هل خرابنا روحي أم مادي؟
وهل خراب العالم فكرة في أذهاننا أم أنه واقع حقيقي؟
وهل تساءلت يوما عما يجعل الناس يشعرون أنهم أكثر قلقا وتعاسة على الرغم من ازدياد حياتهم يسرا؟
أية قيمة لحياتنا المعاصرة في العالم الثالث ما دمنا نفعل ما يفعل السجناء والعاطلون عن العمل نربي "الأمل"؟

  مارك مانسون شاب جميل ومفكر أنيق وفيلسوف أمريكي يطرح تساؤلات ذكية وعميقة تمس حياتنا المعاصرة، لذا أنصح الشباب العربي والقراء الكونيين في العالم قاطبة بقراءة ما يكتب من بنات أفكاره الساحرة، لا في كتابه الأول الذي لقي شهرة واسعة "فن اللامبالاة، لعيش حياة تخالف المألوف"، وأيضا كتابه قيد الدراسة والنقد والتحليل "خراب، كتاب عن الأمل" . فماذا سيخبرنا مارك عن الخراب والأمل؟

أثناء رحلة إلى الخارج سنة 1863 خطرت للأديب الروسي دوستويفسكي فكرة تأليف روايته الشهيرة (المقامر)ليعرض من خلالها تجربته مع القمار، ويوجه الانتباه، كعادة الأعمال الأدبية الخالدة، إلى ما يجوب أغوار الذات الإنسانية من أحاسيس وانطباعات تزكي المقامرة باعتبارها تمردا، وتمنح المقامر فرصة التحرر من ضغوطه. يعبر دوستويفسكي عن ذلك بقوله:" لا يبقى ههنا دلالة لقولك أن اثنين واثنين تساوي أربعا. إن القمار هو التجربة الأولى للحرية في العالم المادي".
يكشف تاريخ القمار عن صلته الوثيقة باستكشاف المجهول وقراءة المستقبل، لذا أحيطت أوراق اللعب بهالة من السحر، والإيهام بتبديد مشاعر الضياع والغربة. فالمقامر بإدمانه اللعب يقع تحت تأثير الأرقام والمفردات، و الصور الغامضة التي تشل تفكيره المنطقي، وتغذي إيمانه بالمصادفة و اللامنطق. وهنا يفقد الجهد الإنساني وجاهته كضرورة للإنجاز وتحقيق الطموح .

يأخذنا الفيلسوف الفرنسي ميشيل لاكروا إلى رحلة تأملية بسيطة إلى عالم السينما نسبر بها أغوار حالة التهييج الشعوري في العصر الحديث، والتي لا تلبث إلا أن تطفو للسطح مع كل حادثة، أو كارثة، أو مجزرة، أو حدث رياضي، أو حتى فيلم سينمائي يعيد "إنتاج العواطف"، حيث يقول لاكروا: "انظر مثلا إلى سيناريوهات الأفلام، فعندما يريد أحدهم أن يمدح فيلما ما، تكون العبارة المستعملة: (إنه فيلم مفعم بالمشاعر)، فمراكز الإنتاج تقوم بصياغة السيناريوهات بهدف استخلاص كل عصاراتها العاطفية، بما يضمن للعبة التنقل بين المشاعر أن تفرض نفسها. هل جعلنا المشاهد يشعر بالخطر؟ إذن يجب تدفئته في الحال بشيء من الحنان. هل أضحكناه؟ إذن يجب أن نبكيه. هل ارتعد؟ إذن يمكنه أن يستمتع ويتلذذ بمشاهد جنسية في القصة. لندخل المشاهد في حالة حزن جنائزي، يتم إتباعها بتلطيف للأجواء ببهجة الأطفال".
"الحكايات التلفزية ما هي في غالب الأحيان سوى تركيب ذكي ومنتجات تمت صياغتها انطلاقا من مادة المشاعر"

مقدمة
عرفت المناهج والطرق والتقنيات المتبعة في دراسة الظواهر العلمية والطبيعة والانسانية طفرة هائلة ونوعية مستفيدة من تطور النظريات والطفرة في مجال العلم بشكل مكن الباحثين وجمهرة الدارسين ونفر المختصين من صياغة قوانين متبعة في عدة حقول .
منها ما اتسم بالموضوعية والجدية وافرز نتائج قريبة من الحقيقة النسبية ،ومنها ما زال لم يحقق الامال المنشودة والغايات الممكنة والآمال المرصودة ،وفي هذا الباب والمآل  نرصد علم نفس النمو واشكالياته المنهجية من خلال اتباع نظرياته العلمية وإماطة اللثام عليه والإبحار في ثناياه وكشف مكنونه والإشكالات التي تعترضه .

تمهيد
إذا كان هناك موضوع يمكن أن يطلق عليه "القديم الحديث" فهو موضوع الدين، فعلى الرغم من قدمه حيث واكب نشأة الإنسان الأولى، إلا أنه ضل مصاحبا له خلال جميع مراحل تطوره وضل نبضه حيا وتأثيره قويا حتى هذه اللحظة، ليس هذا فقط، بل إن كل المؤشرات توحي بأن هذا التأثير يضل مصاحبا للإنسان في جميع مراحله التالية.
     وعلاقة الإنسان بالدين في مراحله التطورية المختلفة كانت تقوى وتضعف ولكن هذه العلاقة أبدا لم تنقطع حتى في الفترات التي ادعى فيها الإنسان الكفر والإلحاد فقد بقيت آثار الدين في أعماقه وفي حياته شاء أم أبى.
والمتأمل لحركة التاريخ سوف يجد أن الدين قد لعب دورا أساسيا في جل التحولات التاريخية، فدائما كانت العقيدة خلف الحركات التاريخية (بصرف النظر عن صحة هذه العقيدة أم خطئها).

يجتهد الإنسان منذ ظهوره على وجه البسيطة، و كما يحكي لنا التاريخ و جل العلوم الأخرى الطبيعية منها و الإنسانية، في شيء واحد هو كيف يكون أعلى من شبيهه الإنسان. وفي مناح كثيرة من الحياة، ومن أعقدها الى أبسط الممارسات اليومية الاعتيادية، و التي تظهر في كيفية اللباس و الأكل و المشي و الجلوس، اخترع الإنسان طرقا و مسميات تميزه عن شبيهه الإنسان. واخترع أماكن و منشآت و أدوات لتكريس هذا التمييز الذي يفيئ الإنسان الى واحد أعلى وآخر أدنى.

لقد ظهر هذا الاجتهاد بشكل صريح عند الفلاسفة الأوائل حيث  قسم أفلاطون  الإنسان حسب طبيعته  الى المصنوع من الذهب (الأعلى)، والذي يكون منه حاكم الدولة وحارسها،  و المصنوع من النحاس (الأدنى)[1]، والذي تكون منه بقية الشعب. واعتبر هذا التقسيم محددا عند الميلاد وغير قابل للتغيير كطبيعة المعادن. ومن ذلك الزمان، وربما قبله، سارت العلوم أو بعضها على الأقل في هذا الاتجاه، فرغم موضوعيتها و معزوليتها عن الانسان، شكلت أداة لتبرير التمييز بين من هو أعلى و من هو أدنى.

هذا النص هو تقديم للطبعة الفرنسية الجديدة لكتاب سيغموند فرويد " قلق الحضارة " والصادر ضمن منشورات (Points) في بداية 2010. وهو من توقيع الباحثة الفرنسية "كلوتيد لوغيل" (46 سنة) مهتمة بالفلسفة والتحليل النفسي، وخصصت أطروحتها الجامعية لبحث العلاقة بين سارتر ولاكان، كما اشتهرت بكتيبها عن الفكر الأخلاقي المعاصر الصادر ضمن سلسلة (Que sais- je) بالاشتراك مع جاكلين روس. ولاهمية هذا النص، من الناحية المعرفية والعلمية، نقوم بترجمته الى العربية :

في القرن التاسع عشر، كانت فكرة قلق الحضارة متوارية خلف ايمان بسعادة ممكنة، مكتسبة بفضل تقدم العلوم والتقنيات. فاذا توصلت التكنولوجيا البشرية الى حل مشاكل الحرمان، حتى تتمكن كل رغبة انسانية من التحقق بدون عراقيل، حتى يتمتع كل فرد بأمان لامزيد عليه، اذ ذاك تصبح دنيا الناس مثل أسطورة خيالية. بفضل قوة الصناعة، سوف تتمكن كل ذات متكيفة على نحو تام مع محيطها من اشباع رغباتها وسوف يمحي الخطر والألم من الوجود.
هذه النزعة التفاؤلية الايديولوجية ترتكز على افتراض بأن لا مجال للقلق في العقلانية، بفضل تدبير محكم للذات والعالم، وأن أي حرمان يمكم ارجاعه الى خلل عارض، وان أي لاتكيف هو مرضي مقدر له بالتالي أن يعالج بأعلى حد من الفعالية بفضل الكيمياء واعادة التربية المعرفية السلوكية وبفضل اثارة الدماغ. هكذا، سوف يكون القرن الواحد والعشرون قرن المابعد انساني وسوف يبدو قلق الحضارة نفسه كشيء ضائع، كأثر لوجود كائنات بشرية أكثر انسانية لتحقيق متطلبات المستقبل.

الوضعية الإبستمولوجية لمهام المعرفة:
من الأسئلة الكبرى التي ارتبطت بعلم النفس سواء حينما كان خطابه يعتبر جزء من خطاب الفلسفة أو منذ قيامه كمجال معرفي وعلمي مستقل له خطابه النوعي والمميز، السؤال المتعلق بالتفسير Explication([1]). إن علم النفس مثل باقي العلوم له أكثر من غاية ومهمة يسعى إلى القيام بها وإلى تحقيقها([2]). وهذه الغايات والمهام التي يتضمنها المجهود العلمي تتمثل في الفهم والوصف والتفسير والضبط والتنبؤ([3]). إنه تعدد يشمله الهدف العام للعلم([4])، بحيث يفيد إغناء المعرفة والممارسة، كما يفيد بكيفية مباشرة أو غير مباشرة الحياة الفردية والاجتماعية للإنسان. ومن الواضح أن إحدى المهام الأساسية لعلم النفس تتجلى في القدرة على التفسير العلمي للمظاهر المختلفة التي يتضمنها موضوعه([5])، وما يستتبع ذلك من مصداقية ومشروعية على المستوى المعرفي.

لقد أدى هذا الأمر إلى ربط نظري وإجرائي بين الموضوعي الذي يشكل حقل الاشتغال والمنهج الذي بدوره يشكل أسلوب ووسيلة الاشتغال. وبتعبير آخر، إن تحقيق ارتباط الموضوع بالمنهج يكون من غاياته توفير إمكانية التفسير وإحلال الفهم([6])، وذلك وفق الشروط والمنطق اللذين يقتضيهما الاشتغال العلمي بصفة عامة، وما تتصف به العلوم الطبيعية والتجريبية على وجه الخصوص([7]). وهو ما شكل الإطار النموذج والمرجع بالنسبة للاشتغال بعلم النفس.