يعد مفهوم الجنسانية من أكثر المفاهيم إثارة للجدل في الفكر الغربي الحديث. فعندما أعلن سيغموند فرويد أن الأنوثة تمثل «قارة سوداء»، كان يعترف بعجزه أمام لغز الجنسانية الأنثوية. أما جاك لاكان فقد ذهب أبعد من ذلك حين أطلق عبارته الشهيرة: «لا توجد علاقة جنسية» (Il n’y a pas de rapport sexuel).
لا تقدم كريستيفا نظرية مستقلة خالصة في الجنسانية، بالمعنى الذي نجده عند فرويد أو لاكان؛ فهي تعالجها ضمن مشروع أوسع يتعلق باللغة، والجسد، والهوية. لكنها تقدم، مع ذلك، رؤية مختلفة تعيد توجيه الاهتمام من مركزية الأب والفالوس (القضيب) نحو دور الأمومي والجسد في تشكل الذات.
تهدف هذه المقالة إلى استكشاف مفهوم الجنسانية عند كريستيفا من خلال ثنائية السيميائي والرمزي، ومن خلال المفاهيم الأخرى الأساسية في نظريتها، مع الوقوف، بصفة خاصة، عند تأثير هذه النظرية، من خلال المفاهيم الناظمة لها، في المقاربات النقدية المعاصرة للسينما.
وبخصوص السينما، تجدر الإشارة إلى أن كريستيفا نفسها لم تكن منظرة سينمائية، ولم تطور نظرية متكاملة للسينما، وإنما كان اهتمامها الأساسي موجها إلى التحليل النفسي، واللغة، والأدب، والفلسفة، والثقافة. (1) وصحيح أنها كتبت أحيانا عن الفن والتمثلات الثقافية، لكنها لم تترك لنا ما يمكن اعتباره «نظرية سينمائية كريستيفية».
لكن عددا من الباحثين في الدراسات السينمائية، وخاصة النسوية منها، اكتشفوا أن مفهوم النبذ - الاشمئزاز عند هذه الفيلسوفة والمحللة النفسية الكبيرة يمتلك قدرة تفسيرية هائلة في تحليل بعض أنواع الأفلام، وخصوصا أفلام الرعب. ومن هؤلاء تبرز، بصفة خاصة، الناقدة والمنظرة السينمائية الأسترالية باربارا كريد، التي سنتوج هذه المقالة بالوقوف، في الأخير، عند نظريتها السينمائية، بعد إبراز المعالم والتجليات الأساسية في نظرية الجنسانية عند كريستيفا.جنسانية كريستيفا: بين السيميائي والرمزي
تطرح جوليا كريستيفا الجنسانية، لا بوصفها دافعا بيولوجيا كما هو الشأن عند سيغموند فرويد، ولا بوصفها علاقة مستحيلة كما عند جاك لاكان، بل بوصفها عملية ديناميكية مستمرة تنشأ من التفاعل الصراعي بين الفضاء الأمومي ما قبل اللغة، وهو ما تطلق عليه السيميائي (sémiotique)، وبين النظام الرمزي، مما يجعلها مصدرا للإبداع والقلق الوجودي في آن واحد.
أولا: الجنسانية في التحليل النفسي (ما قبل كريستيفا)
1- فرويد: الجنسانية قوة محركة للحياة النفسية
مما لا شك فيه أن مؤسس التحليل النفسي، سيغموند فرويد، هو أول من منح الجنسانية مكانة مركزية في فهم الحياة النفسية للإنسان. فقد رفض اختزالها في الوظيفة التناسلية أو في مرحلة البلوغ، معتبرا أنها تبدأ منذ الطفولة المبكرة، وتتجلى في أشكال متعددة من البحث عن اللذة. ورأى أن تطور الشخصية يمر عبر مراحل نفسية - جنسية متعاقبة تبلغ ذروتها في عقدة أوديب.
وترتكز الجنسانية عند فرويد على مفهوم الليبيدو، أي الطاقة الغريزية التي تنبع من الجسد وتسعى إلى تحقيق اللذة والإشباع. ومن ثم، فإن ما يميز التصور الفرويدي هو ربطه الجنسانية بأساس بيولوجي وغريزي، مع إقراره بأن هذه الطاقة لا تبقى حبيسة الجسد، بل تخضع لتحولات معقدة عبر الكبت، والتسامي، والرموز الثقافية.
وهكذا تصبح الجنسانية عند فرويد القوة المحركة للحياة النفسية، ومفتاحا لفهم الرغبة، والخيال، واللاوعي، والسلوك الإنساني بصفة عامة.
2- جاك لاكان: الجنسانية والنقص
أما جاك لاكان، فإنه يعيد قراءة فرويد قراءة لغوية، فيؤكد أن الجنسانية مرتبطة بالنقص الأساسي (manque) في الذات. ويحول لاكان القضيب إلى فالوس رمزي، ويخلص إلى أن «العلاقة الجنسية مستحيلة»، لأن كل طرف يبحث عن ملء النقص في الآخر.
وليست الجنسانية، إذن، عند جاك لاكان، طبيعية ولا مكتملة، بل هي نتيجة النقص الذي خلفته اللغة في الذات، وهي محاولة دائمة، وإن كانت مستحيلة، لسد هذا النقص من خلال الآخر. ولذلك تظل الجنسانية، كما يتصورها، مشحونة بالقلق، والوهم، والمتعة المؤلمة. (2)
3- ميلاني كلاين: العلاقة بالأم أولا
أما المحللة النفسية البريطانية ميلاني كلاين، فتركز، بصفة خاصة، على المرحلة ما قبل الأوديبية، وتؤكد العلاقة بالأم، وعلى الفانتازيات اللاواعية السادومازوشية المبكرة، وهي تدمج العدوانية مع الليبيدو.
وتقصد كلاين بهذه الفانتازيات خيالات لاواعية عنيفة ومتبادلة يقوم بها الرضيع في ذهنه ضد جسم أمه، وهي تنبع من خلط قوي بين الحب والكراهية، وبين الرغبة في التدمير والخوف منه. إنها تعبير عن الصراع الأولي بين غريزة الحياة وغريزة الموت.
وبهذا تكون ميلاني كلاين قد حولت الجنسانية من دافع مرحلي بيولوجي، كما عند فرويد، إلى صراع مبكر وعنيف يجمع بين الحب والكراهية، والحياة والموت. فجعلت الأم الشخصية المركزية، وجعلت العدوان جزءا أساسيا لا يتجزأ من الجنسانية.
وباختصار، إذا كان فرويد قد اكتشف الجنسانية، وإذا كان جاك لاكان قد أدمجها في اللغة، فإن ميلاني كلاين أعادت توجيه النظر نحو الأم، قبل أن تمنح كريستيفا لهذا البعد الأمومي صياغته الفلسفية واللغوية الخاصة.
ثانيا: الجنسانية عند كريستيفا: مدخل لتشكل الذات الإنسانية
لم تنشغل جوليا كريستيفا بالجنسانية بوصفها غريزة بيولوجية أو علاقة بين الجنسين فحسب، بل باعتبارها مدخلا لفهم تشكل الذات الإنسانية. فمن خلال تأثرها باللسانيات، والبنيوية، والتحليل النفسي، خاصة بعد لقائها بجاك لاكان، سعت إلى التفكير في العلاقة المعقدة بين اللغة والجسد والرغبة. غير أنها رأت أن التركيز اللاكاني على النظام الرمزي والأب لا يكفي لتفسير التجارب الأولى للذات، مما دفعها إلى إعادة الاعتبار للأمومة، والجسد، وما قبل اللغة، وهي القضايا التي ستشكل محور تصورها الخاص للجنسانية.
1- الثنائية الأساسية: السيميائي والرمزي
تقسم كريستيفا عملية الدلالة إلى مستويين:
المستوى السيميائي (le sémiotique): وهو الفضاء الأمومي الأولي الذي يعيش فيه الطفل قبل أن يتعلم الكلام. إنه فضاء أمومي ما قبل اللغة، يرتبط بالخورا (Chora) الأفلاطونية بعد إعادة صياغتها. وهو فضاء إيقاعي، وجسدي، وسائل، مليء بالدوافع والمتعة الأولية المرتبطة بجسم الأم. وفي هذا الفضاء تتشكل البذور الأولى للحياة الغريزية والعاطفية التي ستظل فاعلة داخل الجنسانية لاحقا.
المستوى الرمزي: وهو العالم الذي نلجه عندما نتعلم اللغة. وهنا تتشكل الأنا، ويخضع الإنسان للقوانين، والقواعد، والمنطق. إنه عالم اللغة، والقانون، والنظام، المرتبط بـ«اسم الأب» عند لاكان.
الجنسانية عند كريستيفا هي «التفاعل الدائم» بين هذين المستويين، السيميائي والرمزي، وليست مرحلة نهائية. ومعنى ذلك أن كريستيفا لا تنظر إلى المستويين بوصفهما مرحلتين متتاليتين أو متعاقبتين، وإنما بوصفهما قوتين متداخلتين ومتفاعلتين، ومتعارضتين في الوقت نفسه.
ومن هذا التداخل والصراع تنبع خصوبة الجنسانية، وغناها، وتطورها. فالرمزي يحاول السيطرة على السيميائي، لكن هذا الأخير لا يلبث أن يتسلل إلى الرمزي في كل حين، خاصة في الشعر، والفن، والحب، والجنسانية.
2- مفهوم النبذ - الاشمئزاز (Abjection)
يعد مفهوم النبذ - الاشمئزاز من المفاهيم الأساسية عند كريستيفا. وتقصد بالنبذ تلك العملية التي تطرد من خلالها الذات ما يهدد حدودها وهويتها، مولدة، في الوقت نفسه، شعورا بالاشمئزاز، والخوف، والانجذاب.
ويمثل النبذ، أو الإبعاد، الآلية الأساسية التي تسمح للذات بالدخول إلى عالم الرمزي. فعلى الطفل أن يرفض الجسد الأمومي، بما يحمله من سوائل وحدود مختلطة، حتى يبني هويته الخاصة. غير أن هذا الرفض يظل غير مكتمل أبدا، ولذلك يبقى مصدرا دائما للقلق والجاذبية في الوقت نفسه.
وهذه الثنائية (القلق/الجاذبية) هي التي تمنح هذا المفهوم خصوبته وغناه، ولذلك سيصبح مفهوما أساسيا في النظرية السينمائية المعاصرة، انطلاقا من أطروحة كريستيفا.
3- الذات في طور التشكل
يشكل مفهوم «الذات في طور التشكل» الخيط الرابط بين سائر المفاهيم الأخرى عند كريستيفا. فالذات، في نظرها، ليست كيانا منجزا ومستقرا، بل هي مشروع منفتح يتشكل باستمرار من خلال التفاعل بين الجسد واللغة، وبين السيميائي والرمزي، وبين الرغبة والهوية.
4- الجنسانية الأنثوية
بخلاف ما ذهب إليه فرويد، ترفض كريستيفا اختزال الأنوثة في «نقص القضيب». وترى أن للمرأة علاقة خاصة بالسيميائي، وأن التجربة الأنثوية تحتفظ بقرب مميز من هذا المجال، مما يمنحها إمكانات خاصة لإحداث اختراقات داخل النظام اللغوي والرمزي، ولا سيما في الكتابة الشعرية.
ولا يعني ذلك أن المرأة تبقى خارج النظام الرمزي، بل إن تجربتها تظل أكثر قربا من المجال السيميائي الذي يسبق اللغة ويغذيها باستمرار.
ثالثا: الجنسانية في الفنون والآداب
تتجاوز رؤية كريستيفا التحليل النفسي إلى مجالات أوسع:
في الأدب: تعد اللغة الشعرية المكان الأمثل الذي يسمح بعودة السيميائي إلى الرمزي، مما يحدث ثورة في الدلالة، كما توضح ذلك في كتابها «ثورة اللغة الشعرية» المشار إليه سابقا.
في النسوية: تنتقد كريستيفا النسوية التي تطالب بالمساواة فقط، كما هو الحال عند سيمون دي بوفوار، وتدعو إلى الاعتراف بخصوصية التجربة الأمومية والجسدية.
في الثقافة المعاصرة: تساعد نظريتها على فهم أزمات الهوية، والجسد، والرغبة، في عصر ما بعد الحداثة.
وتقدم جوليا كريستيفا، إذن، رؤية متكاملة للجنسانية تتجاوز الثنائيات التقليدية (ذكر/أنثى، طبيعي/ثقافي، دافع/نقص). وبدلا من ترك «القارة السوداء» مظلمة، فإنها تضيئها من خلال مفهومي الخورا والسيميائي، معتبرة إياهما مصدرا للإبداع والتجديد.
رابعا: نحو مقاربة كريستيفية للسينما
أثرت رؤية كريستيفا للجنسانية، التي بسطنا بعض ملامحها في الفقرات السابقة، تأثيرا كبيرا في النظرية السينمائية، خاصة في الدراسات النسوية والتحليل النفسي للفيلم، منذ الثمانينيات وحتى اليوم. وتعد المنظرة والناقدة السينمائية الأسترالية باربارا كريد (Barbara Creed) أبرز من طبق تصورها في مجال السينما، خاصة في كتابها الشهير «الأنثوي الوحشي: السينما، النسوية، والتحليل النفسي»، الذي أصدرته سنة 1993. (5)
كيف نقارب السينما، إذن، انطلاقا من تصور كريستيفا للجنسانية، كما بسطنا بعض معالمه في الفقرات السابقة؟
لا نجازف إذا قلنا إن الفن السابع هو المكان الأمثل لتجسيد نظرية كريستيفا، لأن السينما فن متعدد الحواس (صورة، وصوت، وحركة، وإيقاع، وجسد). ومن نافلة القول التذكير بأن هذا التعدد، بالذات، هو ما يمنح السينما خصوبتها وغناها، وهو ما يجعلها منفتحة باستمرار على ما يتحقق من إنجازات وفتوحات جديدة في مختلف مجالات الفكر والثقافة.
1- تمظهرات السيميائي (Chora) على الشاشة السينمائية
يتمظهر السيميائي، سينمائيا، في العناصر ما قبل اللغوية والسردية، مثل: الإيقاع، والموسيقى، والأصوات البدائية، والألوان، والإضاءة، والحركة البطيئة، واللقطات الحسية. وهو بمثابة عودة إلى الجسد الأمومي، والمتعة غير المنظمة، والفوضى الخصبة.
2- آليات النبذ - الاشمئزاز في السينما
تقصد كريستيفا بالنبذ، أو الاشمئزاز والنفور، ما تطرده الذات من نفسها لكي تتمكن من أن تصبح ذاتا، لكنها لا تستطيع التخلص منه نهائيا.
وهناك علاقة وثيقة بين النبذ والأم، من حيث إن الطفل، قبل دخوله إلى اللغة والقانون، يكون قريبا من جسد الأم، لكن عليه، لكي يصبح فردا مستقلا، أن يبتعد عن ذلك الاندماج، أو بتعبير آخر، أن ينبذه، مع أنه يظل مشدودا ومنجذبا إليه. وتظل الأم حاضرة في اللاوعي، لذلك يصبح الجسد الأمومي أحد المصادر الأساسية للنبذ.
ويتعلق الأمر بنوع من الاشمئزاز والنفور، وهذا هو التطبيق الأشهر في السينما، أي الاشمئزاز الوجودي الذي يهدد حدود الذات (جسد/غير جسد، داخل/خارج، حياة/موت).
ويتجلى ذلك، بصفة خاصة، في أفلام الرعب، حيث تكثر الجثث، والدم، والقيء، والإفرازات، والتحولات الجسدية، والأم الشيطانية.
وترى باربارا كريد أن المرأة الوحشية تمثل التهديد الأكبر، لأنها تذكر بالأم الأصلية (الخورا)، التي يجب رفضها لبناء الهوية.
ومن الأمثلة الشهيرة في هذا المجال فيلم L'Exorciste، حيث ينتشر القيء، والدم، والأم الشيطانية. ونذكر أيضا فيلم Carrie لبراين دي بالما، الذي يحضر فيه دم الحيض بصورة لافتة. ولا ننسى، في هذا السياق، أفلام ديفيد كروننبرغ، ضمن ما يعرف بـ«سينما رعب الجسد». كما تحضر الأم الوحشية بشكل بارز أيضا في فيلم Alien، الذي سنعود إليه لاحقا.
غير أن حضور مفاهيم كريستيفا لا يقتصر على سينما الرعب، بل يمتد إلى السينما الشعرية، والسينما التجريبية، وأفلام الهوية والذاكرة، وإن كانت سينما الرعب تظل المجال الذي وجدت فيه هذه المفاهيم أوضح تطبيقاتها.
3- الصراع المستمر بين السيميائي والرمزي
تسمح السينما المختلفة، وخاصة السينما الطليعية، بعودة جزئية للسيميائي داخل النظام السردي الرمزي. ويتحقق ذلك من خلال عدد من الأساليب والتقنيات، من بينها: كسر الاستمرارية، والمونتاج غير التقليدي، واستخدام الجسد بوصفه عنصرا مركزيا، أو إثارة الاشمئزاز بما يفجر المعنى التقليدي.
ما تأثير كل ذلك في الدراسات السينمائية؟
يمكن تسجيل هذا التأثير على عدة مستويات، نكتفي بالوقوف هنا عند أهمها:
أ- على مستوى النسوية السينمائية:
ساعدت كريستيفا على تجاوز النظرية اللاكانية التقليدية، التي تركز على «النظرة الذكورية»، نحو تحليل أعمق للجسد الأنثوي والأمومي، وهو ما أفسح المجال لتبلور مواقف جديدة في مجال الدفاع عن الحركات النسوية.
ب- على مستوى دراسات الرعب:
أصبحت نظرية Abjection أداة أساسية لتحليل الجنس والجسد في سينما الرعب، وبصفة خاصة في سينما رعب الجسد.
ج- على مستوى السينما التجريبية:
تستخدم لتحليل الكيفية التي تنتج بها الأفلام «المتعة» (jouissance) من خلال تسلل الجسد والإيقاع إلى السرد الفيلمي.
ويتضح، إذن، انطلاقا من منظور كريستيفا، وهذا ما تؤكده مقاربة المنظرة السينمائية باربارا كريد في دراساتها النقدية، أن السينما ليست مجرد سرد قصصي (رمزي)، بل هي ممارسة تجسيدية تسمح للمشاهد بإعادة عيش الصراع بين الخورا (الأمومي - الجسدي) والنظام الاجتماعي - اللغوي. فهي تثير الاشمئزاز والمتعة معا، وتكشف عن الجانب المظلم الذي يبني هويتنا ويهددها في الوقت نفسه، كما سيتضح ذلك من خلال شريطي Carrie وAlien، وهما الشريطان اللذان سنختم بهما هذه المقالة، علما أن العديد من الأفلام السينمائية يمكن تناولها أيضا من هذه الزاوية.
جوهر نظرية باربارا كريد وتطبيقاتها السينمائية
يتمثل جوهر نظرية باربارا كريد في أن المرأة في أفلام الرعب ليست ضحية الوحش فحسب، بل هي الوحش ذاته (المرعب الأنثوي). ويرتبط رعب المرأة بجسدها الأنثوي، خاصة الوظائف الإنجابية (الرحم، والولادة، والدم) والجنسانية، مستخدمة في ذلك مفهوم النبذ - النفور، أو الاشمئزاز، عند جوليا كريستيفا.
والجديد الذي قدمته يتمثل في قلبها للنظرية التقليدية؛ فبدلا من رؤية المرأة بوصفها مخصية (ضعيفة)، ركزت على المرأة بوصفها قوة مرعبة، تخيف الرجل بقوتها وغموضها، مما جعل الأنوثة مصدر الرعب الرئيس.
وحتى يتضح هذا التصور أكثر، نقف هنا عند شريطين سينمائيين روائيين، هما فيلم Carrie، الذي أخرجه السينمائي الأمريكي براين دي بالما سنة 1976، عن رواية تحمل العنوان نفسه لستيفن كينغ، وهي أول رواية له، وفيلم Alien («الدخيل» أو «الكائن الفضائي») للمخرج رايدلي سكوت، الذي أخرجه سنة 1979.
يبرز فيلم Carrie للمخرج Brian De Palma باعتباره تأملا عميقا في العلاقة بين الجنسانية الأنثوية والنبذ، أو الاشمئزاز. تبدأ الأحداث مع أول تجربة حيض تعيشها البطلة داخل فضاء المدرسة، حيث يتحول الدم إلى مصدر للرعب والإذلال الاجتماعي معا. ومن منظور كريستيفا، لا يمثل الدم مجرد عنصر بيولوجي، بل مادة «منبوذة» تهدد الحدود الفاصلة بين الداخل والخارج، وبين الذات والآخر.
كما تجسد شخصية الأم المتدينة والمتسلطة في الفيلم رفضا مرضيا للجسد والرغبة، مما يجعل بلوغ كاري الجنسي حدثا مأساويا يقود إلى الانفجار والعنف. وهكذا يكشف الفيلم عن المخاوف الثقافية العميقة المرتبطة بالأنوثة والجسد الأنثوي، ويبرز كيف يمكن للرعب أن ينبع من محاولة المجتمع قمع ما يعتبره مفرطا أو غير قابل للضبط.
أما فيلم Alien للمخرج Ridley Scott، فيقدم نموذجا مختلفا لرعب الجسد والأمومة. فالكائن الفضائي لا يهاجم ضحاياه من الخارج فقط، بل يتسلل إلى داخل أجسادهم ويتكاثر عبرها، مما يحول الحمل والولادة إلى تجربة مرعبة ومقلقة.
ومن هذا المنظور، يمكن قراءة الفيلم بوصفه تجسيدا لما تسميه كريستيفا بالنبذ، حيث تصبح السوائل الجسدية، والتحولات العضوية، واختلاط الحدود بين الإنسان وغير الإنسان، مصدرا للاشمئزاز والخوف.
وقد رأت بعض المقاربات النسوية المتأثرة بكريستيفا أن الرعب في الفيلم لا يكمن في الوحش وحده، بل في استحضاره الرمزي لمخاوف بدائية مرتبطة بالأمومة، والإنجاب، والجسد الأمومي. وهكذا يكشف Alien عن الوجه المظلم لما هو مألوف وحميمي في الوقت نفسه، أي عن تلك المنطقة الغامضة التي تتشكل عندها الهوية الإنسانية، وتتهدد في الوقت نفسه.
خاتمة
ختاما، يتضح من كل ما سبق أن باربارا كريد قدمت، من خلال نظريتها، أداة تحليلية قوية تستخدم لتفكيك صورة «المرأة المرعبة» في أفلام الرعب، ولكشف الخوف الذكوري الكامن من الأنوثة والجسد الأنثوي. وبهذا أصبحت نظريتها مرجعا أساسيا في النقد السينمائي النسوي، انسجاما مع نظرية كريستيفا وامتدادا لها، كما أبرزنا بعض مفاهيمها المحورية في الفقرات السابقة.
الهوامش
1- يذكرنا هذا بما سبق أن لاحظناه عند سيغموند فرويد نفسه، الذي لم يكن لديه أي اهتمام بالسينما، ولم يجعلها موضوعا لتفكيره وأبحاثه. ومع ذلك، وربما بسبب ذلك، انتشرت بعده العديد من الأعمال والدراسات التحليلنفسية حول السينما، كما أشرنا إلى ذلك في كتابنا «سينما وتحليل نفسي»، الصادر سنة 2018، وخاصة في الفصل المعنون «فرويد والسينما... المفارقة الصعبة»، إلى جانب فصول أخرى من الكتاب.
2- أطلق جاك لاكان مقولته الصادمة: «لا توجد علاقة جنسية». وقد وردت هذه المقولة الأساسية في تفكيره لأول مرة سنة 1970، في حلقته «الوجه الآخر للتحليل النفسي»، ثم طورها لاحقا في حلقته الموسومة Encore بين سنتي 1972 و1973، حيث جعل منها محورا لتفكيره حول الجنسانية، والمتعة، والاختلاف الجنسي.
3- Julia Kristeva, La révolution du langage poétique: L’avant-garde à la fin du XIXe siècle, Paris, Éditions du Seuil, coll. «Tel Quel», 1974.
4- Julia Kristeva, Pouvoirs de l’horreur: Essai sur l’abjection, Paris, Éditions du Seuil, coll. «Tel Quel», 1980.
5- باربارا كريد أكاديمية وناقدة سينمائية أسترالية بارزة، ولدت سنة 1943، وتشغل منصب أستاذة فخرية لدراسات السينما في جامعة ملبورن. وتشتهر بمساهماتها الرائدة في نظرية السينما النسوية، والتحليل النفسي، ودراسة أفلام الرعب.
ومن أهم مؤلفاتها في هذا المجال، والمتوافر حاليا باللغة الإنجليزية فقط:
The Monstrous-Feminine: Film, Feminism, Psychoanalysis (1993).
وفي هذا الكتاب تعرض نظريتها السينمائية انطلاقا من مفاهيم ونظرية جوليا كريستيفا.