جواز السفر والتذكرة في كف يده، متشبث بهما كأنه يخشى عليهما من الخطف. وكلما دنت ساعة رحيله ارتج قلبه وارتفع وجيبه حتى لتكاد تصغي إلى دقاته رغم ما في المكان من ضوضاء. تعلو أنفاسه وتنخفض لأول مرة يشعر بهذا الكم من الرهبة والخوف كأنه لم يركب الطائرة من قبل رغم أنه حياته حافلة بالسفر والترحال. سنوات عديدة أمضاها متأرجحا على أجنحة الطائرات. لا يستقر إلا ليرحل من جديد. ألِفته أبهاء المطارات وبواباتها ومدارج الطائرات ومضيفاتها حتى ضجّ جواز سفره بأختام تأشيرات العبور. صار قَدره أن يفترش حقيبة سفر. كلما يظنّ أنه استقر يدعوه منادي الرحيل.
ضجّ بهو المطار بأصوات الموَدّعين والمستقبلين، وتداخلت صرخات الأطفال والنداءات الأنثوية الناعمة عبر مكبرات الصوت بين الفينة والأخرى مذكرة المسافرين بدنوِّ انتهاء إجراءات التسجيل في الرحلات. ومن المقهى المطعم الذي يتوسط البناية يتردد صدى أغنيات منبعثة من أجهزة متطورة تمنح العابرين لحظات استرخاء وهم يتلذذون بارتشاف أعقاب القهوة. نداءات وأضواء ووقع كعوب أحذية حادة يمشي أصحابها بانتظام، وصوت عجلات حقائب تئز على البلاط النظيف اللامع، حقائب سفر كبيرة وصغيرة يحاذي بعضها بعضا فوق شريط يدور أوتوماتيكيا يلتقطها أصحابها بعد إتمامهم إجراءات العبور، وبعد أن تكون تلك الحقائب قد خضعت لعمليات تفتيش آلية دقيقة بتمريرها من أمام شاشة تمسحها ضوئيا للكشف عن محتوياتها. تشعر وأنت تتجول في أرجاء هذه البناية الفسيحة أنك تتأرجح بين بلدين، لا أنت تشبثت بوطن ستغادر ترابه بعد حين، ولا أنت وطأتَ أرضا أخرى تفصلك عنها أزّتَا عجلات الطائرة عبر رحلة ستكون خلالها معلقا بين السماء والأرض.
التقط حقيبته بعد أن أتم إجراءات الدخول، ومضى يذرع بهو المطار بخطى واسعة. يريد أن يبتعد أكثر ما يمكن عن تلك اللوثة الضوضاء، أو يرغب في الشعور بالانتماء لأن بقاءه داخل المطار يضاعف إحساسه بأنه بلا مستقر وهو الذي أمضى أكثر من نصف عمره بلا وطن، تطوِّح به المقادير على حافات حدود الأوطان فلم يعرف الاستقرار يوما ولم يشعر بالانتماء إلى أرض يوما.
أقلّته سيارة تاكسي من المطار إلى النزل الذي سيقيم فيه حتى ينتهي من تغطية هذه التظاهرة العالمية الفريدة، وينجز المقابلة الصحفية التي جاء من أجلها وقطع كل هذه المسافة لإنجازها ممنيا النفس بسبق صحفي فريد قد يضعه على قائمة أشهر صحفيي الأرض وأكثرهم جرأة.
كان سفره هذه المرة مختلفا عن غيرها من المرات السابقة. ففي ذهنه صور كثيرة مبعثرة عليه جمع شتاتها ورتق ما تنافر منها، لكن عليه أن يتحلى بصبر جنية وأن يكتسب تقوى قديس مقبل على أداء طقوس تعبدية شاقة لا يدري أتهوي به إلى أسفل الدركات من الجحيم أم ستصعد به إلى أعلى الدرجات من النعيم. مغناطيس السفر هذه المرة كان قويا وعنيفا ولم يستطع مقاومته. عندما عرضوا عليه إنجاز هذه المهمة لم يتوان ولم يتردد. وافق بسرعة أذهلت المحيطين به من أصدقائه وزملائه.
عبَر الباب النزل المترع. وما إن انعطف يسارا حتى هزه عطرها المتناثر في أرجاء الممر الضيق الطويل وزواياه وتعرجاته. كان عطرا منسابا تعثر فيه وبعثره. جاءه محمولا على أكف الهواء. تسربل بعطرها وسافرت روحه بعيدا إلى هناك ليلامس أهداب تلك اللحظة التي تقاطع فيها درباهما. حينها شعُر أن كل ما في الكون قد تجمد فلم يعد يسمع سوى كلماتها التي اخترقت كل مسامه. غابت عن ناظريه كل الأشياء المحسوسة واللامحسوسة فلم يعد يرى إلاّها. فقَدَ القدرة على تمييز الاتجاهات الست. خَبَتْ أضواء الفوانيس وأضاء عطرها الكون.
عندما رآها تمشي نحوه بخيلاء وكبرياء راح يبحث بعينيه تحت قدميها عن أكُفِّ خَدَمَتِها من الجان التي تحملها، ثم صعّد بصره إلى أعلى رأسها عله يبصر أجنحة الملائكة التي ترفرف بها وتحيطها. كانت تمشي ولا تمشي. كانت تمشي على صرح مَمَرَّدٍ من عنفوان، مع كل خطوة خطتها وهي تتجه نحوه، كانت تدفع السكين ليزداد توغلا في القلب، مهفهفة كانت تنقل خطواتها في عزة وطغيان، أي عطر رشته على الكون الفسيح ليتسرب في كل تفاصيله، في خطواتها موسيقى موزونة لم تُعزف نوتاتها بَعْدُ لأنها اللحن الفريد المستعصي على العزف فظلت نغماته تائهة في الملكوت الأعلى المقدس لا تدنو منها أيدي البشر الفانين. شعرها المرسل حجب عنه رؤية صفحة وجهها اليمنى. وعندما خللت أصابعها في خصلة شعرها المبعثرة لتزيحها على الخد لاحت له ملامحها كاملة. وعندما نطقت مسلمة تاه بين عذوبة صوتها وسحر سمرتها وتفرُّد ابتسامتها التي افترّت عن ثغر متلألئ لم يزدها سوى تحليقا في عوالم قدْسيّة من الصفاء والنقاء. كانت هيلمانا من الأنوثة الطاغية.
بعثرت رؤيتها كل أوراقه. وظل يحدق نحوها مستمتعا برؤية تفاصيل وجهها من خلف دخان سيجارته المتصاعد. يريد أن يخزِّن كل تفاصيلها في ركن قصي من ذاكرته لا تطاله يد الزمان فتمحوه، ولا تبلغه عيون البشر فتتجسس عليه. صار العالم على اتساعه أضيق من خرم إبرة، وانحصر الكون، على رحابته، فيها، في عينيها، في شفتيها، في عذب كلماتها، في صمتها، في رقتها... وتراءت له نفسه تائهة في بيداء فسيحة يلهث وراء سراب كلما دنا منه ابتعد عنه.
أنساه عطرها موعده الذي جاء من أجله. نظر إلى ساعته في ارتباك ثم نهض متثاقلا ومضى مسربلا بألف سؤال وسؤال، وروحه متشظية إلى ذرات تلاحِق عطرها المتناثر في كل مكان علها تجمع منه ما يكون إكسيرا يمنحه تأشيرة عبور إلى عالمها الصاخب.