يذهب " المهاتما غاندي " إلى أن سبب تفشي العنف في العالم هو عدم اكتشافنا أن مبدأ اللاعنف قوة يمتلكها الأقوياء وهي لا تقهر، كما لا يضيع أبداً تأثير حتى أونصة واحدة من قوة اللاعنف. أما " ألفين توفلر " يعتقد منذ ذلك اليوم الذي قذف فيه الإنسان القديم حيواناً صغيراً بحجر بدأ استخدام العنف لصنع الثروة. ويرى " هربرت ماركيوز " بدوره أن العنف منقوش في بنية مجتمعنا نفسه: إنه هو الذي يتراءى في العدوانية المتراكمة التي تهيمن على جميع نشاطات الرأسمالية الاحتكارية، في العدوان القانوني الذي يحدث على طرقنا الكبرى... . إذن العنف المجتمعي ظاهرة تنطوي تحتها أبعاد سياسية، وما العنف السياسي إلا إحدى الأدوات التي تستخدمها الشعوب للضغط على النظام السياسي المستبد في سبيل تحقيق أهدافهم المشروعة المتمثلة في القضاء على الظلم. وفيما يتعلق بالعنف الرمزي يعتقد " بيير بورديو " أن ما يصطلح عليه بالعنف الرمزي قد يأخذ شكل أفكار من شأنها أن تسيطر على ذهن الشخص وتستغله وتدفعه إلى المأساة، إن مختلف أشكال الهيمنة التي يخضع لها الناس، والتي توجه سلوكهم وأفكارهم وتحدد لهم اختياراتهم كلها تعبير عن عنف رمزي يمارس علينا دون بنادق أو خناجر، لكنه لا يقل عنها جرماً وألماً وعذاباً.
- تمهيد (نظرة عامة حول مفهوم العنف):
تعد ظاهرة العنف عموماً من أقدم الظواهر التي عرفتها البشرية، وإن كانت قد تطورت وانتشرت في عصور أكثر من غيرها، وخصوصاً في الفترة المعاصرة، الأمر الذي يبعث على القلق ويستدعي التأمل فيها، لأنها حصيلة مجموعة من العوامل السياسية والاجتماعية والظروف الاقتصادية. وقد اتخذ العنف أشكالاً متعددة ومتنوعة عبر التاريخ، وقصة قابيل وهابيل هي أبرز مثال على ذلك، حيث شهدت الأرض آنذاك أول جريمة قتل عرفها التاريخ الإنساني تم استخدام العنف فيها.
يُعرف العنف لغوياً بأنه كل قول أو فعل ضد الرأفة والرفق واللين، وهو فعل يجسد الطاقة أو القوة المادية في الإضرار المادي بشخص آخر، وهو أيضاً " استخدام القوة وعدم الرفق، وفعل عنف يعني الخرق والتعدي، فنقول عَنّفَ أي خرق ولم يرفق، فهو عنيف إن لم يكن رفيقاً في أمره". أما اصطلاحياً هو كل سلوك عدواني يتجه إلى الاستخدام غير الشرعي للقوة أو التهديد بهدف إلحاق الضرر بالغير، ويقترن العنف بالإكراه والتكليف والتقييد، وهو نقيض الرفق لأنه صورة من صور القوة المبذولة على نحو غير قانوني بهدف إخضاع طرف لإرادة طرف آخر. ورغم تعدد العوامل المؤدية إلى العنف، إلا أن منطلقه الأساسي هو غريزة العدوانية المتفاوتة في قوتها بين إنسان وآخر، وهي غريزة يتأثر أسلوب التعبير عنها بظروف متعددة منها الثقافة السائدة، فمثلما أن العدوان غريزة، فإن الشعور الاجتماعي والضمير والإحساس بالذنب كذلك مشاعر فطرية لدى الفرد، وبالتالي فإن العنف لا يصدر عن فرد ما على الأغلب إلا وقد رافقته أفكار ومشاعر سلبية يستند إليها لتبرير اعتدائه. ومهما اختلفت الدوافع والوسائل والأهداف والنتائج، فإنها جميعها تشير إلى مضمون واحد وهو العنف الذي يهدف إلى إلحاق الأذى بالذات أو بالآخر.