثقل المهام التي تولاها فرانشيسكو غابريالي مثّلَ الرجل مرجعية للعديد من المستشرقين والمستعرِبين الإيطاليين ممن تتلمذوا على يديه وتشرّبوا منهجه في دراسة الحضارة العربية، وكذلك لوفرة الأعمال التي أنجزها حتى باتت من المرجعيات الكلاسيكية في إيطاليا. نذكر من بينها "تاريخ الأدب العربي" (1951)، "الإسلام في التاريخ.. دراسات في التاريخ" (1966)، "محمد والفتوحات العربية الكبرى" (1967).

فمنذ أواخر الألفية الثانية، وتحديدا منذ العشرية الأخيرة، بدأ يدبّ في ساحة الاستشراق الإيطالي حراك، ستتّضح ملامحه وسيرسو عند الاهتمام بالعربية وآدابها، وهو ما سيُعرَف لاحقا بالاستعراب. توزّعت انشغالاته على ثلاثة محاور رئيسة: تدريس العربية، وتقديم الأدب العربي بوجهيه القديم والحديث، وترجمة الأعمال الأدبية. وشكّل تدريس العربية وآدابها محور نشاط عدد من الجامعات الإيطالية مثل "الأورِيِنتالي" في نابولي، وجامعة روما "لاسابيِينسا"، وجامعة البندقية، وجامعة باليرمو، أبرز المؤسسات الجامعية في إيطاليا وأعرقها. ليغدو تدريس العربية وآدابها، في الوقت الحالي، شائعا في العديد من الجامعات في شمال إيطاليا وجنوبها.

ذاع صيت أسماء إيطالية في مجال الترجمة من العربية لارتباطها أساسا بترجمة الأعمال الأدبية. نذكر على سبيل المثال عَلَمين بارزين: إيزابيلا كاميرا دافليتو وفرانشيسكا كورّاو، لريادتهما في المجال ولنشاطهما الحثيث في الترويج للأدب العربي، حيث انشغلت الأولى بترجمة الأعمال الروائية بشكل رئيس، واهتمت الثانية بترجمة الشعر. تقاسم الثنائي الساحة الإيطالية ولم يخل عملهما من التنافس والتدافع، وكوّنت كل منهما فريقا من الأتباع والمريدين صبّ في مصلحة ترويج الأدب العربي واللغة العربية. واستطاعت كلتاهما تقديم سلسلة من الروائيين والشعراء العرب للقارئ الإيطالي، تسنّى بمقتضاه إخراج الدراسات العربية من حيز الجامعات الضيق إلى الساحة الثقافية الرحبة. وهي رحلة شاقة وممتعة كما روت لي كاميرا دافليتو وكورّاو بعضا من فصولها، أخرجت المنتوج العربي من العتمة إلى النور، حتى باتت أسماء عربية مثل غسان كنفاني، وإميل حبيبي، وصنع الله إبراهيم، ورشيد ضيف، ونجيب محفوظ، ولطيفة الزيات، وعبد الرحمان منيف، وإبراهيم الكوني، والطيب صالح، وأبو القاسم الشابي، والسياب، ومحمود درويش، وعبد العزيز المقالحي، وأدونيس متداوَلة على ألسنة الطلاب والمثقفين الإيطاليين.

تُعَدّ رأس السنة الأمازيغية محطةً ومناسبةً سنوية ذات أبعاد تاريخية وأنثروبولوجية، تعكس تصور المجتمعات المغاربية لدورة الزمن وترابطها الوثيق بالممارسات الاجتماعية والاقتصادية والرمزية المتوارثة عبر الأجيال، وليست نتاجًا لبناء إيديولوجي حديث أو «اختراعًا» معاصرًا كما تذهب إلى ذلك بعض القراءات الاختزالية. فهي تعبير تاريخي عن علاقة عضوية بين الإنسان والأرض، نشأت في سياق مجتمعات فلاحية كان الزمن فيها يُقاس بالإنتاج والدورة الطبيعية، لا بالأنظمة الإدارية المجردة. وهي، وفق تقويم مستمد من منعطف حاسم في تاريخ الأمازيغ بشمال إفريقيا والضفة الشرقية للمتوسط، تُجسّد تصورهم لدورة الزمن وترابطها بالممارسات الاجتماعية والاقتصادية والرمزية المتوارثة عبر الأجيال.

وقبل فرض التقويم الميلادي مع دخول الاستعمار الفرنسي، ظلّ التقويم الفلاحي الإطار الزمني المرجعي الذي ينظم حياة المغاربة اليومية في الجبال والسهول والواحات والصحراء على حد سواء. وقد كان هذا التقويم—المتأخر عن التقويم الميلادي بثلاثة عشر يومًا—أداةً عملية لضبط مواسم الحرث والزرع والحصاد، وتدبير تعاقب الفصول، بما يعكس مركزية النشاط الزراعي في البنية الاقتصادية والاجتماعية للمجتمع المغربي. كما أن استمرار العمل به حتى بعد ترسيخ الزمن الإداري الاستعماري يكشف عن شكل من أشكال المقاومة الصامتة التي مارستها الذاكرة المحلية في مواجهة زمنٍ مفروض من خارج بنيتها الثقافية.

وقد ارتبط هذا التقويم ببداية سنة جديدة احتُفل بها في مختلف مناطق المغرب تحت تسميات متعددة من قبيل: «إض ن يناير»، «إخف ن وسگاس»، «يناير»، «النايرة»، أو «حگوزة». ويعكس هذا التعدد وحدةً عميقة في المعنى والممارسة؛ إذ لا يدل على التشتت بقدر ما يؤكد الامتداد الجغرافي والتاريخي لهذا الطقس. كما أن هذه الممارسة لم تكن حكرًا على المناطق الجبلية كما يعتقد البعض، بل شملت المجتمع المغربي بأكمله بحكم طابعه الفلاحي؛ مما يجعل من رأس السنة الأمازيغية، في جوهرها، رأس سنة فلاحية: أي لحظة انتقال رمزية بين دورتين زمنيتين، تتوقف خلالها الجماعة لاستشراف المستقبل واستدعاء قيم الخصب والبركة والاستمرارية.

ولا يمكن فهم هذا الارتباط العميق بالزمن الفلاحي بمعزل عن عمق الوجود البشري بالمجال المغربي، كما تؤكده المعطيات الأركيولوجية والعلمية الحديثة. فقد أظهرت الاكتشافات الأثرية أن المغرب لم يكن هامشًا في تاريخ تطور الإنسان، بل فضاءً مركزيًا في تشكله المبكر. ويعد موقع جبل إيغود من أبرز هذه الاكتشافات، حيث كشفت الدراسات العلمية عن بقايا للإنسان العاقل يعود تاريخها إلى نحو ثلاثمائة ألف سنة، ما يجعل من إنسان إيغود أقدم تمثيل معروف حتى الآن للإنسان العاقل على الصعيد العالمي.

كما كشفت الأبحاث المرتبطة بالمجتمعات النيوليتية—خاصة في حوض وادي بهت ومناطق من المغرب الأوسط والشمال—عن وجود استقرار بشري مبكر قائم على الزراعة وتدجين الحيوانات، وهو ما يدل على انتقال مبكر من نمط العيش القائم على القنص والالتقاط إلى نمط الإنتاج الفلاحي، وما يترتب عنه من تنظيم للزمن وربط مباشر بين الإنسان والدورة الطبيعية. وتؤكد مواقع أخرى، مثل مغارة تافوغالت، استمرارية الاستيطان البشري وتطور التفكير الرمزي والطقوسي، من خلال ممارسات دفن الموتى وتنظيم المجال؛ وهي كلها مؤشرات على تشكل وعي مبكر بالزمن والنظام الكوني.

منذ قرون طويلة، ظلّ الغرب يحتل موقع “المركز” في الخريطة الفكرية للعالم، ليس فقط بوصفه قوة سياسية واقتصادية، بل باعتباره المرجعية العليا للمعرفة، والمعيار الذي تُقاس عليه الحضارات، والنموذج الذي يُفترض أن تتجه نحوه بقية الشعوب. هذا التمركز لم يكن مجرد نتيجة لتفوق مادي أو علمي، بل كان أيضاً بناءً رمزياً ومعرفياً تشكّل عبر خطاب طويل من التمثيلات، والتأويلات، والكتابات التي رسّخت صورة الغرب باعتباره “العقل” و“الحداثة” و“العالمية”، في مقابل شرق يُقدَّم غالباً كـ“آخر” تابع أو هامشي أو خارج التاريخ. في هذا السياق، ظهر مشروع الاستغراب بوصفه محاولة فكرية جريئة لإعادة النظر في هذه البنية غير المتوازنة، ولتفكيك ما يُسمّى بـ المركزية الغربية التي حكمت علاقة الشرق بالغرب عبر قرون من الهيمنة الرمزية.

إن الاستغراب، في جوهره، ليس مجرد ردّ فعل على الاستشراق، ولا هو مشروع انتقامي أو خطاب مضاد يسعى إلى قلب المعادلة فحسب، بل هو جهد معرفي يسعى إلى فهم الغرب من خارج ذاته؛ أي من منظور لا يخضع لسلطته الرمزية ولا لهيمنته الثقافية. إنه محاولة لاستعادة القدرة على النظر إلى الغرب بوصفه موضوعاً للدراسة والتحليل، تماماً كما فعل الغرب مع الشرق، ولكن دون الوقوع في فخ التعميم أو التشويه. فالاستغراب لا يهدف إلى إنتاج “غرب متخيّل” جديد، بل إلى تحرير المعرفة من أحادية المركز، وإعادة توزيع الضوء على خرائط الفكر بحيث لا يبقى الغرب هو المقياس الوحيد لما هو عقلاني، أو متقدم، أو إنساني.

تنبع أهمية هذا المشروع من كونه يطرح سؤالاً جوهرياً: كيف يمكن للثقافات غير الغربية أن تفهم الغرب دون أن تقع تحت تأثير خطابه عن نفسه؟ هذا السؤال يفتح الباب أمام قراءة نقدية للحداثة الغربية، وللنموذج الليبرالي، وللفكر الفلسفي والسياسي الذي شكّل العالم الحديث. لكنه في الوقت نفسه يدعو إلى تجاوز ثنائية “نحن/هم”، وإلى بناء معرفة أكثر توازناً تقوم على الحوار لا على التبعية، وعلى النقد لا على الانبهار، وعلى الفهم لا على الاستلاب.

عرفت الدراسات الشرقية في إيطاليا خلال العقود الثلاثة الأخيرة نقلةً بارزةً، تمثّلت في اتّساع رقعة المهتمّين باللغة والآداب العربية، بعد أن كانت محصورة في دائرة ضيقة من الدارسين والمستشرِقين ورجال الدين الكاثوليك، ناهيك عن مستجدات في صلب المنهج والمقارَبات. وفي ظلّ هذه التحولات باتت تتوزّع انشغالات المعنيين، في الراهن الحالي، على أربعة حقول أساسية: حقل الدراسات الأدبية بشقّيها القديم والحديث، وحقل الأبحاث التاريخية، وحقل القضايا السياسية الحديثة والمعاصرة، وحقل الإسلاميات. تأتّى ذلك في أعقاب مراجَعات حصلت داخل الاستشراق الغربيّ عامة، لم تدخّر جهدًا في انتقاد المنزع الإيديولوجي، مع تنبيه لتفادي سقطات الاختزال والتعميم. وهو ما يمكن الحديث معه عن تحوُّلٍ جارٍ من عموم الاستشراق إلى تخصّص الاستعْراب، بالانكباب حصرًا على قضايا الدراسات العربية، التي باتت تُعرَف في الوسط الأكاديمي الإيطالي بالاستعراب "Arabismo"، ويُطلق على المختص في المجال مستعرِبا "Arabista"، قياسا على لفظتيْ اِستشراق ومستشرِق.

هيمنة النسق الاستشراقيّ

لا يخفى أنَّ الدراسات العربيّة في إيطاليا هي دراسات وليدة تقاليد مزدوَجة كَنَسيّة واستشراقيّة، تعود أصولها إلى عهد البابا كليمنت الخامس (1264-1314م)، الذي حرص على تدريس اللغة والآداب العربية. ما وطّدَ الصلة، منذ المنشأ، بين تلك الدراسات والتراث الكتابيّ وأبقاها تحت تأثير القراءة الكاثوليكية. وهو ما حدا بالمستعرِبين، في الفترة المعاصرة، إلى النزوع نحو الاستقلال المنهجيّ بقصد التخلّص من وطأة التوظيف الإيديولوجيّ. روتْ لي إيزابيلا كاميرا دافليتو، أستاذة الأدب العربي في جامعة روما، أنها حين أزمعت الالتحاق بالمعهد البابوي للدراسات العربية والإسلامية، محجّ رهبانية الآباء البيض في روما، لدراسة العربية لم تحظَ بالقبول بموجب عدم انتمائها للسلك الكَنَسيّ. فقد بقي تدريسُ العربية وتعليمها في روما حكرًا على المؤسسات الكَنَسية حتى مطلع الستينيات من القرن الماضي.

لم تَتَطوّر الدراساتُ العربيةُ في إيطاليا في العصر الحديث بمعزلٍ عن مشاغلِ الكنيسة، ما جعلها مصبوغةً منذ مستهلّ انطلاقتِها بخياراتٍ دينيّةٍ، أبقت تعليمُ اللّغةِ العربية وتعلّمُها، إلى تاريخ قريب، حكرًا على رجال الدين وعلى طلاب الدراسات اللاهوتية الكاثوليك. لكن في خضمّ ذلك المسار لاحت بوادر انعتاقٍ من الاحتكار الكَنَسيّ، الذي طالما تحكّم بهذا المبحث، ليشهدَ المجالُ تطوّراتٍ حثيثةً في الأوساط غير الدينيّة، لا سيما منذ توحيدِ إيطاليا وإشراف الدولة على قسطٍ وافر من المؤسّسات التعليمية. وبشكلٍ عامٍّ توزّعَ المستشرِقون والمستعرِبون الإيطاليون عبْر تاريخهم ضمن ثلاثة أصناف: صنفٌ في خدمة الكنيسة، وصنفٌ اِنشغل بخدمة الأغراض الاستعماريّة، وصنفٌ اِنساق لتلبية احتياجات الدولة، مع تداخلٍ في بعض الأحيان في الأدوار بين هذه الأصناف.

فبتَتبُّع مسار الاهتمام بلغة الضاد وبالدراسات العربية في هذا البلد، يُمكِن العودةُ بالانشغال إلى البابا كليمنت الخامس (1264-1314م)، الذي حثَّ في إحدى عظاته في فيينّا، سنة 1311م، على ضرورة إيلاء تدريس العربية والعبرية والكلدانية والسريانية عناية في مختلف العواصم الأوروبية، بغرض أداء العمل التبشيريّ على أحسن وجه. وتُعدّ تلك الدعوة -وبصرف النظر عن مغزاها- عاملًا مهمًّا في لفت الانتباهِ إلى العربية والحثّ على الإلمام بها.

حواضر تدريسِ العربيّة

ضمن هذا السياق، يُمكِن الحديث عن حواضر رئيسيةٍ أربع في إيطاليا شهدت مبكّرا تدريس اللغة العربية، حتى غدت مراكز تاريخية في هذا المجال. تُعتَبر روما الأعرق في المجال بين سائر المدن الإيطالية وذلك منذ العام 1575م، حيث لم يدّخر البابا سيكتوس الرابع (1414-1484م) جهدًا في تكليف مكتبة الفاتيكان بمهامّ تدريس العربية وتهيئة الإطار اللازم لذلك، وإن جاء تدريسُ العبرية أسبق بما يعود إلى العام 1482. ما جعل روما، بين مطلع القرن السادس عشر وموفى القرن السابع عشر، تحوز الصدارة بين حواضر أوروبا في الدراسات الشرقية وفي تعليم اللغات، الذي شمل الأرمينية والقبطية، فضلا عن اللغات السامية الرئيسة. لكن مع توحيد إيطاليا، خلال العام 1861م، بدأ تراخي الطوق الذي ضربته كنيسة روما على تعليم اللغات الشرقية عامّة، ومنها العربية، وذلك لفائدة خيارات ذات طابع لائكيّ. وتدعَّمَ ذلك منذ تولّي المستعرِب ميكيلي أمّاري صاحب مؤلّف "تاريخ مسلمي صقلية" (1854-1872) مقاليد وزارة التعليم في حكومة فارينا (1862-1864)، وهو ما انعكست آثاره على كلية الآداب والفلسفة حينها، بخروج جامعة روما من الهيمنة البابوية واتخاذها طابعًا علمانيًّا (1871-1875)، حيث تولّى لويجي فنشنسي تدريسَ العبرية، وباولو سكاباتيشي السريانية، وجوهانس بولينغ العربية.

شهدت مقولة التسامح جملة من التطورات، منذ تداول المفهوم في الأوساط الدينية والسياسية والمعرفية في أوروبا، مع مستهلّ الحقبة الحديثة. وبدا ترسيخ المفهوم حينها، في أوضاع مشحونة بالنزاعات والانقسامات، سبيلًا للخروج من دوّامة الفوضى التي ألمّت بالقارة مع بروز الانشقاقات البنيوية الكبرى في التفكير والتصورات، جرّاء الموقف من الحداثة والعلمنة، وجرّاء ما طرأ على مفهوم الدولة من تبدّل، وما صاحبه من هجران لمفهوم الرعية وانفتاح على مفهوم المواطَنة.

بدا التسامح المنطوي على دلالات مغرية، مثل العفو، والتساهل، والاحترام، والكرامة، والقبول بالمغايرة وغيرها، سفينة النجاة للخروج من أوضاع الضيق والانغلاق والمركزية. وتجلى ذلك "في مديح التسامح" وفي رسائل "الحثّ على التسامح" التي دبجها كثير من الرواد في المجال، أمثال جون لوك، وباروخ سبينوزا، وفولتار وآخرون، ولكنّ ذلك الطور التأسيسي المثقل بالمخاوف والوعود، كان في واقع الأمر التمهيدَ الرخو الذي سار باتجاه التوليد النظري للمفهوم ثانية.

فمع الطور الثاني لمفهوم التسامح وقد خرج فيه من الحيز الغربي، والأوروبي تحديدا، إلى مجال عانقَ فيه العالمية والكونية، هو ما طبع صلة مفهوم التسامح بعالمنا مع القرن الفائت، وما خلّفه من تشبّث جملة من المعنيين بشؤون الأديان والحضارات باستعادة وعود المفهوم المغرية. بدا التسامح لغة جديدة، وسبيلا للتواصل بين علماء ورجال دين في تقاليد إيمانية عدّة، في زمن تقارب فيه أتباع الأديان، وتسارعت فيه المطالب بصياغة لغة جديدة، تتقلّص منها عبارات الهيمنة والأفضلية لمعتقد بعينه، ليعلوَ بدلها التطلّع إلى نحت "إيتيقا" مغايرة تهدف إلى إرساء التأسيسات اللازمة لإشاعة وئام جامع. تميّزَ الحديث عن التسامح، في هذا الطور الثاني، بالتعويل على تجديد الخطاب، من خلال البحث عن حيز للآخر في رحابة اللاهوت الذاتي، وفي التمثلات الثقافية بعيدا عن الانغلاق. صيغت مراجعات مهمّة في تشريعات الأديان الكبرى، لاحت آثارها في انفتاح القائمين على الأديان الإبراهيمية، على بعضهم البعض، بشكل لم نعهده. بدا ذلك جليا في مقرّرات مجمع الفاتيكان الثاني (1962/1965) في الكنيسة الكاثوليكية، وما تمخّض عنه من طروحات مستجدّة كان لها وقع على الأديان الأخرى.

غالبا ما تتقلّص حظوظ التوافق بين الدارسين بشأن موضوعيْ الهوية الدينية والشخصية الحضارية، حين يطغى الطابع المجرّد على التناول، بدل المعالجة الرصينة التي تدنو من المقاربة العلمية. وهذا ما ينطبق على دراسة وقائع اليهودية أيضا. إذ ليس من السهل اليوم التنبؤ بالاتجاهات الديمغرافية والاجتماعية والثقافية التي تتحكّم بمسارات اليهودية في مستهلّ القرن الحادي والعشرين، ومن ثَمّ رصد آثارها على المستوى البعيد. ولذا بات التعويل على المنهج العلمي، ولا سيما منه الديمغرافي والإحصائي، الأوفر حظّا بالقبول عند معالجة قضايا ذات صلة بالحضور الفاعل للجموع الدينية. على هذا النهج سار خبير الديمغرافيا اليهودية سرجيو ديللا بِرغولا في معالجة قضايا متشعّبة على صلة بالهوية الدينية اليهودية في الزمن المعاصر، وبتكتّل بشري يدين بدين الذين هادوا، قُدّرت أعداده خلال العام الفائت (2023) بـ 15.7 مليون نسمة.

في كتابه الصادر باللغة الإيطالية (2024) تحت عنوان "في معنى اليهودي اليوم.. ثبات الهويّة وتحوّلاتها" -ونودّ أن نشير في مستهلّ حديثنا إلى أنّ الكتاب صيغ قبل أحداث السابع من أكتوبر 2023 في غزّة، وما لها من تداعيات كبرى على المشهد اليهودي العالمي- يوزّع المؤلف سرجيو ديللا بِرغولا بحثه على تسعة محاور تأتي معنونةً في قالب تساؤلات، على غرار ما معنى اليهودي اليوم؟ وما الذي نريد معرفته؟ وما هو جوهر اليهودية؟ وعبر أي مضامين تتجلى الهوية اليهودية؟ وكيف تتجلى الهوية بشكليها الفردي والجماعي؟ وكيف نحصي اليهود ونصنّفهم؟ وغيرها، ويحاول تناول القضايا من منظور ديمغرافي إحصائي، معتمدا الجداول والرسوم، مع ردف ذلك بتحليلات معمّقة وموثّقة.

يستند ديللا بِرغولا في قراءته على الاستبيانات والمعطيات الإحصائية، ويستحضر جملة من الأسئلة الجوهرية التي يحاول الإجابة عنها بلغة الأرقام، مثل هل اليهود في العالم وفي كثير من البلدان هم في تزايد أم في تراجع؟ وعبر الزمن هل أصبح اليهود أكثر تديّنا أم جرفهم التراجع؟ وهل هم متآزرون أم موزَّعون بحسب الأهواء الأيديولوجية والسياسية والعقدية؟ وهل هم أكثر اندماجا في المجتمعات الحاضنة أم هم أكثر التفافا حول بعضهم البعض؟ وهل هم أكثر تقبّلا في المجتمعات الحاضنة أم هم أكثر دحرا وعزلا؟ هذه الأسئلة وغيرها يطرحها خبير الديمغرافيا سرجيو ديللا بِرغولا، الإيطالي المنشأ والمختصّ في الشتات اليهودي وفي التجمع اليهودي في دولة إسرائيل. نشير إلى أن ديللا بِرغولا قد غادر إيطاليا نحو القدس سنة 1966، مع ذلك ظلّ محافظا على تواصله مع الساحة العلمية. سبق له أن تولى مهام رئاسة "معهد أفراهام هارمان" للدراسات العبرية المعاصرة في الجامعة العبرية بالقدس. وقد أصدر مجموعة من المؤلفات منها "إسرائيل وفلسطين وقوة الأرقام: صراع الشرق الأوسط بين الديمغرافيا والسياسة" (2007)، "التحولات الديمغرافية للشتات اليهودي" (1983).

خلافا للمطارحات و السجالات التي تقترحها بعض نخبنا العربيّة فيما لا ينفع النّاس في راهنهم، على نحو يسهم في التجهيل ويكرّس التقوقع والتقهقر والرجوع إلى الخلف، بل والعودة إلى الجهالة. كأن تناقش وتتجادل حول القيمة الحضاريّة للزوايا والأضرحة ومقامات الأولياء "الصالحين" و إبراز دورها التاريخي في دعم المسلم روحانيّا أو السعي إلى المحافظة على التصوّف- في وجهه الطرقي الهيستيري التخديري- كظاهرة نفسيّة واجتماعيّة، رغم تماهيها مع الشعوذة، فإنّ طروحات النخب الغربيّة واهتماماتها تسعى غالبا لتنوير العقول وتثويرها وبثّ الوعي في شعوبها للنهوض بها وبلوغ أعلى المراتب. لذلك نلمس الرغبة الجامحة عندهم في خدمة الإنسان من خلال بحث قضاياه الحارقة ذات العلاقة براهنه ومستقبله أكثر ممّا هي مشدودة إلى الماضي السحيق، على أهمّيته. وهو ما ذهب إليه واستبسل في الدفاع عنه، كلّ من المفكّر الفرنسي مونتسكيو (Montesquieux)، في كتابه عن روح القوانين ، وعالم الرياضيات والمنظّر السياسي الماركيز نيكولا دي كوندورسيه ((Nicolas de Condorcet ، في كتاباته المطوّلة عن موضوع التقدّم وخاصة في كتاب"نشرة تمهيدية لجدول تاريخي بمراحل تقدم العقل البشري" ، وأرنولد جوزيف توينبي (Arnold Joseph Toynbee) ، في كتابه البشر وأمّهم الأرض . فضلا عن فولتير( (Voltaire في كتابه "مقالات عن السلوك"، وهو عمل فلسفىّ عن الحضارة الحديثة أعتبر في وقته، محاولة جادة لتفسير حركة التاريخ عن طريق التقدّم الحضارى للشعوب، تبرز قدرة الإنسان المطلقة على تحقيق التقدّم على مرّ العصور. فقد أكّد هؤلاء جميعا على وجوب انصراف الذهن إلى التفكير في القضايا الجديرة بالتأمّل والبحث " خدمة للإنسان ودفاعا عن إنسانيته في أي ظرف زمكاني كان.