الشيخ عسو شاعر مرموق في زمن الارتجال (1) - عدي الراضي

شكل العرض
  • أصغر صغير متوسط كبير أكبر
  • نسخ كوفي مدى عارف مرزا

إنَّ دراسة الشخصيات التي كان لها حضور وازن في الماضي، إيجابيًا كان أم سلبيًا، ليست كما يظن البعض بكاءً على الأطلال أو التفاتًا عاطفيًا إلى زمن ولّى، بل هي استحضارٌ منهجي للماضي في الحاضر قصد استخلاص العبر واستنطاق الدروس. ومن هذا المنظور، يتناول هذا المقال المتواضع إحدى الشخصيات العمومية التي تركت بصمتها بقوة في مجالات منابع زيز، والأطلس الكبير الشرقي، والأطلس المتوسط، وهضبة سايس. يتعلق الأمر بالشيخ عسو، أحد أبرز شعراء القرن الماضي، الذي خلّف تراثًا شعريًا زاخرًا بالحكمة وبالأحداث التي وثّق كثير منها بأسلوب فريد، خاصة في مجال الارتجال الشعري، وهي ملكة لا يتقنها إلا القليل من الشعراء، في زمن كان الشعراء الجوالون يجوبون مناطق المغرب لإمتاع الجمهور وخلق الفرجة في القرى والبوادي ومختلف التجمعات القبلية ؛ في السهل والجبل.

كما أن تفكيك أشعار الشيخ عسو والاشتغال عليها بوصفها وثيقة تاريخية يفتح آفاقًا واسعة لفهم البنيات الذهنية والثقافية للمجتمع المغربي في فترة زمنية مفصلية. فاعتماد مقاربات حديثة في التحليل، مثل السيميائيات وعلم اللسانيات والسيميولوجيا ، وتحليل طبقات اللغة الشعرية ودراسة مضمون الأبيات وبنية الاستعارات والمجازات الموظفة، يتيح لنا استجلاء الخلفيات العميقة للنصوص الشعرية وما تختزنه من دلالات اجتماعية وثقافية. ومن خلال هذا التفكيك العلمي يمكن استخلاص معطيات أنتروبولوجية وسوسيولوجية تعكس طبيعة الذهنية السائدة في المغرب، خاصة في المجتمعات العشائرية والقبلية. إن هذه المقاربة تجعل من شعر الشيخ عسو مرآة تاريخية تُسهِم في فهم السياقات الحديثة، بوصفها امتدادًا لتراكمات الماضي وتكثيفًا لمسار أحداثه.

وحرصًا على إنصاف هذا الشاعر المرموق، ولكي لا يندثر اسمه كما اندثر كثير من شعره، جاءت هذه المحاولة البحثية لتخليد ذكراه، على أمل أن تكون خطوة أولى نحو دراسات أعمق تُحيي تراثه وتعيد قراءةإنجازاته الفنية في زمن كان الارتجال فيه معيارًا للقوة الشعرية وعلوّ الكعب الإبداعي للشعراء.

يعدّ الشيخ عسو(2) واحدًا من أبرز شعراء الإرتجال في التاريخ الشفهي الأمازيغي خلال النصف الأول من القرن العشرين، وهو امتداد حيّ لتقاليد إمديازن؛ تلك الفرقة الفنية الأصيلة التي تبلورت عبر القرون في المجال الأمازيغي المغربي، وخاصة في أعالي الأطلس الكبير الشرقي. وتتشكل هذه الفرقة من أربعة عناصر أساسية: الشيخ، وهو الشاعر وقائد المجموعة؛ وبوغانيم(3)، عازف الآلة المصنوعة من القصب والمسماة أغانيم، والذي يشتهر بلباسه المزركش وطاقيته المزيّنة بريش النعام؛ ثم إردادن، وهم منشّدو الإيقاع الذين يتولون أداء الدفوف وترديد مقاطع من القصيدة . وكانت شهرة الفرقة ترتبط باسم الشيخ نفسه، باعتباره صاحب الحكمة والقول وصوت الجماعة.

وقد عُرفت منطقة جبل العياشي والمجال القبلي الممتد عبر أيت يحيى وأيت حديدو بإنجاب نخبة وازنة من الشعراء الذين خلدتهم التقاليد الشفوية، مثل: أوقربا، أومساعد، تمجين، موحى وبولمان، والحسين وزهرة(4)، وصولًا إلى الشاعر المبدع موحى الزهراوي الذي أدخل آلة الكمان إلى "تنشادت "وطاف بها أسواقا المنطقة والمغرب عموما، تاركًا إرثًا فنّيًا غنيًا. كما ظهرت أسماء أخرى بارزة مثل: زايد وزري(لوسيور)، أكوراي، الشيخ حمو، ومولاي مبارك المتقن للعزف على الكمان (المتوفى سنة 2024)، إلى جانب الشاعر الراحل عسو إقلي من قرية تسرولين التي أنجبت فطاحل كبار من الشعراء.

وفي هذا الامتداد الزاخر، يبرز الشيخ عسو والد الشاعر الحالي الشيخ حماد (5)الذي ما يزال يجول بين الجبل وأزغار، حاملاً مشعل إمديازن. وقد أخبرنا الشيخ حماد أنه يحتفظ بما يقارب أربعين قصيدة.

Anfasse13127الشيخ عسو وموحى وحمووُلد الشيخ عسو سنة 1920 بقرية أفراسكو، وتوفي بها سنة 2010 بعد عمر حافل بالعطاء، وينتمي إلى عائلة إزيزاون المنتمية لفخذة أيت حساين وموسى (أيت عا)، وهي إحدى فرق أيت موسى حدو ضمن فرع أيت هرهور التابع لقبيلة أيت حديدو. وخلف الشاعر إرثًا مهمًا من القصائد التي انتشر صيتها في المنطقة، خاصة خلال الخمسينات والستينات القرن الماضي حين بزغ نجمه كأحد أمهر شعراء الارتجال؛ إذ كانت الأبيات الشعرية  تُلقى في شكل ألغاز في حلقات أحيدوس التي تقام كل ليلة وسط القصر. وتحتفظ الذكرة الجماعية  بأشعاره المرتجلة ب" إمي ن إغرم نايت يعقوب" (6)الشهير بعاصمة أيت موسى وحدو حينما  واجه حينها شعراء كبارًا من أمثال أومساعد وأوقربا وهو لا يزال في عقده الثاني، مما يدل على نبوغه المبكر وقدرته على مقارعة عمالقة القول الشعري. مما أكسبه احتراما واسعا ومكانة رفيعة بين شعراء المنطقة.

الشعر والمقاومة زمن الاستعمار.

وقد عاش الشيخ عسو زمن الإستعمار  الفرنسي ؛ فعبر في العديد من قصائده عن ضيق أهالي المنطقة من أعمال السخرة التي كانت تفرضها الإدارة الإستعمارية الفرنسية على السكان ؛ حيث يجبرون على القيام بأشغال البناء في منازل ضباط الإستعمار(7)  ؛ وصيانة الطرق والمسالك . وكانت هذه الأعمال تتفاقم بعد كل انجرافات بفغل الفياضانات الرعدية ؛ التي تضرب المنطقة كل صيف وبداية الخريف ؛خاصة في الطريق الرابطة بين الريش وإميلشيل ؛ وضمن المقاطع أو المسالك الوعرة بكل من" مسوحل "وأقا ن إكلي "(8) التابعة لقيادة أموكر التي ينتمي إليها قصر أفراسكو  مسكن شاعرنا المرموق. مما يجعل السخرة عبئا يوميا يرهق ويستنزف طاقات السكان ويعمق معاناتهم ؛ حيث يرغمون على التخلي عن أشغالهم الفلاحية للقيام بالمهام الإستعمارية دون مقابل وبلا أجر.

نظم الشيخ عسو عددًا من القصائد خلال فترة الحماية الفرنسية، عبّر فيها عن ضيق السكان من القيود المفروضة على الحركة والتنقل، إذ كان الشاعر لا يستطيع زيارة قصر أو قرية أخرى لإحياء الأمسيات الشعرية إلا برخصة من ضابط الشؤون الأهلية. وفي القصائد التي وصلتنا، يتجلى البعد الاحتجاجي للشاعر وتمسّكه بحرية القول والدور الاجتماعي للشعراء داخل القبيلة. وكان يلجأ إلى المجاز والإستعارة ليدرج شكواه بين السطور ؛ ويغلف احتجاجه بوشاح البلاغة ؛ فلا يدرك القارئ العابر مقاصده ؛ بينما يفهمها من يجيد قراءة المقصود أو المفهوم من المنطوق ؛ فيعلن الرفض  بصوت خافت يهمس به إيقاع القصيدة. ويواجه البطش الإستعماري  بقنابل من لغز الأشعار  ورصاص الكلمات ؛ يطلقها في متن القصيدة ؛ فتشق طريقها بين السطور  لتبلغ من يفهم سر الرمز وإحاء المجاز . وهكذا تتحول قصائده إلى درع لغوي يحميه من الملاحقة ؛ لأنها تستهدف العقل قبل الأذن  ؛ لأنها تعبر بالرمز بدل صريح العبارة  مستعيضة عن المباشر بالإيحاء  ؛ وهذا الأسلوب ليس وليد الصدفة ؛ بل نابع من ذكاء إبداعي  متأصل  في  الشعر الأمازيغي عامة ؛ وفي  تجربة شاعرنا على وجه الخصوص  ؛ حيث تتحول البلاغة الشعرية إلى ملاذ فني وإبداعي يقي  المعنى  من عيون الرقيب.

ومن أشهر قصائده تلك التي نظمها نهاية الأربعينيات على خلفية اعتقال القائد عدي وبيهي، زعيم أيت يفلمان وأحد أبرز رجالات المنطقة خلال الثلاثينيات والأربعينيات والخمسينات. كانت علاقة عدي وبيهي بالإدارة الاستعمارية خلال النصف الثاني من عقد الأربعينيات على درجة كبيرة من التوتر، إذ دخل في مواجهة مباشرة مع بعض أوامرها، فاعتبرته السلطات الفرنسية عنصرًا غير منضبط. وبقرار من الضابط غوسو (Gossau)، رئيس مركز الريش آنذاك، تم نفيه إلى برشيد بدعوى أن الرجل مختل عقليا (9)، وهي حجةٌ أخفت في جوهرها رفض الرجل للخضوع لوصاية الجهاز العسكري الاستعماري. وقد قضى هناك سبع سنوات ؛ في وضع يندرج ضمن أساليب الإبعاد القسري التي كانت تنتهجها الإدارة الاستعمارية ضد المعارضين المحليين وبعد حصول المغرب على الاستقلال، غادر سجنه، فعينه السلطان محمد الخامس عاملاً على تافيلالت، اعترافًا بمكانته داخل مجتمعه ؛ لكنه اعتُقل من جديد عقب أحداث 1957، وتوفي في ظروف غامضة سنة 1961. مما زاد من رمزيته بوصفه واحدا من أبرز  الزعماء في مرحلة شديدة الحساسية من تاريخ المغرب المعاصر.

وقدصدح و عبّر الشيخ عسو بقصيدة طويلة  وقوية التأثير في الرأي العام المحلي  عقب إعتقال وسجن القائد عدي وبيهي من طرف الإدارة الإستعمارية بعد رفضه لآوامرها  سنة 1947؛ ومع الأسف لم نتمكن سوى من جمع أبيات قليلة منها ؛ استقيناها من والدنا  رحمه الله وغيره ممن عاصروا الشاعر منهم ابنه  المعروف بالشيخ حماد الذي ورث نظم القصيدة من والده أطال الله في عمره؛ وسوف نخصص له أيضا بحثا أنيقا وعميقا ينصف هذا الشاعر الذي جمع بين نظم القريضوفن الحلقة  وضبط الايقاغ بالدف. و جاء في بعض أبياتها  بعد إعادة صياغتها  وترجمة مضمونها إلى العربية ؛ مع  إدراج الأبيات  بلغتها الاصلية في الهامش  هذه السطور.

عدي وبيهي… غادرنا وخلّف في القلب لوعةً وأسى،

من يدفع عنّا جور النصارى إذا غاب؟

أين أنتم يا أبناء الجبال… يا أمازيغ هذا الوطن؟

، تبكيه النساء دمعا ونودعه نحن الرجال دما وفداء.

انتزع غوسو سلاحه وساقوه مُكرَهًا نحو برشيد… بعيدًا عن أرضه وأهله.

غاب المرياع ...فاهتز القطيع لفقد خطاه.

تبكيه النساء دمعا ونودعه نحن الرجال دما (10) .

وتكشف هذه الأبيات عن حزن جماعي عميق وشعور بفقدان السند، إذ يصور الشاعر القائد عدي وبيهي بالمرياع الذي يقود القطيع، وهو تشبيه غني بالدلالات الاجتماعية والإيحائية في الثقافة الأمازيغية. فالشيخ عسو لا يرثي رجلاً فقط، بل يرثي رمزًا سياسيًا وقبليًا شكّل توازنًا حيويًا في حياة السكان. كما يظهر في الأبيات موقف الشاعر كصوت للقبيلة في مواجهة عسف الاستعمار، معبّرًا عن المقاومة بالكلمة بوصفها «أضعف الإيمان» في تلك المرحلة الصعبة.

في سياق الحياة الثقافية بقصر أيت يعقوب ومنابع وادي زيز عند سفوح جبل العياشي وامتداد ملوية العليا، حيث يحتل الشعر الشفهي مكانة مركزية في تثبيت الهوية القبلية وإظهار المكانة الرمزية للشاعر داخل الجماعة، اشتهرت مبارزة شعرية بين الشاب الشيخ عسو والشاعر الكهل أومساعد تعكس روح التحدي التي تميّز مجال “أحيدوسالأمازيغي. فقد شكّك أومساعد، بما له من تجربة وبما يقتضيه التقليد من امتحان المواهب الصاعدة، في قدرة الشاب عسو على الارتجال والإبداع، موجِّهاً إليه هجاءً مبطناً يقول فيه إن من يغترف ماءه من عيون غيره لا يرتوي، ومن يتخذ شعره من حوض مستعار يظل ظمآن لا حياة في قوله؛ وأعاد الشاعر هذا المعنى بصياغة شعرية تقول: الشارب من العين لن يدركه الظمأ والمرتوي من القرب عطشان ،.” فجاء ردّ عسو قوياً متماسكاً، مرتكزاً على رمز الماء الذي يحمل في الثقافة الجبلية معنى الأصل والكرامة والنبع الذاتي، فقال: ذاكرتي  عين رقراقة أرتوي من صفائها وقرب الغير لا تنعش لهفة  الظمآن   فكان المعنى أن الشعر عنده نابع من ذاته، من ذاكرة الجماعة، لا من الاقتباس ولا من التقليد وشتان بين الأصيل والمقلد.

ولمّا أراد أومساعد أن يختبر ثبات الشاب ونزاهته بالانتقال من نقد القدرة إلى الهجاء الجسدي، سخر من قصر قامته قائلاً إنه لو وضعه في حقيبته لحمله بلا مشقة، لأن الحمل الصغير لا يثقل صاحبه، معبّراً عن ذلك شعرياً: لو جعلتك في الرحال لما ثقلت عليّ، فالحمل خفاف إذا ضاقت به القامة؛ فأنت تُحمل كالسقاء إذا رُفعت، لا تتعب الراكب ولا ترهقه الزعامة.” وهنا انقلب الشيخعسو إلى هجاء مقابل، يحوّل النقص الجسدي إلى بلاغة ويصوّب سلاح السخرية نحو شيخوخة الخصم ووهنه، قائلاًمغامر من يجعل الشيخ االهرم  رفيق دربه أخشى أن يخونه الوهن عند باب من الأبواب .”(11) وبذلك أعاد الشاب تعريف القوة: ليست في طول القامة ولا في سنّ المتكلم، بل في ثبات الذاكرة وقوة الخاطر.

وتكشف هذه المبارزة، إذا نُظر إليها بعين أنثروبولوجية، عن عمق الرموز الثقافية في فضاء قبائل منابع زيز والعياشي؛ فالماء—الذي يرد هنا كاستعارة مركزية—رافد جوهري في التمثلات الجماعية، لأن الحياة الجبلية القاسية تجعل النبع رمز الحياة.

كانت المبارزة  بين الشيخ عسو والشيخ أومساعد بمثابة امتحان حقيقي للشيخ اليافع، الذي كان قد خطا خطواته الأولى في عوالم الشعر. فقد استغرب الشاعر الكبير من سرعة بديهة الشاعر الشاب وفطنته، ومن قدرته اللافتة على الارتجال. وكان ذلك الامتحان بمثابة شهادة تخرّج نالها الشيخ عسو مجازًا من شاعر الخبرة أومساعد، بلغة شيوخ الفقه. ومنذ تلك اللحظة، أصبح الشيخ عسو شاعرًا كبيرًا وقدوة في فن الارتجال الشعري. الأسف، فقد اندثرت معظم القصائد والمرتجلات التي أبدعها هذا الشاعر الكبير، إذ لم يصلنا منها إلا القليل مما كنا نسمعه من معاصريه خلال ثمانينيات وتسعينيات القرن الماضي. ولم نتمكن من جمع سوى جزء يسير حاولنا إبرازَه في هذا المقال البحثي المتواضع. وتظلّ هذه الالتفاتة جهدًا بسيطًا للتعريف بشاعر قدّم الكثير للفن الأمازيغي، ورغم مجهوليته في رفات الكتب وأرشيفاتها، فإنه حاضر بقوة في الذاكرة الجماعية لقبائل أيت يفلمان عامة.

كان الشيخ عسو قبل أن يكون شاعرًا، إنسانًا رقيق المشاعر، كريم الخلق، محبوبًا بين أهله ومعارفه. تميّز بطباع هادئة وروح بسيطة تتقن المزاح وتدرك مقامات القول، فلا يجلس إليه أحد إلا وجد صدرًا رحبًا وكلمة طيبة. وقد ظل طوال حياته رجل حكمة ووقار وبلاغة، بما جعله مرجعًا أخلاقيًا في محيطه، ومحبوبًا لدى كل من عاشره أو استمع إلى قصائده. كانت علاقته بأسرته وبجماعته علاقة احترام ومودة، يقوم فيها بدور الأب والناصح والوسيط بين الناس، مستندًا إلى تجربة إنسانية امتدّت نحو تسعة عقود.

ورغم تقدمه في السن، احتفظ بذاكرة قوية مكّنته من استحضار قصائده القديمة وإلقائها بطلاقة كلما طُلب منه ذلك، دون كلل أو تكرار مملّ، وكأنه يُحيي في كل بيت يردده شطرًا من سيرته. غير أنّ هذا الإرث الشفهي الكبير لم يُسجَّل في زمانه، إذ عاش الشاعر في فترة كانت تعتمد على الذاكرة الفردية والجماعية وحدهما للحفاظ على الشعر، في غياب الوسائل التقنية الحديثة التي كان بإمكانها توثيق هذا التراث الغني. وهكذا بقي جزء مهم من إبداعه رهين الذاكرة لا الأوراق، كما هو حال الكثير من شعراء الأطلس الذين بزغ نجمهم قبل أن تمتد إليهم أدوات التسجيل والتدوين.

خاتمة: الشعر كأداة للإبداع والتواصل والمقاومة.

يمثل الشعر في الوسط الأمازيغي، وخاصة في مجالات الأطلس، أكثر من مجرد فن شفهي؛ فهو مؤسسة اجتماعية وثقافية، ومنبر للتعبير عن هموم الجماعة، وفضاء للتواصل ولتبادل الحكمة والألغاز والمعرفة. ولطالما لعب الشعراء دورًا محوريًا في إذكاء الحماس داخل القبيلة، خاصة في أوقات الأزمات أو التهديدات الخارجية، حيث تتحول القصيدة إلى وسيلة للمقاومة المعنوية وبثّ القوة في النفوس.

وتجسد قصيدة الشيخ عسو حول اعتقال القائد عدي وبيهي مثالًا حيًا على هذا الدور؛ فهي توثيق فني لمرحلة مضطربة، وشهادة على قدرة الشاعر الأمازيغي على تحويل الألم الجماعي إلى قولٍ ملحمي خالد. وهكذا يظل الشعر أحد أهم ركائز الهوية الأمازيغية، ومرآة صادقة لوجدان الإنسان الأمازيغيوتطلعاته، وذاكرة تحفظ للقبيلة تاريخها ونبضها عبر الأجيال.

الإحالات والهوامش:

1- الإرتجال مفهوم أدبي يعني إنتاج الشعر أو الكلام المنسق أو الخطابة بلا إعداد مسبق ؛ اعتمادا على الموهبة الفطرية ؛ وسرعة البديهة ؛ ويعني أيضا قدرة المتكلم على صياغة تعبير وحديث منظم ومسجع وجمالي بلا أوراق ولا كتابة في اللحظة نفسها ؛ إذن الإرتجال أحد أشكال الإبداع الشفوي التي تجمع بين الموهبة اللغوية الفطرية وحيوية اللحظة التي يلقى فيها الشعر أو الكلام. يُعدّ ارتجال الكلام فناً خطابياً قائماً بذاته، ويمكن إدراجه ضمن فنون التواصل الحديثة بوصفه مهارة تواصلية متقدمة تقوم على تنظيم الأفكار لحظياً والتفاعل المباشر مع الجمهور والسياق. ورغم أنّ الارتجال يرتبط تاريخياً بالمجال الشعري القديم—حيث كان الشاعر يعتمد ملكته الفطرية واستحضار البديهة في نظم القصيدة وإلقائها—فإن هذا المفهوم القديم ما يزال حاضراً بقوة اليوم باعتباره أداة مركزية في ممارسات التواصل المعاصر، خصوصاً في عقد الندوات الصحافية، وتقديم التصريحات العفوية، وتسجيل الفيديوهات القصيرة التي تتطلب سرعة التعبير ووضوح الرسالة دون إعداد مسبق. وفي إطار علوم الاتصال الحديثة يُصنّف الارتجال ضمن التواصل الشفهي (communication orale) ومهارات الإلقاء العام (prise de parole en public)، كما يُدرج ضمن التواصل العفوي (communication spontanée) الذي يقوم على سرعة الإدراك وحسن إدارة المواقف التواصلية. وتتجلّى قيمته العملية في مجالات واسعة كالإعلام والسياسة والتعليم والتنشيط الثقافي والتفاوض، مما يجعله ركيزة أساسية في مقاربات التواصل الفعّال. وعليه، فإن الارتجال ليس مجرد قدرة كلامية آنية، بل ممارسة خطابية ممتدة الجذور تجمع بين الإرث الشعري القديم ومتطلبات الاتصال الحديث، وتشكل أحد أبرز مؤشرات الكفاءة التواصلية في العصر الراهن.

2-الشيخ عسو هو الاسم الفني للشاعر ، وإسمه الحقيقي هو عسو وموحى وحمو. وينتمي هذا الاسم إلى أسرة ذات مكانة بارزة في قرية أفراسكو، إذ كان والده، المسمّى بنحمو، من أعيان القرية ومن أشهر رجالها شجاعةً وبأساً. وقد أسهم بنحمو في ترسيخ حضور الأسرة داخل الذاكرة المحلية، تاركاً بصمات واضحة في التاريخ الاجتماعي للقرية، وهو الإرث الذي سيحمله ابنه من بعده لمواصلة الشجاعة بالكلمة والشعر الموزون.

3- بوغانيم شخصية مسرحية بارزة ضمن فرقة إمديازن، يتقن توظيف الفكاهة عبر الكلمة والإيماءة والحركة الجسدية، ويُعدّ ركيزة أساسية في العرض المسرحي الذي تقدّمه الفرقة أمام جمهور القصر أو الدواروالذي يعرق ب"تامغارت ن إمديازن". وتبدأ الفرقة أداءها مع غروب الشمس، ثم تتوقف لحظة تناول العشاء، لتستأنف السهرة بعد صلاة العشاء وتواصلها في أجواء من المتعة حتى اقتراب أذان الفجر.

4- الحسين أوزهرة أحد أعلام الشعر الشفهي في الأطلس الكبير الشرقي ، وعاصر كبار شعراء المرحلة وفي مقدمتهم الشيخ عسو. وُلد بقرية للگاغ بأيت سليمان التابعة لجماعة أوديم ، على السفوح الجنوبية لجبل العياشي؛ تلك السفوح التي كانت عبر القرون معبرًا للقبائل ومسرحًا لتحولات اجتماعية وسياسية طبعت تاريخ المنطقة.

وينتمي، بحسب النسابين، إلى فرقة أيت عثمان وعلي اضمن قبية أيت عياش ، وهي من الفروع ذات الحضور الوازن في جبل العياشي ومحيطه القبلي والجغرافي، بما يحمله من صراعات وزخم تاريخي، رافدًا أساسيًا لتجربته الشعرية

جال الحسين أوزهرة مختلف مناطق المغرب، ولا سيما ربوع سايس حيث قبائل أيت عياش وأيت ولال وأيت نظير وإگروان، فكان شاعرًا يحمل ذاكرة الأطلس إلى فضاءات بعيدة. وخلال زمن الاستعمار، أبدع قصائد عديدة تعكس وعيه بالمرحلة، وتُظهر التوترات التي عاشتها القبائل في تلك الحقبة، ما جعل تجربته شاهدًا فنيًا على واحدة من أكثر الفترات حساسية في تاريخ المغرب الحديث.

وسوف نخصّص لهذا الشاعر بحثًا موسّعًا في مناسبة قادمة، نستعرض فيه مساره، ومكانته داخل تقاليد الشعر الأمازيغي، وقيمته كمصدر تاريخي وثقافي.

5- الشيخ حماد، وهو الاسم الفني الذي اشتهر به، ويحمل في سجله العائلي اسم حماد فراح، ويعدّ الابن البكر للشاعر الكبير الشيخ عسو. وُلد خلال أربعينيات القرن الماضي ، فشبّ وهو يلامس عوالم الشعر والحلقة منذ نعومة أظافره، حتى أصبح شاعرًا متميزًا مارس هذا الفن لما يقارب خمسين سنة، وبرز كواحد من الشعراء الجوالين الذين طافوا ربوع البلاد حاملين فن القول إلى الحلقات والمنتديات الشعبية. وقد عرفه الجمهور بقدرته على الجمع بين الشعر وفن الحلقة، مقرونَين بالفكاهة النظيفة والدعابة اللطيفة التي زادته قبولًا ومحبة لدى الناس. وخلال جلسة خاصة معه، أوضح الشيخ حماد—أطال الله عمره—أنه يحفظ ما يقارب أربعين قصيدة من إنتاجه هو، من أشهرها قصيدة نقدية  بعنوان "منار"تناول فيها بلهجة ساخرة تأثير بعض الأفلام التركية على الأسر المغربية في المدن والبوادي. وسيجري استعراض هذه القصيدة بالتفصيل عند استعراض تجربته الشعرية في الفرصة القادمة إنة شاء الله.

6- يُعدّ “إمي ن إغرم” فضاءً اجتماعياً خاصاً داخل القصور في الواحات والجبال، حيث يشكّل مركزاً للتشاور والتفاعل الجماعي. ويُعتبر إمي ن إغرم نايت يعقوب واحداً من أبرز هذه الفضاءات، وقد خلدته الكتابات المرتبطة بوادي زيز وبالمجال الجغرافي لقبائل أيت حديدو. فقد كان هذا الفضاء يشهد نقاشات قبلية حاسمة تتعلق بمصير قبائل أيت هرهور وخاصة فرع أيت موسى وحدو القاطنين بالقصر والقصور المجاورة ؛ وعلاقاتها مع القبائل المجاورة، مما جعله مجالاً لصياغة التوافقات واتخاذ القرارات الجماعية خلال القرون الماضية.

كما أدى “إمي ن إغرم” وظيفة ثقافية موازية، إذ كان فضاءً خاصاً لإقامة رقصات أحيدوس ليلاً بهدف الترفيه وتعزيز الروابط الاجتماعية، واستقبل عبر التاريخ فرق "إمديازن" التي كانت تؤدي دوراً محورياً في نقل الشعر الشفهي وتوثيق الذاكرة الجماعية. وتُعد المبارزة الشعرية الشهيرة بين الشيخ عسو والشيخ اومساعد مثالاً دالاً على الحيوية الثقافية التي كان يعرفها هذا الفضاء، وعلى دوره بوصفه مسرحاً لتفاعل الإبداع والتنافس الرمزي بين شعراء المنطقة؛ وكذلك حضور الشيخ لوسيو المميز وفرقته مثل ميمون ودو خلال بداية الثمانينات (1982).

7- منزل ضباط الشؤون الأهلية بأموكر والذي شيد من طرف أيت هرهور خلال بداية الخمسينات عن طريق النوبة ؛ أسلوب استعماري لتشغيل الساكنة مجانا في الأشغال التي يفرض أن تتم بالأجر مقابل العمل. وظل مسكنا للقياد المعينين بقيادة أموكر إلى حدود التسعينات. ولماذا لايتم ترميم هذا المنزل وتحويله إلى فضاء للذاكرة التاريخية للمقاومة والتحرير ؛ لأن المنطقة شهدت معركة أيت يعقوب والتي تعد أبرز المواجهات العسكرية بالمجال الجغرافي لقبائل أيت حديدو

8- تمثل "مسوحل" – وهي كلمة أمازيغية تُحيل إلى معنى المتعبة أو المرهِقة – واحدة من أطول العقبات الجبلية الممتدة بين قصر تگندوزت وأموگر عبر مسار تيدرين. وقد اشتهرت تاريخيًا بكونها مقطعًا عسيرًا على القوافل التجارية، إذ كانت منحدراتها الحادة وكثرة منعطفاتها وشعابها تستهلك جهد القوافل وتبطئ حركتها. وما زالت هذه الصفات تتجلى اليوم، لكنها تُنهِك العربات المهترئة أكثر من غيرها، خاصة بعد كل فيضان يعيد تشويه المسار وانزلاق التربة. وقد كانت "مسوحل" زمن الاستعمار الفرنسي مجالًا لإجبار قبيلتي أيت هرهور وأيت يحيى على إصلاح الطريق بشكل دوري في إطار نظام السخرة المعروف محليًا بـ"ربع يام"، والذي يفرض على كل ربّ أسرة العمل القسري لمدة أربعة أيام في خدمة السلطات الاستعمارية. يُعد أقا ن إگلي نقطة سوداء على الطريق الرابطة بين الريش وإملشيل، وهو في الأصل مقطع جبلي شديد الوعورة يتكوّن من منعطفات خطيرة ومضايق ضيقة تمتد بمحاذاة واد إسلاتن، الذي يلتقي لاحقًا بوادي بنرات ليشكّلا معًا أحد الروافد الأساسية لواد زيز. ويُعرف هذا الموضع باسم أقا ن إگلي نسبةً إلى قصر إگلي الذي يندرج ضمن مجاله الجغرافي، مما يعكس ارتباط التسمية بالحيز المكاني للقبيلة.

وقد شكّل هذا المقطع تحدّيًا دائمًا لقبائل أيت هرهور خلال فترة الإدارة الاستعمارية، إذ كانت السيول والفيضانات المتكررة للوادي والشعاب تتسبب في انجرافات تعيق السير وتفرض أعمال إصلاح متواصلة. وقد كان يُلزم أفراد القبيلة بالمشاركة في هذه الأشغال بشكل جماعي، وكل من تخلّف عن الحضور أو امتنع عن إرسال من ينوب عنه يتعرض لعقوبات صارمة، قد تصل أحيانًا إلى أحكام بالسجن لسنوات.

9- أوريد حسن ؛ تمرد عدي وبيهي ؛ مجلة زمان العدد 14؛ سنة 2014 ؛ ص 54.

10- وفي متن البحث قمنا بترجمة مضمون الأبيات إلى العربية، بينما سنورد نصَّها الأصلي بالأمازيغية في الهامش، تعميمًا للفائدة وحفاظًا على الأمانة العلمية.

  • أليمت إمضي أنال إدمن ألوليات // عدي وبيهي أوا ورياد إلي ك تحونا.
  • أو سينت لحكام إد إمازيغن ورقيمين // تدا تغشت أبو أومعاز اوطننتس وولي.
  • إمايديغن أديقن ياد إلحاكم س إمي .
  • وزن يان الخوجا إدود إغراس نناس // أو تابعات البيرو أوادا إركن غوسو.
  • يانفن الباب اوتنت أكلت أم إصويان // إناس تغدرمي توكلميد أفضاح أختار.
  • 11- تُعدّ هذه المبارزة الشعرية واحدة من أشهر المواجهات الشفوية في التراث الأمازيغي، حيث تجسّد التوتر الإبداعي بين جيلين مختلفين: الشاعر اليافع الشيخ وعسو الذي كان بصدد ترسيخ اسمه داخل الحقل الغنائي والشعري، والشاعر المتمرّس الشيخ أومساعد الذي مثّل سلطة الجيل القديم وخبرته. وقد اكتسبت هذه المواجهة قيمتها ليس فقط لبلاغتها الشعرية، بل لكونها تُعبّر عن انتقال رمزي للمعرفة والمكانة داخل مؤسسة «إمديازن » وقد كانت هذه المبارزة محطة مفصلية في المسار الفني للشيخ عسو، إذ أكسبته شهرة خاصة داخل المجال الثقافي المحلي، وترسخ اسمه منذ ذلك الحين كشاعر فذ في المنطقة. وإليكم أبيات المبارزة بالأمازيغية.

قول اومساعد:

  • مشد أغبالو أك إتاسي وركول.// إد أمدا اوي داتينغ إريفي .

جواب الشيخ عسو:

  • ولينو أكد نوكم رارغ إريفي // وردا دزلد فاد أياعمور ن شا.

قول اومساعد:

  • مر شي نكري يوعديل اوركول ن بوباش // تيليست أدشينت أزنار ن تاضوت.
  • أو ك ن ييوين سا نا ك اوفان العبادة // أك أشل إد أمشك او تليد لحوجات.

جواب الشيخ عسو:

  • اوناكن ييود المخطرت أيد نادان داتكدغ أد إرز إشا ك إمي ن البيبان.

وإذ كانت هذه المواجهة الشعرية طويلة ومتعددة المقاطع، فإننا ـ مع الأسف ـ لم نتمكن من جمع جميع أبياتها بسبب تشتت الروايات الشفوية، فاقتصرنا في هذا البحث على الأبيات الأكثر حسمًا ودلالة في سياق المبارزة. على أمل الحصول في الأيام القادمة على أبيات أخرى من إرث هذا الشاعر المرموق وكذلك تتمة القصيدة التي نظمها بمناسبة نفي القائد عدي وبيهي إلى برشيد.

عدي الراضي.
باحث في التاريخ والتراث.

تعليقات (1)

This comment was minimized by the moderator on the site

مقال هام لباحث عهدنا منه الدقة العلمية ومصداقية المرجع والاقتراب الكبير من الميدان. واذ ننوه بمجهوداته نتمنى ان تتاح له الفرص لتقديم مقالات حول مجال ينذر فيه البحث العلمي.

اولاد الشريف مولاي المصطفى
لاتوجد تعليقات لهذا الموضوع، كن أول من يعلق.

التعليق على الموضوع

  1. التعليق على الموضوع.
المرفقات (0 / 3)
Share Your Location
اكتب النص المعروض في الصورة أدناه. ليس واضحا؟