” الكائن الإنساني رهن لإمكاناته على أن يحوّل الواقع، وأن يتغير عما هو عليه، فكراً وهوية أو فعلاً وممارسة، من خلال ما يخلقه من العوالم المختلفة بقواها وعلاقاتها، أو المتميزة بلغاتها ورموزها، أو الفعالة بأدواتها ووسائطها “ (علي حرب، حديث النهايات – فتوحات العولمة ومآزق الهوية).
” تقع العولمة في القلب من الثقافة المعاصرة وتقع الممارسات الثقافية في القلب من العولمة. فالعولمة ليست هي المحدد الوحيد للتجربة الثقافية المعاصرة، ولا أن الثقافة بمفردها هي المفتاح المفاهيمي الذي يفك مغالق القوة الدينامية الداخلية للعولمة. ولكنه يتمثل في إثبات أن العمليات التحويلية الهائلة لعصرنا المعاصر، والتي تصفها العولمة وبالأخص منها الثقافية، لا يمكن أن تفهم على نحو صحيح حتى تُدرك من خلال المفردات المفاهيمية للثقافة وبالمثل، فإن هذه التحولات تغير نسيج التجربة الثقافية ذاته. كما أنها في الحقيقة تؤثر في إحساسنا بالهوية الحقيقية للثقافة في عالمنا المعاصر. إن العولمة والثقافة كلتيهما مفهومان يتسمان بأعلى مراتب العمومية، وهناك خلاف عميق حول معنى كل منهما. لذا حاول هذا المقال إدراك العناصر الرئيسية للعولمة الثقافية ضمن ما يمكن تسميته بالعولمة الرمزية “ (بتصرف: جون توملينسون، العولمة والثقافة، ص 10).
” إن الخوض في الثقافة يعني الخوض في الحياة بكل تفاصيلها وشعبها وما يتعلق بها. ولا يمكن الخوض خارج ذلك الجزء الذي أصبح مكوناً لوعي الإنسان، فما يقع خارج وعيه يقع خارج المعالجة (لا مفكر فيه). بهذا المعنى تكون الثقافة هي ذلك الكل الذي يخضع فيه العقل البشري. ومن هنا تظهر الثقافة على أنها هذا التراكم في الخبرات والمعارف الذي كونه الإنسان على امتداد وجوده. فالإنسان ليس معطى طبيعياً فقط، إلا إذا تحكمت بنا النظرة الداروينية إلى المخلوقات الأخرى، أي إذا رأينا فيه ذلك المخلوق (القرد عارياً أو مكتسياً بالشعر) قبل أن تعمل مجمل الظروف على تأهيله لتلقي الخبرة، وإنجاز تراكم ما يوصله إلى إنسانيته. وحتى من خلال هذه النظرة، فإن الإقرار بأن عملية تطور ما قد حصلت لهذا المخلوق، تقتضي الإقرار بأن الإنسان معطى تاريخي ثقافي، وهذا لا يكون إلا بإضافة الوعي لعملية التطور، وبالتالي نكون بهذا قد أدخلنا التعديل على حدود الطبيعة، وأمسكنا بدفة توجيهها، أو التحكم بمفاصل وجزئيات ما، في علاقتنا معها.
إذن الثقافة هي المحدد الأساسي لشخصية الإنسان ككائن، لأن الفروق الفيزيائية والبيئية موجودة بشكل ثانوي في تحديد الشخصية الإنسانية، أي إن مراكمة الخبرات والانطلاق منها في كل جديد، باعتبارها إنجازاً لهذا الجنس، تم إدراجه في سيرورة حياة الأخلاف. هذا المحدد للإنسان هو ما يقطعه عن أسلافه من المخلوقات الداروينية “ (حسن إبراهيم أحمد، الثقافة المتوترة، ص 9).