تُعدّ الأطروحات الحديثة الرّائجة، بشأن منشأ اليهودية والمسيحية وتطوّراتهما، صناعة للعقل الغربي بمدارسه الأساسيّة: التاريخيّة والأثريّة واللاّهوتيّة. وقد أملى امتلاك زمام المعرفة في هذه الحقول إلى إشاعة مقولات شتّى، شرقا وغربا، صارت بمثابة اليقينيات. فقد ساهم عدم الاهتمام بتواريخ المذاهب والنّحل الأديان بين العرب، بعدم مواكبة الأبحاث والتطوّرات في هذا العلم، إلى رواج عديد الأطروحات الوافدة، وتقبّل مقولاتها دون تروّ وتثبّت، أو إدراك لأبعادها ومقاصدها.صيغ التأريخ الحديث لأديان منطقة فلسطين وما جاورها في حضن لاهوتِيي الكنيسة الغربية أساسا، بنحلهم المختلفة، ويمكن الإشارة في هذا المجال إلى عمق تأثير "المدرسة التّطبيقة للدّراسات الكتابية" - l'école pratique d'études bibliques-، المعروفة بشكل أوسع تحت تسمية:- école biblique-، في الأوساط الفرنكفونية، التي أسّسها الدّومينيكاني م.ج لاغرانج (1855-1938م)، وهو من أبرز الدّارسين الكاثوليك للكتاب المقدّس.
ترافقت عملية التأريخ الحديثة للأديان في المنطقة الشّرقية مع فترة الخروج الأوروبي من عهود الظّلمات وانبلاج عصر الأنوار، الفترة التي احتدّ فيها الصّراع بين النّموذج المسيحيّ الغربي والنّموذج الإسلامي، الذي عرضه الأتراك، وهي فترة مثّل فيها الأواخر عنوان التحدّي للكنيسة الغربية، باعتبار تركيا حينئذ ثالثة الأثافي في مصادر الخوف الرّئيسة لأوروبا القروسطية، جنب الطّاعون والشّيطان. سعى العقل الغربي، النّاهض من غفوته على إثر قرون من الغياب، بكلّ ما أتيح له، لسحب المشروعيّة الدّينية من مزاحمه الحضاري. ولذلك مثّلت تلك الفترة أعلى مراحل نَحْلنَة الإسلام، باعتباره هرطقة وبدعة منشقّة عن الأصل المسيحي. فبعد أن تعذّر النّيل من الإسلام –الحاضر في صورة العثمانيين- عسكريا، تركّز البحث للنّيل منه عقديا ورؤيويا. وتكثّفت عملية القضْم-الهدم في منطقة فلسطين وما جاورها، مستودع الميراث الرّمزي الإبراهيمي الحنيفي، من خلال مساع لتفريغها من حضاراتها السّابقة واللاّحقة، عبر إعادة صناعة مفبركة ومحوّرَة لمخزون المنطقة، غابت على إثره تشكيلات حضارية، أو هُمِّشت وبخست قيمتها.
وقد شكّل موضوع عرْقَنَة اليهودية، من خلال ربطها بجماعة بشرية محدّدة، مُيِّزت عمّا سواها، عرقًا ولسانًا ودينًا، المحور الذي بُنيت حوله النّظريات وصيغت له الدّعامات. لذلك يلاحظ المتابع للرّؤية الغربية بشأن اليهودية عرقنة لهذه الدّيانة وحصرا لها، يتناقضان مع مقرّرات البحث الموضوعي للتاريخ الدّيني في المنطقة. تَشَارَك في تلك العرقنة كتّاب متهوِّدون وآخرون كنسيِّون، شرعوا في لملمة "الهوية العبرية" انطلاقا من إبراهيم الخليل (ع) الأوري الكلداني، الوافد على فلسطين من العراق، لتُعاد الصّياغة الثانية للـ"الهوية اليهودية"، مع فترة الفوران النّبوي الذي امتدّ من موسى(ق. 12-13ق.م) إلى عزرا (ق. 5-6 ق.م)، ولتنتهي إلى إرساء "الهوية الإسرائيلية" الحالية.
كان سكّان فلسطين الأصليين ومن جاورهم، والمتقاطرين حتى تاريخنا المعاصر، أكثر الأهالي تغييبا، في تلك الخلاصة التاريخية. لذلك تجد الفلسطيني الحالي، المار عبر تحوّلاتِه التاريخية من أديان ما قبل التوراة، إلى اليهودية، إلى المسيحية، إلى الإسلام، غائبا أو ظلاًّ باهتا في أدبيات تاريخ الأديان الغربية التي أرّخت للمنطقة، وإن سَمّتهم فبنعت البدو تحقيرا وتهميشا.
"إن الأبطال الحقيقيين هم الذين يخطون بدمائهم تاريخ أمتهم ويبنون بأجسادهم أمجاد عزتها الشامخة ويشيدون بجماجمهم حصونها المنيعة"..!
شهدت البروتستانية والأنجليكانية في العقود الأخيرة تشظّيات وانقسامات عدّة رافقها نشاط حثيث. تجلّت في ما يعرف بتيّارات "التيوكون" أو "النيوكون"، بالتتابع مختصرات اصطلاحي: "اللاّهوتيون المحافظون" و"المحافظون الجدد" في اللّسان الأنجليزي، أو ما ينعت تعميما باليمين المسيحي. وهي تيّارات تمتح رؤاها من التراث البروتستاني الأنجليكاني بشكل عام. فعلى خلاف التّراجع والثّبات الذي يسري في هيكل الكاثوليكية العام، بسبب الهرميّة المؤسّساتية، رغم محاولات اصطناع الإكليروس العَلماني، كجسر رابط بين رجالات الكنيسة وعموم النّاس؛ وبسبب تصلّب المواقف اللاّهوتية من عديد المسائل، مثل التدخّلات العلمية في الحمل، والموت الرّحيم، واستعمال موانع الحمل، والمواقف الصارمة من الجنسية المثليّة.
حصيلة القول إن العولمة الثقافية تحاول بما أوتيت به من قوة تقانية وإعلامية اكتساح التاريخ العربي وتنميطه حسب توجهاتها، مما يعني إمكانية اختراقه تمهيدا لإقحامه ضمن ثقافة تجارية تتحكم فها الشركات الكبرى إذا لم يسع المؤرخ العربي إلى تخليصه من أوحالها،
في نطاق سعي الكنيسة الكاثوليكية لحصر أنشطتها، تنشر دوريا تقريرا إحصائيا بعنوان: -ANNUARIUM STATISTICUM ECCLESIAE-، تتناول فيه قياس تنامي أتباعها ورجالاتها ومؤسّساتها. والتّقرير عمل رسمي داخلي، يعدّه المكتب المركزي للإحصاء، وقد صدرت النسخة الأخيرة عن مكتبة الفاتيكان سنة 2006.
أخذت معطيات التراث القديم تعكس أصداءها مغذية ومعمقة للتيارات الفكرية الإسلامية منذ أواخر عصر الراشدين. ولم يكن بوسع الخلفاء مقاومة هذه التأثيرات طالما لم يستطيعوا وقف حركة التطور الاجتماعي الجانحة نحو «الدنيوية». بل أخذت الثقافة الدينية تفيد من تراث الأوائل في بلورة اتجاهاتها، وتباينت هذه الاتجاهات وفقاً لمعطيات الواقع السياسي والاجتماعي الذي أعيدت صياغته في العصر الأموي.