بين النازح و اللاجئ شعرة, لكنها أخطر من كل الرصاص والمدافع والحراب التي قتلت وقطّعت أجساد الفلسطينيين, فما يفرقهما عن بعضهما البعض هو الهذيان السياسي و اللا أخلاقي, والعمل الدؤوب من قبل اليهود ومن يتبعهم قاصداً أو غير قاصد إلى نهايات لا ترى في نهاياتها سوى الانتصار التوراتي لليهود, ذلك الانتصار الذي بدأ بكذبة شعب الله المختار, وتجّسد باحتلال فلسطين . وبين النازح واللاجئ في مفهومنا جدار من الغربة واللا انتماء, بين أن تكون أبناً لهذه الأرض وبين أن تكون ضيفاً مرحباً أو غير مرحب بك, بين أن تمتلك مقومات حريتك وتفعل لك ولوطنك, وبين أن تكون مقيداً وطائعاً وملاحقاً وفاقداً لحريتك .
وبين النازح واللاجئ واقع مزيف سعى اليهود بكل ما يملكونه من قوة مادية وعلى مدى عقود طويلة إلى ترسيخه فينا نحن سكان وأهل الهلال السوري الخصيب .
فحين يصبح النازح الفلسطيني لاجئاً في الشام أو لبنان أو عمان أو بغداد, شأنه شأن أي أجنبي تهجّر من بلاده إلى بلد آخر, يصبح الوطن مزيفاً وتصبح المسألة الفلسطينية همّ فلسطين فقط .
وكل المصائب تبدأ من سايكس بيكو :
فقبل سايكس بيكو لم تكن ((اسرائيل ((
وقبل سايكس بيكو لم تكن فلسطين دولة, أو أرضاً مشاعاً .
وقبل سايكس بيكو لم تكن لبنان دولة.
وقبل سايكس بيكو لم تكن العراق ولا كردستان ..
وقبل سايكس بيكو لم تكن الأردن ولا الأسرة الهاشمية ...
وقبل سايكس بيكو لم تكن الشام دولة..
وقبلها لم تكن الكويت دولة عظمى..
وقبلها لم تكن جامعة الأمم المنتصرة في الحرب العالمية الثانية.. .
وقبلها لم يكن لواء الأسكندرونة وكيليكيا تركياَ ..
أضحى من المعروف حاليا، أن الذي لا يملك قوت يومه لا يملك قراره ولا يملك حاضره ولا قدرة له على التخطيط لغده ومستقبله، ومن لا يتحكم في مصدر الطاقة لا يملك القدرة على التحكم في تدبير دواليب اقتصاده وتوجيهه.
لا ينكر أحد اليوم المتاهة والمعضلة السياسية الكبرى التي دخلتها كل دول العالم دون استثناء سواء كانت نظامها ديمقراطيا أم استبداديا كما هو الشأن في بلداننا العربية التي نقول بصراحة إنها لم تستطعم معنى الديمقراطية في حياتها وربما لن تناله مادامت دار لقمان على حالها و حتى لا نستطرد كثيرا في موضوع الاستبداد في العالم العربي وننسى الموضوع الأصلي نغلق هذا القوس عسى أن نعود له في عجالة قادمة . أما ما يشغلنا الآن حقيقة هو هذا الإهتمام العالمي بمسألة الأمن والاستقرار و طرحها كخيار استراتيجي لمستقبل الدول والعالم بصفة عامة خاصة وأن كل الدول اليوم لا هم لها سوى محاربة الإرهاب الذي أصبح الشبح الخرافي الذي تطارده كل دولة دون أن تعرف هويته بل إن ما اصطلح عليه اليوم بالإرهاب جعل هذا المفهوم ملتبسا ومغرقا في الالتباس فالكل اليوم معرض للإرهاب ويمارس عليه و لكن لا أحد يعلم من أين يأتي وفي أي اتجاه يمارس ولكن المؤكد أننا ضحاياه و يأتينا من كل حدب وصوب و معالجته ربما تستدعي ميكروفيزياء الإرهاب . إن خشية الدول من أن يأتيها الإرهاب من حيث لا تدري دفعها للبحث في طريقة معالجة هذه الظاهرة المستعصية التي باتت تطلع طلوع الفطر عبر التركيز على استراتيجية واحدة أحادية وهو ما يسمى بالمعالجة الأمنية فعملت دول العالم على محاربة الإرهاب بالإرهاب فلم تخل دولة من تشديد الرقابة على مواطنيها والتنصت عليهم وتفتيشهم حتى في الولايات المتحدة الأمريكية التي تعتبر النموذج الديمقراطي الذي يحتذي به بقية العالم ناهيك عن الدول العربية ذي الطبيعة الاستبدادية حيث طغى هاجس الأمني على حرية المواطن وكرامته , بل من المعروف أن هذه الدول لا يهمها في سياق استراتيجياتها سوى هدف واحد ومبدأ واحد نسمعه يتردد وهو ضرورة تحقيق الأمن و السلام . والمتأمل في خلفية هذا المبدأ يكتشف أنه تصور نشأ في القرن السابع عشر على يد الفيلسوف الانكليزي توماس هوبز حين قدم تصورا للسلطة السياسية يتأسس على سلطة الحاكم الذي سماه التنين في إشارة إلى القوة و الهيمنة لأن هوبز يعتقد أن البشر ليسوا في حاجة للحرية قدر حاجتهم للأمن والاستقرار ومن هنا أعطى المشروعية المطلقة للحاكم التنين و سمح له بالتدخل في شؤون المواطنين حتى تلك المتعلقة بحرياته الشخصية مثل اختيار الدين إذا رأى أن ذلك يهدد أمن السلطة و بالتالي هدف السلطة السياسية هي التخويف للإبقاء على زمام المحافظة على الأمن والاستقرار و بالتالي يتحول المواطن إلى مجرد شخص مطيع و خاضع . نفهم من خلال هذه العودة المقتضبة لفلسفة هوبز السياسية أن دولنا العربية تستخدم هذا النموذج في الحكم المستمد من القرن السابع عشر من أجل أن تفرض سيطرتها وتحول المواطنين إلى مجرد رعاع عليهم الامتثال لسلطة الحاكم المطلقة بدعوى الحماية من الإرهاب و محاربة عدم الاستقرار والفوضى وهي تشدد في ذلك من قبضتها الأمنية الحديدية تحت تعله تحقيق الأمن و هذا التوجه وجد طريقه أيضا للدول الأوروبية الذي دفعها توجسها وهاجسها من الإرهاب إلى انتهاك حرية مواطنيها بل أصبح أي شخص معرض للاضطهاد والحبس لمجرد التشكك فيه وغيرها من الممارسات التي تتعارض مع أبسط حقوق الإنسان .
يقول جورج طرابيشي في معرض حديث له عن العلمانية في العالم العربي إنها أصبحت "مكسر عصا" لكل مبتدئ في الفكر. والحقيقة أنه ما من فكرة تعرضت للتشويه، والقذف، والكراهية، والتحريض، مثل فكرة العلمانية، وما من فترة كانت العلمانية فيها عرضة لهذا الكم من العداء والهجوم غير المقنع وغير المبرر، كما هي الحال اليوم.
الوعي القائم على النفعية في استغلال المفاهيم البشرية لتحقيق مصالح ومكاسب سلطوية ينخرط بالضرورة في مستوى المجابهة المباشرة مع منافسيه في المكاسب نفسها فتبقى الأزمات والمتغيرات جارية بنفس الإطار المنهجي لبرنامج تطبيق الوعي البشري ,فالصدام التاريخي يظل قائماً في هذا العالم حتى تتغير طريقة تعاملنا معه والأفكار التاريخية العملاقة والنظرية لغاية إحداث بنية مغايرة لطبيعة الوجود القائم في مجراه التاريخي , يُصاغ بطريقة مغايرة لمضمونه الحقيقي وإلا لما وصالت إليه النظريات إلى هذه الدرجة من الإهمال والتلاعب بمضمونها الفكري وكأن العقل البشري يرفض التعامل مع القضايا التي تنقذه من إرباكه التاريخي فيقوم على تغيير بنية المفاهيم بما يتوافق مع المسير التصادمي في الحياة الإنسانية .
عمال الاراضي الفلسطينية المحتلة منذ حزيران 1967 يستقبلون الأول من أيار هذا العام بالمرارة والاحباط والغضب في ضوء الظروف المعيشية القاسية ، التي يواجهونها . فمن جهة يواجه هؤلاء العمال عمليات قمع واهانات يومية وعمليات مداهمة واعتقال من قوات الاحتلال واعمال استغلال بشعة للعاملين منهم في المشاريع الاسرائيلية ، الصناعية والزراعية والخدماتية ، التي أقامها المستوطنون على الاراضي الفلسطينية في المستوطنات ، ومن جهة اخرى يقفون في مواجهة البطالة والفقر والتهميش ، يتطلعون نحو الحكومة الفلسطينية عسى ان تضعهم على جدول أعمالها للبحث عن حلول وطنية تخفف من معاناتهم وترفع عنهم ولو بقدر معقول وضمن ما تتيحه الموارد المالية المتاحة وما تتيحه الظروف التي يمر بها الاقتصاد الوطني والقطاع الخاص الفلسطيني كابوس ظلم لم يعد يحتمل وشروط عمل هي اقرب الى السخرة منها الى علاقات عمل وتعاقد تنطوي بالضرورة ،كما هو الحال في النظم الرأسمالية ، على الاستغلال والاستحواذ على فائض القيمة في ما ينتجون .
أكثر بلد عربي أحبّه الفلسطينيون ورغبوا في العيش فيه هو لبنان وذلك من خلال تجربتهم، مع ان هذا البلد لم يقدّم للفلسطينيين إلا النزر اليسير جداً من الحقوق المدنية والاجتماعية مقارنة ببعض الدول العربية الأخرى كالأردن وسورية والعراق. ولعل مناخ الحرية والازدهار الذي ساد لبنان في الخمسينات والستينات من القرن العشرين كان السبب في تعلّق الفلسطينيين بهذا البلد وانشدادهم إليه. ثم ان الفلسطينيين أنفسهم كان لهم شأن حيوي ومباشر في الازدهار اللبناني الذي بدأ فعلياً في سنة 1949 فصاعداً اي عقب النكبة مباشرة، ففي سنة 1948 و1949 تدفق على لبنان نحو 110 آلاف فلسطيني جراء سقوط فلسطين في أيدي الحركة الصهيونية. وهؤلاء حملوا معهم الملايين من الجنهات الاسترلينية، وهذه المبالغ المالية أطلقت ثورة اقتصادية ظلت تتردد آثارها حتى نهاية عقد الخمسينات تقريباً. وفي هذه الفترة قيّض للشتات الفلسطيني أن يشهد تأسيس اثنتين من أهم الحركات السياسية العربية وأبعدها أثراً هما: حركة القوميين العرب وحركة "فتح".
نهاية تشرين الثاني من العام الماضي انعقد في الكلية البحرية – ميرلاند في الولايات المتحدة الاميركية " مؤتمر انابوليس للسلام " .