" إلى أيّ حدّ يمثّل التساؤل عن النسيان واجبا فلسفيّا ، في قرن الذاكرة هذا، المنشغل باستمرار بإحياء الذكرى والمشدود إلى "استهلاكية تذكارية؟" (ج.لومبار)
" يصنع النسيان الذكريات كما يصنع البحر حافة الشاطئ"، مارك أوغي
*****
" يهدّدنا النسيان ، ينقض ما نفعل، ويلاحق ما نكون. وبموجب هذا بالتأكيد ، نحن نفكّر فيه غالبا بصيغة سلبيّة، بوصفه من جهة إلى أخرى، " فقدانا ونقصانا ومحوا والتباسا ونكرانا وحطّا واضطرابا وإهمالا وافتقارا وهفوة وتقصيرا وتسلية"(2). كثيرا ما نرتمي في " ليل النسيان البارد" ، على حدّ ما يقوله إيف مونتان في غناءه لنص جميل لجاك بريفار " الأوراق اليابسة". ولكننا نعرف من جهة أخرى، بانّ النسيان يواسينا ، ويهيئنا للمستقبل، ويعيدنا إلى الجديد. هو هدّام، يكرهنا على يقظة مضنية ، كما أنّه أيضا حليفنا الأكثر حميميّة من أجل مجابهة ثقل الزمن والعالم. غالبا ما يعقب الليل البارد الصباح المضيء. وإذا كانت الذاكرة تسمح لنا بالتعرّف على العالم، لو استعدنا مفهوم التعرّف الذي يشتغل عليه بول ريكور(3)، فالنسيان يعطينا، من بعيد إلى بعيد ، قفزة إلى عالم جديد، وقدرة على الولادة من جديد. واجهت الفلسفة منذ نشأتها، هذه الإشكالية للنسيان. (4) وسنرى أنها أقامت فيها مثلما نقيم في مكان مفضل، وأنها جعلت منها موطنا ميتافيزيقيا جميلا. وهذا يعني إلى أيّ حدّ يمثّل التساؤل عن النسيان، في هذا القرن للذاكرة، المنشغل باستمرار بإحياء الذكرى والمشدود إلى "استهلاكية تذكارية" (5) ، واجبا فلسفيّا.
تمثّل الأوديسا بعدُ، في بدايات تاريخ الغرب، ضربا من سرد لا ينسى عن النسيان. نفكّر في إيليس Ulysse في بلاط ملك الفاشيون Phéaciens يَحكي عن الزوابع ، والمخاطر ومختلف العوائق التي اعترضته أثناء رحلته ، منذ أن غادر ، مع أسطوله، في نهاية حرب طروادة ، بلاد الإغريق وعالم البشر. وفي مقابل آخيل Achille في الإلياذة الذي بلغ قمّة المجد ولمع صيته في الحاضر الأبدي للملحمة ، كان إيليس بعدُ في زمن البشر، زمنا يهدّده النسيان. ذلك أنّ النسيان موجود حيثما كانت مغامراته: هو باستمرار أسوء المخاطر بالنسبة إلى هذا البطل الذي تفصح مغامرته بعدة طرق عن صنع التاريخ (6).
خطر حادّ، في لحظات معينة: عرف الرفاق، لدى " اللوطافيجيين"Lotophages ، آكلي اللوتس lotos ، " نشوة النسيان" "ivresse de l'oubli" ، التي صرفتهم عن رؤية الهدف من سفرهم وحتى فكرة العودة إلى ديارهم. ولدى الساحرة سيرسي Circé شراب فاتك - مخدّر حقيقيّ للنسيان- حوّلهم إلى خنازير وأفقدهم " كل ذكرى عن وطنهم" وفي نفس الوقت كلّ وعي بوجودهم كخنازير. وكان يجب على إيليس وقد صارت لدى الكاليبسو وفي بعض الوقت نسّاءة بفعل جميلا، الخلود الذي اقترحته عليها الحورية بإلحاح ، لأنّ الخلود يؤدّي إلى نسيان وضعيتها ، وماضيها وزوجها بينيلوبي Pénélope . ومن وراء المخاطر الخاصّة التي تمّ وصفها في هذه الحلقات، فإنّ كل خلفية رجوع إيليس هي التي تمثّل تهديدا بنسيان الذات. لقد كان هوميروس ، في الأزمان الأوّلى لبلاد الإغريق، شعار النسيان بامتياز. التحق بفضل هيسيدوس Hésiode ، الذي أقام تعارضا ّلأوّل مرّة منيميزون Mnémosyne آلهة الذاكرة والضوء الساطع ( ميموريا Memoria بالنسبة إلى الرومانيين) وليثي Léthè ، الآلهة المظلمة ، التي هي جزء معروض في التيوغونيا Théogonie: الليل ، ابنة كاوس Chaos الفوضى، والفراغ ، أنجبت الموت البغيض، والنعاس والشيخوخة الملعونة وكذلك " إيريس" ، الفتنة التي أنجبت بدورها اليتي Léthè النسيان، وكذا أخوته وأخواته المعاناة والجوع والألم. تشارك الآلهة ليتي اسمها مع "اليتي" Léthè ، أحد الأنهر الخمسة للجحيم، الذي سمّي أيضا نهر النسيان، والذي يجري فيه النسيان بسلام ودون همس، حيث تأتي الأرواح لتشرب حتى تنسى حياتها الماضية. نتبيّن كيف التاريخ الثقافي للنسيان قد تكوّن مع أولى الأعمال الشعرية الكبرى للإغريق القديم. ويبدو أن نصوصه تقدّم تمثّلا آليا قليلا للنسيان: يكون مُسبّب النسيان في الأوديسا، في كل مرّة فارماكون ( شراب صيدلاني) pharmakon ، خمر ، ومزيج أساسه عسل أو ثمرة مثل اللوتوس lotos ، الخ. لكن لهذا النظام من الأسباب مداه وقيمته الرمزية الأكثر اتساعا، وهو يحيلنا إلى ما هو بحقّ قلب النسيان، أي لغياب يتعذّر إدراكه وغامض، ووضعية مفارقية حيث تثبّت السلبية بوصفها إيجابية. يذكر بلوتارخ Plutarque أنه يوجد في " الإريكثيون " l'Érektheion ، هذا المعبد لللاكروبوليس temple de l'Acropole أثينا، شمال بارثينون، مذبح قد أقيم لليثي Léthè ، النسيان . كيف آمكن بناء معبد للنسيان ، إذا لم يكن قد اعتبر بمثابة شيء آخر - وكثيرا- أكثر من نقصان ، وثغرة أو فقدان؟