الخيال واللغة والماهية في الفلسفة - علي محمد اليوسف

شكل العرض
  • أصغر صغير متوسط كبير أكبر
  • نسخ كوفي مدى عارف مرزا

تعريف بالورقة:
صعوبة تلخيص مباحث هذه الورقة في اختلافاتها وفي تداخلاتها، التي غالبا ماتأخذنا الى استطرادات متفرعة عنها، لكنها ذات اهمية كبيرة في توضيح القضايا التي تحاول الورقة الاحاطة بها في توصيل المضامين المحورية فيها، من منظور منهج جدلي- تخارجي غير دوغمائي الذي ينطلق من يقينيات اصابها الكثير من النقد الذي زعزع جوانب عديدة في ادانة الجدل وبالتحديد الديالكتيك الماركسي الذي غالبا ما اتهم في تطويع حقائق المعرفة ومباحث الوجود والتاريخ في الفلسفة الى منطلقات قبلية صارمة غير منفتحة على التطور الحاصل في الحضارة البشرية المعاصرة بمفاهيمها الجديدة التي دخلت في سباق دائم مع كل من معطيات الفكر والعلم ومباحث الفلسفة والمعرفة عموما.

من هذه المفردات الفلسفية المتعالقة تخارجيا معرفيا مع بعضها، الوجود، الماهية، الوعي الذاتي / وعي الموضوع،/ اللغة في اشتغالاتها المحورية في الفلسفة المعاصرة، / العقل او اللوغوس،/ التفكير والتجريد، / وكذلك علاقة الخيال المنتج بصنع الواقع والحضارة، الخ.

حاول كاتب هذه السطور تناول جوانب فلسفية متعالقة ضمن اشكالات تعريفية غير محسومة على صعيد التناول الفلسفي، عند كبار الفلاسفة منهم لا الحصركيركاجورد، هيجل، كانط، ديكارت، هوسرل، سارتر وهيدجر، واخرين سواء ممن مهدوا لظهور المذهب العقلاني عند ديكارت، وفي الكوجيتو انا أفكر تحديد آلية عملية التفكير في توكيده الموجود الانطولوجي ووعي الذات، او الذين جاؤوا بعده موجهين النقد الفلسفي له في تبنيهم الوعي القصدي.

يذهب بنا التداخل في موضوعات فلسفية متداخلة في تضمين الورقة ثلاثة مواضيع هي : الوعي والخيال واهميتهما المتكافلة في تقدم الحياة والحضارة، الثانية هي علاقة اللغة بالوجود والاشياء، والمبحث الثالث في جدلية تخارج الوجود والماهية.

 الوعي والخيال الانساني                      

الوعي ذات ادراكية انفعالية ناقدة في فهم الواقع وتحليل ظواهره ومعطياته وعلاقة الانسان بالطبيعة كمعطى اولي متداخل بالوجود الانساني (الذكي ) على الارض.

أن خاصية الانسان البدائية والبدئية في صناعته التاريخ انثروبولوجيا وسيرورة تقدمه الحضاري بدءا من عصر الصيد والالتقاط تم بالمفارقة عن حياة الحيوان بحيازة الانسان الذكاء وفي القدرة على اعمال العقل والتفكير الخيالي.

وهذه الخاصية الانسانية استثناءا من دون الكائنات الحية الأخرى في الطبيعة، هي بدئية وازلية في وعي الانسان لوجوده ورغبته مجاوزة هذا الوجود دوما وباستمرار في توّسل العقل وتشغيل خاصّية الذكاء الى جانب الخيال الاستشرافي للقادم، في مراجعة مستمرة نقدية للوجود الانساني المتعالق مع الطبيعة في نشدان الافضل، وهذا ما لا يتوفر عليه الحيوان الذي يفتقد خاصيتي الذكاء بمعناه الشمولي والخيال التجريدي الهادف الممنهج في الحياة، ولا يدرك الحيوان حسيّا ولا ويعي وجوده الطبيعي ايضا . وهذا الاختلاف والمفارقة بين حياة الانسان والحيوان مثّلت اكبر انعطافة انثروبولوجية - ابستمولوجية في تاريخ صنع الانسان لوجوده الآدمي وبناء حضارته البدئية منذ العصر الزراعي بحدود 7500 عام ق.م . وعن هذه الحقيقة يشير براتراند رسل : وجد الانسان ان ثلاثة اشجار مع ثلاثة اسود مع ثلاثة جبال توحدها خاصية واحدة لا يحتازوها وتنقصهم جميعا، ويتمايز بها الانسان عنهم في امتلاكها تلك هي خاصية تجريد العقل باللغة والذكاء والخيال.

الذكاء العقلي ادخل الانسان في مشّقات وصّعاب على امتداد العصور البشرية عندما وجد الانسان نفسه في صراع واحتدام مع الطبيعة بعلاقة رأسية متقاطعة معها دفاعا عن نفسه ونوعه من الانقراض، ومحاولته تسخير وتطويع معطيات الطبيعة وقوانينها العامة لصالحه ومقتضيات وجوده في تامين غذائه وبقائه. بينما بقي الحيوان يجاري الطبيعة ويتكيّف معها غريزيا إنقياديا لها بعيدا عن التقاطع معها،والاحتدام بها، وعن غياب ادراك وعي وجوده الحيواني كما فعل الانسان بوعيه لذاتيته الانسانية. في هذه المفارقة بقي الانسان في حالة تطور دائمية من مرحلة الى اخرى، وبقي الحيوان كائنا متكيّفا مهادنا للطبيعة في حلقة دائرية مفرغة من الحياة التطورية ( يعيش ليأكل ). طبعا المقصود بتطور الانسان انثروبولوجيا وليس تطوره هو والحيوان داروينيا في الاختيار الطبيعي للارقى.

أن تلازم الوعي النقدي والخيال المنتج عند الانسان في أدراك وجوده وأستشراف مستقبله الافضل يشبه الى حد بعيد تماما تلازم الروح والجسد في الكائن الحي، فاذا أعتبرنا الوعي هو عملية العناية بالجسد كوجود انساني فيزيائي نفسي متطور دائما في علاقاته المتعددة بالطبيعة والميتافيزيقا والكوني، فان الخيال يصبح اهتمامه ومجال اشتغاله بجنبة الوجود الروحي وآفاقه عند الانسان وعلاقته بالمطلق وما وراء الطبيعة في التصورات الغيبية وتوظيف استشرافاته الروحية والمادية لخدمة حاجات الجسد والتوازن النفسي وفتح آفاق مستقبلية امام تقدمه باستمرار، مكّملا – اي الخيال – وظيفة الوعي الادراكي العقلي في عنايته بالانسان كوجود مادي عياني ماثل متعين يمثل جزءا من الطبيعة منفصلا و متمايزا عنها . وجود تدركه الحواس ويسيطر عليه العقل تماما، يتجلى ذلك ان العقل ذو فاعلية نقدية لما تزّوده بها الحواس والوعي الادراكي في ملكة تحليل الوجود وحل مشكلاته وقضاياه .

الخيال المنتج السوي يلازم الوعي الادراكي للوجود ويتكامل ويتعاضد معه احيانا ويفترق عنه احيانا اخرى، باسلوب وطرائق مفارقة عديدة، فما يعجز الوعي الانساني تحقيقه يدركه الخيال بشكل يوتوبي طوباوي تعويضي حلمي استشرافي، بما يحفز الادراك الوجودي في تحقيق الاحلام الخيالية او جزءا منها على ارض الواقع في تقدم مستمر وتغيير الحياة نحو الافضل .

الخيال في كل الاحوال عند الانسان كخاصية يحتازها متفردا عن باقي الكائنات من حوله في الطبيعة، هوأنه تفكير حالم خيالي استشرافي منتج، وطموح يسبق ويتجاوز عن عمد وقصد وغائية كل ما لا يستطيع الوعي الواقعي تحقيقه في الطبيعة والاضطلاع بانجازه، فيأتي استشراف الخيال تحقيقه كحاجات يتمناها و عوالم مستجدة يسحبها باستمرار من سديم الاحلام والرؤى الى امكانية تحققها ماديا في واقع الانسان وصيرورة حياته كوجود ونوع .

وفي تلازم وتداخل الوعي العقلي الناقد، والخيال الحلمي المنتج يكون سعي الانسان بكليهما محاولته أشباع حاجاته المادية وحاجاته الروحية، وأحيانا حاجاته الابداعية والفنية بدءا من النقوش والرسومات الكهفية، وصولا الى ابداع الاداب والفنون الحديثة . لذا يكون هذا التعالق المنتج بين الوعي والخيال يمثل خاصّية وجودية انسانية اكثر منه ضرورة في فهم الوجود وسيرورته التاريخية وصنع حضارة الانسان على الارض.

الخيال الحلمي المنتج في كل العصور البشرية والازمنة يسبق الوعي الادراكي للواقع والحياة المعاشة، المحكوم بوصاية ورقابة العقل على الانسان كوجود وماهّية وصفات . لكنه اي الخيال في عصور سحيقة من تاريخ البشرية لعب دورا (جوهريا ) في الفتح الاستشرافي المستقبلي في استقدامه واستحضاره واستحداثه ما ينقص الوجود الانساني في واقع وجوده الارضي من معطيات مادية وروحية تغني ذلك الوجود المعيشي، ليستحدث بعدها ضرورات اخرى بديلا عما كان انجزه واشبع حاجاته ورغائبه ومتجاوزا واقعه له على الدوام وهكذا.

وكان سبب هذه الفتوحات التخييلية في تقدم حياة الانسان، ان الانسان يجهل قوانين الطبيعة التي اكتشفها في مراحل تاريخية متقدمة من عمر البشرية وكذلك انه لم يكن يعرف وسائل العلم في تحقيق رغائبه التخييلية. . ليأتي بعد ذلك دور الوعي العقلي النقدي الناظم والمنّظم لمنظومة المعطيات الخيالية التي ابتدعها الخيال الجامح، في التهذيب والتشذيب وتحقيق الممكن منها وتخليصها من سديم الفوضى الطوباوية الخيالية غير المنضبطة عقلانيا. بمعنى ليس كل ماكان يحلم به الانسان كان يتحقق بسهولة الاماني والرغائب، بل في تطور ملازمة الخيال وأمكانيات الانسان تغيير حياته نحو الأفضل دوما.

يمكننا تقسيم الخيال المرافق لوعي الوجود الانساني الادراكي وعقلانيته بثلاث انواع من الخيال مثّلت مراحل متدرجة ومتداخلة مع بعضها ايضا :

  • الخيال الاسطوري والخرافي الذي قدّم للمسار البشري المتصاعد خدمة جليلة عظيمة في انتاجه الخرافة والسحر والطوطم وطقوس الرقص الدينية، والاسطورة والميثالوجيا، وفي مراحل لاحقة انتج لنا الاديان ما قبل السماوية، وانتج لنا ايضا الكهنة والعبيد ودور العبادة وإقامة الطقوس الدينية التعبدية. .- في مرحلة لاحقة انبثقت من رحم الخيال الاسطوري وفي تداخل معه وتجاوز له ايضا، أن انتج لنا الخيال الإنساني اللغة، والآلهة والملاحم والاساطير، وفي تطور لاحق انتج لنا الأديان الوثنية وطقوسها التعبدية والايديولوجيات والابداع في الاداب والفنون والفلسفة والغناء والموسيقى والرقص والرياضة والتاريخ والعلوم الانسانية . ونطلق على هذا النوع من الخيال المنتج( الخيال الابداعي).
  • بعد مرحلتي الخيال الاسطوري والخيال الابداعي ومن رحمهما أنبثق عندنا الخيال العلمي تجاوبا مع مقتضيات التطور المديني والتقدم الحضاري للانسان . الخيال العلمي وفي مراحل متقدمة أنتج لنا علوم الطب والفيزياء والفلك والكيمياء والتكنلوجيا المتطورة والذكاء الاصطناعي والفهم الوجودي المعاصر للحياة .

هذا المخيال العلمي المنتج وضع حاضر ومستقبل البشرية مرهونا في حّيز الاحتمالات التنفيذية المتحقق والمؤّجل منها في استمرار عمل المخيال المخصب المنتج في التنبؤ الاستشرافي لبعض ما يهم مستقبل الوجود الانساني الارضي وعلاقته بالطبيعة والكوني ومستجدات العلوم ومتطورات التكنلوجيا بصورة مطّردة متعالية في نشدان الافضل دائما في مرحلة تليها اخرى وهكذا .

من الملاحظ جيدا أن هذه الانواع من الخيالات المنتجة الانسانية المتداخلة رغم القطوعات التي تفصل بينها ك( بنيات / بنى ) متكونة من منظومات فكرية عديدة مستقلة أحداها عن الاخرى، بنفس وقت تداخلها مع بعضها على امتداد التحقيب الزمني التاريخي لكل واحدة في نسق انتظامي واحد. .فهي لا زالت مجتمعة تلعب دورا اساسيا في تفسير وفهم الوجود الانساني ماديا وروحيا، وفتحت مجالات التنبؤ الاستشرافي المخصب والابداع المنتج بما يغني ثراء الوجود الانساني اسطوريا وابداعيا وعلميا .

مما مربنا نستنتج ان فهم الخيال المنتج غير التهويمي اللاشعوري – وسنأتي على تفصيل هذا لاحقا – انه دائم النظر الاستشرافي في سحب غير الممكن الوجود وغير المتحقق حضوريا واقعيا في حياة الانسان من ثنايا الغيب والمستقبل المجهول الى امكانية التوظيف والتحقق في الواقع المادي للانسان،.

عندما يعجز الوعي والارادة تحقيق تلك المتطلبات او يجد انها استهلكت ولم تعد تحقق أحلامه في ضرورة تجاوزها . الخيال حركة دائبة في تحفيزأدراك الوجود على مجاوزة الواقع المادي المتعين . فما يتحقق في فترة زمنية تخبو صلاحيتها وجاذبيتها المبتكرة بمرور الوقت، لتصبح حاجة استحداث أخرى أفضل منها بديلة عنها اكثرضرورة واهمية في طموح تقدم الحياة.

النقطة التي لا ارغب دون الاشارة لتوكيدها والتي سبق ان ذكرتها سريعا، أن الخيال الابداعي المنتج لعب في مراحل بدائية من عمر البشرية دورا على جانب كبير من الاهمية وان كنا نعامل هذه المراحل التي انتجت لنا الطقوس الدينية والميثالوجيا والسحر والشعوذة والخرافة والاساطير، وفي مرحلة لاحقة متقدمة انتجت لنا الاديان الوثنية، وفي مرحلة متقدمة جدا انتجت لنا منجزات الخيال العلمي والتطور التكنلوجي والعلوم في كافة المجالات، والفهم الكوني للوجود، انها مثلت انجازا معجزا لذكاء الانسان وقدرته التخييلية على ابتكاره حاجات ورموز لغوية وآثار حضارية وغيرها هي اليوم موضع تثمين رائع في علوم الاناسة والفلسفة والتاريخ وغيرها.

 ان هذه المعطيات التي ادرجناها في اهمية الخيال المنتج أصبح من المتاح امامنا اليوم تعويض ما لم يدركه الخيال في مراحل سحيقة، متاحا امامنا في ما ينتجه لنا الخيال الابداعي من معارف وآداب وفلسفة وفنون، وكذلك الخيال العلمي في تقدم الحياة الإنسانية في كل ضروب العلم والمعرفة والحضارة . كما ان عودة الفلسفة المعاصرة وحفريات المعرفة والاركيولوجيا ومدارس البنيوية والتفكيك الى مخلفّات الخيال الابداعي الاسطوري ودراسة تلك المراحل التاريخية القديمة اصبحت اليوم معتمدة في التنقيبات الأثارية، في فتح آفاق معرفية وفلسفية وعلمية جديدة على جنبة كبيرة من الاهمية لم تكن علوم المعرفة على دراية بها سابقا.

الخيال واللغة :

قبل دخول هذا الباب نود التنبيه الى مسألة معقّدة تهم مفهوم الخيال وعلاقته باللغة . فنحن نتوفر على اكثر من نوع من التعبير، وشكل ومحتوى يرتبط لغويا بشكل وآخر بالخيال الانساني، كما اجد من المهم التنويه الى ان علوم اللغة أصبحت محورا مركزيا في الفلسفة المعاصرة منذ بدايات القرن العشرين وهذا يؤذن باهتمام كبير في معنى الكتابة والادب والفنون.وهو موضوع يحتاج بحثا مستقلا. ولو نحن اجرينا مسحا بين اللغة ومستويات الوضع الاجتماعي لوجدنا:

  • عندنا اولا لغة التواصل الاجتماعي كلهجات وكلام تواصلي وتفاهم حوار شفاهي، وكذلك لغة المخاطبة في الفصحى قراءة وكتابة في المتعارف عليه التي اخترعها الانسان عبر العصور . وهنا تكون لغة الخيال اللغوي صادرة شعوريا عن وصاية ورقابة العقل على تنظيمها واعطاء تراتبية الشكل المنّظم للغة من حيث هي جنس معرفي متقدم،، وتماسك وتناغم المعنى اللغوي المراد توصيله تجريديا. تختص به امة من الامم او شعب من شعوب الارض.
  • لغة اللاشعورالابداعي التي تعتمد التداعيات اللاشعورية الحلمية، كما في النتاجات الادبية والفنية أبرزها مدارس الفن التجريدي التشكيلي وفي الشعر ايضا كما في السريالية والدادائية والبرناسية والتكعيبية، وفنون المفهوم.
  • لغة اللاشعور المرتبط بتعاطي المخدرات في محاولة تخصيب الخيال الابداعي لانتاج الفعاليات الادبية والفنية المستمدة من عوالم متخيلة غير مسبوقة .
  • لغة اللاشعور المرتبط بهلاوس المرضى العصابيين والانفصاميين ومرضى التوّحد وهذاءات وغطرفة المجانين . وهنا تكون اللغة بمفهومها التواصلي، معطّلة عن التواصل مع الآخر، في غياب وتغييب التفكير الشعوري المتجانس عقليا في توجيه وتنظيم هذا النوع من التعبير اللغوي. كل ما تعبر عنه اللغة يكون بالضرورة والحتم له معنى .
  • لغة الشعور في الوجدانات الصامتة المعّبر عنها بحركات الجسد في الرقص والغناء والبالية واليوغا، والديانة البوذية، وطقوس العبادات الدينية الوثنية ومسرحيات الشخص الواحد الصامتة وبعض الألعاب الحركية الايحائية .
  • لغة اللاشعور عند الصوفية وسنأتي على تفصيلها لاحقا .

اذا جاز لنا اعتبار حركات الجسد في الرقص والغناء واليوغا،وفي الاديان الوثنية، لغة تواصل وجداني عاطفي مع الآخر في لغة صامتة لامنطوقة ولا مقروءة ولا مكتوبة، فهي لغة تواصلية ايحائية صورية، وعالم اللغات لوفيدج فتنجشتين يعتبر هذا النوع من لغة الصمت المعبّر عنها بمرموزات حركية صادرة عن الجسد، تكون اقدر على التواصل، وما نعجز التعبير عنه بالكلمات يكون التعبير عنه بالصمت كلغة تصويرية . وتعبيرات لغة الصمت المرتبطة بتشكيلات ايحائية او جمالية مصاحبة لفعالية الرقص او المسرح الانفرادي لشخص واحد او عدة اشخاص تقوم على صورية لغة التعبير الصامت،ورقص البالية، وحركات اليوغا، وعن ارتباط اللغة بحياة الانسان وملازمة وجوده كأرث ملازم ومكمل له يرى فنتشجتين انه ( لامعنى لأي لفظة لغوية الا في مجرى الحياة .) ويتابع بأن كل ما يقال يجب ان يقال بوضوح والا علينا ان نلوذ(بالصمت كمستودع نودع فيه ما نجهله).

هنا علينا توضيح التباس متوقع ونحن نعرض(الصمت) لغة توصيل في الفعاليات الراقصة والمسرحية وفي بعض الاديان القديمة،أن لغة الصمت التي عناها عالم اللغات فينجشتين،هي في عجز اللغة (المنطوقة والمكتوبة والمسموعة) ان تكون لغة افكار تعبيرية توصيلية،وهذا الصمت يختلف عن(توظيف) الصمت في ايصال الفعاليات الوجدانية العاطفية التي تكون فيها الحركات التمثيلية والاشارات الايحائية(لغة) معّبرة معّدة وموضوعة سلفا في اهمية وقدرة حركة الجسد توصيل الفهم والمعنى المطلوب إيحاءا في تعطيل لغة التخاطب التقليدية المسموعة (صوتيا) واستبدالها بلغة الحركات الايحائية المطلوبة في تحفيز الذهن الاستقبالي على اليقظة والاستيعاب.

الصمت هنا في لغة الجسد الايحائية والحركات لا يمثل عجز اللغة المعتادة عن التوصيل،بل هو تعطيل مقصود ومتعمد لوظيفة اللغة من اجل بلوغ هدف التوصيل ايحائيا حركيا. ان الصمت في الفعاليات التمثيلية والمسرحية الصامتة، الذي يستبطن عدم البوح بالمعنى، وتعطيل وظيفة اللغة سماعيا أنما يتم بأرادة مسبقة،وليس الصمت مكبوتا نتيجة عجز لغوي تعبيري قاصر عن بلوغ هدف التوصيل.كما هو الحال مع وظيفة اللغة الصوتية تقليديا.

اذن ما موقع الوعي والخيال من اللغة وكيف يتوسّلانها في الافصاح الوجداني والتعبيري !؟

هذا يقودنا الى تفريق أن الوعي الذهني يتعامل بأكثر من لغة، يتوسلها الخيال فهو يتعامل مع اللغة ادراكيا في اعتبار اللغة الشفاهية هي مرموزات ايحائية وتجريدية تحقق التواصل البشري واجتماعيتهم المطلوبة في تمشية امورهم ومتطلبات حياتهم . ويدخل ضمن هذه اللغة الحوار الشفاهي واللهجات المحلية ولغة تواصل الابداع الادبي والثقافي والفني والمعرفي والفلسفي المكتوبة والمسموعة، وهذه اللغة التي يعّول عليها ادبيا وثقافيا واجتماعيا هي لغة منظمة ومتّسقة في تحقق وظيفة التلقي والاستقبال.

كذلك نجد لغة الادراك المعرفي العلمي في علوم الطب والرياضيات والفيزياء والكيمياء والهندسة والحاسوب والمعادلات الرياضية الفلكية، هي مرموزات أشارية تتوسلها العلوم كمعادلات رياضية ذات خصوصية بنيوية نظامية مستقلة تماما . وهذا النوع اللغوي من التعبير محكوم بوعي ادراكي عقلاني صارم لايقبل بغير الاستقلالية التامة وخضوع اللغة لرقابة المنطق وصرامة الشعور بامتياز .

أجد من المفيد هنا القول أن جيل ديلوز نقلا عن منصف الوهايبي صنّف الخطاب اللغوي الى ثلاثة انماط تعبيرية: الخطاب الفلسفي معقودا على التوّسل بالمفهوم، فيما الخطاب الفني الثاني معقود على التوّسل بالادراك،والخطاب الديني الثالث معقود على التوّسل بالانفعال والوجدان. وهذا الاخير يتداخل في تلقي الشعر وبعض الفنون القولية الاخرى.

الخيال والتصوف :

أهم انواع التعبير اللغوي التي يمتزج فيها الادراك العقلي مع اللاشعور المتسامي نحو المثال والحلول في الذات الالهية، هي لغة الخيال التصوفي، فالمتصوف او العرفاني ينطلق بحسب رأيي من منطلق أن أردأ انواع العاطفة والوجدان هو ما تستطيع اللغة التعبير عنه واستيعابه..والعواطف والوجدانات العميقة الّثرّة المتسامية وجدانيا روحانيا هو ما تعجز اللغة التعبير عنه.

من هذا المنطلق يعتبر تعطيل فاعلية اللغة التواصلية مع الآخر قاصرة تماما في حال مرور المتصوف بتجربة الكشف الاستبطاني وحالة التسامي الذي يّشل الحواس والادراك الواعي للعقل، اللغة التصوفية تأتي على شكل مرموزات وشطحات لغوية فكرية تخييلية منجذبة نحو التعالي على/ فوق الواقع الحسي والتعالي على العقل أيضا في محاولة خرق قوانين الطبيعة في الزمان والمكان. لغة المتصوف غائبة تماما عن مجريات الحياة والمحيط والوجود الانساني الاجتماعي للآخر بجميع اشتمالاته المادية، ما عدا الشحن الوجداني العاطفي اللاشعوري المرتبط بأمعان ورغبة التدرج في معارج الكشف نحو المثال المتسامي ونشدان الوصول الى مراتب متقدمة من الخالق والذات الالهية. لغة التصوّف ترتبط بحالة اللاشعور في تغييب الوعي والحس المادي للواقع والمحيط ليلتقي الصوفي بهذاءات المجانين الى حد ما مع فارق انه في بعض الحالات الصوفية كما هي عند ابن عربي والحلاج والنفري وابن الفارض والسهروردي وجلال الدين الرومي وغيرهم، فهي تحمل مدلولات تواصلية فلسفية مع الآخر يتداخل الوعي الشعوري والادراكي بتسجيلها* . في حين تكون مثل هذه الفعالية التواصلية بقدرات اللغة والتعبير معدومة تماما في هلوسة وهذيان المجنون، وهذا ينطبق ايضا على الكثير من التجارب التصوفية غير الناضجة .

كلا التعبيرين اللغويين لغة التصوف وهذاءات المجانيين يتقاسمان صفة(لغة الخيال اللاشعوري غير المنتج بالنسبة للمجموع ) في تغييب الوجود الواقعي العقلاني،وأعدام فرص التواصل بالآخر.

لغة التصوف تلغي الفاعلية الواقعية العقلانية في جانبين: تلغي فاعلية الوجدان المنتج – ماعدا استثناءات تجارب تصوفية ناضجة غير مبالغ بها ولا مفتعلة مجال اشتغالها التعبيري الشطحات التصوفية اللغوية على شكل ومضات حكمية وتداعيات لفظية لاشعورية واقوال ملغزّة وأبرزها في مجال قول الشعر الملغّز ايضا، وأعدام رقابة العقل على اللغة المنطوقة تصّوفيا،يتجلى ذلك في عدم قدرة المتصوف ضبط تداعيات اللغة التعبيرية المنطوقة عنده، بمنطق لغوي نسقي منظّم يستطيع التواصل مع الآخر بعيدا عن شطحات التفكير وتداعيات اللاشعور في توصيل التجربة الذاتية من خلال امكانية المتلقي فك مرموزات اللغة الاشارية، بما يخدم تجربة المتصوف والمتلقي معا.

الجانب الثاني من الألغاء في لغة المتصّوف يتمثل في تخريب الاخصاب التخييلي المنتج،في عجز التعبيراللغوي التصوفي شرح واقعة الصوفي التجريبية، وفي اللقاء مع هذاءات العصاب والذهان العقلي، وفي عجزهما المشترك المريض والمتصوف، أن يكون تعبيرهما اللغوي لغة تواصل يعّتد الأخذ بها، فقط باستثناءات تجارب تصوفية متقدمة يمكن ان يكون التواصل التصوفي مع المجتمع متحققا فيها اشرنا لها سابقا.اخيرا يجمع المتصوفة في جميع الأديان ومختلف الأزمنة والعصور على ان التجربة الصوفية الحقيقية لا يمكن التعبير عنها لغويا، الا بعد الانتهاء من التجربة والعودة الى عالم الواقع وبرودة العقل وهدوء العاطفة.

اللغة والاشياء

 (اللغة هي الاستفهام حول المعنى والوجود). بول ريكور

يتوسط الوجود بين حقيقة الشيء واللغة المعبّرة عقليا عنه، وكلاهما الحقيقة واللغة، مفاهيم وتصورات نسبية قاصرة بذاتها، في التعبير عن الوجود المستقل للاشياء،وحقيقة اللغة كما يعبّر عنها عالم اللغات دي سوسير(نظام معرفي قائم بذاته) من جهة، ونسبية الحقيقة الوجودية من جهة اخرى.وفي تعالقهما الثنائي بالاشياء والموجودات يتعيّن بهما الوجود الحقيقي.

(كما ان الانسان لا يوجد في المطلق، بل يوجد في الزمان والتاريخ، يوجد حيث يفكّر،ويفكّر حيث هو موجود،ولا يمكن فهم الذات من دون توسّط اللغة والعلامة والرمز والنص).(1)، وبحسب بروتاغوراس ان الحقيقة هي مظهر الوعي، وان كل شيء نسبي، والموجود لا وجود له الا بالاضافة الى الوعي.وان الانسان مقياس كل شيء. كما ان تروبتسكي رائد البنيوية اللغوية يعبر:انه ليس بامكان صوت لغوي ان يؤدي وظيفة تمايزية الا بمقدار ما يكون مضادا لصوت آخر، والانسان لا يعرف نفسه ولا يعي ذاته من دون الوسائط الرمزية، اللغة. هذه الجدلية التعالقية والعلائقية المتخارجة بين الوجود والفكرالانساني كان تم حسمها منذ قرون، في اما ان تكون علاقة (مثالية) او ان تكون علاقة (مادية) ويتوضّح معنا هذا لاحقا.

ان اللغة ادراك عقلي مادي وعلاقة مفاهيمية تداولية، شفاهية ومكتوبة ومرئية، وتعبير رمزي صوري تواصلي. اما لغة الصمت فهي نوعين من التعبير اللغوي، من حيث الادراك العقلي التواصلي لها،فهي لغة حيّة لا تقل اهميتها الوظائفية عن اللغة المنطوقة او المكتوبة،او المرئية، حين تكون لغة الصمت ادراكا ذاتيا واعيا بضروراته التواصلية والوظائفية، كما نجده في طقوس الديانة البوذية التأملية وبعض الاديان الوثنية الاخرى المعبّر عنها بلغة الصمت الطقسي الديني الشعائري،وتمارين اليوغا،المسرح الصامت ولغة الجسد،رقص الباليه،ولغة بعض المتصوفة المجذوبة الاغترابية عن المجموع.*

الوجود كينونة متعيّنة بالادراك العقلي لها، ويكون وجودا معطّلا من غير ادراك اللغة تواصليا معه.فما لا يدركه تعبير اللغة لا وجود حقيقي واقعي له. وان اللغة هي احدى اهم الوسائل التي يمتلكها العقل الانساني في تعيين الوجود الفاعل والحيوي للاشياء في الطبيعة.وبذات المعنى يشير سارتر الى ان (وجود الموجود يتحدد بالادراك باعتباره وحدة اصلية تتوسط الذات والموضوع). وفي قول تروبتسكي ان الانسان لا يعيش في علاقة مباشرة- بمعنى اندماجية - مع الواقع،لان الواقع المادي والكلام له، يتراجع كلما تقدم النشاط الرمزي (اللغة) للانسان.وبهذه العبارة يلتقي مع سارتر ان اللغة (وسيط) او وحدة اصلية كما عبّر عنها، لا يمكننا ادراك وجود الاشياء واقعيا من دون هذا الوسيط الهام.

اما ان تكون لغة الصمت غير مدركة عقليا، بمعنى التعطيل الوظائفي لها في الحياة،عندها تكون وهما او عدما، وتعبيرا زائفا عن وجود الاشياء، بل تكون وهما خارج فاعلية الوجود،فهي لغة خارج المدرك الحسّي والعقلي للاشياء والموجودات،وهذه اللغة نجدها عند بعض الحيوانات وفي غطرفة وهذاءات المجانين العصّية على التلقي والاستقبال. فهي لغة غير منطوقة بنظام لغوي تعبيري دال، ولا تهتدي بالعقل ادراكيا، وهي بلا معنى ولا هدف. فلغة الحيوان هي نوع من اللغة التواصلية(غريزيا) فقط في رغبة الحيوان تحقيق الجماع الجنسي، والحذر من خطر محدق، وفي حال توفر غذاء لنوعه من الكائنات.

فهي لغة ليست لها امتدادات وظائفية خارج الحاجات البيولوجية الغريزية المحدودة للحيوان، بينما اللغة العقلانية لدى الانسان، لغة تواصل تداولي لمحمولات وظائفية لا حصر لها تغطّي جوانب الحياة بمجملها من ابسط الامور والى أعقدها.وبذا تكون اللغة المؤنسنة بالنوع الانساني خاصية متفردة لا يشاركه بها الحيوان،هنا الانسان يتأنسن باللغة وهي تتأنسن به، مثلها مثل علاقة الانسان بالطبيعة فهو يتأنسن بها وهي بدورها تتأنسن به في تكّيفه بها معها.

 اللغة وجود مادي ادراكي عقلي يتفرّد الانسان بحيازته ويختّص به دون غيره من الكائنات. واللغة هنا وسيلة العقل لأثبات وجود الاشياء، وبحسب غاديمير:(الكائن الذي يمكن ان يفهم هو الكائن اللغوي،وان اللغة هي الفهم، وهي التي تحدد علاقة الانسان بالعالم).2ويذكر الزواوي بغورة ان الفلسفة الوضعية المنطقية حوّلت التحليل اللغوي المنطقي الى واقع فلسفي قائم، وحصرت مهمة الفلسفة في التحليل اللغوي، واعطت اولوية اللغة على الفكر. كما سبق لفنتجشتين قوله (ان اللغة هي الفكر).

 تساؤلنا ايهما أسبق ادراكيا الوجود ام اللغة ؟:

في معرض اجابتنا اود تثبيت هنا تناقض كبير في عبارة عالم وفيلسوف اللغة دي سوسير مقولته: (وجود الاشياء يسبق فكرتنا عنها) وهذا منطق مادي سليم ليس فلسفيا وحسب وانما علميا ايضا، لكن لنتأمل تكملة العبارة حين يقول:( الا انه يمكن القول بأن تصوراتنا هي التي تخلق الاشياء)؟؟؟ كيف؟؟ تعبير فلسفي مثالي محض،فتصورنا العقلي او حتى فهمنا للشيء لا يلزمنا باقرار اننا نوجده ماديا.

طبعا هذا التناقض في عبارة واحدة، ينكر فيه دي سوسير موضوعة فلسفية معرفية ان مثالية التفكير تقود لمثل تلك الاستنتاجات الفكرية البائسة،في تقاطع حقيقة ان وجود الشيء يسبق فكرتنا عنه، وهذه نظرة علمية مادية صحيحة، اما اننا ندّعي اننا نستطيع خلق اشياء من تصوراتنا عنها فهو لا يستقيم مع اي منطق عقلي اوعلمي.وجود الشيء لا يحدده وجوده الادراكي التفكيربه، وانما يحدد الفكر وجود الشيء السابق على الفكر.

في هذا التناقض المثالي لسوسير نجده ينسف ابجدية الفكر المادي حين يقول بامكانية المفاهيم المدركة واللغة خلق وجود الاشياء،فالجدل الماركسي يقول ان وجود الشيء يسبق ادراكنا له، وليس بأمكان تصوراتنا ان تخلق واقعا حقيقيا لوجود الاشياء،وانما وجود الشيء يخلق تصوراتنا التجريدية والمفاهيم عنه،واللغة او التصورات المنبثقة عنها لا تخلق حقائق الوجود، وانما الوجود يخلق حقائقه لغويا تجريديا بعد ادراك العقل لوجود الاشياء ماديا.

اما اذا أخذنا في نفس السياق مقولة فينجشتين(اللغة هي الفكر) فيكون معنا ادراك العقل للوجود والاشياء هي أسبق على أدراك العقل للفكرمن حيث ان الفكر نتاج العقل، العقل وحده عاجز عن تحقيق وجود الاشياء ماديا بغير وسيلة تعبير اشاري رمزي او لغوي مفهوم تداوليا، فمثلا عقل المجنون يفتقد وجود الاشياء التي اماهه لانه عاجز عن التعبير لغويا عنها بعد عجزه عن ادراكها ادراكا عقليا منظمّا اولا. من حيث ان الفكر هو انعكاس تجريدي وصوري لغوي في فهم الواقع والوجود.والعقل يسبق اللغة في ادراكه للشيء. العقل الذاكرة الفاعلة و مستودع الافكار ومكمن انطلاقها، لذا فان ادراك العقل للوجود والاشياء يسبق ادراك العقل للافكار او اللغة المتعالقة بالتبعية التراتبية لوجود الاشياء.

والادراك اللغوي مستمد من علائقية ادراك وفهم العقل للاشياء.وهذا الادراك يكون قاصرا وظيفيا ما لم تسعفه اللغة كنسق منظّم في تبيان خواص وتمظهرات الاشياء والموجودات المدركة عقليا(الحواس+العقل+ الوجدانات النفسية العاطفية)، وكذلك وجود الانسان في الطبيعة ومحددات كينونته وجوهره.

انه لمن المهم التذكير ان الوجود المادي للاشياء نوعان، الاول موضوعات العالم الحسي، والثاني موضوعات الفهم الوجداني النفسي والخيال العاطفي التي لا تدرك حسيّا مثل القيم، الاخلاق، والفنون، والنظم والعادات.

انه من المهم جدا ان لا نغفل ان اروع الافكار هي التي تصوغها عبقرية اللغة، وابرز المظاهر لذلك ما نجده في انتاج المثقفين والفنانين للابداع الادبي باجناسه والفنون بانواعها. ولا يعطي وجود الاشياء المادية اللغة جمالية التعبير العبقري لها بل العكس تماما فاللغة تضفي على الموجودات جمالا لا ينازعه فيها سوى جمال الطبيعة.ان عبقرية اللغة تسبق عبقرية الفكر.كما لا تقل اهمية اللغة في التعبير عن اهمية التفكير العقلاني،واللغة وسيلة العقل لا ثبات الوجود.ولغة الخيال ادراك غير فاعل لواقع الاشياء والموجودات في موضعته لاحلام المخيّلة التواصل المثمر.

اهمية ادراك اللغة للاشياء :

ادراك العقل للوجود والاشياء ادراك ناقص ولا فاعلية له من دون مدركات اللغة التعبيرية الافصاحية عنه. الوجود يتم ادراكه عقليا كموضوع مستقل فقط قبل ادراك اللغة له، الوجود من غير ادراكه لغويا وجود مكتف بذاته يفتقد الحيوية والفاعلية والتأثير، اللغة كشف ادراكي عقلي للاشياء والموجودات،والوجود الواقعي لا ندركه ادراكا واعيا حقيقيا في تجريدنا ادراك اللغة له، ومن غير الادراك العقلي وتزامن الادراك اللغوي معه تصبح معرفتنا للوجود قاصرة غير منتجة. ما لا يدركه العقل ولا تعبر اللغة عنه مشكوك بوجوده.

وتعجز اية فكرة مدركة عقليا،أن يكون ادراكها مثمرا تواصليا منتجا من غير ادراك اللغة لها تداوليا، والفكرة التي لا تستوعبها اللغة بأرقى درجات التعبير التواصلي تبقى ناقصة ومشوّهة كفكرة ادركها العقل ولا يستطيع البوح بها ومقيّدة لا تستطيع التعبير عن نفسها وسط موجودات الاشياء.

 في ختام هذه الجزئية من المبحث نجد في دعوة كروتشة ان اهمية اللغة، يجب ان تكون مقتصرة على دراستها (جماليا) على صعيد الشعر تحديدا، فيها الكثير من التطرّف في تجاوز أهمية دراسة ابعاد اللغة كوسيط تداولي تعبيري،فلسفيا، اجتماعيا، وثقافيا واقتصاديا.ودراسة اللغة جماليا هو دراسة لواحدة من خصائصها الوظائفية العديدة وليس منتهاها،كما ان في اعتبار الفلسفة المعاصرة مركزية اللغة في تناول مباحث الفلسفة شيء غير مبالغ به .

ومثل ذلك ذهب هيدجر في اهمية دراسة اللغة، وايضا الشعر تحديدا لتبيان المقاصد الوجودية من اللغة، وهي دعوة ايضا تستبطن اهمية اللغة جماليا، في تعطيل ربما السمات والخصائص المتعددة للغة وظائفيا.ويضيف هيدجران اللغة وهي من تركيبات الآنية،الا ان هذا التركيب لا يظهر الا في حالة الوجود الزائف، في صورة ثرثرة يومية،وهذه لا تتضمن حوارا بمعنى الكلمة او تبادلا للافكار.وقد ترتب على ذلك ان يصبح الوجود الحقيقي هو الصمت. طبعا هذا التعبير لهيدجر مبالغ به جدا.

ان اهمية ادراك الشيء والتواصل به ومن خلاله ومعرفته لغويا، هو اكبر من اهميته كمدرك عقلاني (موضوع) مكتف بذاته خارج فاعلية واهمية اللغة له،اللغة بعد العقل هي المتعيّن الوجودي لجميع الافكار في ان تكون تداولية تواصلية ذات حيوية واثراء نافع للحياة،والوجود من غير وسيط اللغة لا روح ولا حيوية فيه.

هوامش(1)و(2) نقلا عن الزواوي بغورة،شذرات عن كتاب الفلسفة واللغة، عرض وتلخيص.

جدلية وعي الذات

فلاسفة الوجودية الملحدة ممثلة بسارتر، فهمت وعي الذات مثاليا مغايرا للمادية، في تغييبها حمولتها الديناميكية في وجوب وعي الذات جدليا تخارجيا معرفيا بالموضوع كما اراده ونادى به هيدجر، وان ماهية ادراك الذات لوجودها الحقيقي لا يتم من دون ديناميكية تمنحها حضورها الجدلي بالحياة. كما ذهب هوسرل ان يكون وعي الذات في ماهيته هي حمولته (القصدية). ليلتقي بفهم هيدجر ويفارقان كل من ديكارت وسارتر رغم اختلاف هذين الاخيرين ايضا، اذ كما اراد وعبر عنه ديكارت في فهمه تحقق الوجود الانساني بالفكر المجرد، كذلك فعل سارتر في تفسيره وعي الذات مثاليا رغم الصلابة الوجودية المادية التي يحملها سارتر، وسيأتي توضيح جوانب اشكالية اكثر من واحدة في فهم وعي الذات فلسفيا.

وهذه التفسيرات المختلفة المتباينة هي ادانة لكوجيتو ديكارت في تفسيره وعي الذات في قراءة (انا افكر اذن انا موجود) التي تعتبر تفسيرا مثاليا ابتذاليا في ربط ديكارت وعي الذات بالفكر المجرد الذي لا وجود تموضع مادي له، في وعي الذات لنفسها كحقيقة وجودية في عدم تعالقها مع جدلية الموضوع، هذه الجدلية المفتقدة عند ديكارت التي لا تعطي كلا من الذات والموضوع ادراكا وجوديا حقيقيا لكليهما من خلال التناوب التبادلي في التأثر والتأثير، ان كان على صعيد الفكر او صعيد واقع تموضعهما في تحقيق كل منها وجوده المتعالق بالاخر جدليا. هو ما اراد هوسرل ومن بعده هيدجر تصحيحه وجوديا، وفي اخفاق سارتر ان يكون له تفسيرا واضحا في تجاوزه لمقولة ديكارت رغم ماديته الماركسية.

اشكالية وعي الذات:

رغم وجودية سارتر الصلبة التي تستقي الكثير من اصوله المادية الماركسية التي خرج عليها سارتر الشيوعي، في تحديده القطعي ان وجود الانسان يسبق كل ميزة متفردة معطاة فطريا او غريزيا او مكتسبة عند الفرد، وفي اعطائه الانسان حقه الطبيعي في مطلق الحرية المشروطة بمسؤولية الانسان ايفائها حريته الفردية حقها على صعيدي توكيد حقيقته الانسانية كذات تعي وجودها في كل معانيها، وفي حمل هذه الذات جحيم الاخرين في الفهم الوجودي المشترك بينهما في محمولات الحرية المسؤولة، سعيا وراء تحقيق وعيه الاجتماعي وتوكيد ذاتيته الانسانية .

فسارتر لا ينكر على الانسان في وجوده المازوم باكثر من مازق تمليه عليه الحياة وتسلبه وجوده الحقيقي، وقرائن قهرية تلازمه عديدة مثل القلق، ولا معنى الحياة، والفزع، وآخرها خلاص الموت. رغم ذلك يعتبر سارتر الانسان اولا واخيرا، فرد ضمن مجتمع لا فكاك منه ولا استغناء عنه، ويتكامل وجوديا معه.حتى لو كانت علاقته بالمجتمع نوعا من الاندماج في الكلية المغيبة عن ادراك وعي وجودها الاصيل في الحياة على حد تعبير هيدجر. او بقي فردا اغترابيا وجودا عن الناسية في الحياة والمجتمع الذي يمارس معظم انشطته في حياة مليئة بالرتابة في تامين حاجاته البايلوجية فقط . بتلخيص العبارة فان سارتر رغم وجوديته المادية التي يستقي الكثير من افكاره من اصوله الماركسية، انما انزلق في المثالية حين سعى تغييب ديناميكية الوعي الذاتي في الحياة التي رفع رايتها هيدجر للافلات من مثالية ديكارت في اعتبار وعي الوجود ناتج عن التفكير العقلي المجرد. ان سارتر كما اشرنا سابقا الغى من قاموسه الفلسفي الوجودي اهمية فاعلية الانسان وارتباطه بالمجتمع في اضفاء نوع من الحرية المطلقة للفرد، في تضاده مع الماركسية، لتقتفي تاثيره هذا غالبية الفلسفات المثالية التي جاءت من بعده لعل في مقدمتها الفلسفة البنيوية في خروجها الفظ على قوانين الجدل المادي وقوانين المادية التاريخية، في العمود الفقري للماركسية كتاب راس المال الذي استهدفه التوسير بكل تشنيع فلسفي ابتذالي، ومثله وقبله فعل شتراوس في الخروج على الماركسية في كتابه (نقد العقل الجدلي).

بماذا تميز هيدجر في اطروحته حول فهم تعالق وعي الذات بوعي الموضوع تناوبيا؟، بمعنى ان الذات لاتستطيع ادراك نفسها وخصائصها الا بتعالقها بموضوع ما مغاير لوجودها، وكذلك العكس بان الموضوع لا قيمة حقيقية له ما لم تدركه ذاتا يحقق هو الاخر وجوده بها وفي تكامله معها.

هيدجر يؤكد فهمه الوجودي في تاصيل الانسان وعيه الاصيل لذاته في تعالقه مع الموضوع والعالم الخارجي بنوع من الالتزام الحر الذي وصفه بالديناميكية في التبادل الجدلي التاثير بالموضوع او العالم الخارجي،ولا يكتفي هيدجر بهذا الدور الفاعل في وعي الذات نفسها من خلال الاندماج بالكلية الاجتماعية.

اذ عمد الى توضيح اكثرفي فهمه الوجود المتمايز عن سارتر نجده بقوله:( الانسان ليست ذاتا منغلقة على نفسها، وانما هو وجود او وعي متجه بالضرورة القصدية نحو موضوع ما)،واتجاه الوعي نحو الموضوع، وبهذه القصدية التي اشار لها هوسرل،يقول هيدجر:(اتجاه الوعي نحو موضوع، ليس وعيا بذاته وحسب، وانما هو وجود حركي دائب يترتب عليه مباشرة ان يتجاوز الانسان ذاته ليتجه نحو شيء ما) (1).

فالوجود الانساني عند هيدجر هو وجود مفارق لذاته (ليتجه نحو العالم من حوله، وبمقتضى هذه الضرورة القصدية الوجودية،يتقرر وجود العالم الذي يدركه الوعي، ويستحوذ عليه – اي الوعي هو الذي يستحوذ – لذا يكون هذا النوع من وعي الذات انه وجود – في – العالم) كما قال به هيدجر2.

ورغم ان سارتر اعتبر كوجيتو ديكارت في وعي الذات وتحقق الوجود الفردي، يعتبر مثالا لعدم تفعيل الذات باكثر من التفكير المجرد الذهني حين اكد (ان الوعي الذاتي لا يحدث الا بتمثله شيئا غريبا عنه، فالوعي يولد موجها الى كائن ليس هو اياه،).3ويذهب حبيب الشاروني ان سارتر يريد تحويل كوجيتو ديكارت الى قصدية وجودية دونما التضحية بالكوجيتو الديكارتي من جانب، ودون ان يضحي بالقصدية من جانب اخر. ص108.

بهذا الفهم اراد الشاروني التسويغ لسارتر حق الجمع بين متناقضين لا يربطهما جدل، فلا يمكننا ربط كوجيتو ديكارت بالقصدية التي هي من اختراع هوسرل الا ضمن علاقة جدلية تجمع بين نقيضين يتحتم على احدهما الغاء الطرف الاخر في انتاج الظاهرة الجديدة المستحدثة. لذا يكون الربط بين الكوجيتو والقصدية تلفيق فلسفي غير صحيح حتى لو ان قائله سارتر.

ان وعي الذات لا ضير ان يكون تحققه ضمن الجدل مع الموضوع او احدى مظاهر الحياة، باشتراط تتحكم به قوانين الديلكتيك انه ليس تصارع افكار مجردة وانما تصارع تضاد من اجل البقاء للاصلح ضمن قوانين الطبيعة الجدلية في تخليق وانبثاق عن كل تضاد جدلي ظاهرة مستحدثة جديدة او واقعة مستحدثة تحمل ايضا تضادها الداخلي وهكذا.

من الجهة الاخرى ليس هناك اشتراط تمرير، ان رغبة سارترفي تسويغ الجمع بين ديناميكية هيدجر، وقصدية هوسرل في تاكيدهما اخراج كوجيتو ديكارت من مازقه المثالي، في جعل وعي وجود الذات الحقيقي انما يقوم على ديناميكية ذاتية عند هيدجر، لا تتقاطع مع قصدية ذاتية عند هوسرل، وتنتهي المشكلة في صالح توفيقية سارتر.لا نعتقد ان مثل تلك الاشكاليات الفلسفية يمكن حلها في رغبتنا ان تكون كما نرغب فقط لا بما يمليه علينا قسرا التفكير الفلسفي.

علي محمد اليوسف /الموصل

تعليقات (0)

لاتوجد تعليقات لهذا الموضوع، كن أول من يعلق.

التعليق على الموضوع

  1. التعليق على الموضوع.
المرفقات (0 / 3)
Share Your Location
اكتب النص المعروض في الصورة أدناه. ليس واضحا؟