أنفاسالمعادلة هي الإلحاق‏ :
في علم الترجمة، هناك دعاةٌ يشجّعون نزعة التمركز على العرق. وهذا ما سنعاينُه بصدد مقالة نشرتها المجلة الكندية META بقلم رومني: 1984)، وهذه المقالة تهتمُّ بترجمة التضمينات(1) الثقافية، في قصة: "أليس في بلاد العجائب". ويدرسُ كاتب المقالة، من بين النصوص الفرنسية الموجودة التي تقارب الأربعين، سبعة نصوص، نُشرت بين عامي 1869 و1976. أما حديثنا هنا فلا يتمثل في أن نقدم بدورنا نقداً لتلك النصوص المختلفة، بل في تبيان الكيفية التي تؤدي بالإطار التحليلي الذي يضع مؤلف المقالة نفسه فيه، إلى الوقوع في نطاق الانغلاق.‏
إن ك.رومني يعدد تسع مشكلات ثقافية، أي أنه يعدِّد، في واقع الأمر، تضمينات ثقافية بريطانية بنوع خاص، وهي تشكل صعوبات في الترجمة، وهذه الصعوبات هي: 1-"أن جنسية شخوص كتاب معين يجري تعرُّفُها عموماً من خلال الأسماء التي تحملها". 2-"وثمة دليل آخر يتيح للقارئ أن يعرف جنسية الشخوص هو، بدهياً، اللغة التي تتكلمها". 3-"التلميحات إلى تاريخ انكلترا والذي لا يعرفه القراء الفرنسيون معرفة حسنة". 4-"التلميحات الجغرافية". 5-"التلميحات إلى طرائق التعليم". 6-"الطعام". 7-"بعض التلميحات النادرة إلى النظام السياسي والقضائي". 8-"التعابير الاستعارية والأمثال". 9-"الأغاني وهدهدات الأطفال أي: Nursery Rymes".(2)‏
نرى في هذه القائمة حالاً أن "تلميحات" هي الكلمة المفتاحية. فمشكلة الضمني بكاملها، وهي المشكلة الجوهرية فيما يخص إشكالية ترجمة الثافة، هي التي تُطرح هنا في واقع الأمر. ولسوف يتعين علينا أن نرجع إلى هذه المسألة. وبانتظار ذلك الحين، لنلاحظ أن ك.رومني يحذرنا، بدءاً من مدخله، من تعذر اكتشاف الآخر في العمق: "عدم الفهم هذا، وهذه الحيرة التي يثيرها الكتاب تصدر جزئياً عن الأساس الثقافي الذي يستخدم كحبكة لمغامرات الصبيّة ...). وفي بعض الأحيان لا يفهم القارئ الفرنسي التلميحات، ويلقى نفسه غارقاً في جوٍّ لا ترتبط عناصره بعالمه الخاص به، الموضع نفسه، ص: 267). وإذا ما رددنا عبارة ج. لادميرال، نجد، منذ البدء هنا "اعتراضاً استباقياً" لادميرال، 1979، الصفحات 76- 85، وما تلاهما) على ترجمة الثقافة: فثقافة الآخر تظلُّ حبيسةً في أجوائه الداخلية. وحين تصل إلى ذاتنا (3) فهي تصيبُها بالحيرة، بسبب طابعها الأجنبي. إن مقالة ك. رومني تتيح لنا أن نفهم حول أية محاور تُبنى الممارسة المتمركزة على العرق؛ فهناك، أولاً، هاجس "القارئ"، ثم البحث عن "المعادلات" الفرنسية التي يمكنها أن تتوافق مع التضمينات الثقافية الأجنبية، أو، على الأصح، أن تحل محلها، ثم تجابهنا المشكلة التي مفادها أن المرجعيات الثقافية ليس لها "القيمة" ذاتها بالفرنسية، وبالانكليزية. مثال: الفكرة التي نكوّنها عن زيلاندة الجديدة مختلفة، من هذه الجهة أو تلك من بحر المانش)؛ وهناك أخيراً رفضٌ "للغرابة".‏

أنفاسهل خطر في بالك يوماً أن تقرأ أو أن تسمع رواية مئة عام من العزلة بشيفرة بوليسيّة؟ ها هي هيئة أحد الأحياء المزدحمة بالسكّان والقريبة من مدينة مكسيكو, قد شارفت على إنجاز ترجمة فريدة في نوعها للكتاب الذي يمثّل أنموذجاً لما يطلق عليه اسم "الواقعية السحريّة".
"بداية, لا شيء من (ألفا) العزلة. (ألفا) كثيرة لاحقة, وأمام المجموعة التي تصنع 44, وقف العقيد آورليانو بوينديا يصنع 60 لمساء قصي جعله والده فيه من 26 إلى 62 الثلج".
هذا ما تقوله ترجمة رواية غابرييل غارسيا ماركيز التي ينجزها عناصر في شرطة بلدية نيزاهوالكويت بلغتهم المألوفة التي تتشكّل من رموز رقميّة وألف باء صوتيّة.
وهكذا, فقد تُرجمت عبارة مثل "أمام فصيلة الإعدام", بجملة "أمام المجموعة التي تصنع 44, وتعني الـ  44 هنا "ميت".
(والنص في الرواية الأصليّة هو: بعد أعوام عديدة, وأمام فصيلة الإعدام, كان على العقيد آورليانو بوينديا أن يتذكّر ذلك المساء القصي الذي اصطحبه والده فيه ليُريه الثلج).
التشجيع على المطالعة :
ويشكّل هذا العمل جزءاً من برنامج اسمه "انتباه! أدب!" يهدف إلى التشجيع على المطالعة في مجتمعات الشرطة, باستخدامه لغة عاميّة مألوفة لدى لابسي الزي الموحّد.
ما الفائدة التي يعود بها البرنامج على الخدمة؟ يجيب روبرتو بيريز أحد منسّقي ورشة العمل: "أولاّ, إنّه يجعلنا حساسين لكوننا كائنات بشريّة, كما يسمح لنا بمعاملة المواطنين الذين نخدمهم معاملة طيّبة, وبالعناية بمسألة الأمن العام وهي مسألة هامة جداً في كلّ أنحاء البلاد".
فقدان هيبة الشرطة :
يتصف رجال الشرطة في المكسيك بتدني مستواهم التعليمي, وبأدنى درجة من المصداقيّة, مما يجعل المواطنين الذين يقلقهم ارتفاع معدّلات الفساد في مؤسسات الشرطة, وخصوصاً على مستوى البلديات, ينظرون إليهم نظرة سيئة.
ولذا فقد رأت السلطات في محلّة نيزاهوالكويت, وهي إحدى ضواحي العاصمة, أنّ من الضروري أن تتدخّل في القضيّة في سبيل "تربية" رجل الشرطة, حسب اعتراف عمدة المحلّة فيكتور باوتيستا في مقابلة أجرتها معه محطة بي بي سي.

أنفاستقديم : تستأثر الرياضة بشكل عام، وكرة القدم على وجه الخصوص، باهتمام عدد كبير من الناس، حتى قال عنها ماو تسي تونغ ذات يوم:"ينبغي الاهتمام بهذه الرياضة التي تجمع حولها كل هذه الملايين من الناس" .غير أن الناقد الإيطالي الكبير أمبرتو إيكو  UMBERTO ECOيعتبرها ،على العكس، طريقة ماكرة لإلهاء الناس عن الحياة الاجتماعية والسياسية.وفي الاستجواب التالي الذي أجرته معه مجلة  GLOBEيعرض إيكو آراءه ويحدد موقفه.وما تتميز به هذه الآراء وهذا الموقف من جرأة في الطرح وعمق في التحليل ، يسترعي الانتباه ويفتح شهية النقاش.
                                                                                        المترجم.

*المجلة : يبدو أنكم تؤيدون فكرة أن كرة القدم –أفيون الشعوب- على غرار المقولة الروسية، تسبب وفاة عدد من الأفراد الممتازين،تاركة الإنسانية ،بذلك، تتابع سيرها مع أفراد جدد.
 إيكو:أنا متفق ،فعلا، مع المستقبليين الإيطاليين (في بداية القرن( حين قالوا :" الحرب هي وحدها الكفيلة بتنظيف العالم"،لكن،شرط أن يشارك فيها المتطوعون وحدهم.غير أنها:للأسف، تجر إليها الضحايا،فتصبح، أخلاقيا، دون مستوى العروض الرياضية، لذلك يعجبني سباق الدراجات النارية فوق الهضاب والجرف، والنزول الجنوني بالمظلات، وتسلق الجبال الشاهقة، هكذا لا يموت إلا من أوتي هذه الكبرياء في جسده. فأنا إذن أوافق على كل نشاط جسمي يؤدي إلى وفاة "الأبطال" شرط أن يكون ذلك باختيارهم. إن الأرض ضيقة جدا، فيجب أن  تترك لنا نحن الذين نملك رؤية بسيطة للحياة. ومجمل القول، فالرياضة في حد ذاتها، لا تقل احتراما عن الحب، لا أنتقد إلا العروض المغرية، حتى وإن كانت أحيانا مثيرة، والحالة هذه، أن الرياضة كما تمارس اليوم، ليست غير ذلك. بعض الكائنات الوحشية (كأخصياء كنيسة سيكستين( "صنعت" لتصبح ابطالا بلا روح، تحيط بها جماهير مبتهجة تتفرج عليها لترى كيف "تحرك أجسادها" يتعلق الأمر هنا بنوع من الإستبداد المعنوي الذي يفرض على الأغلبية نسيان جسدها، لتعجب بجسد أقلية.
 
*المجلة : أليس هناك شيء من الحسد في حديثك؟

أنفاس بعد انتهاء الحرب بفترة قصيرة، بدأت صحيفة  »العمل«  الشيوعية الأسبوعية تحقيقًا في موضوع مفاجئ لم يكن متوقعًا. هل ينبغي إحراق كافكا؟ تساءل المحررون. كان السؤال من أكثر الأسئلة التي ليست في محلها على الإطلاق نظرًا لأنه لم يكن مسبوقًا بأي شيء كان من المحتمل أن يمهد أو يؤدي إليه: هل ينبغي إحراق الكتب؟ أو، أي نوع من الكتب يجب أن يحرق؟ ومع ذلك ربما كان اختيار المحررين ماكرًا ودقيقًا. فمؤلف المحاكمة هو، كما يقولون، »واحد من أعظم عباقرة زماننا«. ومع ذلك أثبت عدد كبير من الردود أن الوضوح قد آتى ثماره. بالإضافة إلى ذلك، وحتى قبل أن تتم صياغة كل سؤال أو استنباطه، تلقى التحقيق إجابة حذفها المحررون من النشر - إجابة كافكا نفسه. لأنه على أية حال أثناء حياته، و إلى أن مات، كان كافكا قد تعذّب بالرغبة في أن يحرق كتبه.
 في رأيي أن كافكا ظلّ مترددًا حتى النهاية. في البداية، قام بتأليف كتبه، ويجب أن نتخيل فترة زمنية بين اليوم الذي يشرع فيه المرء في تأليف شيء ما واليوم الذي يقرر فيه إحراق ما قام بكتابته. علاوة على ذلك يبقى قراره ملتبسًا وغير حاسم: يمنح مهمة إحراق أعماله إلى صديقه الوحيد الذي أخبره بالفعل أنه لن يتمكن أبدًا من القيام بهذا. ومع ذلك، وقبل موته، عبّر بالفعل عن رغبة قاطعة في أن كل ما قد تركه وراءه يجب أن يلقى في النار. على كل حال، كان لفكرة إحراق كافكا، حتى لو لم تكن أكثر من تحريض، منطق بعينه لدى الشيوعيين. فتلك النيران المتخيلة تساهم في فهم واستيعاب كتبه. إنها كتب محكوم عليها أو مقدر لها أن تلتهمها النيران: إنها موجودة هناك، لكنها موجودة لكي تختفي، كما لو أنها بالفعل قد تم إهلاكها.
كافكا الأرض الموعودة والمجتمع الثوري: من المحتمل أن كافكا كان من بين جميع الكتاب هو الأكثر مكرًا: هو، على الأقل، لم يكن ساذجًا مخدوعًا أبدًا! في البداية، على عكس العديد من الكتاب العصريين، أراد أن يكون كاتبًا. أدرك أن الأدب، الأمر الذي كان يريده، قد أنكر عليه الرضا أو الاشباع الذي كان يتوقعه، إلا أنه لم يتوقف عن الكتابة أبدًا. حتى أننا لا نستطيع أن نقول أن الأدب قد أصابه بخيبة الأمل. لم يخيّب الأدب أمله - لم يخيب أمله، على أية حال، بالمقارنة بأهداف أخرى كانت ممكنة. كان الأدب، بالنسبة له، كالأرض المفقودة بالنسبة لموسى. »حقيقة أنه لم يتمكن من رؤية الأرض المفقودة إلا قبل موته مباشرة تبدو غير معقولة»، كتب كافكا عن موسى في يومياته، » المعنى الوحيد لهذه الرؤية أو النظرة الأخيرة هو إظهار إلى أية درجة تبدو حياة البشر ناقصة -  ناقصة، لأن هذا الجانب من الحياة ( توقع الأرض المفقودة ) يمكن أن يستمر بشكل غير محدد دون أي ظهور يدوم لأكثر من لحظة. لم يفشل موسى في الوصول إلى كنعان ليس لأن حياته كانت قصيرة جدًا، بل لأنه كان بشرًا».(١) لم يعد هذا مجرد شجب لتفاهة أو بطلان » منظور واحد للحياة»، بل لبطلان توهم كل المساعي والمحاولات، التي هي في نفس الوقت لا معنى لها: السعي ميؤوس منه إن آجلاً أو عاجلاً، مثل السمك في الماء. إنه مجرد نقطة في حركة الكون، مادمنا نتعامل مع حياة بشر.

أنفاس إذا لم تكن الثقافة معطى وميراثاً ينتقل على حاله من جيل لجيل فذلك لأنها إنتاج تاريخي، أي أنها بناء يندرج في سجل التاريخ، وبشكل أدق، في تاريخ المجموعات الاجتماعية فيما بينها.ولكي يتسنى لنا تحليل منظومة ثقافية معينة، لا بد من تحليل الوضع الاجتماعي-التاريخي الذي ينتج هذه المنظومة كما هو عليه حالها[ بالاندييه، 1955].‏
إن ما يعدّ أولياً، من الناحية التاريخية، هو الاحتكاك contact، أما الثانوي فهو عملية التمييز التي تنتج عنها الاختلافات الثقافية.يمكن أن يخطر ببال أية مجموعة بشرية في حالة معينة، الدفاع عن خصوصيتها من خلال محاولتها (الاقتناع) وإقناع الآخرين بأن نموذجها الثقافي هو نموذج أصيل وخاص بها.وأن عملية التمييز تدفع إلى تقويم وتقوية مثل هذه المجموعة من الاختلافات الثقافية أكثر من مجموعة أخرى تنشأ من طبيعة الحالة.‏
تنشأ الثقافات من علاقات اجتماعية تكون دائماً غير متكافئة.هناك إذا منذ البداية تراتب فعلي بين الثقافات ناتج عن التراتب الاجتماعي.والظن بعدم وجود تراتب بين الثقافات يعني افتراض أنها توجد بمعزل عن بعضها بعض، لاعلاقة بينها، وهو أمر غير واقعي.إذا كانت الثقافات كلها جديرة بالأهمية نفسها وبالاهتمام نفسه بالنسبة للباحث أو المراقب فهذا لا يسمح باستنتاج أن الثقافات كلها معترف بها اجتماعياًً وتنطوي على القيمة نفسها.بهذا يمكننا الانتقال من المبدأ المنهجي إلى حكم القيمة.‏
لا بد إذاً من اللجوء إلى تحليل حربي polémologique للثقافات، لأنها تنبئ عن صراعات وتتطور في حالات التوتر وأحياناً في حالات العنف.ومع ذلك، فلا بد من الابتعاد في هذا النوع من التحليل، عن التأويلات الاختزالية كتلك التي تفترض أن الأقوى يستطيع دائماً فرض نظامه الثقافي ببساطة على الأضعف.وطالما أنه لا توجد ثقافة حقيقية سوى تلك التي ينتجها الأفراد أو المجموعات التي تحتل مواقع غير متكافئة في المجال الاجتماعي والاقتصادي والسياسي، فإن ثقافات مختلف المجموعات تجد نفسها، إلى حد ما، في وضع قوة (أو ضعف) إزاء بعضها بعضا.لكن، حتى الأضعف، لا يجد نفسه دائماً، أعزلاً تماماً في اللعبة الثقافية.‏
الثقافة المهيمنة والثقافة الخاضعة‏
القول بأنه حتى المجموعات الخاضعة اجتماعياً ليست مجردة من الموارد الثقافية الخاصة بها، لاسيما من قدرتها على إعادة تأويل الانتاجات الثقافية التي تفرض نفسها عليها إلى حد ما، لا يعني العودة إلى تأكيد أن المجموعات كلها متساوية وأن ثقافاتها متكافئة.‏
في فضاء اجتماعي معين، هناك دائماً تراتب ثقافي.

أنفاس دراسة في الفكر السياسي عند المهدي بن بركة
1 - أشكال الكفاح في إفريقيا.
-تحالف العمال والفلاحين
-العنف
- أخطاء الحركة الوطنية.
"... نعلم أن الاستغلال الاستعماري قام عندنا على اغتصاب المعمرين للأراضي الزراعية الذي نتج عنه استفحال البطالة في القرى، وهجرة الفلاحين للمدن. وهم الذين دخلوا أفواجا في الحركة الوطنية، بينما منبع سخطهم ومصدر قوتهم الثورية خارج هذه المدن وفي وسط الأرياف. ولذلك فبمجرد ما تصل حركة التحرير الوطني إلى هذه الأرياف نكون قد أقفلنا الحلقة، وتصبح الطاقة الثورية المتجمعة في كلا القطبين الحضري والبدوي قوة لا مرد لها...".
(بن بركة)
لم تكن القارة الإفريقية، عند انتقال الاستعمار الأوروبي إلى مرحلته الإمبريالية، في النصف الثاني من القرن التاسع عشر، غير بلاد فلاحين يعيشون على الفلاحة المعاشية، وكانت هذه الميزة مسيطرة على حقيقة مركبة –حسب كاتب إنجليزي- لو كانت هذه الدول اتبعت تطورا طبيعيا دون تدخل العنصر الأجنبي، كان سينتج عن هذه الاقتصاديات المعاشية بنيات اقتصادية عصرية. غير أن دخول العنصر الأجنبي الأوروبي أفلس الفلاحة المعاشية ومعها أفلس الفلاح الإفريقي، الذي سلبت منه الأرض وسلمت للمعمرين الأوروبيين، وأصبح الإفريقي صاحب الأرض مجندا في خدمة المالك الجديد للأرض أو مجندا للبحث عن المناجم في قلب أفريقيا، وهكذا وجدت الأشغال الشاقة وظاهرة العامل المهاجر، كما عرفت المدن الإفريقية نموا مدهشا، خاصة في فترة ما بين الحربين العالميتين.
في سنة 1931، كان عدد سكان مدينة "داكار" (السينغال) 54 ألف نسمة، وبعد ثلاثين سنة ارتفع إلى 383 ألف نسمة، وفي نفس الفترة، ارتفع عدد سكان "أبيدجان" من 10.200 إلى 180 ألف نسمة، و"باماكو" (مالي) من 19.400 إلى 180 ألف نسمة، و"أكرا" من 60.700 إلى 325.000 نسمة، و"ليوبولد فيل" من 30.200 إلى 389.500 نسمة و"نيروبي" من 29.800 إلى 250.800 نسمة و"سالسيبوري" من 20.100 إلى 192.800 نسمة إلخ ....

أنفاس في الاهتمام الفلسفي المتخصص, وفي مرحلة متقدمة نسبيا من ممارسة البحث الدراسي او الاكاديمي, التقليدي يشعر بعض المشتغلين بالضيق من قيود وحدود هذا البحث فتراودهم المغامرة على تخطيه نحو نمط جديد من التأمل ينزع تدريجيا وتلقائيا, انما بقوة اكثر فاكثر وثوقا, الى التسامي التام والجذري على القواعد الاكاديمية ذاتها والميل الى اغواء <<الضياع>> في الهواء الطلق. وهي حالة او مرحلة يشعر فيها المرء بأمان طوعي مع نفسه وحدها دون العالم الخارجي, اذ تبدو اشبه بالوقوف على ضفاف نهر عذب وثر  في آن, يغوى لحظتها المتأمل تلقائيا بإدارة ظهره للموجودات الاخرى, متماهيا مع بهجة فطرية تجعله خلاقا بذاته, ولا أهمية عندئذ لصدقانية هذا الادراك او وهميته.
هذا <<الاغواء>> يقود في الفلسفة الى مرحلة متميزة في الكتابة هي <<المحاولة>>. وهذه كانت بين اغنى وأنشط مجالات الإبداع في فترات ازدهار سابقة لثقافتنا, الا اننا نلاحظ غيابها النسبي في مرحلتها الراهنة. فثمة قطيعة بين تلك الفترات وفترتها المعاصرة تتقلص تدريجيا بلا شك, بيد انها لن تزول مما يعني ان الانطلاق فيها غير ممكن الا على اساس تواصل مع المعطى الماضي (ولنقل ما قبل العثماني مؤقتا), انما على أساس جديد يتصل بالضرورة بالمنجز العالمي والغربي خاصة ويتفاعل معه لأن الفلسفة كونية بالطبع وبالطبيعة.
من هنا تأتي الأهمية الاستثنائية للترجمة الدقيقة لذلك المعطى العالمي الذي نأمل الاستفادة منه واللحاق به وربما تجاوزه. والحال ان الترجمات العربية للنصوص الفلسفية الغربية الكبرى مثلا لا تزال ضعيفة بشكل مثير برغم التلاقيات المتعاظمة بين الثقافات العالمية التي تحققت في العقود العشرة الماضية لأسباب عديدة معروفة في مقدمتها الثورة الكونية في مجال الاتصالات والمواصلات. والاخطر من ذلك ان بعض المفاهيم الفلسفية الجوهرية السائدة تتضاد مع الاصل المترجم, مما يجعل التأسيس عليها خاطئا منذ البدء مع كل ما يترتب على ذلك من أوهام ومغالطات. 
تناقضات الترجمة الفلسفية الى العربية
فعلى سبيل المثال, قادتني نزوة في مرة سابقة الى تأمل مفهوم الذات لدى ديكارت, فوجدت نفسي ازعم ان عبارة <<انا افكر اذن انا موجود>>, هذه الصياغة العربية المعتمدة من قبل الجميع كما يبدو, مضطربة قطعا  وعقيمة, كترجمة لما يعرف بـ <<الكوجيتو>> الديكارتي.
فـ (Sum Cogito Ergo( , لا يمكن بأي حال من الاحوال ان تعني, بنظرنا المتواضع, مجرد <<انا افكر اذن انا موجود>>. بل تعني, حرفيا, (افكر اذن أنا). او كما نقترح <<افكر اذن ذات  أنا>>.

أنفاسلقد تم إلغاء الصمت من حياتنا بشكل كامل. وتمت عملية الإلغاء هذه بشكل تدريجي، بحيث لم يستطع أحد الانتباه إلى خطورة هذه العملية وما أدت إليه من فقدان وخسارة، إلا في وقت متأخر جداً.‏ وكانت إمكانيات التأمل، القدرة على التمييز، الهدوء وإمكانية الإحساس العميق بالجهات، أول ضحايا الضجيج الذي اقتحم وسيطر على مشهد حياتنا المعاصرة. ولكن من أكثر الخسارات فداحة في هذا المشهد غياب الموسيقى من عالمنا. نعم، غابت الموسيقى، رغم ما قد يظهر في هذا الحكم من تناقض مع واقع حياتنا اليومية والثقافية. كيف يمكن لنا القول إن الموسيقى غابت بينما هي موجودة في كل مكان، متوافرة بكل الأنماط والأشكال الممكنة ومتاحة للجميع بشكل غير مسبوق في تاريخ الإنسانية! يكفي اليوم أن تدخل إلى موقع ما على الإنترنت لتحصل على أشكال وأنماط موسيقية متنوعة من كل أنحاء العالم وثقافاته لم يكن بإمكانك أن تحلم بالحصول عليها أو الاستماع لها بهذه السهولة من قبل.‏
هل هذا التوافر الكثيف والمتواصل للموسيقى في كل زمان ومكان أمر جيد؟ لم يعد هناك فسحة صامتة واحدة في فضاء حياتنا بلا موسيقى! لقد تحول الفضاء الذي نعيش فيه إلى ما يشبه السجن الصوتي حيث تنتهك الأصوات الموسيقية بشكل عشوائي كل نشاطاتنا وفعالياتنا اليومية. علينا أن نستمع لأشكال موسيقية لم نخترها في كل مكان ومناسبة، في كل محل للتسوق، في المصعد، عند استخدام الهاتف، من كل سيارة عابرة، في كل ما نستخدمه من وسائط النقل،‏
من كل بيت في جوارنا، في أي مطعم أو مقهى، أثناء المشي أو النوم أو العمل وفي كل ما نختار وما لا نختار من لحظات وجودنا الفردي أو الاجتماعي. لقد فقدنا الموسيقى في هذا المناخ لأن وجودها تحول إلى نوع من الانتهاك النفسي والحميمية القسرية المفروضة على الإنسان من قبل المصادر الصوتية المجاورة له بشكل دائم. عندما تكون الموسيقى في كل مكان تصبح غير موجودة في أي مكان، وعندما يصبح كل شيء موسيقى نفقد القدرة على تمييزها وتذوقها. إن الصمت شرط جوهري لتحقق التجربة الموسيقية، ولا يقل أهمية وجوهرية عن أي عنصر من عناصرها الصوتية. إنه ليس مجرد فراغ صوتي حيادي. الصمت في التجربة الموسيقية ليس عدماً صوتياً. إن الصمت يلد ويغذي ويكتسب في النهاية شكل الأصوات الموسيقية، وهو بذلك يرسم تفاصيل هذه الأصوات ومسار وجودها وتطورها في الزمن. ولأن الصمت هنا ليس مطلقاً أو عدمياً، فإن حضوره وتعبيراته تمكننا من تمييز ما هو موسيقي أو غير موسيقي من الأصوات. لهذا فإن فرادة التجربة الموسيقية وروعتها الغامضة تنتقل إلينا صوتياً عبر الصمت الذي يحاول دائماً أن يقول لنا شيئاً ما. إن ما يمكن للصمت أن يقوله لنا في تجربة موسيقية راقية له دلالات عميقة ووظائف تعبيرية يمكن قراءتها وتقصيها، ليس في خصائص وبنية العمل الموسيقي فقط، بل أيضاً في عملية تحقق تجربة التذوق الموسيقي في الزمان والمكان.