
يشكل مذهب أهل الإعتزال أحد المذاهب الكلامية الكبرى في تاريخ الإسلام, حيث حاول مشيخة المذهب إعادة قراءة موضوعات الله و العالم و الإنسان إعتمادا على العقل المحض و بحضور قرآني , و رغم اختلافهم فقد اتفقوا في المنهج و الأصول و كانوا في ذلك يصدرون عن نزعة نقدية أسست للهدم و البناء بشكل مسؤول و مهذب , فساهموا في إنشاء لاهوت وقف صلدا و صامدا أمام الزنادقة و المجوس..فصح بحق أن يكون علم الكلام المعتزلي رياضيات العقل التجريدي.
و نظرا لكوننا لا نقدم هنا دراسة كاملة تحيط بعناصر المذهب فسأقتصر على عرض عام لنظريتهم في المشكل الإنساني و الطبيعي و كذلك مسألة المسائل و التي منها انطلقوا لفهم العالم و الإنسان , إنها مشكلة الذات و الصفات مع ذكر لبعض من رجالاتهم بشكل وجيز.
ولعل ما يلحظه القارئ لفكر المعتزلة هو منهجهم التحليلي للميتافيزيقا و مشكل الحرية اعتمادا على ملكة العقل الحرة , و هو موقف يذكرنا بعكس ما قام به أهل العرفان و الذوق حينما فكروا في اللغة و هدموها هدما فأسسوا بذلك لعالم لغوي خاص أقرب للغو بمخالفته لمنطق اللغة الطبيعية , و بانبنائه على كيان عجيب قوامه الهمس و الغمز اللغوي و الرمز و الإشارة.
لقد رأت الصوفية في اللغة العادية نفس ما رآه علماء الرياضة والمنطق: عقبة أمام المعرفة, فأنتج العقل العلمي و المنطقي لغة أسست على الرموز الرياضية و المنطقية يسهل تطويعها في مجال البحث العلمي و حاجات الإنسان اليومية. و على الرغم من أن اللغة الطبيعية تستطيع استيعاب القضايا العلمية الكبرى إلا أن فك رموز الكون المكتوب بلغة حسابية صارمة و تحقيق التقدم في هذا المجال يلزم استخدام أسلوب المعادلات الرياضية و كذلك يوجب إتباع لغة منطقية تفي بغرض التعبير الدقيق لدنيا الفكر بعيدا عن الإعتبارات السيكولوجية.. فكان أن إنتهى العلم الدقيق و المنطق إلى طريقة لقراءة العالم عكس المتصوفة الذين هدموا اللغة من أجل هدم العالم و المعرفة فأسقطوا حالاتهم النفسية على الخالق و رسله..عليهم السلام فأنطقوهم بعجائب الأمور.
و إذا كانت لغة المتصوفة, في حالات الفناء و الإتحاد و الشطح.. منتجة للاعقل و الباثولوجيا فإن العلم الدقيق بنى بلغته الصارمة نسقا معرفيا منتهاه فك طلاسم الوجود بمنهج علمي ينتج اليقين, و لم يتنكب الطريق كالدراويش لإزدرائهم حضور العقل في كل عمليات التفكير العليا .. وبتزويرهم معاني الطبيعة و اللغة و الوحي تحت مسمى منهج الذوق الذي يعطي معنى يختلف عن ما نفهمه نحن بعقولنا من الأشياء.
فالمعنى موجود بثبات في الكون و القرآن و ما علينا سوى قراءتهما من أجل فهم المعنى الواضح.. و كذلك أقول كفى من الصراخ و العويل و أكذوبة التأويل المتعدد..أو فهم خاص -عالم- للعلماء و فهم -هابط- للرعاع و العامة-الدهماء -و هذا تقسيم قديم في التاريخ كرسته الفلسفة المشائية.. و كان إبن رشد أحد الذين إرتكبوا خطأ فادحا بتقسيم المعرفة إلى نوعين : معرفته هو و أستاذه أرسطو و معرفة الرعاع..و هذا غاية في الدجل. فخالق العباد لم يميز بين الناس إلا بالتقوى, أما العلم: فعقول البشر جميعا قادرة على إستيعابه و فهمه , فهو لا ينتج, و إنما: يكتشف .إن المعنى يسكن مصادر المعرفة و ما العقل والحواس سوى وسائل..و المشكل ليس في اللغة..بل في سلوك الإنسان الفكري و إحترامه لشروط التفكير الصحيح..أو لا.