تقديم : تستأثر الرياضة بشكل عام، وكرة القدم على وجه الخصوص، باهتمام عدد كبير من الناس، حتى قال عنها ماو تسي تونغ ذات يوم:"ينبغي الاهتمام بهذه الرياضة التي تجمع حولها كل هذه الملايين من الناس" .غير أن الناقد الإيطالي الكبير أمبرتو إيكو UMBERTO ECOيعتبرها ،على العكس، طريقة ماكرة لإلهاء الناس عن الحياة الاجتماعية والسياسية.وفي الاستجواب التالي الذي أجرته معه مجلة GLOBEيعرض إيكو آراءه ويحدد موقفه.وما تتميز به هذه الآراء وهذا الموقف من جرأة في الطرح وعمق في التحليل ، يسترعي الانتباه ويفتح شهية النقاش.المترجم.
*المجلة : يبدو أنكم تؤيدون فكرة أن كرة القدم –أفيون الشعوب- على غرار المقولة الروسية، تسبب وفاة عدد من الأفراد الممتازين،تاركة الإنسانية ،بذلك، تتابع سيرها مع أفراد جدد.
إيكو:أنا متفق ،فعلا، مع المستقبليين الإيطاليين (في بداية القرن( حين قالوا :" الحرب هي وحدها الكفيلة بتنظيف العالم"،لكن،شرط أن يشارك فيها المتطوعون وحدهم.غير أنها:للأسف، تجر إليها الضحايا،فتصبح، أخلاقيا، دون مستوى العروض الرياضية، لذلك يعجبني سباق الدراجات النارية فوق الهضاب والجرف، والنزول الجنوني بالمظلات، وتسلق الجبال الشاهقة، هكذا لا يموت إلا من أوتي هذه الكبرياء في جسده. فأنا إذن أوافق على كل نشاط جسمي يؤدي إلى وفاة "الأبطال" شرط أن يكون ذلك باختيارهم. إن الأرض ضيقة جدا، فيجب أن تترك لنا نحن الذين نملك رؤية بسيطة للحياة. ومجمل القول، فالرياضة في حد ذاتها، لا تقل احتراما عن الحب، لا أنتقد إلا العروض المغرية، حتى وإن كانت أحيانا مثيرة، والحالة هذه، أن الرياضة كما تمارس اليوم، ليست غير ذلك. بعض الكائنات الوحشية (كأخصياء كنيسة سيكستين( "صنعت" لتصبح ابطالا بلا روح، تحيط بها جماهير مبتهجة تتفرج عليها لترى كيف "تحرك أجسادها" يتعلق الأمر هنا بنوع من الإستبداد المعنوي الذي يفرض على الأغلبية نسيان جسدها، لتعجب بجسد أقلية.
*المجلة : أليس هناك شيء من الحسد في حديثك؟
بعد انتهاء الحرب بفترة قصيرة، بدأت صحيفة »العمل« الشيوعية الأسبوعية تحقيقًا في موضوع مفاجئ لم يكن متوقعًا. هل ينبغي إحراق كافكا؟ تساءل المحررون. كان السؤال من أكثر الأسئلة التي ليست في محلها على الإطلاق نظرًا لأنه لم يكن مسبوقًا بأي شيء كان من المحتمل أن يمهد أو يؤدي إليه: هل ينبغي إحراق الكتب؟ أو، أي نوع من الكتب يجب أن يحرق؟ ومع ذلك ربما كان اختيار المحررين ماكرًا ودقيقًا. فمؤلف المحاكمة هو، كما يقولون، »واحد من أعظم عباقرة زماننا«. ومع ذلك أثبت عدد كبير من الردود أن الوضوح قد آتى ثماره. بالإضافة إلى ذلك، وحتى قبل أن تتم صياغة كل سؤال أو استنباطه، تلقى التحقيق إجابة حذفها المحررون من النشر - إجابة كافكا نفسه. لأنه على أية حال أثناء حياته، و إلى أن مات، كان كافكا قد تعذّب بالرغبة في أن يحرق كتبه.
إذا لم تكن الثقافة معطى وميراثاً ينتقل على حاله من جيل لجيل فذلك لأنها إنتاج تاريخي، أي أنها بناء يندرج في سجل التاريخ، وبشكل أدق، في تاريخ المجموعات الاجتماعية فيما بينها.ولكي يتسنى لنا تحليل منظومة ثقافية معينة، لا بد من تحليل الوضع الاجتماعي-التاريخي الذي ينتج هذه المنظومة كما هو عليه حالها[ بالاندييه، 1955].
دراسة في الفكر السياسي عند المهدي بن بركة
في الاهتمام الفلسفي المتخصص, وفي مرحلة متقدمة نسبيا من ممارسة البحث الدراسي او الاكاديمي, التقليدي يشعر بعض المشتغلين بالضيق من قيود وحدود هذا البحث فتراودهم المغامرة على تخطيه نحو نمط جديد من التأمل ينزع تدريجيا وتلقائيا, انما بقوة اكثر فاكثر وثوقا, الى التسامي التام والجذري على القواعد الاكاديمية ذاتها والميل الى اغواء <<الضياع>> في الهواء الطلق. وهي حالة او مرحلة يشعر فيها المرء بأمان طوعي مع نفسه وحدها دون العالم الخارجي, اذ تبدو اشبه بالوقوف على ضفاف نهر عذب وثر في آن, يغوى لحظتها المتأمل تلقائيا بإدارة ظهره للموجودات الاخرى, متماهيا مع بهجة فطرية تجعله خلاقا بذاته, ولا أهمية عندئذ لصدقانية هذا الادراك او وهميته.
لقد تم إلغاء الصمت من حياتنا بشكل كامل. وتمت عملية الإلغاء هذه بشكل تدريجي، بحيث لم يستطع أحد الانتباه إلى خطورة هذه العملية وما أدت إليه من فقدان وخسارة، إلا في وقت متأخر جداً. وكانت إمكانيات التأمل، القدرة على التمييز، الهدوء وإمكانية الإحساس العميق بالجهات، أول ضحايا الضجيج الذي اقتحم وسيطر على مشهد حياتنا المعاصرة. ولكن من أكثر الخسارات فداحة في هذا المشهد غياب الموسيقى من عالمنا. نعم، غابت الموسيقى، رغم ما قد يظهر في هذا الحكم من تناقض مع واقع حياتنا اليومية والثقافية. كيف يمكن لنا القول إن الموسيقى غابت بينما هي موجودة في كل مكان، متوافرة بكل الأنماط والأشكال الممكنة ومتاحة للجميع بشكل غير مسبوق في تاريخ الإنسانية! يكفي اليوم أن تدخل إلى موقع ما على الإنترنت لتحصل على أشكال وأنماط موسيقية متنوعة من كل أنحاء العالم وثقافاته لم يكن بإمكانك أن تحلم بالحصول عليها أو الاستماع لها بهذه السهولة من قبل.
للعمل الفني الأدبي -من بين جميع تجليات اللغة -صلة امتيازية بالتأويل،
ومن ثمة فهو قريب من الفلسفة، ويخيل إلي أن الاستعانة بأدوات مستعارة من
الظاهراتية تمكننا من تبيان هذا الأمر.