تمهيد
" "كل معرفة هي إجابة عن سؤال." غاستون باشلار
تهتم الفلسفة بمختلف التصورات التي يشكلها الانسان حول الكون ومن بين هذه التصورات نجد تصوراته حول الطبيعة والتي تم الاتفاق على تسميتها بالمعرفة العلمية ولكن هذه المعرفة العلمية اتخذت صبغة فلسفية حينما تراوحت بين النظري والتقني وبين الفكري والمادي وبين المثالي والواقعي . لقد انقسمت المعرفة العلمية من جهة المقاربة المنهجية للظواهر الى اتجاه عقلاني واتجاه تجريبي. فما الفرق بينهما؟ وماهي خصائص كل اتجاه؟ والى أي مدى نجحت الفلسفة في انتاج مغرفة علمية حقيقة بالعالم الخارجي؟
1- العلم منهج عقلاني
تعريف العلم
يشير العلم إلى ما يوحد العلوم في مطلب واحد. إلا أنها تحمل معنيين: مشترك في أحدهما، وفلسفي في الآخر. بالمعنى العام، العلم هو المعرفة (وبالمعنى الواسع، هناك علم صيد الأسماك بالذباب أو البستنة أو المربيات) العلم بمعناه الفلسفي هو حكم يتعلق بالعالم (الفيزياء) أو بمجموعة من الافتراضات المنطقية (الرياضيات) ويضع قوانين هذا المجال بطريقة تعتمد على التحقق و/أو التماسك. ولأنه ينشئ المعرفة، فلا ينبغي الخلط بين العلم والمعرفة، ولا مع المعرفة. المعرفة خاصة، والمعرفة عامة وذات نطاق عالمي؛ المعرفة لا توفر أسباب فعاليتها، المعرفة يتم تأسيسها من خلال البحث المتعمق في الأسباب؛ المعرفة ليس لها بالضرورة تطبيقات عملية، إذ يتم تنسيق المعرفة مع "التمثيل" المحتمل. وهكذا عرف الإغريق والساكسونيون والفايكنج أن المد والجزر موجود، وبالعادة، كان بإمكانهم توقعه جزئيًا. ولكن لم نتمكن من معرفة سبب المد والجزر إلا بعد ظهور نيوتن وظهور الرياضيات، وتمكنا من التنبؤ بها بدقة كافية لإنشاء تقويم. من الصعب أن نجد قاسماً مشتركاً لجميع العلوم، فموضوعاتها تختلف كثيراً. يمكن أن يتعلق الأمر بالكائنات الحية (علم الأحياء)، أو المجتمع (علم الاجتماع)، أو بنية الكون (الفيزياء الفلكية)، أو العلامات اللغوية (علم اللغة)، أو القياس الكمي للتكرارات وحدوثها (الإحصائيات والاحتمالات). إن الكثير من التنوع في موضوعات الدراسة يؤدي إلى مناهج منهجية متنوعة، ومن الممكن العثور على اتساق في المنهج العقلاني مما يجعل من الممكن تعريف العلم بتنوعه.
استنباط وتفسير الملاحظة
يتكون الحث من ملاحظة الحقائق لاستخراج قانون متكرر للسلوك. لكن الملاحظة ليست رؤية، فهي تتطلب انتشال النفس من خصوصيات الحساس لتأخذ بعين الاعتبار العناصر المشتركة والمتكررة فقط.
علم الاجتماع هو علم مراقبة السلوكيات المتكررة للرجال في المجتمع. كل واحد من هؤلاء الرجال يُنكر تفرده لصالح أخذ الأفواج في الاعتبار. إن علم الاجتماع، كما يقول دوركهايم، هو علم الملاحظة والفرضيات. لكن لا يمكن التحقق من الفرضيات من خلال بروتوكول تجريبي صارم، لأن الحقائق البشرية تعتمد على حرية الفاعلين، وهي غير قابلة للتكرار، وبالتالي غير قابلة للتجربة. ولذلك فهو ليس بروتوكولًا استنتاجيًا افتراضيًا، ولكنه عملية لتفسير تكرار السلوكيات المقاسة إحصائيًا. تعتمد العديد من العلوم الإنسانية على الأساليب العلمية في البحث التي تؤدي إلى تفسير النتائج، والتي تكون بطبيعة الحال موضع نقاش.