
وهو قادر على أن يكون جسرا بين التيارات المتصارعة في عصرنا الحاضر وينهى القتال الدامي بين أنصار الدنيا وأنصار الدين، المتحررين والمحافظين. لأنه يدافع عن مصالح الناس، ويحاول نقل المجتمع كله من عصر إلى عصر، و يبدأ من تراث الأغلبية وهى المحافظة الدينية، ويلتحم معها لأنها الاتجاه الغالب على الناس، ويحقق مقاصد الشريعة.
والإسلام المستنير ليس غريبا على الإسلام فقد بدأ منذ نشأته الأولى. كان فهما مستنيرا لليهودية والمسيحية بعيدا عن عبادة الأحبار والرهبان وتعظيمهم واعتزازا بدور العقل في رفضه مظاهر الشرك والتعدد، وتأكيدا على المسئولية الفردية، واستحقاق الإنسان بصرف النظر عن انتسابه إلى جماعة أو انتظار مخلص، اعتمادا علـــــــــــى الفطرة الأولى، الطيبة الطاهرة بلا وزر، لا حيلة للإنسان فيه، يتوارثه عن غيره. السلطة فيه بيعة من الناس، والأمر شورى بينهم، والعدالة الاجتماعية سارية فيهم، ومن ثم أصبح الإسلام منذ نشأته دين العقل والحرية والفردية والطبيعة والإنسان والتقدم. وهو ما عرف في الغرب بعد ذلك بفلسفة التنوير.
وقد عبرت الاتجاهات الفكرية عبر تاريخ الإسلام الطويل عن هذه الروح. ففي علم التوحيد ظهر الاعتزال مؤكدا أصلى التوحيد والعدل أو أنه لا توحيد دون عدل، ولا عدل دون توحيد، ويشمل العدل أصلى الحرية والعقل، فلا عدل دون أن يكون الانسان حرا عاقلا. والحرية تأتى قبل العقل، ويتفرد بها عن غيره، ثم يأتي العقل سندا للحرية. والعقل قادر على الفهم والتأويل، فالعقل أساس النقل. والانسان باستحقاقه، آخرته مشروطة بعمله في دنياه، الثواب والعقاب طبقا للعمل الحسن أو القبيح، وأن صلة الحاكم بالمحكوم عقد اجتماعي يبايع فيه المحكوم الحاكم ويطيعه بشرط طاعة الحاكم لشروط العقد وإلا فلا طاعة لمخلوق في معصية الخالق، والأمر بالمعروف والنهى عن المنكر واجب على المحكوم قوله وواجب على الحاكم سماعه. وقد ظهر التنوير أيضا عند الحكماء، الفلسفة والدين شئ واحد متفقان في الهدف وهو الوصول إلى الحكمة وفي الوسيلة وهو العقل. لذلك وكذلك الأحاديث النبوية(أفلا تعقلون)كثيرا ما نصت الآيات على العقل "أول ما خلق الله خلق العقل ...".
والنظر أول الواجبات على المسلم، والنظر يتم بالعقل وهو شرط التكليف، فلا تكليف لصبى أو مجنون، وجود الله وخلق العالم، وخلود النفس، كل ذلك يثبت بالعقل. بل أن الصوفية جعلوا الذوق مرادفا للعقل، وسيلتان لغاية واحدة فالصوفي يشاهد ما يعقله الفيلسوف.