الإنسان، مخلوق يذرف الدمع حينا، و يرسم الابتسامة أحيانا أخرى، و هذا لا ينقص من إنسانيته شيء، بل على العكس، يزيد من شاعريته المفرطة، و المتخذة من القلب و الجوارح فرقة موسيقية، مكتملة الأعضاء و التجهيزات، عازفة بذلك أجمل و أعذب المقاطع، أين تتجلى أبهى صور امتزاج المادة بالمشاعر، و أين يجد البشري نقطة يلاقي بطرفيها الشهوة بالعقلانية، فيضبط المسار، و يغرد في ساحة السمو و الآصال.
من الواضح تماما أنّ المشاعر كيان مميّز لدراسة قيمة ألفة الجسد من الداخل، على شرط أن ندرسه كوحدة و بكل اتجاهاته و مؤثراته، إضافة إلى تأثيراته. و أن نسعى إلى دمج كل القيم بالقيمة الأسمى، التي تمثل الوحدة الأساسية.
الإحساس هو ركننا في العالم، إنه كما قيل مرارا، "كوننا الأوّل"، كون حقيقيّ بكل ما تحمله الكلمة من معنى. فلو درسنا بدايات الإحساس كظواهر عاطفية، فإنها سوف تعطينا الدليل الملموس لقيم الجسد المسكون، للأنا الذي يغلف الأنا و يحميه.
إنّ الشعور و لو من طرف واحد بالطمأنينة للطرف الثاني، هو من أهمّ العوامل التي تدمج أفكار و ذكريات و أحلام الإنسانية. و مبدأ هذا الدمج و أساسه هو أحلام اليقظة.
في حياة الإنسان تأثر على الإحساس عوامل المفاجأة، و تخلق الاستمرارية، و لهذا فبدون المشاعر يصبح الإنسان كائنا مفتتا. إنه الإحساس من يحفظه عبر عواصف الضياع و أهوال الـزوال.
توركويزا ـ مــزوار محمد سعيد
إن من جوانب القدر أن جعل الإنسان كائنا ذا إحساس يثور و يهدئ، يضحك و يبكي، يرتقي بأناه روحا إلى درجات من جهة، و ينزلها دركات من جهة أخرى.
و هذا كله خاضع لعامل مهم جدا، ألا و هو الوقت و الغرينتا المتمركزة في قلب كل إنسان، و تحرك خيوط مشاعره لتصنع منه ذاتا تغلف جوهرا يتصل في الكثير من الأحيان بروافد. تلك التي تضايق البشر في لحظات معينة، وفق ظروف متنوعة بتنوع المواقف و المؤثرات. لذا بكل اختصار ما هي الذات؟ ولماذا و بماذا تتأثر سلبا أو إيجابا؟
إن الذات البشرية عبارة عن نهر متقلب المزاج، قد يكون هادئا شتاء، و متدفقا صيفا، أو العكس. و هذا تحت سيطرة العوامل المؤثرة عليه، و المستقلة عنه، بتوجيه من الحاسم الذي يمثله الوقت و الزمن.
و عليه فإن الذات البشرية، و وفق بنياتها المائعة و المتحولة. قد تأخذ أشكالا لا بأس بها في نفس الوقت المستنسخ، عبر مدة الأيام. و هي الباقية في إطار نفس القالب البيولوجي أو الهيكلي الذي لا يتغيّر كثيرا، إلا على عتبة الكبر أو الهرم الذي لا دواء له.
علم النفس المعرفي وقضايا التعلم والاكتساب - محمد تنافعت
لاشك أن علم النفس المعرفي أصبح يحتل مكانة متميزة في السيكولوجيا نظرا إلى نوع وطبيعة الاهتمامات والانشغالات التي يتعاطى لها. فقد ظهر هذا المنظور في ظل الثورة المعرفية التي شهدها القرن العشرين، وأصبح يتحدد أساسا من خلال تجاوزه لطروحات السلوكية التي هيمنت عقودا من الزمن على السيكولوجيا.فعلم النفس المعرفي إذن، قام على أنقاض المدرسة السلوكية، وحاول الانفتاح على موضوعات جديدة تتمثل أساسا في الأنشطة العقلية الداخلية وذلك في أفق تطوير السيكولوجيا.
أولا : علم النفس المعرفي.
أ- في التعريف و النشأة :
يعد علم النفس المعرفي ذلك المجال العلمي في السيكولوجيا الذي ينطلق من فرضية أن التفكير هو سيرورة في معالجة المعلومات. ويعود أصل تسمية هذا المجال من السيكولوجيا إلى مفهوم المعرفة cognitionالذي يحيل على آليات النشاط الذهني. ويهتم المنظور المعرفي بدراسة وظيفة الذكاء وأصل المعارف والاستراتيجيات المعرفية المستعملة في الاستيعاب والتذكر واستثمار المعارف ومعالجة المعلومات في الذاكرة واللغة، وذلك من خلال وظيفة الدماغ. وقد نشأ هذا الاتجاه في السيكولوجيا في ظل الثورة المعرفية (révolution cognitive) التي انطلقت في منتصف القرن العشرين، بحيث تمخض عنها ظهور مجموعة من الحقول المعرفية التي أصبحت تتخذ المعرفة (cognition) موضوعا لها، وقد تحددت هذه الحقول المعرفية في الذكاء الاصطناعي واللسانيات والعلوم العصبية وفلسفة العقل بالإضافة إلى علم النفس المعرفي. في هذا السياق إذن، برز علم النفس المعرفي كمسعى جديد يهتم "بدراسة النشاطات العقلية الداخلية للفرد بالأساس، وذلك في تقابل مع النشاطات الخارجية الخاضعة للملاحظة المباشرة، وهي النشاطات التي شكلت كلاسيكيا معنى السلوك"[1].
ازوليني و فرويد - نورالدين بوخصيبي
لا شك أن المرء يندهش إزاء هذا التأثير الكبير الذي مارسه رائد التحليل النفسي سيجموند فرويد على العديد من التجارب السينمائية العالمية، مما اعتبر بحق حافزا فعليا لبلورة مسارات سينمائية متعددة و متباينة، ليس بأوروبا وحدها، و لكن عبر مختلف أرجاء العالم الفسيح.
نقف هنا عند تجربة السينمائي الإيطالي الكبير و المتميز بيير باولو بازوليني ( 1922- 1975) لنرى كيف يبرز الحضور القوي و المؤكد للطبيب النمساوي الشهير في قلب المسار السينمائي لهذا الفنان الاستثنائي.
عن سينما بازوليني
لا يجد المنظر السينمائي دومنيك نوجيز ، اذ كان من أشد مناصري السينما التجريبية أو المغايرة، من تعبير ملائم لرصد التجربة السينمائية لبازوليني غير مصطلح "السنطور" الذي يعني كائنا خرافيا نصفه فرس و نصفه الثاني إنسان. لماذا هذا التشبيه بالسنطور؟ ببساطة لأن بازوليني هو من السينمائيين القلائل جدا الذين تمكنوا من التوليف بمهارة إبداعية نادرة بين الأدب و السينما. إنه، و هو في هذا شبيه بالسينمائي الفرنسي ألان روب غرييه و جان كوكتو، من الكتاب الذين غدت السينما لديهم طبيعة ثانية، و مع ذلك ظلوا كتابا خلف الكاميرا، فعبر السينما، يواصل بازوليني تحقيق نزوعه الأدبي، و الأهم من ذلك أنه ينتهي بإنجاز روايات كتابتها و بنيتها سينمائيتان. ( نوجيز – السينما المغايرة).
سيكولوجية الطغاة، والمستبدين. - ناصر أحمد سنه
في هذه الآونة.. تسطر شعوبنا مواقف حاسمة في تاريخ أمتنا العربية الإسلامية.. حيث تستعيد الشعوب، في تونس ومصر وليبيا واليمن وغيرهم، سلطتها المسلوبة. ونراها تأخذ زمام أمرها بيدها لا بيد طغاتها ومستبديها. فالشعوب هي مصدر السلطات.. تختار من تشاء، ليسير أمور البلاد، وتحاسبه وتعزله إذا ما قصر وخالف وظلم وطغي وفسد وافسد. ومما لا شك فيه أن الطغيان والاستبداد عائلة كريهة، غير كريمة. وهما بلاء وخيم عانت منه البشرية عبر حقبها المتتالية حيث يثبت التاريخ أن عدد الطغاة والمستبدين فاق عدد الحكام الراشدين الصالحين. هي سُنة ماضية ليميز الله الخبيث من الطيب، ويتضح من هو مع الخير والحق والعدل والكرامة والحرية ومن يقف مع تلك العائلة البغيضة. فما هي السمات العامة لتلك العائلة، وما هي سيكولوجية هؤلاء الطغاة والمستبدين الذين جروا، عبر التاريخ، ومازالوا يجرون القتل والدمار والفساد والويلات والخراب علي العباد والبلاد؟.
وفي هذه الثورات العربية الراهنة والأحداث المتلاحقة ثارت الشعوب العربية علي الطغاة والمستبدين، الذين طغوا واستبدوا عقودا من الزمن، حتى بلغ السيل الزبي.. فقيل الكلمات الحاسمة: كفي، الشعب يريد إسقاط النظام.. أرحل، أرحل. لكنهم يأبون الرحيل إلا علي أشلاء الشعوب، (التي يدعون النهوض بتسيير أمورها)، وإراقة حمامات من الدماء، وترك عشرات الآلاف من الجرحى والمعاقين والمعتقلين، وإتباع سياسية " ألأرض المحروقة" أو "سياسة نيرون"، أو"أنا أو الفوضى"/ الطوفان المدمر الساحق الماحق.
فلسفة الحب أو كيف نؤسس لعالم الحب – سعدون يخلف
يقال بأن الاختلاف يصنع المعنى في هذا الوجود، فبالاختلاف يصوغ الإنسان آماله وأشواقه ويصنع أحلامه وآلامه، ولولاه لعاش السأم واكتوى بنار الملل، وارتضى الموت على الحياة، ومن المعاني التي يصنعها الاختلاف الحب.
فالحب هو مفتاح التعارف.. والتعارف هو مهد التعايش.. والتعايش هو باب السلام وهو مطمح البشرية في هذه الحياة.
لا نقصد بالحب هنا المعنى الضيق الذي يتحدد بالعلاقة التي تتم بين رجل وامرأة في لحظة من لحظات الحياة تكون بدايته نظرة قصيرة أو لقاءً عابراً، والذي يطلق عليه في أبجاديات العلم النفسي الحب الشهواني أو الجنسي أي النزوع والميل إلى امتلاك المحبوب بل المعنى الأعم الذي يصوره العالم النفساني الكبير " إريك فروم " حين يعدد أقسام الحب في كتابه " فن الحب " :
- الحب الأخوي .
- الحب الأموي .
- الحب الجنسي أو الشبقي .
- حب الذات .
- حب الله .
الإبداع والجنون ... اسطرة المدن اللا مرئية - حيدر قاسم الحجامي
الجنون فنون " هكذا هو المثل الشهير ، يسأل احد ما هل العكس صحيح أيضا ؟. ربما.. ! لان الفاعل والعامل والمحرك لتلك الطاقة الكبرى غير المألوفة ( الجنون الإبداعي ) التي تتفجر من ريشة رسام عظيم أو قلم شاعر ما أو تحرك مخيال قاص أو روائي أو تستفز ممثل موهوب ، هي طاقة فوق العادة .
...ما هو الجنون ... ؟ هو الخروج عن المألوف والإتيان بشيء خارج المتعارف ، البوح بكلمات غير مفهومة القيام بتصرفات غريبة ! الضحك في وقت الحزن ، الحزن عندما يضحك الجميع ، الصمت حين يكون مطلوب منك الكلام ... انك بجنونك تكسر كل قواعد وأنظمة هذا العالم من حولك ... تتصرفُ وكأنك وحدك ، لا تسخر من نفسك قدر ما تسخر من الآخرين ... يعني تبتكر َ أسلوبا ومنهجاً مغايراً لتعيش غريباً ، محيطاً نفسك بالغموض القسري ناشراً ذرات من الغبار حولك .
الجنون "ظاهرة ثقافية اجتماعية وليس بالمعنى الحصري للمرض" كما يقول مشيل فوكو ، البعض يفسره ميتافيزيقيا انه ُ مرتبط بما وراء الطبيعية ، حيث ُ أنها سطوة "الجن " على شخص ما ليفقدوه عقله ويستبدلوه بعقل أخر ، البعض يقول أنها نوبات وشحنات تجعل صاحبها يفقدُ السيطرة على زمام جسده المرتخي ، فتعبثُ به الروح ليصير كدمية بيد طفل مشاكس يقلبه تحت نوبات رغبتهِ الجامحة دون إن يشعر بالآلام تلك الروح المحبوسة في إطار هذا الجسد ( الدمية ) .
لماذا العنف..؟ - سعدون يخلف
" إن القسوة تقابلها قسوة، والشدة تقابلها شدة إلى ما لانهاية، والنتيجة تخريب الحياة، لكن اللين تقابله المحبة والتسامح ويفضي إلى بناء الحياة.
فأيهما أفضل أن تزرع شوكاً أم وردةً في طريق الإنسانية؟ ".
* * *
تُعرف " موسوعة علم النفس " العنف بأنه " السلوك المشوب بالقسوة والإكراه، وهو عادة سلوك بعيد عن التحضر والتمدن، تستثمر فيه الدوافع والطاقات العدوانية استثماراً صريحاً بدائياً، كالضرب والتقتيل للأفراد، والتكسير والتدمير للممتلكات واستخدام القوة لإكراه الخصم وقهره ".
وبالنظر إلى المصطلحات الواردة في هذا التعريف ( الضرب، التقتيل، التكسير، التدمير ) نلاحظ أنه لا يعطي العنف المعنوي أدنى اعتبار، مع أن الإساءة ( أو العنف ) باللسان أبلغ تأثيراً في النفس من العنف الجسدي في بعض الأحيان.
ويأخذ العنف العديد من الأشكال منها، العنف ضد الآخر، العنف ضد المرأة، العنف ضد الذات، العنف ضد الطفل، العنف النفسي، العنف الأسري، ومن هذه الأشكال نستطيع تحديد العنف في مستويين اثنيين هما:
- العنف المادي: كالضرب والقتل والتدمير..الخ.
- العنف المعنوي: ويشمل كل ما يسبب الإساءة للأخر ويترك أثراً في النفس كالسب والشتم والتحقير.
1- العنف والعنف المضاد:
يقال بأن " العنف يولد العنف ".