إذا كان التنوير التقليدي قد أعاد تشكيل العلاقة بين الإنسان والعالم الطبيعي، فإن التنوير الرقمي يعيد تشكيل العلاقة بين الإنسان وذاته “.
إذا كان التنوير التقليدي سابقاً سعى إلى تحرير الإنسان من سيطرة الأساطير والسلطة المطلقة من خلال سيادة العقل، فإن التنوير الرقمي يواجه معضلة التحرر من سلطة وهيمنة نماذج حسابية لا يملك السيطرة عليها “.
التنوير الرقمي لا يقوم على العقل الفردي فحسب، بل على العقل الجمعي الذي تولده الخوارزميات، وهو ما يثير سؤالاً فلسفياً حول هوية العقل الإنساني وحدوده “. (الكاتب)

- المخلص: يهدف هذا البحث إلى تحليل دور الذكاء الاصطناعي كظاهرة متعددة الأبعاد، تتجاوز كونها مجرد تطور تقني لتصبح قوة معرفية، اجتماعية، أخلاقية، سياسية، واقتصادية، مؤثرة بشكل مباشر على مستقبل الإنسان والمجتمعات. ارتكز المقال على المنهج التحليلي والنقدي، حيث تم تفكيك المحاور الأربعة الأساسية للذكاء الاصطناعي: البعد الفلسفي والمعرفي، البعد الاجتماعي والثقافي، البعد الأخلاقي والسياسي، والبعد الاقتصادي والتقني، وتحليل آثار كل محور على مستوى الفرد والمجتمع والدولة.

خلص البحث إلى عدة نتائج أساسية. أولاً، يظهر الذكاء الاصطناعي كامتداد للعقل البشري، قادر على توسيع حدود المعرفة وتعميق الفهم، بما يعكس روح التنوير، لكنه يضع الإنسان أمام تحدٍ مستمر للحفاظ على استقلالية الفكر. ثانياً، على الصعيد الاجتماعي والثقافي، يمثل الذكاء الاصطناعي أداة مزدوجة: يمكن أن يعزز الوصول إلى المعرفة والتفاعل الثقافي، لكنه في الوقت نفسه يعيد إنتاج الهياكل السلطوية والتحكم الاجتماعي إذا ما أُسيء استخدامه. ثالثاً، من منظور أخلاقي وسياسي، يبرز الذكاء الاصطناعي كعامل قادر على إما تعزيز العدالة والشفافية أو إعادة إنتاج السيطرة والتمييز، وهو ما يتطلب أطراً أخلاقية وقانونية واضحة مستوحاة من مفاهيم التنوير عند كانط وهابرماس. رابعاً، في البعد الاقتصادي والتقني، يتيح الذكاء الاصطناعي فرصاً غير مسبوقة للنمو والابتكار، لكنه يفرض تحديات على سوق العمل، توزيع الموارد، والأمن الرقمي، مما يستدعي سياسات متوازنة لتحقيق التنمية المستدامة.

بناءً على هذه النتائج، يقترح البحث مجموعة من المقترحات البناءة لضمان توجيه الذكاء الاصطناعي نحو خدمة الإنسانية. وتشمل تعزيز التنوير المعرفي من خلال التعليم الرقمي والبحث العلمي، وضع أطر أخلاقية وسياسية صارمة لضمان العدالة والمساءلة، وتطوير استراتيجيات اقتصادية وتقنية متوازنة تحمي سوق العمل وتعزز الابتكار المستدام. كما يؤكد البحث على أهمية الثقافة المجتمعية الواعية، التي تنظر إلى الذكاء الاصطناعي كشريك محوري في بناء مجتمع أكثر عدلاً، معرفة، وازدهاراً.

باختصار، يظهر الذكاء الاصطناعي كفرصة تاريخية لتوسيع حرية الإنسان ومعرفته، لكنه في الوقت نفسه يمثل اختباراً لمستقبل القيم الإنسانية. نجاح هذا التوجه يعتمد على إدارة متكاملة ومسؤولة، تجمع بين المعرفة، الأخلاق، السياسة، والاقتصاد، لتضمن أن يتحقق عصر التنوير الجديد بالفعل، ويصبح الذكاء الاصطناعي أداة للتحرر لا للهيمنة.

صدرَ كتابُ الدكتور علي أسعد وطفة بعنوان " من الاغتراب إلى التشيّؤ: الاغتراب في منظور كارل ماركس"  في الدوحة عن المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات عام 2025 .  ويُعد الدكتور علي أسعد وطفة، مؤلف هذا الكتاب، أحد أبرز الأكاديميين العرب المعاصرين في مجال علم الاجتماع النقدي. ولفهم عمق هذا العمل، لا بد من وضعه في سياق مسيرته الفكرية ومشروعه النقدي الأوسع.

الخلفية الأكاديمية: انطلقت مسيرة الدكتور وطفة الأكاديمية من جامعة دمشق، حيث حصل على ليسانس في الفلسفة وعلم الاجتماع، ثم توجت بحصوله على درجة الدكتوراه في علم الاجتماع التربوي من جامعة كان (Caen) في فرنسا عام 1988. هذا التخصص في علم الاجتماع التربوي يمثل مدخلًا أساسيًا لفهم اهتمامه العميق بالقضايا النقدية المتعلقة بالسلطة، والقمع، والاغتراب داخل المؤسسات الاجتماعية، وفي مقدمتها المؤسسة التربوية.

المشروع الفكري: يتسم المشروع الفكري للدكتور وطفة بأنه مشروع نقدي متعدد الروافد، يستمد أدواته من العلوم الإنسانية، والفلسفة، والترجمة. ويظهر اهتمامه المحوري بقضايا الاغتراب، والاستلاب، والتنوير، ونقد السلطة جليًّا في عناوين مؤلفاته وأبحاثه المنشورة، ومنها: "بنية السلطة وإشكالية التسلّط التربوي في الوطن العربي"، و"الاغتراب في الثقافة العربية المعاصرة"، و"الدور الاستلابي للتلقين في الجامعات العربية". يتضح من هذه المسيرة الفكرية أن اهتمامه بماركس ليس مجرد اهتمام تاريخي، بل هو جزء لا يتجزأ من مشروع نقدي أوسع يهدف إلى تحليل ظواهر "الاستلاب" و"الاغتراب" في السياق العربي المعاصر. فكتابه عن ماركس هو بمثابة عودة إلى الأصول النظرية لأدوات النقد التي يستخدمها في تحليلاته الأخرى، مقدمًا لقرائه الأساس النظري الذي ينطلق منه في نقد الواقع التربوي والاجتماعي العربي.

دوره كمؤسس: يتجاوز دور وطفة الجانب الأكاديمي البحت، ليمتد إلى الفعل الثقافي المنظم. فهو مدير "مركز نقد وتنوير للدراسات الإنسانية" ورئيس تحرير مجلته المحكّمة، مما يضعه في قلب حركة فكرية عربية معاصرة تهدف إلى "التحرّر ممّا هو ميّت أو متخشّب في كياننا العقليّ وإرثنا الثقافيّ".

الجوائز والتقدير: حظي الدكتور وطفة بتقدير أكاديمي رفيع، حيث نال عدة جوائز مرموقة، من بينها جائزة الباحث المتميز من جامعة الكويت، وجائزة حميد بن راشد للعلوم الاجتماعية، مما يؤكد مكانته البارزة في الحقل الأكاديمي العربي.

تحليل مقدمة الكتاب وتحديد أهدافه المركزية

تضع مقدمة الكتاب الإطار المنهجي والنظري الذي سيحكم الدراسة بأكملها، وتكشف عن الأطروحة المركزية للمؤلف.

الأطروحة المركزية: تتمثل الحجة الأساسية للدكتور وطفة في أن مفهوم "التشيؤ" (Reification) ليس مجرد مرادف لمفهوم "الاغتراب" (Alienation)، بل هو "التجسيد السوسيولوجي الأعمق" و"الأداة المنهجية" الأكثر دقة وفعّالية لتحليل الرأسمالية ونقدها. يرى المؤلف أن مفهوم التشيؤ يتجاوز الطابع الفلسفي المجرد للاغتراب، مقدمًا أداة تحليلية أكثر قدرة على مقاربة الظواهر الاجتماعية بشكل إمبريقي. يسعى وطفة من خلال هذا التمييز إلى "سوسيولوجيا" النقد الماركسي، أي نقله من حقل الفلسفة المجردة إلى حقل علم الاجتماع القابل للتطبيق.

   الحضارة ليست حجارة تشيَّد ولا قصورا تُبنى، بل هي روح تُنفخ في الإنسان، فإذا دبت فيه استقام عمرانه وإذا خبت ضعفت دولته وذبل تاريخه. لذلك ظل سؤال الحضارة من أعمق الأسئلة التي تشغل الفكر الإنساني، إذ يطرح على الفلاسفة والمؤرخين والمصلحين معا: ما الذي يصنع الحضارة؟ وكيف تنهار الأمم بعد مجدها؟

وقد انشغل بهذا السؤال عقلان كبيران في تاريخ الفكر الإسلامي: عبد الرحمن بن خلدون، المؤرخ الاجتماعي الذي قرأ التاريخ بلغة العقل والعمران، ومالك بن نبي، المفكر الذي قرأ التاريخ بلغة الروح والفكرة. ورغم البعد الزمني بينهما، إلا أنّ كليهما حاول أن يكشف عن القوانين الداخلية التي تتحكم في ميلاد الحضارات وسقوطها، فكان كلٌّ منهما مرآة للآخر من زاوية مختلفة.

   يرى ابن خلدون أن سرّ قيام الدول والحضارات يكمن فيما سمّاه العصبية، وهي ليست مجرد الانتماء القبلي أو الولاء العاطفي، بل هي الطاقة المعنوية التي توحّد الناس حول غاية مشتركة وتمنحهم إرادة الفعل الجماعي في حين تشتد العصبية في بدايات العمران، تنبعث الهمم، ويغدو المجتمع كتلة واحدة متماسكة، فينشئ الدولة ويقيم النظام ويبدع في العمل ولكن ما إن يتذوق الإنسان طعم الرفاه والدعة حتى يضعف التضامن، وتتحول العصبية إلى أنانية، فيفقد المجتمع روحه القتالية وقدرته على الاستمرار، وتبدأ دورة الانحطاط.

ولذلك شبه ابن خلدون الدولة بالإنسان في أطوار حياته: تبدأ بالقوة والطموح، ثم تبلغ أوجها بالعقل والتنظيم، ثم تشيخ بالترف والكسل حتى تموت. إنّها دورة طبيعية، لكنّها ليست قدَرًا حتميًا، إذ يمكن للأمم أن تتجدد إذا استعاد الناس عصبيتهم وأصلحوا ما فسد من أخلاقهم ومن أروع ما في فكر ابن خلدون أنه لم ينظر إلى التاريخ كحكاية ملوك وغزوات، بل كحركة اجتماعية تحكمها قوانين النفس الإنسانية فالعصبية عنده صورة من صور الإرادة، ومتى ماتت الإرادة مات التاريخ لذلك حين نقرأ انهيار حضارة ما في ضوء فكره، نكتشف أن سقوطها لا يبدأ من الخارج، بل من الداخل: حين تذبل الروح، وتتلاشى الغاية، ويتحوّل الإنسان من فاعل إلى مستهلك.

أما مالك بن نبي، فقد ورث من ابن خلدون روح السؤال، لكنه نقل التحليل من ميدان الاجتماع السياسي إلى ميدان الفكرة والثقافة. لم يكن يبحث عن الدولة بل عن الإنسان الذي تصنعه الفكرة فيقول بن نبي في عبارته المشهورة: «مشكلتنا ليست في الأشياء، بل في الأفكار». فالأمم لا تنهض بما تملك من أدوات مادية، بل بما تمتلك من فكرة حية تنظم العلاقة بين الإنسان والتراب والزمن.

انتشرت الحركات الإجتماعية في العقود الأخيرة بشكل كبير، واتسع نطاق عملها وأدوارها وتأثيرها، وذلك لعجز المؤسسات التقليدية وعدم استطاعتها مواجهة أشكال محددة من المخاطر التي تهدد المجتمعات البشرية على اختلافها، كقضايا البيئة والتسلح النووي والنتائج المترتبة عن العولمة والتكنولوجيا ووسائل التواصل الاجتماعي والتطرف والعنف والاستبداد. وهي مشكلات لا تستطيع الدولة الرسمية التقليدية أن تقوم بمهامها تجاهها، وهذا ما يناط بالحركات الإجتماعية كمكمل أو بديل للسلطات التقليدية في القيام بأدوارها الوظيفية المفيدة للفرد والمجتمع. وغالباً ما يكون منشأ هذه الحركات بغرض إفساح المجال أكثر للحقوق المدنية، ونشهد في مقابلها حركات أخرى مضادة للحفاظ على الأوضاع الراهنة. يمكن أن نجد هذه الحركات المضادة في مجالات مختلفة، منها الحركات الدينية. وتمثل الحركات الإجتماعية الشكل الأكثر فعالية وقوة وتأثيراً في المجتمع. (1)

يتمثل المعيار الأساسي للحركة الإجتماعية في أنّها تهدف إلى إحداث تغييرات أساسية في النظام الاجتماعي، بما يعني أنّ الحركات الاجتماعية تنظم الأفراد والموارد والأفكار لإحداث التغيير الاجتماعي. تؤكد هذا التصور كثرة هائلة من التعاريف.  (2)  

تعاريف: هناك مجموعة كبيرة من التعاريف للحركات الاجتماعية نذكر بعضها:
يعرّفها تشارلز تيلي بأنها "سلسلة من الأداء المتواصل والمعارضات والحملات التي يقوم بها أشخاص عاديون لرفع مجموعة من المطالب" (3)

ويعرّفها زالد (Zald) و( Ash ) بأنها "محاولة هادفة وجمعية يقوم بها عدد من الأفراد لتغيير الأفراد أو النظم والأبنية المجتمعية".
ويعرّف هاين (Hine) وجيرلاتش (Girlach) الحركة الاجتماعية بأنها "جماعة من الأفراد تنظم بهدف إحداث شكل من أشكال التغير الشخصي أو الاجتماعي، ويشكل هذا الهدف دافعاً ومحركاً من الناحية الأيديولوجية، ويلتزم به الأفراد الذين يشاركون في تجنيد آخرين، وينتشر تأثيرهم معارضاً ومقاوماً للنظام القائم".
ويعرّفها جينكينز وفورم بأنها "الجهود المنظمة الهادفة إلى إحداث تغير اجتماعي".

يُعْتَبَر عَالِمُ الاجتماعِ الألمانيُّ ماكس فيبر ( 1864 _ 1920 ) أحَدَ الآباءِ المُؤسِّسين لِعِلْمِ الاجتماعِ الحَديثِ . وَقَدْ سَاهَمَ بشكلٍ فَعَّالٍ في دِرَاسَةِ الفِعْلِ الاجتماعيِّ ، وتأويلِه بشكلٍ مَنْطقيٍّ وَعَقْلانيٍّ ، وتَفسيرِه بطريقةٍ قائمة عَلى رَبْطِ الأسبابِ بالمُسَبِّبَاتِ .
عَرَّفَ فيبر الفِعْلَ الاجتماعيَّ بأنَّهُ صُورةُ السُّلوكِ الإنسانيِّ الذي يَشْتمل على الاتِّجاهِ الداخليِّ أو الخارجيِّ ، الذي يَكُون مُعَبَّرًا عَنْهُ بواسطة الفِعْلِ أو الامتناعِ عَن الفِعْل . وَيُمْكِن فَهْمُه عَلى أنَّه طريقة تَصَرُّف الفَرْدِ بِنَاءً عَلى مُعْتقداتِه وَقَنَاعَاتِه ، واستنادًا إلى مَصَالِحِه ، واعتمادًا عَلى بيئته .
وَفَهْمُ الفِعْلِ الاجتماعيِّ يَتَطَلَّبُ فَهْمَ الدَّوافعِ الذاتيَّةِ للأفرادِ وتَفسيراتِهم للمَواقفِ الاجتماعية، وكَيْفَ تُؤَثِّر القِيَمُ الثَّقَافِيَّةُ والمَعاييرُ الاجتماعيَّةُ عَلى سُلوكِهم . وَقَدْ حَدَّدَ فيبر أربعة أنواع رئيسية للفِعْلِ الاجتماعيِّ لِتَفسيرِ الدَّوَافعِ البَشَرِيَّة : الفِعْل العَقْلاني الهادف ، والفِعْل القِيَمِي ، والفِعْل العاطفي ، والفِعْل التَّقليدي . وَهَذه الأنواعُ تُسَاعِد في فَهْمِ دَوافعِ السُّلوكِ البَشَرِيِّ ، وتفاعلاتِ الأفرادِ في المُجتمع .
وَوَفْقًا لِمَنظورِ فيبر وَتَعريفِه للفِعْلِ الاجتماعيِّ ، لا بُدَّ مِنْ فَهْمِ السُّلوكِ الاجتماعيِّ أو الظواهرِ الاجتماعيةِ عَلى مُسْتَوَيَيْن ، المُستوى الأوَّل أنْ نَفْهَمَ الفِعْلَ الاجتماعيَّ عَلى مُستوى الأفرادِ أنفُسِهِم ، أمَّا المُستوى الثاني فهو أنْ نَفْهَمَ هذا الفِعْلَ الاجتماعيَّ عَلى المُستوى الجَمْعِيِّ بَين الجَمَاعَات .
رَكَّزَ فيبر على الفِعْلِ الاجتماعيِّ بَدَلًا مِنَ البُنيةِ الاجتماعية،وَرَأى أنَّ الدَّوافع والأفكار البَشَرِيَّة هِيَ التي تَقِفُ وَراء التَّغَيُّرِ الاجتماعيِّ . وَبِوُسْعِ الفَرْدِ أيضًا أنْ يَتَصَرَّفَ بِحُرِّية ، وَيَرْسُمَ مَصِيرَه في المُستقبَل . وَاعْتَبَرَ أنَّ البُنى في المُجتمعِ إنَّما تَتَشَكَّلُ بِفِعْلٍ تبادليٍّ مُعَقَّد بَيْنَ الأفعالِ ، وَيَنْبغي كَشْف المَعَاني الكامنةِ وَرَاءَ هَذه الأفعال .

في هذا المقال المتواضع، الذي يندرج ضمن مشروع بحثي أشمل يحمل عنوان "أيت حديدو: المجال، الذاكرة والهوية"، نسعى إلى تقديم قراءة أنثروبولوجية وطوبونيمية لأسطورة" إزلي وتيزليت،" باعتبارها من أبرز المرويات المتجذرة في الذاكرة الجماعية للمنطقة. كما سنتوقف عند التعريف بموسم سيدي حماد أولمغني، بما يحمله من أبعاد دينية واجتماعية وثقافية مرتبطة بهوية أيت حديدو؛ ومجالهم الجغرافي الشاسع والممتد عبر عدة أحواض نهرية بالأطلس الكبير الشرقي.
إن الهدف من نشر هذه المقالات هو إرساء موقف علمي رصين يدعو إلى استعادة الأسماء الأصلية للموسم والبحيرتين، وذلك ردًّا على من يروّجون لفكرة أنّ هذه التسميات المزوّرة هي التي منحت المنطقة شهرتها وأسهمت في تنميتها السياحية المستدامة. لهؤلاء نقول: إن الترافع الحقيقي ينبغي أن ينصبّ أوّلًا على توفير البنيات التحتية الملائمة للزوار والوافدين، فهي الأساس لأي تنمية حقيقية. أما شهرة المنطقة فقد جاءت من طبيعتها الفريدة ومن كرم وطيبوبة ساكنتها، لا من التسميات المغلوطة التي لا تزيد إلا في تشويه الصورة وتقديم معلومات خاطئة عنها.
تعد أسطورة "إزلي وتيزليت"، بالأسماء الصحيحة، إحدى أبرز الحكايات التي تشكل جزءًا أصيلًا من المخيال الجماعي لقبائل أيت حديدو، إذ تقدم قصة مأساوية لعاشقين في مرحلة الحب، الفتى من فخذة أيت إبراهيم والفتاة من فخذة أيت يعزة، واللذين وقع كل منهما في حب الآخر رغم القيود القبلية التي تمنع الزواج بين الفخذتين. وتبرز الأسطورة كأداة مزدوجة الوظيفة: من جهة، تحمي الأعراف والقيم الاجتماعية؛ ومن جهة أخرى، تمنح الحب الفردي قيمة معنوية، تعكس قدرة المجتمع على التوفيق بين الانضباط الاجتماعي والتجربة العاطفية الإنسانية، ما يجعلها جزءًا حيويًا من الذاكرة الجماعية والممارسات الثقافية المحلية.
يتواجد ضريح سيدي حماد أولمغني بقصر أيت عمرو ن واسيف ملول، التابع لجماعة بوزمو بدائرة إميلشيل. ويرتبط وجوده باستقرار قبيلة أيت حديدو بالمنطقة. وتروي الذاكرة الشفوية أن قبره كان في البداية بسيطًا، مغطى بركام من الأحجار، أي ما يُعرف محليًا بـ أشركور أو أجررور. غير أنّ السكان عمدوا لاحقًا إلى تشييد ضريح حوله بعد أن لاحظوا نورًا يتلألأ على قبره، وهي كرامة يشترك فيها معظم الأولياء، حيث نجد مثلاً أبا يعزى ــ المعروف اليوم بمولاي بوعزا ــ يُلقب هو الآخر بـ"والنور".

- ” القهر الاجتماعي هو الوجه غير المرئي للسلطة؛ يتسلّل إلى الوعي ويعيد تشكيله دون قسر مباشر “.
- ” في المجتمعات القهرية، يُختزل الإنسان في موقعه الطبقي، لا في إمكاناته “.
- ” يُعاد إنتاج القهر كلما غاب الوعي النقدي وحل محله الامتثال الثقافي الجمعي “. (الكاتب)
- المقدمة:
في خضم التحولات العاصفة التي تشهدها المجتمعات العربية المعاصرة، تتجلى ظواهر القهر الاجتماعي بوصفها مكوناً بنيوياً مهيمناً يعيد إنتاج ذاته داخل شبكات السلطة والعلاقات الاجتماعية والاقتصادية والسياسية. فالقهر في هذا السياق لا يختزل في صور العنف المادي المباشر فحسب، بل يتجلى أيضاً في أشكال رمزية ومعنوية دقيقة، تتسلل إلى تفاصيل الحياة اليومية، وتنتظم ضمن مؤسسات الدولة، والتعليم، والأسرة، والإعلام، والدين. ومن هنا تنبع الحاجة الملحة إلى مساءلة هذا القهر سوسيولوجياً، لا بوصفه حالة طارئة أو عرضاً سياسياً عابراً، بل كآلية مُمَأسَسة تتغذى من تاريخ طويل من السلطوية والتفاوت الطبقي والبطريركية، وتعيد إنتاجها باستمرار.

إن استدعاء الرؤى السوسيولوجية النقدية يتيح تفكيك البنى التي تنتج القهر وتشرعنه، ويفضح الطرق التي يتم بها تمرير الهيمنة من خلال أنماط التفكير والعادات والمؤسسات. فالقهر هنا ليس مجرد قيدٍ على الجسد أو الفكر، بل هو نمط معيش يومي يترسخ في الوعي، ويحول دون تشكّل الذات الحرة.

وتزداد أهمية هذا الطرح في السياق العربي الراهن، حيث تتقاطع الأزمات السياسية والاقتصادية والاجتماعية مع إرث النظم الاستبدادية، مما يجعل من دراسة القهر الاجتماعي ضرورة علمية لفهم تعقيدات البنية العربية الحالية، واستشراف آفاق المواطنة والعدالة الاجتماعية والتحول الديمقراطي الحقيقي. لذا يسعى هذا المقال إلى تقديم قراءة نقدية معمقة لآليات القهر الاجتماعي في المجتمعات العربية، من خلال مساءلة البنى الاجتماعية السائدة، وتفكيك أنساق الهيمنة الثقافية والسياسية التي تُطوِّق الإنسان العربي وتكبل حركته التاريخية. بناءً على ما سبق سنحاول تحليل ونقد تمظهرات القهر الاجتماعي في المجتمعات العربية المعاصرة من خلال مناقشة العناصر التالية:

أولاً- في مفهوم القهر الاجتماعي: إن الباحث السوسيولوجي النقدي المدقق في وجوه أفراد المجتمع المقهور عبر الشوارع والأزقة، وفي الأسواق، وفي علاقاتهم اليومية، سوف يصل إلى نتيجة حتمية مفادها أن مظاهر الكبت والقلق والخوف والقهر الاجتماعي تسيطر على معظم سلوكياتهم وتصرفاتهم، فأصوات الشجار والصراع الاجتماعي تعلو لأتفه الأسباب، وكثير من المشكلات الاجتماعية تطفو على السطح تدلنا على وجود شرخ عميق وخلل كبير في أنساق البناء الاجتماعي.

كثير من الجدل الدائر في الأوساط الثقافية العربية، هو بالحقيقة، جدلٌ ناتج عن غياب المرجعية التحكيمية الفاصلة. وحين نقول غياب المرجعية التحكيمية نعني سواد الأهواء، والانحياز، والمحاباة، في فهم الحقل المعرفي وتأويله. وذلك دون مبرّر علمي، أو معرفي، سوى الإصرار والتعنّت على أحقّية الخيار المتَّبع وصوابيته. ولا لشيء إلا لأنّ هذا الموقف أو ذاك المسلك، يصبّ في مصلحة هذا الطرف أو ذاك، أو يجاري قِيما وأذواقا بعينها وينافي أخرى. ضمن ما أشرنا إليه، حريّ تطارح المسألة ضمن إطار أعمق وأشمل، فمع إطلالة العصر الحديث بدت الحاجة ملحّة إلى معيارية مستقلّة، تمثّل مرجعية، أو لنقل الفيصل المتواضَع عليه بين المعنيين بحقل من حقول المعرفة، الكثيرة طبعا. وَجدَت تلك المرجعية خلاصتها في ما اصطُلح على تسميته بـ "العلوم الإنسانية" في مقابل "العلوم الصحيحة". وذلك بعد مسيرة مطوّلة مرّ بها الفكر من الانحياز إلى الإنسانوية وإلى غاية بلوغ مستوى بناء العلوم الإنسانية. ليخرج تقييم المعارف من دائرة الدوران مع الذات أينما دارت، ويتحرر التقييم من الانحياز والتبنّي العاطفي لمسارات الذات وخياراتها. لزم تدخل ما بات يُصطلح على تعريفها بالعلوم الإنسانية، بوصفها معايير تعلو فوق العواطف، ومتحررة من الميولات والأهواء، أي لتخرج عملية التقييم من انطباعات الذات إلى مستويات التقييم والموازنة على أساس واع ومستقل.

صحيح اُستُهلّت بدايات العلوم الإنسانية مع انبلاج عهد الإنسانوية في أوروبا، في القرن السادس عشر الميلادي، مع التيار الباحث باحتشام عن الخروج من ثوب الفكر الكنسي الضيق والمحرج. ولكن العلوم الإنسانية لم تغد علوما مستقلة قائمة الذات، سوى في أعقاب تحرر المنهج من سائر الأبعاد المثالية، أي بالدخول في عصر الحداثة. ويمكن القول مع جورج غوسدورف، صاحب مؤلف "مقدمة في العلوم الإنسانية"، إنّ وعي العلوم الإنسانية بذاتها قد لاح في مرحلة لاحقة (القرن الثامن عشر)، وإن كانت الإطلالات المبكرة قد سبقت ذلك العهد. وأن التطور الأبرز لهذا المنهج قد حصل مع دراسة الإنسان لكيانه بشيء من التجرد والموضوعية، في مجمل أبعاده النفسية والإدراكية. وما بات يميز علوم الإنسان، بالجمع وليس بالمفرد، أنها علوم منهجية متداخلة ومتشاركة في دراسة الواقعة ذاتها، دون هيمنة إحداها. أضحت فيها الفلسفة أيضا جزءا من هذا المجموع، وطرفا من جملة أطراف عدة. يغلب على جميعها طابع النسبية، وتنبني علميتها في تكاملها وليس في هيمنة إحداها، تلك التشاركية أضحت الميزة البارزة للعلوم الإنسانية.