قراءة في كتاب "سراج الملوك"إن كتاب "سراج الملوك" لأبي بكر الطرطوشي[1] لا يقل أهمية وقيمة عن المؤلفات السياسية التي اشتهرت في تاريخ الفكر السياسي الإسلامي والتي توثق لمرحلة تاريخية حاسمة من مراحل تطور ذلك الفكر، ولأنها من ناحية أخرى تعكس وجها أساسيا وواضحا من أوجهه، ثم إنها تقدم أنموذجا فريدا من النماذج التي تكشف عن العلاقة الجدلية القائمة بين الوجود المجتمعي السياسي للمفكر أو الفقيه وبين التنظير السياسي لذلك الوجود.
وإذا كان الهدف من وراء هذه الكتابات هو معرفة الصلة الوطيدة بين الفكر والوجود المجتمعي الذي أفرز ذلك الفكر، فإن المنهج التبريري والدفاعي[2] الذي كتب به التاريخ الإسلامي، وعلى الأخص الجزء السياسي منه يظل، في الأغلب الأعم، عائقا حقيقيا يقف في وجه هذه المعرفة؛ إذ من الصعب الوقوف على المرامي البعيدة والدلالات المضمرة لمثل تلك الأدبيات دون استحضار للبعد التاريخي، وعلى وجه التحديد تاريخ المرحلة التي كانت تؤطر الوعي السياسي لرجل العلم، وتحدد سقف تفكيره وتنظيره.
وللوقوف على طبيعة الكتابة السياسية، وخاصة في القرنيين الرابع والخامس الهجريين، اللذين بلغ فيهما التأليف في السياسة الشرعية ذروته، ينبغي على الباحث أن يتجاوز جانب الاهتمام بتتبع الدقائق الفقهية والتفريعات الجزئية والاختلافات المذهبية، وكل ما لا يساعد على الوقوف الحقيقي على المرامي البعيدة لتلك الكتابات ولمقاصدها الخفية...إلى اعتبار مثل تلك الكتابات مشاريع سياسية ذات دلالات سياسية وأبعاد تنظيرية، وذلك انطلاقا من التفصيلات الفقهية والتشريعات القانونية العملية.
لا بد إذن، من الانتباه إلى دلالة المشروع السياسي الذي كان يتغياه الطرطوشي عند تأليفه لكتابه "سراج الملوك"، وإلى الأهداف التي كان يرمي إصابتها بذلك المشروع، وإن كان هذا العمل لا يتأتى لنا إلا بمحاولة ربط هذا الإنتاج النظري بمجموعة من العناصر الفاعلة، وبالأخص الوجود المجتمعي الذي ساهم في بلورته، والفضاء الفكري الذي كان المفكر المالكي يتقلب فيه.
كيف يمكن لنا أن نقرأ الكتاب قراءة مستنيرة تكشف لنا عن طبيعة العلاقة الكامنة بين الفكر السياسي وبين الواقع المجتمعي الذي أطر ذلك الفكر؟ وبعبارة أدق كيف كان الطرطوشي ينظر إلى الدولة السلطانية؟ وما هي طبيعة الطاعة التي نظر لها؟ وماذا عن محدداتها؟
حول انتشار الحركات الأصولية في آسيا والشرق الأوسط والمغرب، تكثر القراءات التفسيرية وتتكامل أو تتنافى. ويسهم في هذه القراءات اختصاصيون، وحتى مؤلفون قليلو العلم والدراية في تاريخ الإسلام وثقافته؛ فعند عدد مهم منهم، وبينهم سياسيون، في بدء تلك الحركات كان التخلف الذي خلق دوامه المتواتر بؤر الفقر المتنامي، وبالتالي ركام الحزازات والتذمرات.
هناك استحقاقات تاريخية تفرض نفسها على البشر والمجتمعات. ومهما حاول المرء تجاهلها لابد أن تعود مرارا وتكرارا لتذكر بنفسها. ولا يمكن أن يؤدي تجاهلها إلا إلى المزيد من إلحاحها وتفاقم سوء العواقب التي يصعب في ما بعد التحكم بها أو مواجهتها.
شهد العالم ، ومنذ أوائل القرن العشرين ، تطورات متسارعة في كافة مجالات الحياة العلمية والأدبية . وهكذا أصبحت النهايات مفتوحة لقنوات التطور العلمي تستوعب كل ما هو جديد ومبتكر ، بل وتتطلع نحو الأفضل باستمرار ، كما وتزداد شراهة لجذب الكفاءات من العقول العلمية التي تتقدم بإمكانياتها الذهنية المتفردة على سلم التقدم المتوفر آنيا في شتى بلدان العالم . وبذلك أصبحت هجرة العقول ظاهرة عالمية ، جلبت انتباه الساسة والحكام ، والباحثين وصناع القرار واستطاعت بعض الدول – خاصة الدول الأوروبية في بادئ الأمر ومن ثم الولايات المتحدة الأميركية وكندا – توظيف هذه الهجرة بما يخدم أهدافها الآنية والمستقبلية ، مستفيدة من النبوغ الذهبي المتطور لهؤلاء المهاجرين بينما أغفلت العديد من الدول الأخرى – لاسيما دول العالم الثالث ، ومنها الدول العربية – هذه الظاهرة ، مما أدى الى خسارتها الجسيمة لهؤلاء العلماء لا كمواطنين فحسب ، بل الاستغناء عن خدماتهم وإمكانياتهم المتطورة ، التي باتت ضرورية ومؤكدة في ظل الحركة المتسارعة للتنمية والتي لا يمكن لآي بلد من بلدان العالم التغاضي عن أهميتها وبالذات في دول الوطن العربي .
في عالم تتسابق فيه معطيات ثورات المعلومات والاتصالات والانترنيت والبث الفضائي، يكون ذكر كلمة رقابة فيه أمرا مضحكا، حيث اصبح الحصول على "الممنوعات" أيسر مما يتصور المرء أو يصرف وقتا بالتفكير بها. ولكن السلطات العربية الحاكمة بتنوع جهاتها ووسائلها مازالت تؤمن بقدرتها على أو برغبتها في استمرار الرقابة والمنع والمصادرة، والرقابة المعنية التي تقوم بها هذه الجهات بلا شك وسائل تصب في تهميش المعرفة وتبهيت مكانة الوعي وغلق نوافذ الفرح المؤجل وإعداد ولائم لأعشاب استمرار التخلف والمحاكمات والتفتيش والسجون ووأد الرأي الحر الجريء والصوت الثائر الذي يحرض إلى تغيير كوارث الواقع ويدعو إلى مستقبل افضل باجتهاد فردي معبر عن انتماء وصدق وابداع، وتعكس أيضا صورا متعددة عن تخلف الوعي وسذاجة الصراع الفكري ومستوى أدراك المهمات والتحديات التاريخية المنوط بها القيام بأعبائها والتصدي لمخاطرها الفعلية.