من الاستئلاف إلى الرباط: مراجعة تأويلية لكتاب "كيف تنقلب سبع رذائل للحداثة إلى فضائل": فلسفة الحضارة في سياق المكابدة والمنهجية الاستئلافية - عزالدين جباري

شكل العرض
  • أصغر صغير متوسط كبير أكبر
  • نسخ كوفي مدى عارف مرزا

الملخص :
تتناول هذه المراجعة بالنقد والتحليل كتاب: "كيف تنقلب سبع رذائل للحداثة إلى فضائل: فلسفة الحضارة في سياق المكابدة والمنهجية الاستئلافية"، للدكتور أحمد زهاء الدين عبيدات (2024)، والذي يسعى في تضاعيفه إلى تحويل الرذائل الحداثية إلى موارد أخلاقية عبر ما يسميه بالمنهجية "الاستئلافية".
تنطلق المراجعة من تفهّم تأويلي للرهانات التي يحملها المشروع، لكنها تُبيّن حدوده البنيوية، وتقدّم بديلاً تأويليًا صيروريًا يرتكز إلى فلسفة "الرباط"، بوصفها أفقًا يضمن التوتر الحي ولا يخضعه لمنطق التسوية. كما تسعى إلى مساءلة الأساس الفلسفي العميق للمنهج المعتمد، وتُظهر المحدودية النظرية للمقاربة إن قُرئت في ضوء نقدي للمرجعية البراغماتية التي تسكن خلفيتها التأويلية.
يسلط هذا المسار البديل الضوء على الكرامة الأخلاقية، والنضال التاريخي، والمفهوم الميتافيزيقي لـ"الوجه" بوصفه أفقًا للتمايز المفعم بالمعنى، مقدِّمًا قراءةً صيرورية ووجودية لانسدادات الحداثة.

الكلمات المفتاحية:
الحداثة، المفارقات، نقد القيم، التوتر الأخلاقي، فلسفة الصيرورة، الفردانية، العلمانية، التكنولوجيا، الفكر ما بعد الحداثي، الفلسفة العربية.

  • مدخل إلى القراءة النقدية

يقع كتاب "كيف تنقلب سبع رذائل للحداثة إلى فضائل: فلسفة الحضارة في سياق المكابدة والمنهجية الاستئلافية"، الصادر عن دار خطوط وظلال، عمّان، سنة 2024، في 138 صفحة.
وهو كتاب يندرج ضمن حقل التأملات الفلسفية في القيم والحداثة، ويطمح إلى مساءلة الخطاب الأخلاقي السائد عبر استراتيجية تحليلية جديدة، يعتبرها المؤلف خروجًا عن الثنائيات المتصلبة التي حكمت النظر إلى الحداثة بين رفض محافظ أو قبول ليبرالي.

لا تنطلق هذه القراءة من رغبة في التفنيد ولا من موقف إيديولوجي مسبق، بل من التزام فلسفي يرى أن العمل في حقل القيم لا يُقاس بمرونة الأدوات فقط، بل بقدرتها على حفظ التوتر الأخلاقي، واحتضان المكابدة الوجودية.

فكتاب "كيف تنقلب سبع رذائل للحداثة إلى فضائل" يقدم اجتهادًا تأويليًا ذكيًا في تجاوز الثنائية الحادة بين التبشير والتكفير بالحداثة، ويقترح أدوات تحليلية تستند إلى مفهوم "العنقود الاستئلافي" لتفكيك المفارقات الأخلاقية.

غايتنا هنا ليست تقويم النوايا، بل مساءلة المفهوم: هل يمكن لتحليل قائم على منطق التجاور والدمج أن يُوفي للتصدعات الأخلاقية حقها؟ وهل تكتمل الكرامة في بنيةٍ لا تُقيم وزنًا للتوتر ولا تسمع صدى المكابدة؟

 

  • في المنهج وتحليل الرذائل: نحو نقد للمنظور البراغماتي الكامن

تنهض فرضية الكتاب المركزية على أن الرذائل المنسوبة إلى الحداثة — من فردانية مفرطة، ونزعة متعيّة، وعلمنة متوحشة، وعقلانية أداتية، ومادية جافة، وتكنولوجية مفرطة، ونسبية مفككة — ليست شرورًا خالصة، بل تُخفي في بنيتها إمكاناتٍ أخلاقية كامنة يمكن تفعيلها عبر مسلك تأويلي مخصوص. ومن هذا المنطلق، يقترح المؤلف ما يسميه بـ"تحليل العناقيد الاستئلافية" (Aporetic Cluster Analysis)، بوصفه أداة منهجية قادرة على تفكيك هذه الرذائل إلى مجموعات من الدعاوى القيمية المتجاورة، تُفحص ضمن سياقها وتُعاد قراءتها في ضوء إمكان التوليف الأخلاقي.

غير أن التأمل النقدي في هذه المنهجية يُفضي إلى مساءلة عميقة. إذ تبدو تقنية "العنقود" نفسها — كما يوظفها المؤلف — متأثرة بنماذج مستمدة من علوم التصنيف، حيث تُجمع العناصر بحسب خصائص التشابه أو التقارب في البنية أو في الوظيفة. وهي نماذج تُعنى بالتشابه لا بالتغاير، وبالوظيفة لا بالمكابدة. بهذا المعنى، تُختزل الرذائل إلى عناصر قابلة للتجميع، ويُعاد تأويلها لا بوصفها صراعات وجودية، بل كبيانات أخلاقية قابلة للمعالجة في شبكة من العلاقات السياقية.

إن هذا المنطق — رغم ما يتيحه من مرونة منهجية — يُخضِع المفارقة الأخلاقية لمقتضيات التسوية، لا لمخاض الانكشاف. فبدل أن تُستَحضر الرذيلة كموقع للتمزّق الداخلي والاختيار الأخلاقي المتوتر، تُعاد هندستها ضمن بنية تفسيرية لاختزال التنافر، حيث تُدمج المتضادات على نحو براغماتي باسم "الاستجابة للسياق"، دون أن تُخترق الذات بنداء الكرامة أو انفتاح المعنى في لحظة الاختيار.

بل لعل هذه المنهجية، وإن لم تُصرّح بذلك، تُعيد إنتاج ما يمكن تسميته بالبراغماتية الوظيفية (Functional Pragmatism)، حيث لا تُقاس القيم إلا بأثرها العملي، ولا تُستبقى إلا بقدر نفعها التفسيري أو التكيّفي.

  • من فهم الاستئلاف إلى نقده: حدود العناقيد ومخاطر التسوية

يفهم القارئ بسهولة المقصد العام من "العناقيد الاستئلافية" التي يقترحها المؤلف: محاولة لتأليف المفارقات من أجل اختبار إمكان استنطاق جديد للقيم. غير أن هذا التأليف يُستقى من نموذج منهجي لا يخلو من إشكال تأويلي: إذ نلاحظ أن بنية "العنقود" نفسها مُقتبسة من حقول التصنيف الآلي والبرمجة، كما هو موثق في أدبيات علوم البيانات وتحليل القرار (انظر مثلًا: Kaufman & Rousseeuw, Finding Groups in Data: An Introduction to Cluster Analysis, Wiley, 1990)، حيث تُجمع العناصر المتشابهة وفق مقاييس وظيفية أو شكلية، لا وفق توترات وجودية أو اشتدادات أخلاقية.

فالعنقود، في أصله، بنية تَجميع، لا بنية كشف أو اشتعال. يُعنى بالتشابه لا بالتغاير، وبالتماثل لا بالتوتر. وهو، وإن انفتح على المفارقة، فإنه لا يُكابدها كنداء وجودي، بل يُهندسها ضمن نظام إدماج مرن، يُلائم السياق ولا يتجاوزه. وهنا يكمن الفرق الجوهري بين التأليف كحيلة تحليلية، والتأويل كصيرورة أخلاقية تُعاني المفارقة من الداخل.

إنّ تحليل العناقيد الاستئلافية، بهذه الخلفية، يُخضِع المفارقة الأخلاقية لمقتضيات التسوية، ويُقارب الرذائل لا بوصفها مَواطن للصدع الوجودي، بل كعناصر قابلة لإعادة الترتيب ضمن شبكات من "التجاور المعقول". وهذا ما يُفرغها من شحنتها الكاشفة، ويُفرّغ الكرامة من حدّها الوجودي.

إن المرجعية المنهجية التي يستند إليها هذا النموذج تأويليًّا، تتغذى – وإن لم يُصرّح بها – من الفلسفة البراغماتية عند نيكولاس ريشر، التي ترى في الفعالية العملية معيارًا للتبرير. فحتى "البراغماتي اليميني" كما يسميه ريشر، وهو الأبعد عن النسبية، لا يزال يرى أن النجاعة العملية (practical efficacy) هي حجر الزاوية في مشاريعنا، وهي أفضل وسيلة نملكها لتحقيق الموضوعية:

“Even a Rescherian pragmatist sees practical efficacy as the cornerstone of our endeavors, but at the same time he takes efficacy to be the best instrument we have at our disposal for achieving objectification.”
(Rescher, in IEP, https://iep.utm.edu/rescher/#H3)

وبذلك، يُعاد تأويل القيم في ضوء الأثر، لا في ضوء النبع. ويُستبدل نداء الكرامة بمنطق الأداء.

لهذا، فإن مشروع العناقيد الاستئلافية، في نظرنا، لا ينجح في الوفاء بما يعد به من تأليف بين القيم المتنافرة، لأنه يظل أسيرًا لنموذج وظيفي يُعيد إنتاج المرجعية الأداتية، ويعجز عن التأسيس لرباط تأويلي متوتر يربط الكينونة بالقيمة من داخل أفق الكرامة.

  • بين حدّ الكرامة ووظيفة العناقيد: نقد استئلافي من الداخل

لكن سرعان ما يتبدّى أن ما يبدو تجاوزًا أخلاقيًا هو في جوهره تسوية وظيفية. فبنية "العنقود" – كما سبقت الإشارة – لا تولد من مكابدة المفارقة، بل من محاولة هندستها عبر نظم إدماج مرنة. وهنا، نواجه حدًّا تأويليًّا لا يمكن تجاوزه بمجرد التوفيق أو التنسيق، لأن القيمة ليست مجرد عنصر يُعاد ترتيبه، بل نداءٌ يُكابد، وتوترٌ يُعاش.

إن تحليل القيم ضمن شبكات استئلافية لا يُغني عن مساءلة الأصل التكويني للمفارقة. فالرذائل، إن لم تُعانَ في جذرها الأنطولوجي، تُختزل إلى وظيفة رمزية ضمن هندسة فكرية لا تبلغ حدّ الكرامة. إذ ما لم تُؤسّس القيمة على صراع داخلي متألم، فإن كل تأليف سيغدو مجرد تنميق خطابي، أو تنظيم معلوماتي يخلو من حرارة النداء الأخلاقي.

يحاول المؤلف احتواء هذا المأزق من خلال مفاهيم بلاغية قوية مثل "المكابدة"، و"الصراع"، و"الجواب الأثقل من الجبال". لكنها – للأسف – لا تجد ترجمتها في منطق التحليل نفسه، بل تظل عبارات مُحمّلة بالإيحاء، من دون حضور بنيوي في نسق التأليف القيمي. ولهذا تبدو الكرامة حاضرة لغويًا، لكنها غائبة منهجيًا.

إن ما يتجلى في هذا النموذج هو ما يمكن تسميته بـ"تهافت المرجعية البراغماتية": ذلك أن المشروع، رغم نزعته الإنسانية، يستبطن نموذجًا وظيفيًا لا يقيّم القيم من حيث نُبلها أو توترها الأخلاقي، بل من حيث قابليتها للدمج والفعالية في البناء المعرفي. وهي خلفية تتناغم بعمق مع ما يطرحه نيكولاس ريشر من ربط للنجاعة العملية بإنتاجية المفاهيم، حيث تكون الفعالية أداة لتحقيق الموضوعية، لا تعبيرًا عن توتر الكرامة .

ولهذا نعتقد أن التأليف في هذا السياق لا يُقيم وزنا كافيًا للوجه الأخلاقي للكينونة، بل يُعيد إنتاج القيم في صورة خالية من الشدّة، خالية من الانخراق الوجودي الذي يُفترض أن يكون مصدرًا للمعنى.

من هنا، نُقترح بديلًا تأويليًا أكثر جذرية: الرباط الصيروري كما عرضناه في كتاب رباط الحقيقة والأخلاق في سياق الصيرورة الأصيلة.

  • خاتمة تقييمية

يمثّل كتاب "كيف تنقلب سبع رذائل للحداثة إلى فضائل" محاولة لافتة في إعادة التفكير في القيم الحداثية من منظور يتجاوز ثنائية التبجيل والرفض، ويسعى إلى تفكيك المفارقات الأخلاقية بدلًا من الإذعان لها أو تجاهلها. وقد وفّق المؤلف في إبراز ما تنطوي عليه هذه الرذائل من إمكانات تأويلية، إذا ما قُرئت في ضوء سياقاتها وتحوّلاتها.

لكن في الوقت ذاته، تكشف المراجعة أن المنهجية المعتمدة — بما تنطوي عليه من آليات تصنيفية واقترابية — قد لا تفي كليًّا بما تتطلبه التوترات القيمية من مكابدة وجودية واشتداد تأويلي. فالمفارقة، حين تُحلّ بوصفها معطًى وظيفيًّا، قد تفقد قوتها الكاشفة، ويغيب عنها البعد الأخلاقي الذي لا يُستوفى إلا في لحظة المعاناة والتساؤل الحيّ.

وفي الأخير، فإن هذا الكتاب ستمتع بسلاسة أسلوبية وعمق في التناول والتحليل يجعله جديرًا بالقراءة والمساءلة فما يطرحه من أدوات ومفاهيم تُغني النقاش الفلسفي العربي حول القيم، وما يُثيره من أسئلة عميقة عن معنى الفضيلة في زمنٍ تتقاطع فيه الرؤى والمآزق، يجعله أفقًا خصبًا للتفكير في صيغ أخرى من التوليف، قد تتعدد بتعدد السياقات، وتختلف باختلاف مسارات النظر.

بيانات الكتاب المُراجَع:

العنوان: كيف تنقلب سبع رذائل للحداثة إلى فضائل: فلسفة الحضارة في سياق المكابدة ومنهجية الاستئلاف.

 المؤلف: د. أحمد زهاء الدين عبيدات.

 الناشر: دار خطوط وظلال، عمّان.

 سنة النشر: 2024.

 عدد الصفحات: 138.

 ردمك: 9789923407332

المراجع المستخدمة:

  • جباري، عزالدين. رباط الحقيقة والأخلاق في سياق الصيرورة الأصيلة. لندن:  e-Kutub Ltd، الطبعة الأولى، 2025.
  • Rescher, Nicholas. Methodological Pragmatism: A Systems-Theoretic Approach to the Theory of Knowledge. Oxford: Basil Blackwell; New York: New York University Press, 1977.
  • (Rescher, in IEP ) https://iep.utm.edu/rescher/#H3 )
  • Kaufman & Rousseeuw, Finding Groups in Data: An Introduction to Cluster Analysis, Wiley, 1990.

تعليقات (0)

لاتوجد تعليقات لهذا الموضوع، كن أول من يعلق.

التعليق على الموضوع

  1. التعليق على الموضوع.
المرفقات (0 / 3)
Share Your Location
اكتب النص المعروض في الصورة أدناه. ليس واضحا؟