الحضارة ليست حجارة تشيَّد ولا قصورا تُبنى، بل هي روح تُنفخ في الإنسان، فإذا دبت فيه استقام عمرانه وإذا خبت ضعفت دولته وذبل تاريخه. لذلك ظل سؤال الحضارة من أعمق الأسئلة التي تشغل الفكر الإنساني، إذ يطرح على الفلاسفة والمؤرخين والمصلحين معا: ما الذي يصنع الحضارة؟ وكيف تنهار الأمم بعد مجدها؟

وقد انشغل بهذا السؤال عقلان كبيران في تاريخ الفكر الإسلامي: عبد الرحمن بن خلدون، المؤرخ الاجتماعي الذي قرأ التاريخ بلغة العقل والعمران، ومالك بن نبي، المفكر الذي قرأ التاريخ بلغة الروح والفكرة. ورغم البعد الزمني بينهما، إلا أنّ كليهما حاول أن يكشف عن القوانين الداخلية التي تتحكم في ميلاد الحضارات وسقوطها، فكان كلٌّ منهما مرآة للآخر من زاوية مختلفة.

   يرى ابن خلدون أن سرّ قيام الدول والحضارات يكمن فيما سمّاه العصبية، وهي ليست مجرد الانتماء القبلي أو الولاء العاطفي، بل هي الطاقة المعنوية التي توحّد الناس حول غاية مشتركة وتمنحهم إرادة الفعل الجماعي في حين تشتد العصبية في بدايات العمران، تنبعث الهمم، ويغدو المجتمع كتلة واحدة متماسكة، فينشئ الدولة ويقيم النظام ويبدع في العمل ولكن ما إن يتذوق الإنسان طعم الرفاه والدعة حتى يضعف التضامن، وتتحول العصبية إلى أنانية، فيفقد المجتمع روحه القتالية وقدرته على الاستمرار، وتبدأ دورة الانحطاط.

ولذلك شبه ابن خلدون الدولة بالإنسان في أطوار حياته: تبدأ بالقوة والطموح، ثم تبلغ أوجها بالعقل والتنظيم، ثم تشيخ بالترف والكسل حتى تموت. إنّها دورة طبيعية، لكنّها ليست قدَرًا حتميًا، إذ يمكن للأمم أن تتجدد إذا استعاد الناس عصبيتهم وأصلحوا ما فسد من أخلاقهم ومن أروع ما في فكر ابن خلدون أنه لم ينظر إلى التاريخ كحكاية ملوك وغزوات، بل كحركة اجتماعية تحكمها قوانين النفس الإنسانية فالعصبية عنده صورة من صور الإرادة، ومتى ماتت الإرادة مات التاريخ لذلك حين نقرأ انهيار حضارة ما في ضوء فكره، نكتشف أن سقوطها لا يبدأ من الخارج، بل من الداخل: حين تذبل الروح، وتتلاشى الغاية، ويتحوّل الإنسان من فاعل إلى مستهلك.

أما مالك بن نبي، فقد ورث من ابن خلدون روح السؤال، لكنه نقل التحليل من ميدان الاجتماع السياسي إلى ميدان الفكرة والثقافة. لم يكن يبحث عن الدولة بل عن الإنسان الذي تصنعه الفكرة فيقول بن نبي في عبارته المشهورة: «مشكلتنا ليست في الأشياء، بل في الأفكار». فالأمم لا تنهض بما تملك من أدوات مادية، بل بما تمتلك من فكرة حية تنظم العلاقة بين الإنسان والتراب والزمن.

انتشرت الحركات الإجتماعية في العقود الأخيرة بشكل كبير، واتسع نطاق عملها وأدوارها وتأثيرها، وذلك لعجز المؤسسات التقليدية وعدم استطاعتها مواجهة أشكال محددة من المخاطر التي تهدد المجتمعات البشرية على اختلافها، كقضايا البيئة والتسلح النووي والنتائج المترتبة عن العولمة والتكنولوجيا ووسائل التواصل الاجتماعي والتطرف والعنف والاستبداد. وهي مشكلات لا تستطيع الدولة الرسمية التقليدية أن تقوم بمهامها تجاهها، وهذا ما يناط بالحركات الإجتماعية كمكمل أو بديل للسلطات التقليدية في القيام بأدوارها الوظيفية المفيدة للفرد والمجتمع. وغالباً ما يكون منشأ هذه الحركات بغرض إفساح المجال أكثر للحقوق المدنية، ونشهد في مقابلها حركات أخرى مضادة للحفاظ على الأوضاع الراهنة. يمكن أن نجد هذه الحركات المضادة في مجالات مختلفة، منها الحركات الدينية. وتمثل الحركات الإجتماعية الشكل الأكثر فعالية وقوة وتأثيراً في المجتمع. (1)

يتمثل المعيار الأساسي للحركة الإجتماعية في أنّها تهدف إلى إحداث تغييرات أساسية في النظام الاجتماعي، بما يعني أنّ الحركات الاجتماعية تنظم الأفراد والموارد والأفكار لإحداث التغيير الاجتماعي. تؤكد هذا التصور كثرة هائلة من التعاريف.  (2)  

تعاريف: هناك مجموعة كبيرة من التعاريف للحركات الاجتماعية نذكر بعضها:
يعرّفها تشارلز تيلي بأنها "سلسلة من الأداء المتواصل والمعارضات والحملات التي يقوم بها أشخاص عاديون لرفع مجموعة من المطالب" (3)

ويعرّفها زالد (Zald) و( Ash ) بأنها "محاولة هادفة وجمعية يقوم بها عدد من الأفراد لتغيير الأفراد أو النظم والأبنية المجتمعية".
ويعرّف هاين (Hine) وجيرلاتش (Girlach) الحركة الاجتماعية بأنها "جماعة من الأفراد تنظم بهدف إحداث شكل من أشكال التغير الشخصي أو الاجتماعي، ويشكل هذا الهدف دافعاً ومحركاً من الناحية الأيديولوجية، ويلتزم به الأفراد الذين يشاركون في تجنيد آخرين، وينتشر تأثيرهم معارضاً ومقاوماً للنظام القائم".
ويعرّفها جينكينز وفورم بأنها "الجهود المنظمة الهادفة إلى إحداث تغير اجتماعي".

يُعْتَبَر عَالِمُ الاجتماعِ الألمانيُّ ماكس فيبر ( 1864 _ 1920 ) أحَدَ الآباءِ المُؤسِّسين لِعِلْمِ الاجتماعِ الحَديثِ . وَقَدْ سَاهَمَ بشكلٍ فَعَّالٍ في دِرَاسَةِ الفِعْلِ الاجتماعيِّ ، وتأويلِه بشكلٍ مَنْطقيٍّ وَعَقْلانيٍّ ، وتَفسيرِه بطريقةٍ قائمة عَلى رَبْطِ الأسبابِ بالمُسَبِّبَاتِ .
عَرَّفَ فيبر الفِعْلَ الاجتماعيَّ بأنَّهُ صُورةُ السُّلوكِ الإنسانيِّ الذي يَشْتمل على الاتِّجاهِ الداخليِّ أو الخارجيِّ ، الذي يَكُون مُعَبَّرًا عَنْهُ بواسطة الفِعْلِ أو الامتناعِ عَن الفِعْل . وَيُمْكِن فَهْمُه عَلى أنَّه طريقة تَصَرُّف الفَرْدِ بِنَاءً عَلى مُعْتقداتِه وَقَنَاعَاتِه ، واستنادًا إلى مَصَالِحِه ، واعتمادًا عَلى بيئته .
وَفَهْمُ الفِعْلِ الاجتماعيِّ يَتَطَلَّبُ فَهْمَ الدَّوافعِ الذاتيَّةِ للأفرادِ وتَفسيراتِهم للمَواقفِ الاجتماعية، وكَيْفَ تُؤَثِّر القِيَمُ الثَّقَافِيَّةُ والمَعاييرُ الاجتماعيَّةُ عَلى سُلوكِهم . وَقَدْ حَدَّدَ فيبر أربعة أنواع رئيسية للفِعْلِ الاجتماعيِّ لِتَفسيرِ الدَّوَافعِ البَشَرِيَّة : الفِعْل العَقْلاني الهادف ، والفِعْل القِيَمِي ، والفِعْل العاطفي ، والفِعْل التَّقليدي . وَهَذه الأنواعُ تُسَاعِد في فَهْمِ دَوافعِ السُّلوكِ البَشَرِيِّ ، وتفاعلاتِ الأفرادِ في المُجتمع .
وَوَفْقًا لِمَنظورِ فيبر وَتَعريفِه للفِعْلِ الاجتماعيِّ ، لا بُدَّ مِنْ فَهْمِ السُّلوكِ الاجتماعيِّ أو الظواهرِ الاجتماعيةِ عَلى مُسْتَوَيَيْن ، المُستوى الأوَّل أنْ نَفْهَمَ الفِعْلَ الاجتماعيَّ عَلى مُستوى الأفرادِ أنفُسِهِم ، أمَّا المُستوى الثاني فهو أنْ نَفْهَمَ هذا الفِعْلَ الاجتماعيَّ عَلى المُستوى الجَمْعِيِّ بَين الجَمَاعَات .
رَكَّزَ فيبر على الفِعْلِ الاجتماعيِّ بَدَلًا مِنَ البُنيةِ الاجتماعية،وَرَأى أنَّ الدَّوافع والأفكار البَشَرِيَّة هِيَ التي تَقِفُ وَراء التَّغَيُّرِ الاجتماعيِّ . وَبِوُسْعِ الفَرْدِ أيضًا أنْ يَتَصَرَّفَ بِحُرِّية ، وَيَرْسُمَ مَصِيرَه في المُستقبَل . وَاعْتَبَرَ أنَّ البُنى في المُجتمعِ إنَّما تَتَشَكَّلُ بِفِعْلٍ تبادليٍّ مُعَقَّد بَيْنَ الأفعالِ ، وَيَنْبغي كَشْف المَعَاني الكامنةِ وَرَاءَ هَذه الأفعال .

في هذا المقال المتواضع، الذي يندرج ضمن مشروع بحثي أشمل يحمل عنوان "أيت حديدو: المجال، الذاكرة والهوية"، نسعى إلى تقديم قراءة أنثروبولوجية وطوبونيمية لأسطورة" إزلي وتيزليت،" باعتبارها من أبرز المرويات المتجذرة في الذاكرة الجماعية للمنطقة. كما سنتوقف عند التعريف بموسم سيدي حماد أولمغني، بما يحمله من أبعاد دينية واجتماعية وثقافية مرتبطة بهوية أيت حديدو؛ ومجالهم الجغرافي الشاسع والممتد عبر عدة أحواض نهرية بالأطلس الكبير الشرقي.
إن الهدف من نشر هذه المقالات هو إرساء موقف علمي رصين يدعو إلى استعادة الأسماء الأصلية للموسم والبحيرتين، وذلك ردًّا على من يروّجون لفكرة أنّ هذه التسميات المزوّرة هي التي منحت المنطقة شهرتها وأسهمت في تنميتها السياحية المستدامة. لهؤلاء نقول: إن الترافع الحقيقي ينبغي أن ينصبّ أوّلًا على توفير البنيات التحتية الملائمة للزوار والوافدين، فهي الأساس لأي تنمية حقيقية. أما شهرة المنطقة فقد جاءت من طبيعتها الفريدة ومن كرم وطيبوبة ساكنتها، لا من التسميات المغلوطة التي لا تزيد إلا في تشويه الصورة وتقديم معلومات خاطئة عنها.
تعد أسطورة "إزلي وتيزليت"، بالأسماء الصحيحة، إحدى أبرز الحكايات التي تشكل جزءًا أصيلًا من المخيال الجماعي لقبائل أيت حديدو، إذ تقدم قصة مأساوية لعاشقين في مرحلة الحب، الفتى من فخذة أيت إبراهيم والفتاة من فخذة أيت يعزة، واللذين وقع كل منهما في حب الآخر رغم القيود القبلية التي تمنع الزواج بين الفخذتين. وتبرز الأسطورة كأداة مزدوجة الوظيفة: من جهة، تحمي الأعراف والقيم الاجتماعية؛ ومن جهة أخرى، تمنح الحب الفردي قيمة معنوية، تعكس قدرة المجتمع على التوفيق بين الانضباط الاجتماعي والتجربة العاطفية الإنسانية، ما يجعلها جزءًا حيويًا من الذاكرة الجماعية والممارسات الثقافية المحلية.
يتواجد ضريح سيدي حماد أولمغني بقصر أيت عمرو ن واسيف ملول، التابع لجماعة بوزمو بدائرة إميلشيل. ويرتبط وجوده باستقرار قبيلة أيت حديدو بالمنطقة. وتروي الذاكرة الشفوية أن قبره كان في البداية بسيطًا، مغطى بركام من الأحجار، أي ما يُعرف محليًا بـ أشركور أو أجررور. غير أنّ السكان عمدوا لاحقًا إلى تشييد ضريح حوله بعد أن لاحظوا نورًا يتلألأ على قبره، وهي كرامة يشترك فيها معظم الأولياء، حيث نجد مثلاً أبا يعزى ــ المعروف اليوم بمولاي بوعزا ــ يُلقب هو الآخر بـ"والنور".

- ” القهر الاجتماعي هو الوجه غير المرئي للسلطة؛ يتسلّل إلى الوعي ويعيد تشكيله دون قسر مباشر “.
- ” في المجتمعات القهرية، يُختزل الإنسان في موقعه الطبقي، لا في إمكاناته “.
- ” يُعاد إنتاج القهر كلما غاب الوعي النقدي وحل محله الامتثال الثقافي الجمعي “. (الكاتب)
- المقدمة:
في خضم التحولات العاصفة التي تشهدها المجتمعات العربية المعاصرة، تتجلى ظواهر القهر الاجتماعي بوصفها مكوناً بنيوياً مهيمناً يعيد إنتاج ذاته داخل شبكات السلطة والعلاقات الاجتماعية والاقتصادية والسياسية. فالقهر في هذا السياق لا يختزل في صور العنف المادي المباشر فحسب، بل يتجلى أيضاً في أشكال رمزية ومعنوية دقيقة، تتسلل إلى تفاصيل الحياة اليومية، وتنتظم ضمن مؤسسات الدولة، والتعليم، والأسرة، والإعلام، والدين. ومن هنا تنبع الحاجة الملحة إلى مساءلة هذا القهر سوسيولوجياً، لا بوصفه حالة طارئة أو عرضاً سياسياً عابراً، بل كآلية مُمَأسَسة تتغذى من تاريخ طويل من السلطوية والتفاوت الطبقي والبطريركية، وتعيد إنتاجها باستمرار.

إن استدعاء الرؤى السوسيولوجية النقدية يتيح تفكيك البنى التي تنتج القهر وتشرعنه، ويفضح الطرق التي يتم بها تمرير الهيمنة من خلال أنماط التفكير والعادات والمؤسسات. فالقهر هنا ليس مجرد قيدٍ على الجسد أو الفكر، بل هو نمط معيش يومي يترسخ في الوعي، ويحول دون تشكّل الذات الحرة.

وتزداد أهمية هذا الطرح في السياق العربي الراهن، حيث تتقاطع الأزمات السياسية والاقتصادية والاجتماعية مع إرث النظم الاستبدادية، مما يجعل من دراسة القهر الاجتماعي ضرورة علمية لفهم تعقيدات البنية العربية الحالية، واستشراف آفاق المواطنة والعدالة الاجتماعية والتحول الديمقراطي الحقيقي. لذا يسعى هذا المقال إلى تقديم قراءة نقدية معمقة لآليات القهر الاجتماعي في المجتمعات العربية، من خلال مساءلة البنى الاجتماعية السائدة، وتفكيك أنساق الهيمنة الثقافية والسياسية التي تُطوِّق الإنسان العربي وتكبل حركته التاريخية. بناءً على ما سبق سنحاول تحليل ونقد تمظهرات القهر الاجتماعي في المجتمعات العربية المعاصرة من خلال مناقشة العناصر التالية:

أولاً- في مفهوم القهر الاجتماعي: إن الباحث السوسيولوجي النقدي المدقق في وجوه أفراد المجتمع المقهور عبر الشوارع والأزقة، وفي الأسواق، وفي علاقاتهم اليومية، سوف يصل إلى نتيجة حتمية مفادها أن مظاهر الكبت والقلق والخوف والقهر الاجتماعي تسيطر على معظم سلوكياتهم وتصرفاتهم، فأصوات الشجار والصراع الاجتماعي تعلو لأتفه الأسباب، وكثير من المشكلات الاجتماعية تطفو على السطح تدلنا على وجود شرخ عميق وخلل كبير في أنساق البناء الاجتماعي.

كثير من الجدل الدائر في الأوساط الثقافية العربية، هو بالحقيقة، جدلٌ ناتج عن غياب المرجعية التحكيمية الفاصلة. وحين نقول غياب المرجعية التحكيمية نعني سواد الأهواء، والانحياز، والمحاباة، في فهم الحقل المعرفي وتأويله. وذلك دون مبرّر علمي، أو معرفي، سوى الإصرار والتعنّت على أحقّية الخيار المتَّبع وصوابيته. ولا لشيء إلا لأنّ هذا الموقف أو ذاك المسلك، يصبّ في مصلحة هذا الطرف أو ذاك، أو يجاري قِيما وأذواقا بعينها وينافي أخرى. ضمن ما أشرنا إليه، حريّ تطارح المسألة ضمن إطار أعمق وأشمل، فمع إطلالة العصر الحديث بدت الحاجة ملحّة إلى معيارية مستقلّة، تمثّل مرجعية، أو لنقل الفيصل المتواضَع عليه بين المعنيين بحقل من حقول المعرفة، الكثيرة طبعا. وَجدَت تلك المرجعية خلاصتها في ما اصطُلح على تسميته بـ "العلوم الإنسانية" في مقابل "العلوم الصحيحة". وذلك بعد مسيرة مطوّلة مرّ بها الفكر من الانحياز إلى الإنسانوية وإلى غاية بلوغ مستوى بناء العلوم الإنسانية. ليخرج تقييم المعارف من دائرة الدوران مع الذات أينما دارت، ويتحرر التقييم من الانحياز والتبنّي العاطفي لمسارات الذات وخياراتها. لزم تدخل ما بات يُصطلح على تعريفها بالعلوم الإنسانية، بوصفها معايير تعلو فوق العواطف، ومتحررة من الميولات والأهواء، أي لتخرج عملية التقييم من انطباعات الذات إلى مستويات التقييم والموازنة على أساس واع ومستقل.

صحيح اُستُهلّت بدايات العلوم الإنسانية مع انبلاج عهد الإنسانوية في أوروبا، في القرن السادس عشر الميلادي، مع التيار الباحث باحتشام عن الخروج من ثوب الفكر الكنسي الضيق والمحرج. ولكن العلوم الإنسانية لم تغد علوما مستقلة قائمة الذات، سوى في أعقاب تحرر المنهج من سائر الأبعاد المثالية، أي بالدخول في عصر الحداثة. ويمكن القول مع جورج غوسدورف، صاحب مؤلف "مقدمة في العلوم الإنسانية"، إنّ وعي العلوم الإنسانية بذاتها قد لاح في مرحلة لاحقة (القرن الثامن عشر)، وإن كانت الإطلالات المبكرة قد سبقت ذلك العهد. وأن التطور الأبرز لهذا المنهج قد حصل مع دراسة الإنسان لكيانه بشيء من التجرد والموضوعية، في مجمل أبعاده النفسية والإدراكية. وما بات يميز علوم الإنسان، بالجمع وليس بالمفرد، أنها علوم منهجية متداخلة ومتشاركة في دراسة الواقعة ذاتها، دون هيمنة إحداها. أضحت فيها الفلسفة أيضا جزءا من هذا المجموع، وطرفا من جملة أطراف عدة. يغلب على جميعها طابع النسبية، وتنبني علميتها في تكاملها وليس في هيمنة إحداها، تلك التشاركية أضحت الميزة البارزة للعلوم الإنسانية.

يذهب " المهاتما غاندي " إلى أن سبب تفشي العنف في العالم هو عدم اكتشافنا أن مبدأ اللاعنف قوة يمتلكها الأقوياء وهي لا تقهر، كما لا يضيع أبداً تأثير حتى أونصة واحدة من قوة اللاعنف. أما " ألفين توفلر " يعتقد منذ ذلك اليوم الذي قذف فيه الإنسان القديم حيواناً صغيراً بحجر بدأ استخدام العنف لصنع الثروة. ويرى " هربرت ماركيوز " بدوره أن العنف منقوش في بنية مجتمعنا نفسه: إنه هو الذي يتراءى في العدوانية المتراكمة التي تهيمن على جميع نشاطات الرأسمالية الاحتكارية، في العدوان القانوني الذي يحدث على طرقنا الكبرى... . إذن العنف المجتمعي ظاهرة تنطوي تحتها أبعاد سياسية، وما العنف السياسي إلا إحدى الأدوات التي تستخدمها الشعوب للضغط على النظام السياسي المستبد في سبيل تحقيق أهدافهم المشروعة المتمثلة في القضاء على الظلم. وفيما يتعلق بالعنف الرمزي يعتقد " بيير بورديو " أن ما يصطلح عليه بالعنف الرمزي قد يأخذ شكل أفكار من شأنها أن تسيطر على ذهن الشخص وتستغله وتدفعه إلى المأساة، إن مختلف أشكال الهيمنة التي يخضع لها الناس، والتي توجه سلوكهم وأفكارهم وتحدد لهم اختياراتهم كلها تعبير عن عنف رمزي يمارس علينا دون بنادق أو خناجر، لكنه لا يقل عنها جرماً وألماً وعذاباً.

- تمهيد (نظرة عامة حول مفهوم العنف):

تعد ظاهرة العنف عموماً من أقدم الظواهر التي عرفتها البشرية، وإن كانت قد تطورت وانتشرت في عصور أكثر من غيرها، وخصوصاً في الفترة المعاصرة، الأمر الذي يبعث على القلق ويستدعي التأمل فيها، لأنها حصيلة مجموعة من العوامل السياسية والاجتماعية والظروف الاقتصادية. وقد اتخذ العنف أشكالاً متعددة ومتنوعة عبر التاريخ، وقصة قابيل وهابيل هي أبرز مثال على ذلك، حيث شهدت الأرض آنذاك أول جريمة قتل عرفها التاريخ الإنساني تم استخدام العنف فيها.

يُعرف العنف لغوياً بأنه كل قول أو فعل ضد الرأفة والرفق واللين، وهو فعل يجسد الطاقة أو القوة المادية في الإضرار المادي بشخص آخر، وهو أيضاً " استخدام القوة وعدم الرفق، وفعل عنف يعني الخرق والتعدي، فنقول عَنّفَ أي خرق ولم يرفق، فهو عنيف إن لم يكن رفيقاً في أمره". أما اصطلاحياً هو كل سلوك عدواني يتجه إلى الاستخدام غير الشرعي للقوة أو التهديد بهدف إلحاق الضرر بالغير، ويقترن العنف بالإكراه والتكليف والتقييد، وهو نقيض الرفق لأنه صورة من صور القوة المبذولة على نحو غير قانوني بهدف إخضاع طرف لإرادة طرف آخر. ورغم تعدد العوامل المؤدية إلى العنف، إلا أن منطلقه الأساسي هو غريزة العدوانية المتفاوتة في قوتها بين إنسان وآخر، وهي غريزة يتأثر أسلوب التعبير عنها بظروف متعددة منها الثقافة السائدة، فمثلما أن العدوان غريزة، فإن الشعور الاجتماعي والضمير والإحساس بالذنب كذلك مشاعر فطرية لدى الفرد، وبالتالي فإن العنف لا يصدر عن فرد ما على الأغلب إلا وقد رافقته أفكار ومشاعر سلبية يستند إليها لتبرير اعتدائه. ومهما اختلفت الدوافع والوسائل والأهداف والنتائج، فإنها جميعها تشير إلى مضمون واحد وهو العنف الذي يهدف إلى إلحاق الأذى بالذات أو بالآخر.

يُعدّ "التطفل" ظاهرة متعددة الأوجه والسياقات، تتجاوز معناها اللغوي البسيط القائم على "الدخول في ما لا يعني الإنسان من غير إذن أو صفة" لتأخذ أبعادًا اجتماعية، ومهنية، وبيولوجية، وثقافية. ففي السياق الاجتماعي، يتجلى التطفل في اقتحام المجالس والنقاشات دون دعوة أو صفة، ما يُعتبر مسًّا بأعراف اللباقة وحدود العلاقات بين الأفراد. أما في المجال المهني والحرفي، فإن التطفل يتمثل في تسلل غير المؤهلين إلى مهنٍ متخصصة، مما يؤدي إلى الإضرار بجودة الخدمات والمنتجات، ويُضعف ثقة المجتمع بالممارسين الحقيقيين. وفي العلوم البيولوجية، يحمل التطفل دلالة علمية دقيقة، إذ يشير إلى علاقة غير متكافئة بين كائنين، يعتمد فيها أحدهما على الآخر في الغذاء أو الحماية مسببًا له الضرر، كما هو الحال في الديدان الطفيلية. أما في الحقل الثقافي والإبداعي، فيُلاحظ التطفل حين يقتحم غير المتمكنين مجالات الفكر والفن والأدب، مما يُربك الذوق العام ويشوّه معايير التميز والجودة. من هنا، يتضح أن التطفل، بمختلف صوره، لا يهدد فقط التخصص والكفاءة، بل يُخلّ بتوازن المنظومات الاجتماعية والمهنية والثقافية، ويطرح إشكالات عميقة تستحق الوقوف عندها..
يشكل التطفل على الصنائع إحدى الظواهر السلبية التي باتت تهدد أسس الجودة والمهنية في مجتمعاتنا المعاصرة. ففي زمن باتت فيه الجودة مطلبًا عالميًا آنيًا، نتيجة لعبور السلع والخدمات القارات والبحار والمحيطات، أصبح من الضروري الحد من التطفل باعتباره نقيضًا لمعايير الإتقان والتخصص. ولم يعد الأمر مقتصرًا على الصنائع المادية كالحرف والمهن، بل شمل أيضًا صناعة المحتوى الهادف، حيث أضحى بإمكان أي كان أن ينتج ويُعمم دون رقيب معرفي أو أخلاقي، مما يدعو إلى ضرورة ترسيخ ثقافة التخصص واحترام المسارات التكوينية..
في زمن تتسارع فيه وتيرة التكنولوجيات وتنتشر فيه المنصات الرقمية، أصبح من السهل أن يُنصّب أي شخص نفسه "خبيرًا" في ميدان لا يمتلك فيه لا تكوينًا ولا موهبة ولا تجربة. بهذا، تفقد الحِرف والصنائع معناها الحقيقي، ويقع انتهاكها من الداخل. إنها ظاهرة التطفل التي لم تعد مقتصرة على الحرف والمهن الشعبية القديمة كاالنجارة والحدادة وغيرها ، بل استفحلت اليوم بفعل مواقع التواصل الإجتماعي اصبح الكل ينشر معلومات دون الخبرة والتخصص والكفاءة في الميدان؛ في كل مجالات الحياة: من الطب إلى الإعلام، ومن التعليم إلى التدين، ومن الحِرف اليدوية إلى السياسة..