العنفوان – قصة: د. الحسين لحفاوي

شكل العرض
  • أصغر صغير متوسط كبير أكبر
  • نسخ كوفي مدى عارف مرزا

 كانت القرية نائمة في هدوء إلى أن بدأت الأيادي ترسم خريطتها الجديدة في الخفاء، هواؤها، طيبة أهلها، موقعها الرابط بين مدينتين، خيراتها...كل ذلك لفت إليها العيون قبل غيرها من القرى المجاورة التي لم تُحظ بهذه الالتفاتة الكريمة. بلا عيوب كانت قريتنا، حين مُدّت إليها الأيادي طالبة رضاها.
دون ارتباك، وبلا تردد بدأت الأيادي ترفع الجدران، سُيِّجت المساحات وعلا سياجها، فلا يُرى ما يُفعل خلف تلك الأسوار التي سرعان علت، كأن بُنَاتُها كانوا من الجن. في الجانب الخلفي كانت الأشغال لا تهدأ ولا أحد يعلم ما يحدث، كبطن ينشأ في داخله جنين. كُمِّمت الأفواه بلفائف الأوراق النقدية التي أُنفقت بلا هوادة، وكلما نما الجنين اتسع له بطن الأم، وكلما ازدادت حاجته للطعام والهواء مُدَّت الأيادي باللقم وقصبات الهواء من كل الاتجاهات.
هكذا كان حال قريتنا كأُمِّنا الأرض، تتسع لكل من دب وهب ليطأها بقدميه ويرتكب فوقها الفظاعات والموبقات، ثم إذا مات كان جوفها له سكنا.
اشترى المالك الجديد قطعة الأرض بأضعاف ثمنها، ثم تجاسر وغيّر حدودها، ثم استبد واستحوذ على ما جاورها، ثم تجعَّس وزحف أكثر. حدث كل ذلك في الوقت الذي كانت الكؤوس تُدار في الليالي المقمرة بين الندامى، فدُفعت الأثمان، ووُقِّعت العقود، وسُجِّلت في السجلات العقارية، فلا مجال للندم أو التراجع أو لِحَقِّ الشفعة.
حُرِس البناء الجديد من الداخل والخارج ببنادق الصيد وبالكلاب المدربة وبالغول الذي أخاف الجميع ولم يره أحد. كان الغول ساكنا في النفوس لا داخل البناء. لا أحد يعلم أكان فوق الأسوار أم خلفها أم كان يطل من بين الشقوق. تساءل الجميع عمن يكون صاحب هذا البناء، لكنهم لم يجدوا جوابا، فحتى العمال جيء بهم من قرى بعيدة، يزورون القرية لأول مرة. لم يرهم السكان قديما. أصناف من البشر وألوان كثيرة. الفنيون كانت عيونهم ضيقة ومشدودة إلى الوراء، قاماتهم قصيرة، لا يتكلمون إلا مع بعضهم البعض بلغة أضحكت كل من سمعها من أبناء القرية وعجزوا عن حفظها أو فهمها، ولا يلتقون إلا وبين أياديهم رسومات وخرائط وتصاميم ينشرونها أمامهم ثم يشرعون في تحليل علاماتها وتفكيك رموزها.

أما حُمّال الأثقال فكانوا سمرا أشداء، شفاههم غليظة كالجحافل، مناكبهم عريضة، وسواعدهم قوية، يثرثرون دون توقف، يعملون دون هوادة غير مبالين بأشعة الشمس المحرقة التي ترتطم بزنودهم العارية وصدورهم المكشوفة. لم يكن هؤلاء يأبهون لضحكات الصبية وهم يحدقون في شعورهم الشعثاء المغبرة، أو وهم يتبولون وقوفا وعلى جذوع الأشجار كما تفعل الكلاب في القرية. لم يكن أولئك السمر يتوانون في محاولة التواصل مع بعض العابرين من سكان القرية عبر بعض الإشارات، وحين لا يفهم أحدهما الآخر يمضي كل منهما في اتجاه متسائلا عما أراد صاحبه قوله. كانت روائح العرق المنبعثة من أجسادهم تزكم النفوس الأمر الذي نفّر منهم سكان القرية. طباعهم الغريبة وفوضاهم جعلتهم لا يترددون في اصطياد الكلاب والقطط و ذبحها وأكل لحومها، فكم قد عثر بعض أبناء القرية وهم يحومون حول البناء الجديد على جلود لهذه الحيوانات الأليفة التي عاشرت سكان القرية منذ القدم.
ولم تنشأ بين تلك الحيوانات الأليفة التي صارت صيدا ثمينا لهؤلاء الغرباء الوافدين وبين سكان قريتنا أية عداوة ولم تنشب بينهم خصومات، ظلوا يتعايشون بسلام، الكلاب تقف على أبواب الترع، لا تنام الليل، تظل مستيقظة، تنبئ أصحابها بالقادمين الجدد إلى القرية، تشارك السكان في التنبه إلى الغرباء. وأما القطط فكانت تؤدي مهماتها في خفة و ليونة فرحل من بقي من الفئران إلى الحقول المجاورة خوفا من بطشها، ولم تتوان قطط القرية في القيام بحملات صيد جماعية في كل موطن يتأكد وجود فرائس فيه. كانت هذه الأعمال المحمودة التي تقوم بها الكلاب والقطط تواجَه بالشكر والاعتراف بالجميل من السكان، فقدموا الأطعمة لحيواناتهم وبنوا لها المنازل الخشبية ووضعوا داخلها الفرش لتقيها برد الشتاء.
الآن و قد دفعت الأموال ثمنا لتلك الحيوانات الوادعة، فترى أصحابها يحملونها بأيديهم و يفرطون فيها، بل قد يذبحها صاحبها بيديه فتظل أرواحها معلقة برقبته إلى يوم القيامة.

 

تعليقات (0)

لاتوجد تعليقات لهذا الموضوع، كن أول من يعلق.

التعليق على الموضوع

  1. التعليق على الموضوع.
المرفقات (0 / 3)
Share Your Location
اكتب النص المعروض في الصورة أدناه. ليس واضحا؟