يذهب " المهاتما غاندي " إلى أن سبب تفشي العنف في العالم هو عدم اكتشافنا أن مبدأ اللاعنف قوة يمتلكها الأقوياء وهي لا تقهر، كما لا يضيع أبداً تأثير حتى أونصة واحدة من قوة اللاعنف. أما " ألفين توفلر " يعتقد منذ ذلك اليوم الذي قذف فيه الإنسان القديم حيواناً صغيراً بحجر بدأ استخدام العنف لصنع الثروة. ويرى " هربرت ماركيوز " بدوره أن العنف منقوش في بنية مجتمعنا نفسه: إنه هو الذي يتراءى في العدوانية المتراكمة التي تهيمن على جميع نشاطات الرأسمالية الاحتكارية، في العدوان القانوني الذي يحدث على طرقنا الكبرى... . إذن العنف المجتمعي ظاهرة تنطوي تحتها أبعاد سياسية، وما العنف السياسي إلا إحدى الأدوات التي تستخدمها الشعوب للضغط على النظام السياسي المستبد في سبيل تحقيق أهدافهم المشروعة المتمثلة في القضاء على الظلم. وفيما يتعلق بالعنف الرمزي يعتقد " بيير بورديو " أن ما يصطلح عليه بالعنف الرمزي قد يأخذ شكل أفكار من شأنها أن تسيطر على ذهن الشخص وتستغله وتدفعه إلى المأساة، إن مختلف أشكال الهيمنة التي يخضع لها الناس، والتي توجه سلوكهم وأفكارهم وتحدد لهم اختياراتهم كلها تعبير عن عنف رمزي يمارس علينا دون بنادق أو خناجر، لكنه لا يقل عنها جرماً وألماً وعذاباً.

- تمهيد (نظرة عامة حول مفهوم العنف):

تعد ظاهرة العنف عموماً من أقدم الظواهر التي عرفتها البشرية، وإن كانت قد تطورت وانتشرت في عصور أكثر من غيرها، وخصوصاً في الفترة المعاصرة، الأمر الذي يبعث على القلق ويستدعي التأمل فيها، لأنها حصيلة مجموعة من العوامل السياسية والاجتماعية والظروف الاقتصادية. وقد اتخذ العنف أشكالاً متعددة ومتنوعة عبر التاريخ، وقصة قابيل وهابيل هي أبرز مثال على ذلك، حيث شهدت الأرض آنذاك أول جريمة قتل عرفها التاريخ الإنساني تم استخدام العنف فيها.

يُعرف العنف لغوياً بأنه كل قول أو فعل ضد الرأفة والرفق واللين، وهو فعل يجسد الطاقة أو القوة المادية في الإضرار المادي بشخص آخر، وهو أيضاً " استخدام القوة وعدم الرفق، وفعل عنف يعني الخرق والتعدي، فنقول عَنّفَ أي خرق ولم يرفق، فهو عنيف إن لم يكن رفيقاً في أمره". أما اصطلاحياً هو كل سلوك عدواني يتجه إلى الاستخدام غير الشرعي للقوة أو التهديد بهدف إلحاق الضرر بالغير، ويقترن العنف بالإكراه والتكليف والتقييد، وهو نقيض الرفق لأنه صورة من صور القوة المبذولة على نحو غير قانوني بهدف إخضاع طرف لإرادة طرف آخر. ورغم تعدد العوامل المؤدية إلى العنف، إلا أن منطلقه الأساسي هو غريزة العدوانية المتفاوتة في قوتها بين إنسان وآخر، وهي غريزة يتأثر أسلوب التعبير عنها بظروف متعددة منها الثقافة السائدة، فمثلما أن العدوان غريزة، فإن الشعور الاجتماعي والضمير والإحساس بالذنب كذلك مشاعر فطرية لدى الفرد، وبالتالي فإن العنف لا يصدر عن فرد ما على الأغلب إلا وقد رافقته أفكار ومشاعر سلبية يستند إليها لتبرير اعتدائه. ومهما اختلفت الدوافع والوسائل والأهداف والنتائج، فإنها جميعها تشير إلى مضمون واحد وهو العنف الذي يهدف إلى إلحاق الأذى بالذات أو بالآخر.

يُعدّ "التطفل" ظاهرة متعددة الأوجه والسياقات، تتجاوز معناها اللغوي البسيط القائم على "الدخول في ما لا يعني الإنسان من غير إذن أو صفة" لتأخذ أبعادًا اجتماعية، ومهنية، وبيولوجية، وثقافية. ففي السياق الاجتماعي، يتجلى التطفل في اقتحام المجالس والنقاشات دون دعوة أو صفة، ما يُعتبر مسًّا بأعراف اللباقة وحدود العلاقات بين الأفراد. أما في المجال المهني والحرفي، فإن التطفل يتمثل في تسلل غير المؤهلين إلى مهنٍ متخصصة، مما يؤدي إلى الإضرار بجودة الخدمات والمنتجات، ويُضعف ثقة المجتمع بالممارسين الحقيقيين. وفي العلوم البيولوجية، يحمل التطفل دلالة علمية دقيقة، إذ يشير إلى علاقة غير متكافئة بين كائنين، يعتمد فيها أحدهما على الآخر في الغذاء أو الحماية مسببًا له الضرر، كما هو الحال في الديدان الطفيلية. أما في الحقل الثقافي والإبداعي، فيُلاحظ التطفل حين يقتحم غير المتمكنين مجالات الفكر والفن والأدب، مما يُربك الذوق العام ويشوّه معايير التميز والجودة. من هنا، يتضح أن التطفل، بمختلف صوره، لا يهدد فقط التخصص والكفاءة، بل يُخلّ بتوازن المنظومات الاجتماعية والمهنية والثقافية، ويطرح إشكالات عميقة تستحق الوقوف عندها..
يشكل التطفل على الصنائع إحدى الظواهر السلبية التي باتت تهدد أسس الجودة والمهنية في مجتمعاتنا المعاصرة. ففي زمن باتت فيه الجودة مطلبًا عالميًا آنيًا، نتيجة لعبور السلع والخدمات القارات والبحار والمحيطات، أصبح من الضروري الحد من التطفل باعتباره نقيضًا لمعايير الإتقان والتخصص. ولم يعد الأمر مقتصرًا على الصنائع المادية كالحرف والمهن، بل شمل أيضًا صناعة المحتوى الهادف، حيث أضحى بإمكان أي كان أن ينتج ويُعمم دون رقيب معرفي أو أخلاقي، مما يدعو إلى ضرورة ترسيخ ثقافة التخصص واحترام المسارات التكوينية..
في زمن تتسارع فيه وتيرة التكنولوجيات وتنتشر فيه المنصات الرقمية، أصبح من السهل أن يُنصّب أي شخص نفسه "خبيرًا" في ميدان لا يمتلك فيه لا تكوينًا ولا موهبة ولا تجربة. بهذا، تفقد الحِرف والصنائع معناها الحقيقي، ويقع انتهاكها من الداخل. إنها ظاهرة التطفل التي لم تعد مقتصرة على الحرف والمهن الشعبية القديمة كاالنجارة والحدادة وغيرها ، بل استفحلت اليوم بفعل مواقع التواصل الإجتماعي اصبح الكل ينشر معلومات دون الخبرة والتخصص والكفاءة في الميدان؛ في كل مجالات الحياة: من الطب إلى الإعلام، ومن التعليم إلى التدين، ومن الحِرف اليدوية إلى السياسة..

الكائن الإنساني رهن لإمكاناته على أن يحوّل الواقع، وأن يتغير عما هو عليه، فكراً وهوية أو فعلاً وممارسة، من خلال ما يخلقه من العوالم المختلفة بقواها وعلاقاتها، أو المتميزة بلغاتها ورموزها، أو الفعالة بأدواتها ووسائطها “ (علي حرب، حديث النهايات – فتوحات العولمة ومآزق الهوية).

” تقع العولمة في القلب من الثقافة المعاصرة وتقع الممارسات الثقافية في القلب من العولمة. فالعولمة ليست هي المحدد الوحيد للتجربة الثقافية المعاصرة، ولا أن الثقافة بمفردها هي المفتاح المفاهيمي الذي يفك مغالق القوة الدينامية الداخلية للعولمة. ولكنه يتمثل في إثبات أن العمليات التحويلية الهائلة لعصرنا المعاصر، والتي تصفها العولمة وبالأخص منها الثقافية، لا يمكن أن تفهم على نحو صحيح حتى تُدرك من خلال المفردات المفاهيمية للثقافة وبالمثل، فإن هذه التحولات تغير نسيج التجربة الثقافية ذاته. كما أنها في الحقيقة تؤثر في إحساسنا بالهوية الحقيقية للثقافة في عالمنا المعاصر. إن العولمة والثقافة كلتيهما مفهومان يتسمان بأعلى مراتب العمومية، وهناك خلاف عميق حول معنى كل منهما. لذا حاول هذا المقال إدراك العناصر الرئيسية للعولمة الثقافية ضمن ما يمكن تسميته بالعولمة الرمزية “ (بتصرف: جون توملينسون، العولمة والثقافة، ص 10).

” إن الخوض في الثقافة يعني الخوض في الحياة بكل تفاصيلها وشعبها وما يتعلق بها. ولا يمكن الخوض خارج ذلك الجزء الذي أصبح مكوناً لوعي الإنسان، فما يقع خارج وعيه يقع خارج المعالجة (لا مفكر فيه). بهذا المعنى تكون الثقافة هي ذلك الكل الذي يخضع فيه العقل البشري. ومن هنا تظهر الثقافة على أنها هذا التراكم في الخبرات والمعارف الذي كونه الإنسان على امتداد وجوده. فالإنسان ليس معطى طبيعياً فقط، إلا إذا تحكمت بنا النظرة الداروينية إلى المخلوقات الأخرى، أي إذا رأينا فيه ذلك المخلوق (القرد عارياً أو مكتسياً بالشعر) قبل أن تعمل مجمل الظروف على تأهيله لتلقي الخبرة، وإنجاز تراكم ما يوصله إلى إنسانيته. وحتى من خلال هذه النظرة، فإن الإقرار بأن عملية تطور ما قد حصلت لهذا المخلوق، تقتضي الإقرار بأن الإنسان معطى تاريخي ثقافي، وهذا لا يكون إلا بإضافة الوعي لعملية التطور، وبالتالي نكون بهذا قد أدخلنا التعديل على حدود الطبيعة، وأمسكنا بدفة توجيهها، أو التحكم بمفاصل وجزئيات ما، في علاقتنا معها.

إذن الثقافة هي المحدد الأساسي لشخصية الإنسان ككائن، لأن الفروق الفيزيائية والبيئية موجودة بشكل ثانوي في تحديد الشخصية الإنسانية، أي إن مراكمة الخبرات والانطلاق منها في كل جديد، باعتبارها إنجازاً لهذا الجنس، تم إدراجه في سيرورة حياة الأخلاف. هذا المحدد للإنسان هو ما يقطعه عن أسلافه من المخلوقات الداروينية “ (حسن إبراهيم أحمد، الثقافة المتوترة، ص 9).

تناول عالم الاجتماع الفرنسي بيير بورديو (1 أغسطس 1930 - 23 يناير 2002) السلطة في سياق "نظرية مجتمعية" شاملة، والتي - كما هو الحال مع نظرية ميشيل فوكو - لا يمكننا هنا إنصافها، أو التعبير عنها بسهولة من خلال مناهج تطبيقية. ورغم أن موضوعه كان في الغالب المجتمع الجزائري والفرنسي، فقد وجدنا أن منهج بورديو مفيد في تحليل السلطة في عمليات التنمية والتغيير الاجتماعي. في حين يرى فوكو السلطة "موجودة في كل مكان" وتتجاوز نطاق الفاعلية أو البنية، يرى بورديو السلطة كعنصر ثقافي ورمزي، يُعاد إضفاء الشرعية عليه باستمرار من خلال تفاعل الفاعلية والبنية. والطريقة الرئيسية لتحقيق ذلك هي من خلال ما يسميه "الهابيتوس" أو المعايير أو الميول الاجتماعية التي توجه السلوك والتفكير. "الهابيتوس" هو "الطريقة التي يترسخ بها المجتمع في الأفراد على شكل ميول دائمة، أو قدرات مُدرَّبة وميول مُهيكلة للتفكير والشعور والتصرف بطرق مُحددة، تُوجِّههم". يتشكل "الهابيتوس" من خلال عملية اجتماعية، لا فردية، تُؤدي إلى أنماط دائمة وقابلة للانتقال من سياق إلى آخر، ولكنها تتغير أيضًا تبعًا لسياقات مُحددة ومع مرور الوقت. "الهابيتوس" "ليس ثابتا أو دائم، ويمكن تغييره في ظروف غير متوقعة أو على مدى فترة تاريخية طويلة": "الهابيتوس" ليس نتيجة إرادة حرة، ولا تُحدَّد بالهياكل، بل ينشأ من نوع من التفاعل بينهما على مر الزمن: ميول تُشكِّلها أحداث وهياكل الماضي، وتُشكِّل الممارسات والهياكل الحالية، والأهم من ذلك، تُحدِّد إدراكنا لها . بهذا المعنى، تُخلق الهابيتوس وتُعاد إنتاجها لا شعوريًا، "دون أي سعي متعمد لتحقيق التماسك... دون أي تركيز واعٍ". ومن المفاهيم المهمة الثانية التي طرحها بورديو مفهوم "رأس المال"، الذي يتجاوز مفهوم الأصول المادية ليشمل رأس مال قد يكون اجتماعيًا أو ثقافيًا أو رمزيًا. قد تكون هذه الأشكال من رأس المال بنفس الأهمية، ويمكن تراكمها ونقلها من مجال إلى آخر. يلعب رأس المال الثقافي - والوسائل التي يُنشأ بها أو يُنقل من أشكال رأس المال الأخرى - دورًا محوريًا في علاقات السلطة المجتمعية، إذ "يوفر وسيلة لشكل غير اقتصادي من الهيمنة والتسلسل الهرمي، حيث تتميز الطبقات من خلال الذوق".

"العناية الجنائزيّة ، واختيار المدافن، وموكب مأتمّي بهيج، أقل ضرورة لسلام الموتى منه من تعزية الأحياء" أوغسطينوس St Augustin, La cité de Dieu 1,12[1]
"ان الواقع هو طعام قبل كل شيء"[2] باشلار
الكلمات المفتاحية: مآدب المآتم – طقوس الانتقال - استئناس الموت – التبادل الرمزي –– الروابط الاجتماعيّة – المخيّال الجماعي - التخاصصية
تقديم عام:
لا تنحصر مسألة الأطعمة فيما هو طبيعي وبيولوجي فحسب بل هي ممارسة ثقافية وذات دلالة سيمائية ورمزية اكتسبها الانسان لحظة "الأكل من الشجرة"[3] فمن لحظة خروجه من الجنّة إلى حين لحظة جوعه وبحثه عن سدّ رمقه، بدأ في اكتشاف النبات وتعلّم قطف الثّمار والقنص والصيد (برا وبحرا وجوا)، وتسمّى هذه المرحلة من تاريخ البشرية بمرحلة القطّافين الصيّادين (Les pécheurs cueilleurs ). ومنذئذ تفنّن في إعداد المطبخ بحسب مراحل تطوره لأدوات الطبخ واستعمالاتها وفق ما اكتسبه من أنساق الثقافة وأنظمة الاجتماع[4] والتي حدّدت سلوكه الغذائي ونمطته وفق حاجياته، من أجل سدّ رمقه بما توفّره بيئته، وذلك في إطار توافق مع اعتقاداته ومعيشه اليومي من جهة، ومع المقدس والمتخيّل من جهة أخرى (بما فيه من سرديّة وردت عن طعام أهل الجنّة او عن طعام الميت[5]). ولقد اتضح ذلك أساسا في طقوس الانتقال/العبور (الولادة-الزواج-الموت)[6] فتتمايز حينئذ استعمالات الأطعمة بحسب تنوع الأديان (حلال/حرام) وتختلف بحسب الأمكنة والأزمنة وتعكس تفاوتا طبقيا بين الأفراد والجماعات والأمم. وهذه اللّامساواة أمام الحق في الغذاء، مثلت تهديدا للأمن الغذائي فنشبت حروب لم تتوقف. وآلت إلى نزف ثروات. ومايزال الاستعمار ينهب خيرات الشعوب، مما أدى إلى تحوّلات في السلوكيات الغذائية. وانتقلنا من التدبير الاقتصادي المنزلي الممركز حول ذاته، إلى التبذير التّابع لاقتصاد السوق. (انتقال من منتوجات بيولوجية بمورثات أصلية إلى معلبات بمورثات هجينة -من الاكتفاء الذاتي بالضروريات إلى التبعية للكماليات- ممن يمتلك فائض اللّذات إلى غيره الذي يعاني فائض الحرمان- ممن يموت بالتخمة إلى غيره ممّن يموت من الجوع-

فالاستعمار الفرنسي مثلا في تونس[7] أرسى نمطا استهلاكيا وعادات ذوقية غذائية جديدة (فكّكت ثقافة التدبير المنزلي واستبدلها باقتصاد السوق الاستهلاكي. فحول استعمالات الأطعمة المحليّة والصحيّة إلى سلوك غذائي سريع ومضرّ بالصحة وفاقد للمعنى). مما ساهم في تدمير وحدة الربط بين الأطعمة والأنظمة الرمزية الخصوصية، أي هويّة الطعام التونسي، واستبدالها بقيم مستوردة باسم الحداثة. وحدَّثت أساليب المطبخ، مما جعل ما عُرف بالجلاء الزراعي لم يكن جلاء في المطبخ التونسي ولا حفاظا    على أمّننا الغذائي (لأنّ رهان الطعام هويّة شعب وتنمية مستدامة). لكن ما هو مثير للانتباه أن المجتمع في ظلّ الاحتفالات الدينية يستعيد ما يميزه عن غيره، ويجعله يتشبث بعاداته وتقاليده، مما يعني أنّ الطقوس الجماعية للطعام هي مناسبة يحرص فيها المجتمع على أن يبقى وفيا لخصوصيته ويستهلك التقليدي من الأشياء، ذلك أن طعام المناسبات الدينية أو الاحتفالات العائليّة ما هي إلاّ " تعابير هوية تعزز الشعور بالانتماء وتعيد تشكيل التضامن وليس طابعها الإلزامي مجرد مسرحية وإنما هو شكل من أشكال الخطاب الذي يتوجه المجتمع به إلى نفسه."[8] ويمكن لنا أن ندرج مآدب المآتم في هذا السياق الذي يحتاج منا تفكيرا وتدقيقا في كيفية عيش المجتمع التونسي الحالي لطقوسه من أجل فهم مدى محافظته على خصوصيته في الحداد والاحتفاء بالميت في ظلّ تحولات اجتماعيّة متسارعة مسّت كلّ مظاهر حياته.

إن التفكير في الإنسان في مثل هذه اللحظات شيء مخيف، التفكير في الوضع البشري الذي لا يبعث على التفاؤل أبدًا، بله، يكون التفاؤل سخرية من الوضع، لكن يا لشقاء الإنسان إذا لم يكن قادرا على طرح السؤال، فذلك يعني أنه لم يعد بمقدوره أن يمارس الرفض، أي أن يفكر أي أن يقول لا.

مالذي يُعدِم الإنسان في الإنسان؟ ليس هذا الذي نسميه انسانا سوى الكائن الوحيد القادر على قول لا، القادر على ممارسة الرفض، ومتى توقف عن ذلك فقد انسانيته، لقد نَاصَب سقراط-افلاطون الكتابَة العداءَ، لأنها العنصر الذي كان يحفظ النظام الإجتماعي، فمتى شاعت، شاعت الحكمة وفقد مجتمع القلة أفضليته بحصول المشاركة  في ما يمثل القوة على البروز والتعبير عن الذات وتحققها، بعنصر الكتابة يدخل الكائن مجتمع الأنداد لأنه يصبح شخصا، شخصا لأنه مارس الرفض، وقد كان قبل ذلك مجرد أداة، مجرد تعبئة داخل المدينة، إنه الحطب الذي يسمح لشعلة النظام الاجتماعي بالاتصال.

هذه هي أعظم قضية من قضايا المدينة إن لم تكن موضوعتها الأساس، كيف يتم الحفاظ على النظام الإجتماعي، كيف يتم انتاجه، وكيف يصبح الإنسان مجرد حطب وتعبئة للحفاظ على هذا النظام

لقد سمحت الكتابة دائما بنزول المتعالي إلى الساحات العامة، فقد كانت دائما قائمة في ضدية المطلق قائمة في ضدية الميتافزيقا، إن الكتابة هي العملية التي يتم من خلالها خلخلة كل سلطة وكل هيمنة، فهي التي سمحت بنزول التعاليم السرية إلى الساحة العامة، إنها ما يمنح القانون أحقيته ليكون على رأس المدينة تحفظ سلطته وتحفظه هو نفسه (فرنان 1962 )، وبذلك فإن الحدث الأكثر جلالا في تاريخ أي حضارة إنسانية هو الخروج من الشفاهة والدخول في عرف الكتابة، ذلك أن الشطط كل الشطط في ممارسة السلطة دائما ما كان لصيقا بالشفاهة وبالخطابة، غير أن البئيس جدا هو الدخول في الكتابة دون التخلي تماما عن ذهنية الخطاب وشطط الكلام.

إن مجتمع القلة هو مجتمع الإقتران الحاصل بين السلطة والرأسمال، هو نفسه قضية خلق مجتمعين أو أكثر داخل ما يُفترض فيه أن يكون مجتمعا واحدا، وتغيب فيه الندية والشخصية، ثم إن قيمة الشخص لا تقوم إلا داخل مجتمع الأنداد بوصفه مجتمع الفرص المتكافئة، أما مجتمع القلة ولكونه يتكون من مجتمعين فإن الذين يكونون دون ندية القلة في الغالب هم نفسهم أداة حفظ هذا النظام وهذا التراتب، وهم في الغالب يسيرون في طريق فقدان انسانيتهم، حشد من الناس لا يستطيع أن يمارس الرفض، يتم افراغهم بمختلف الكيفيات من شخصياتهم وحملهم على الدخول والانخراط في الدفاع عن حقائق لا تمثل شخصيتهم ولا مصالحهم.

في مجتمع القلة يحصل الإنسان على ما دون الكفاف، ويعيش دائما على حافة الفاقة والعوز، إن المحرك الأساسي له هو الحاجة، وبذلك لا تتعدى أقصى مطالبة مجرد العيش، مجرد الاستمرار على قيد الحياة، وقد تم بذلك تعريضه للحصر، للقمع، للكبث، كلما أراد أن يقول لا، توجس خيفة من شبح الحاجة، إن أغلى ما يملك هو مجرد العيش وهو ليس مستعدا للتنازل على هذا المِلك، وهو بذلك انسان عارٍ من الإنسانية.

الأفكارُ المُتكاثرةُ في المنظومة الثقافية تُمثِّل إنتاجًا مُستمرًّا للعلاقاتِ الاجتماعية ، وَتَوْليدًا دائمًا للعملية الإبداعية على الصَّعِيدَيْن : الإنسانيِّ والماديِّ ، مِمَّا يَدْفَع باتِّجاه تَطوير رُؤيةِ الإنسانِ لذاته ، ورُؤيته لِمُجْتَمَعِه . وَهَذه الرُّؤيةُ المُزْدَوَجَةُ للذاتِ وَالمُحِيطِ تُؤَسِّس نظامًا فلسفيًّا تَراكميًّا يَفْحَصُ التَّصَوُّرَاتِ الحَيَاتِيَّة ، ويَخْتَبِر التأمُّلاتِ الوُجودية ، وَيَمْتَحِن الظُّروفَ المَعيشية. وهَذا يُؤَدِّي إلى تَقْويةِ الصِّلَةِ بَيْنَ الفِكْرِ والتَّطبيقِ مِنْ جِهَة ، وَتَفْعِيلِ الوَعْي بأهمية الحَياة الثقافية للفردِ والجَماعةِ مِنْ جِهَةٍ أُخْرَى .

     وإذا كانت الأفكارُ تَتَحَوَّلُ مَعَ مُرورِ الوَقْت إلى مَواقف حَياتية وحَالاتٍ إبداعية ، فَإنَّ عَناصر الحياة الثقافية تَتَحَوَّلُ مَعَ ضَغْطِ الواقع الاستهلاكيِّ إلى رُموز كامنة في المَشَاعِرِ المَقموعةِ ، والأحلامِ المَكبوتة ، والذكرياتِ المُسْتَتِرَة . وَوَظيفةُ الإنسانِ الأسَاسِيَّةُ هِيَ استخراجُ هَذه الرُّموزِ الكَامنةِ ، وحَقْنُها بالحُرِّيةِ والحَيويةِ ، وإعادةُ بَعْثِها إلى الحَياةِ ، وهَذا يَعْني تَحَوُّلَ الثقافةِ إلى حَياةٍ دَاخِلَ الحَياةِ ، وانتقالَ القِيَمِ الإبداعيةِ مِنَ الهَامِشِ إلى المَركَز ، مِمَّا يَحْمِي المُجْتَمَعَ مِنَ الفَجَوَاتِ المَعرفية، وَالثَّغَرَاتِ المَخْفِيَّة في مَصادر الوَعْي الاجتماعيِّ .

     إنَّ الوَعْي الاجتماعيَّ لا يُحرِّر الإنسانَ مِنَ الخَوْفِ والعَجْزِ فَحَسْب ، بَلْ أيضًا يَمْنَعُ المُجْتَمَعَ مِنَ الوُقُوعِ في الفَراغِ ، ويَحْمِي الحَضَارَةَ مِن انتحارِ المَعْنَى ، وَيَحْرُسُ التَّنَوُّعَ الثقافيَّ مِنَ العَدَمِ ، وَيَحْفَظُ الشُّعُورَ مِنَ الاستلابِ ، وَيُبْعِد الشخصيةَ الفرديةَ والسُّلطةَ الاعتبارية للكَينونةِ الإنسانيةِ عَن الاغترابِ .

     وَالوَعْيُ الاجتماعيُّ يُولَدُ مِنْ رَحِمِ اللغة ، وَيَتَشَكَّلُ في الأُطُرِ المَرجعيةِ لِمَصادرِ المَعرفةِ تاريخيًّا وحَضاريًّا . وإذا كانَ التاريخُ يَكتبه المُنتصِر ، والحَضارةُ يُهَيْمِن عَلَيْهَا الطَّرَفُ الأقْوَى ، فَإنَّ اللغة يُفَجِّرُ طَاقَتَهَا الرَّمزيةَ الطَّرَفُ الأكثرُ إبداعًا . والإبداعُ لا يَتَكَرَّسُ كَحقيقةٍ واقعية إلا إذا تَخَلَّصَ مِنَ الجُمودِ ، وَتَحَرَّرَ مِنَ الانكماشِ ، وَأَفْلَتَ مِنَ الانغلاقِ . والإبداعُ لا يَتَجَذَّرُ كَمعرفةٍ جَمَاعِيَّة خَلَاصِيَّة إلا في ظِلِّ الانفتاحِ المَدروسِ ، والتواصلِ المَنطقيِّ ، وتَلاقُحِ الأفكار معَ التَّطبيقات، مِمَّا يُسَاهِمُ في تَشْييدِ الهُوِيَّةِ الإبداعية عَلى الخُصوصيةِ ، وتأسيسِ السُّلطةِ المَعرفية عَلى الذاتيةِ الثقافية، بعيدًا عَن الحُلولِ المُسْتَوْرَدَةِ ، وَعُقْدَةِ الشُّعُورِ بِالنَّقْصِ، والشُّعُورِ بِالدُّونِيَّةِ.

     وَالحِفَاظُ عَلى مَفاهيمِ الهُوِيَّة والسُّلطةِ والذاتيةِ في المَنظومةِ الثقافية ذات التطبيقات الاجتماعية ، لا يَعْني العُزلةَ والتَّقَوْقُعَ عَلى الذاتِ وَالخَوْفَ مِنَ الآخَرِين ، بَلْ يَعْني اعتمادَ الثقافة المُجتمعية كَنِظَامِ حَيَاةٍ مُمَيَّز وأُسلوبِ عَيْشٍ فَعَّال ، انطلاقًا مِنْ مَبْدَأ الخُصوصيةِ ، وَالمَعاييرِ الأخلاقيةِ ، وَالتَّكَيُّفِ مَعَ القُدراتِ الفردية وَخَصَائصِ الجَماعةِ الإنسانية ، وَالتَّأقْلُمِ مَعَ الفِعْلِ الحَضَاريِّ المُنْبَثِق مِنَ الواقعِ المُعَاشِ ، وَالمَضمونِ التاريخيِّ النابعِ مِنْ أدواتِ اللغةِ وآلِيَّاتِهَا .

الحديث عن موضوع الجمال جعلني أقف وقفة تأملية حائرة ،كيف سأتحدث عن هذا الموضوع الذي يندرج في السهل الممتنع، نظرا لكونه متداخل و عميق و يمكن مناقشته من أكثر من زاوية و مرجعية، وغالبا ما نجده من المواضيع الفلسفية الحاضرة بقوة. وقد كان الاهتمام به بالغا لدى اليونان عبر تاريخ الفلسفة، لكنه مع ذلك يظل منتسبا لمجال المعرفة النظرية و السلوك الأخلاقي أي أنه متعالي عما هو ملموس.
لكن الحديث هنا سيكون عن الجمال شكلا ، بالرغم من أني على إيمان تام بوقع الجمال الداخلي، و الروحي الموجود بسجية الإنسان و فطرته، و انعكاسه على الجمال الخارجي و ربما يجعله يطغى و يغطي رؤية و رأي من حولنا، لننتصر لقول ديفيد هيوم "الجمال ليس خاصية في ذات الأشياء بل في العقل الذي يتأملها".

الإنفلات من المعايير الثابثة و المحلية للجمال
لطالما كان الجمال محل إهتمام بني البشر منذ سالف الأزمنة باختلاف الحضارات، الإنسانية المتعاقبة و المختلفة.
و الاهتمام بالشكل ليس وليد اللحظة أو العصر الحالي فقط، و إنما وجد منذ عصور غابرة، لكن بطرق و تقنيات متباينة،بالإعتماد على الطبيعة و عادات و تقاليد المجتمعات و الحضارات، كالحضارة اليونانية أو الرومانية ،المصرية القديمة و أيضا الصينية و الهندية القديمة، فكل واحدة منها كانت تعتمد على معايير معينة تعتبر مقياسا للجمال آنذاك ،كلون البشرة الفاتح مثلا و العيون الواسعة أو الكمال الجسدي و لون الشعر و شكل الشفاه و الجبهة ، و هذا طبعا دون إغفال الجانب الروحي في المسألة، و بالتالي كان هناك نمط معين للجمال بأوصاف محددة و ثابثة، يجب توفرها في المرأة المنتمية لإحدى الحضارات،و هو أيضا ما يمكن أن نلمسه في المجتمعات الصحراوية التي تعتبر السمنة رمزا للجمال ، حيث يتم إخضاع الفتيات لعملية التسمين منذ صغرهن.

عادة ما يتم تقسيم الشعوب إلى ثلاثة أقسام، حسب التنوع الجيني البيض "القوقاز " و الآسيويون "المغول" و السود "الزنوج"، و تتميز كل سلالة بمواصفات متفردة للوجه و العيون و الأنف و لون البشرة ، تجعل لنا القدرة على اكتشاف جنسية الشخص أمامنا بمجرد النظر إلى تقاسيم وجهه و ملامحه ... مما يحيلنا على مميزات للجمال محلية، تحمل طابع الخصوصية و الإنتماء.