أيظن ... (العودة من الرماد) – قصة: أسماء العسري

شكل العرض
  • أصغر صغير متوسط كبير أكبر
  • نسخ كوفي مدى عارف مرزا

كنت أظن... وأظن... وخابت الظنون. كنت أظنه الملاذ الوحيد في عواصف الحياة، كنت أظنه الأمن والأمان، كنت أظنه عوضي في هذه الحياة، وفي الأخير تخون الظنون. رسالة موقعة بحرف السين.
قرأت فقط هذه الأسطر من الرسالة التي تمزقت عند موقف الحافلات، فكان هذا الجزء الذي وجدته أو بالأحرى وجدني. وجدته عند قدمي، كأنه يريد أن يطلب مني الأخذ بالثأر لصاحبة الرسالة. فأخذت الجزء ووضعته في جيبي وصعدت الحافلة، وعند الوصول إلى منزلي وإنهاء جميع أعمالي المنزلية أخذت الجزء وأعدت قراءته بتأن، ثم بدأت في إكمال الرسالة أو بدأتُ بلمّ الشتات الذي صنعه آخرها في موقف الحافلات؛ شتاتٌ وكأنه جروح في القلب عليها أن تُضمّد.
الرسالة الممزقة:
كنت أظن أنك الصدق في هيئة رجل، فوجدت الكذب يمشي في دمك ونبض قلبك.
كنت أظن قولك الحق، فتبين أنه الوهم.
كنت أظنك رجلا، فتبين أنك رضيع لم يفطم من حليب أمه، ومهرج يحب جذب انتباه الآخرين.
كنت أظنك السند في عجزي وضعفي، فتبين أنك كسرتي وقلة حيلتي.
وضعت هذه العبارة في وسط الرسالة؛ لأني فهمت معناها بكل وضوح المعاني وما وراءها.
فهمت معنى مقولة: " لا تحكم على الكتاب من غلافه"

أصبحت عيوني تلمع؛ إنها دمعة تثقل المقلتين، نسيت أني مجرد قلم يكتب لإكمال الرسالة، وانسجمت مع موضوع الرسالة. أكملت الرسالة بآهات في القلب ويد ترتجف، وكأنني المعنية بالأمر، أو هو إخلاص الكاتب. لقد كنت فتاة وضعت فوق رأسها قبعة خضراء. لم أكن أعلم أنني مجرد كومبارس في مسرحية، أبطالها مجموعة من العشيقات، مرتبات حسب المال والجمال والسن والجسد.
أقول لك: لست ضعيفة مثل عشيقاتك فأنتقم، فالانتقام ميزة الجبناء، ولا أؤمن بنظرية مكيافيلي "الغاية تبرر الوسيلة"، ولا غبية لأصدق الأكاذيب وأنا أعرف أنها أكذوبة. ولكن للقلب موازين وأحكام، وليس له عقل لينبهك في الوقت المناسب. فكثير من العقلاء في الهوى مجانين، فعندما يصل القلب لحالة الهيام يغمض عينيه عن الهفوات والأكاذيب، ويصدق دون خفقات، إنه القلب يا سادة.
الحل الوحيد الذي استطعت إنجازه هو البكاء، ثم البكاء، ثم الانهيار، ثم الاكتئاب ثم النهاية؛ نهاية الحياة، نتيجة الحزن وعدم الرغبة في الحياة. لم أحب هذه النهاية، نهاية المظلوم وتجبر الظالم. لن أقبل هذه النهاية، لنعِد كتابة الرسالة.
الولادة الثانية: بعد الموت لم أتقبل هذه النهاية، ومن كثرة الأسى الذي لازال موجودا في القلب، عادت الروح للجسد. فكانت الولادة الثانية؛ عدت فيها إلى الحياة فعرفت أنها الولادة الثانية، فرصتي لتصحيح أخطاء الماضي، وتقبل الذات، والبحث عن العوض.
سافرت في زيارة إلى منزل صديقتي التي تعمل في مدينة طنجة. استقبلتني أحسن استقبال ورفعت معنوياتي وأنا الجريح الذي زارها بعد جروح خطيرة نفسيا وجسديا؛ جروح حصلت عليها من الاستمرار في المعاناة والصبر على أساس مقولة: " الحب يصنع المعجزات" لكنه لم يصنع المعجزات بقدر ما ترك جروح لا شفاء لها وأمراض الأعصاب التي لا علاج لها، وندبات لا يمحيها الزمن. فالزمن يمكن أن ينسي ولكنه لا يستطيع علاج الندوب العميقة.
نظرت في وجه صديقتي نظرة إحباط أو ربما نظرة بليدة أو نظرة مسجون ينتظر العفو. المهم أنها كانت نظرة تائهة وسط أفكار الخوف. وفي المقابل ابتسمت صديقتي لي ابتسامة لا معنى لها... هل هي ابتسامة سرور؟ أم مواساة لحالي؟ كل ما أعرفه أنني تقبلت الابتسامة بابتسامة أشبه بابتسامة الميت الذي غادر الحياة وهو راضي عن صنيعه. أصبحت أبتسم بلا معنى ولا داعي، كل ما أعرفه اليوم أنني عدت من تحت الرماد، وفقط بهذه الابتسامة المتصنعة أخفي انكساري وضعف حالتي الحالية.
عدت من الرماد لجمع بقايا الخيبات وإعادة تصنيعها لتصبح بقايا القوة، والنصر، والسعادة. عدت من الرماد شابة بقلب طفلة. وامرأة بألف رجل في وعدها وعهدها لا تخون. امرأة قوية في عنادها؛ حرة لم تدخل سوق النخاسة يوما ولم تذل، وعدها مثل السيف: إما ينصرك أو يقتلك.
لا تخف، لست شبحا بل ولادة ثانية من تحت الرماد. بعد أن اشتدت النيران وخلفت الرماد...، لقد انتهى الحديث بيني وبينك وتقطعت سبل الوصال وافترقنا، ونكت العهد؛ والعهد كان مسؤولا. فلا تعد مجددا للتعرف علي، فقد ولت الحياة الأولى: حياة المسامحات، والتجاوزات، وحسن الظن...بعد عشرة أعوام لم نعد نصدق وعد رجل وإن جاب الأرض شرقا وغربا، وشهد أهل الشرق والغرب بصدق وعده... لم نعد نصدق الوعد.
في هذه الحياة لم نعد نريد حبيب، فالحبيب مجرد عنوان لفيلم قصير، ولا نريد ذكرا بلباس رجل، وما هو برجل، أصبحنا نريد رجلا... إن كان هناك رجل لا ينكث العهد، ولا يخلق المبررات، ولا يقول لنا: اختلفت الثقافات والأعراف واللغات والأماكن، وأنت أميرة في بيت أهلك وأخاف عليك مشقة الحياة. كلها مبررات لأشباه الرجال في زمن النكبات.
وكنت أظن وأظن ... وخابت الظنون.
لقد رأيت رجعية أفكارك منذ اليوم الأول للرحلة، ولكنني قررت المجازفة معك ظنا مني بأن الحب يغير النفوس الخبيثة. رجعية أفكارك تكمن في غرورك بأن للرجال كل الحقوق، وأن النساء خلقن لتلبية هذه الحقوق، وأنهن مجرد أنصاف وأنت المستقيم. لن أنسى ذلك الوجه المقطب والأفكار النرجسية، ولا ذلك المفكر الصغير الذي يظهر أحيانا أمام الجمهور، نصفه نائم والآخر غارق في أحلام اليقظة، ليرمي بإحدى العبارات الرنانة التي تقول لك في ثناياها "أنا موجود". رجولة وفكرا! وما هي إلا ضعف يختبئ وراء الاسم -اسم يحدد نوع الجنس: رجل، وأين الرجولة؟ ذهبت في إحدى الرسائل إلى إحدى العشيقات.
قبلت السفر معك في أعالي البحار على متن زورق صغير، وأن أعلم أنه لا يمكن لزورق الصغير أن يصمد في أعالي البحار. رضيت، فكانت النتيجة أنك تخلصت مني قربانا لحياتك القادمة المجيدة.
إهداء:
كانت أمنيتي أن أكتب في خاتمة رسالتي هذه، كلمة معناها: إليك وحدك حيث أنت، فأنا ما زلت أذكرك.
وفي الأخير: كتبت إلى الغائب الذي لا نرجو لقاءه، وانتهت الرسالة.
حفريات داخل بعض النفوس:
تذكير يحتاج إلى المراجعة، يوجد في كل قلب مقبرة مدفون فيها شخص كان يعني لنا كل شيء، لنعيد ترميم هذه المقبرة. ولندفن العظام في مقبرة الأمة، احتراما فقط لصفة الميت وليس لشخص بعينه. لنلقِ قارورة الذكريات في عرض البحر. ولنتخلص من وساوس الشيطان التواصلي. لنتوقف عن مقارنة كتابنا مع كتاب غيرنا؛ فالفصل الأول من كتابك هو الفصل العاشر من كتابه، وقصتك ليست مثل باقي القصص. لنكسر جميع المرايا الزائفة، ولنمضِ قدمًا فالحياة لا تزال تحمل الأمل مادام هناك نبض في القلب.

تعليقات (0)

لاتوجد تعليقات لهذا الموضوع، كن أول من يعلق.

التعليق على الموضوع

  1. التعليق على الموضوع.
المرفقات (0 / 3)
Share Your Location
اكتب النص المعروض في الصورة أدناه. ليس واضحا؟