..نحن إذا أمام بنية اجتماعية معقدة تغطيها مؤشرات متداولة مثل القبيلة. وهذه البنيات العميقة إن صح التعبير هي المعبر الحقيقي عن مجتمع لا نقول بدون مشاريع، إنما مشاريعه إما ضخمة سريعة العطب –مبنية على ريع خارجي- أو متوسطة أو صغرى دائمة. إنه سلوك المزارع الذي لا يطمح إلى تسويق ولا ربح، سلوك لا ينظر إلى العمل عبر الفائض، بل العمل عنده جزء من الحياة اليومية رغم كون الفقه الإسلامي، عبر العقود وضبط الملكية، أعطى صورة تجارية لمجتمع لا يسمى مجتمعا إلا إذا كان وسيطا… ومن هذا المنطلق نتفق مع ماركس على أن الدولة ليست إلا محمولا وأن المجتمع هو الموضوع خصوصا في المجتمعات التقليدية.إن أية دراسة مونوغرافية، سوسيولوجية خاصة كيف ما كانت درجة دقتها وقيمة وصفها، إذا لم تستطع أن تقوم بنقد إبستمولوجي، بل وحتى إيديولوجي للمفاهيم والنظريات "الجاهزة" المستغلة، إما عبر نقد منطقي أو عبر التجريب الميداني من جهة، وإذا لم تستطع صياغة استنتاجات وخلاصات تعميمية تتجاوز الرقعة المدروسة إلى المجتمع العام من جهة أخرى (قد يكون مثل هذا العمل نتيجة عوامل ذاتية أو موضوعية مشروعة أو قد يكون إحجاما عن الطموح النظري باسم مغالات المنظرين في التحليق على الواقع –الأمر الذي لا يخلو من كثير من الصواب- إلا أنه ليس مبررا كاملا للإنزواء والبقاء في مستوى الوصف الأمين)، إن مثل هذه الدراسة رغم حسناتها تبقى غير مكتملة… -مع الأخذ بعين الاعتبار طبعا الأهداف التي يحددها كل باحث لبحثه..- ولا يجب أن نفهم من هذا الحكم ضرورة استخلاص نتائج نهائية ومغلقة –الأمر الذي ليس ممكنا في أي حال من الأحوال- بل هو نوع من الدعوة إلى تجاوز التحفظ الذي طغى على العلم الاجتماعي المغربي بصفة عامة، وعلى الأعمال المونوغرافية بصفة خاصة، رغم وصول بعضها إلى درجة عالية من الجودة في التوثيق والتصنيف والوصف. بحيث لا يعدو الإحجام عند البعض أن يكون سوى ذلك التواضع الذي يسم المثقف المغربي عبر العصور. ونريد أن نشير وأن نلمح هنا بالخصوص إلى المونوغرافيات التاريخية الجيدة والتي نلمس لها العذر في عدم الاختصاص من جهة وفي المجهود التوثيقي من جهة أخرى. كما أن إحجامها مبرر في عدم تغطية ومسح المجتمعات المحلية كلها حتى نعمم على المجتمع العام.
إلا أن الأمر إذا كان بهذا العموم –أمر البقاء عند حدود الوصف والتصنيف- فقد أصبح ظاهرة تستدعي هي نفسها تفسيرا نلتمسه افتراضا في عدم وصول الكم إلى كيف ونوع يقتضي تنظيرات منافسة لما هو عليه الأمر في الغرب… إلا أنه لا بد من اجتهاد علمي مقتنع تمام الاقتناع بالأهمية القصوى للخطإ العلمي في بناء سيرورة العلم كله…
لقد كثر الحديث في الآونة الأخيرة عن ظاهرة العنف ضد النساء، إذ أصبح الكثير من الكتب والمجلات يطفح بوصف مسهب لمظاهر هذا العنف وتجلياته على مختلف ميادين الحياة المجتمعية. كما ذهب العديد من الباحثين والدارسين إلى البحث عن تفسيرات علمية لهذه الظاهرة. وإذا كان يبدو جليا أن هذه الدراسات بينت أن النظام الاجتماعي والثقافي والوضع الاقتصادي والمستوى المعيشي كلها عوامل تفسر هذه الظاهرة، فإن الملاحظ هو أن هذه الدراسات والأبحاث لم تضع موضع السؤال علاقة العنف بتشكيل الهوية الرجولية. مما يجعل العنف ضد النساء يبدو كظاهرة عرضية وكمسألة طارئة في الزمان والمكان، كما يتجلى بكل وضوح في خطاب وسائل الإعلام. 




