ما قبل البداية: الوجود القَبلي للألم
هل تبدأ الروايات حقاً من عتباتها الأولى؟ أم أن البدايات شظايا مسبوقة بزلزال حدث في الخفاء، فوصلت إلينا وهي تلهث، متأخرة عن شيء أفلت من القيد وسال على السطور؟إن النص، قبل أن يفتح صفحته الأولى، يكون قد بدأ بالفعل في فضاء آخر؛ في جرح غائر، أو خوف عتيق، أو ذاكرة مؤجلة لم تجد حبرها بعد. من هنا، تبدو فاتحة «أغالب مجرى النهر» مربكة على نحو خاص؛ إرباكٌ يدفع القارئ نحو تساؤل جوهري: من أين بدأت الرواية حقاً؟ هل انبثقت من ذاكرتي أم من ذاكرة "عقيلة تومي"؟ وهل كانت "عقيلة" مستوطنة في زنزانتها قبل أن أطأ عتبة النص؟
يستدعي سعيد خطيبي في روايته هذه شكلاً من أشكال الوجود القبلي المزلزلة ليقين الحضور كله، سارداً أسئلة حارقة:
- مَن كان هناك أولاً؟ الجسد أم الخوف الذي يستأجره؟
- المكان أم الذاكرة التي تعيد صياغته وتحوّله إلى مسخ؟
يؤسس النص لهذه الحيرة هادماً فكرة الإجابات الجاهزة، كونه يسعى أساساً لتفكيك "وهم اليقين" وإعادة تشكيل الوعي بالأشياء. في هذا الأفق، يتقدم المكان (الزنزانة) بوصفه فضاءً واسعاً يرسم احتواءه للألم، متجاوزاً وظيفة الحيز أو الإطار الضيق. فالألم لا يحتاج إلى جدران، وإنما يتطلب لحماً وعظماً وقفصاً صدرياً يطبق عليه. لقد جاءت الزنزانة لتختزل الفضاء الخارجي في قطر أضيق، كاشفة عن عري وجودي مرعب يؤكد أن الألم عصي على الاحتواء، فقد كان موجوداً قبل الزنزانة، وسيبقى يتمدد بعدها، ليظل السؤال معلقاً في الفراغ: هل يسبق الجرحُ الجارحَ؟
تتجاوز الرواية حدود الجرح الواحد، لتقوم على ثنائية صوتية متناوبة:
- عقيلة: تروي من داخل جسدها المعطوب والمستباح.
الأب عزوز: يدخل الحلبة لاحقاً، حاملاً ذاكرة الحرب، ووزن "السلم" الذي يتكشف باعتباره قناعاً لوجه آخر من الوجوه العنيفة.
يتعدى هذا التناوب السردي دائرة الحيلة التقنية البريئة، ليستقر كفعل تشكيك جذري في إمكانية السردية الأحادية، معلناً رفضه لمنطق "رواية المركز" التي تنظم الألم من موقع فوقي متعالٍ. لا وجود هنا لراوٍ كلي المعرفة؛ ثمة فقط كدمات، وآثار، وجروح مفتوحة في نصوص لا تملك تقنية إغلاقها.
وما يزيد المشهد عمقاً، هو استنطاق سعيد خطيبي للمادة؛ فالأشياء في الرواية تتكلم: خاتمٌ مصادَر، ساعةٌ مغنومة من أحشاء الحرب، صورةُ زوجٍ تُخفى حين تدخل امرأة وتُنصب حين يدخل رجل، وسيارةٌ يقودها الحي بوثيقة ميت. يتجاوز سرد الأشياء هنا فكرة التأثيث المشهدي أو الإكسسوارات التجميلية، لتتحول المواد إلى تمائم مشحونة، تحمل ما تعجز اللغة عن حمله، وتقول ما يخشى الإنسان النطق به.
عقيلة: الجسد الذي يراقب انشطاره
تذهب عقيلة بالقارئ نحو حكي يتداعى بلا خط مكشوف، إنه تدفق حر نحو جرح عميق لا تدرك كنهه تماماً، أشبه باستغاثات المخاض التي لا تمنح سوى المكابدة والوعي التام بالألم. ويتوازى هذا التداعي مع هندسة روائية واعية بمعماريتها بدقة بالغة. طبيبة العيون التي تفقد القدرة على إبصار داخلها وخارجها، وينهار حدسها - الذي هو آخر أدوات معرفتها - تتداعى وهي في قبضة مؤلف يمسك بخيوط اللعبة، يرخي لها الحبل ويشده بحذر، مما يمنح صوتها فرادة حقيقية؛ لكونه صوتاً يمضي في التيه دون ادعاء بمعرفة النهاية.
إن الارتكاز الأكبر في شخصية عقيلة ينبع من رؤيتها الانشطارية؛ فهي تروي من الداخل والخارج في آن واحد، كأن الجسد انفصل عن ذاته ليراقب موته البطيء؛ تشعر برعشة يدها وتراها كعين غريبة. يتجلى هذا الانشطار كصدى سيكولوجي دقيق يتعقب الألم حين يتجاوز قدرة الذات على استيعابه من منظور واحد، مما يتيح تلمس الوجع ورؤيته واضحاً مفضوحاً بلا رداء:
"افتحي فمكِ… تفقّدت أسناني، ثم أمرتني أن أخرج لساني ففعلت. (…) كأنني شاة يتفحّصها زبون."
تتقدم الاستعارة هنا متملصةً من سياج الحقل القانوني؛ إذ كان بمقدور عقيلة أن تقول: "كأنني متهمة"، لتبقي على خيطٍ رفيعٍ يعتصم بإنسانيتها تحت مقصلة الإدانة، إلّا أنها اختارت لفظة «شاة» لتطفو فوق القانون البشري برمته، قاذفةً بذاتها في عراء الحقل الحيواني؛ فالمتهم يظلُّ محاطاً بالحقوق، في حين تلوذ الشاة بالثمن والمساومة فحسب.
تتماسُ هذه اللحظة، بأواصر عميقة، مع الكافكاوية؛ متجاوزةً عجائبية التحول الجسدي الظاهر في "المسخ"، نحو رصد الانهيار البطيء لوعي الإنسان من الداخل. ففي اللحظة التي نَطقت فيها «كأنني شاة»، كان التحول المريع قد استوطن أعماقها بالفعل؛ حيث كفت الذات عن رؤية الجسد كامتدادٍ كونيّ لها أو تجسيدٍ لآدميتها، وغدت تراه شيئاً معروضاً للمعاينة، والتداول، والتقييم البارد.
لعل هذه القفزة الكافكاوية هي التي من خلالها عبرت عقيلة بغتةً إلى تخوم المنفى الحيواني، معلنةً نجاح السلطة التام في تجريدها من اسمها، ورسمها، وهويتها البشرية. ويكمن عجب هذه اللحظة في كونها منبتة الصِّلة بالامتهان الخارجي للجلاد، بل هي مخاض انكسار داخليّ محض، تجلّى حين تخلّت الشخصية عن يقينها بآدميتها، واستعارت عين الآخر لتجلد بها روحها.
وتكمن الفجيعة الأكبر في كون هذه الاستعارة نبتت في وعي عقيلة ذاتها ولم تجر على لسان المفتش؛ فهي من اختارت معجماً يناسب مهانتها. لقد نفذ المحقق إلى الحنجرة واللسان ليفتش قدرتها على النطق، مصادراً الحصن الأخير للإنسان؛ إذ يمثل استبطان الضحية لنظرة الجلاد وتطبيقها على نفسها الكسر الوجودي الحقيقي.
"فأشعر بأنني قبيحة الوجه في أعينهم، وأتمنى سحقهم تحت قدميّ."
تظهر هذه العبارة شطرية تفصل بينها هوة سحيقة:
- الشطر الأول: يكشف عن تذويت كامل لنظرة الآخر الإقصائية وتشرّبها.
- الشطر الثاني («أتمنى سحقهم»): يمثل ارتداداً مذعوراً إلى لغة العنف بوصفها المهرب الوحيد المتاح، فالرغبة في السحق هنا هي الوجه المقنع للعجز الكامل، لا دليلاً على القوة.
"لكنّ حدسي دائمًا ما يخذلني."
يمثل هذا الاعتراف القصير انهياراً معرفياً (إبستمولوجياً) صريحاً. يتداعى الحدس بوصفه أداة المعرفة الفطرية السابقة على المفاهيم، والراوي الذي يفقد الثقة في حدسه يضع روايته برمتها موضع شك. يمتد هذا الانهيار من الجسد إلى العمق النفسي؛ فعندما يعجز حدس عقيلة عن إخبارها بأمان المكان، تتلاشى قدرتها على الثقة بنفسها حين تسائل ضميرها: هل أنا مذنبة؟
"تخيّلت نفسها في المحكمة، محتجزةً في مقصورة يحيط بها شرطيّان...حكمت على نفسها قبل أن تُحاكَم." تسبق العقوبةُ التهمةَ في هذا السياق، لينقلب السجن الخارجي انعكاساً زجاجياً لسجن داخلي غائر. فعقيلة لم تطأ الزنزانة بجسد سليم، بل وصلت إليها شظايا إنسان مكسور مسبقاً بفعل الضغط الاجتماعي، والنظرات المتلصصة، والصمت المتوارث؛ فما كان من الزنزانة إلّا أن عَرَّت كسورها القديمة دون أن تُنتجها. وهنا، يكفُّ الجسد عن كونه مجرد موضع محايد للألم، ليغدو الطريقة الوحيدة التي تبصر بها الشخصية ذاتها والعالم معاً، وهو تحولٌ يجد تفسيره الأعمق في الأفق الظاهراتي (الفينومينولوجي) عند موريس ميرلوبونتي.
فالرواية لا تضع القارئ في موقع المشاهد الخارجي المعزول، ولا تقدم الألم بوصفه فرجة لعقل يراقب من بعيد، بل تقذفه عميقاً ليسكن في أحشائه. فعقيلة تومي لا تصف الزنزانة بوصفها فضاءً مرئياً من مسافة أمان، وإنما تتجرعها من داخل جسد محاصر بحدودها؛ ولأجل هذا، يستحيل الخوف في النص تجربة إدراكية كليّة، يعاد تشكيل معنى المكان فيها تبعاً لتغير الجسد الذي يقطنه. إن الذات هنا لا تقف قبالة العالم كمراقب محايد، بل تنغمس في تفاصيله إلى الحد الذي يصدق معه وعيد ميرلوبونتي بأن "رؤية الشيء تعني الغوص فيه"؛ فالإدراك لديه ليس تأملاً بارداً من الخارج، بل هو انصهار وانغماس كامل. ومن هذا المنطلق الفلسفي، ندرك كيف تحولت الزنزانة من حيّز مادي مصمت إلى بنية شعورية خانقة، وكيف غدا الألم وسيلة لإبصار الوجود لا مجرد عَرَض يقع فيه؛ ليصبح الجرح تجربة معيشة تسكننا، أبعد بكثير من أن تكون مجرد موضوع حكائي للسرد.
- حديث الأشياء: سيميائية المادة وبلاغة الغياب
تتحول الأشياء في هذه الرواية إلى شواهد ناطقة تنوب عن اللسان عند إصابته بالخرس. وحين يتكلم الشيء، فإنه يشير مباشرة إلى فجوة الغياب: غياب العلاقات، انصرام الزمن، وتشتت الذوات المرتبطة به.
الخاتم والساعة: مصادرة الزمن والهوية
"بعدما حجزت خاتمي وساعة معصمي…"
- الخاتم: بوصفه دائرة مغلقة ورمزاً للانتماء والالتزام، يحمل وهم الاستمرارية، وتؤدي مصادرته إلى تعرية الجسد من سردياته الحمائية وقذفه في العراء.
- الساعة: تتحول إلى أداة لقياس زمن الانتظار البارد، وتحديد الإحداثي الوجودي للذات.
تكتمل الرمزية البنائية عند خطيبي عبر هذا التناظر الاستهلالي والختامي؛ تبدأ الرواية بمصادرة ساعة عقيلة، وتنتهي بمحاولة الأب بيع ساعته. يفقد الزمن خصوصيته الآمنة، وتتحول الساعة التي قاست لحظات الصدمة والاعتقال في يد الأب إلى عملة للمساومة، حيث يُختزل تاريخ الحرب والدم والجيل بأكمله في وزن غرامات الذهب، ضمن قوس زمني خانق يقع بين حجز الزمن وبيعه.
صورة الزوج: قناع الحضور الإداري
"أنصبها على المنضدة عندما يدخل رجل، وأخفيها في الدرج عندما تدخل امرأة."
تتولى هذه الصورة إدارة الغياب بدلاً من تثبيت الحضور؛ فالزوج غائب أو ميت، والصورة تُستعمل كترس دفاعي واجتماعي لا كوسيلة للتذكر، ليظل الدال (الصورة) ثابتاً بعد أن تبخر المدلول (الزوج). ويمرر خطيبي هذه التفصيلة بلا تعليق، ملقياً إياها كشكل من أشكال السلوك الاعتيادي، وفي هذا الاعتياد تكمن المأساة؛ أن يصبح الاختباء خلف طيف الميت قانوناً يومياً للعيش.
سيارة عزوز: حضور الميت الطاغي
يتنقل عزوز بسيارة مخلوف المسجلة قانوناً باسم "المرحوم". يتبدى هذا الخرق الإداري كفخ وجودي كامل؛ فالأب يتحرك في عالم تسبقه فيه وثيقة ميت، مما يجعل الغائب هو المنظم الحقيقي لإيقاع الحاضر، ويمنح الميت سلطة امتلاك ما يستعمله الحي، لتؤكد الواقعة أن الوثيقة تعمر أكثر من صاحبها وتتحول إلى قيد يسجن الآتين بعدها.
- صوت الأب: انشطار الأجيال ومغالبة المجرى
ينتقل السرد من عقيلة إلى الأب "عزوز"، وهو انتقال يتجاوز تبادل الشخصيات نحو التمرحل بين نظامين زمنيين وتاريخيين:
- عقيلة: تروي من خندق الجسد الحاضر ولحظته الراهنة.
- عزوز: يروي من دهاليز الذاكرة الجمعية والتاريخ المتراكم.
يتشكل التوازي بين الجيلين عند خطيبي كخطوط هندسية صارمة تسير معاً دون أن تلتقي، ويستمد صوت الأب ثقله ومرارته من المسافة الوعرة التي قطعها؛ فعقيلة تنزف من جرح طري، بينما يتكلم عزوز من جرح مزمن تأسن ولم يندمل، جرح يعرف صاحبه بيقين تام أنه لن يبرأ منه أبداً.
"جئنا إلى هذه البلاد كي نموت"
تتحول الأرض إلى فضاء للموت؛ حيث تغيب قيم الانتصار والتحرير والعيش، ويصبح الفعل العاري الوحيد هو الفناء الصامت والموحش الذي لا تحمي الجموع الفرد من حتميته.
"هل كانت حياتي ستسير على ألطف حالٍ لو أنني امتثلت لأمرهم، ولم أغالب مجرى النهر؟"
يمثل هذا السؤال النواة الفلسفية التي تبرر عنوان الرواية. ولا يتوقف "أمرهم" عند حدود الإذعان للآلة الاستعمارية، بل يمتد ليكشف عن المسكوت عنه ممثلاً في جبهة التحرير التي طالبت عزوز بتفخيخ مقهى أخيه. كان الامتثال خياراً سهلاً ثمنه النجاة المؤقتة، في حين شكل الرفض بداية "المغالبة" الوجودية ضد مجرى النهر الجارف. ويؤجل عزوز هذا السؤال بعيداً عن لحظات الضعف العابرة، مستعيداً إحراجه بعد أن انقضى العمر؛ فالمغالبة لم تورثه نصراً، وإنما كانت الخيار الوحيد الذي يثبت إنسانيته في وجه الطوفان.
- المرايا المكسورة: تبادل الوجوه واستحضار الغائب
تحفل الرواية بلقطات سينمائية يرى فيها الحاضر وجه الغائب متلبساً في ملامح شخص آخر، ضمن مرايا مشظاة تستحضر الأطياف بدلاً من عكس الوقائع. وحين وثقت "ياقوت" بـ"ثامر" رغم كل النذر، يتكشف السبب لاحقاً؛ لقد أنجبت ابناً (مليك) من عزوز خارج إطار الزواج واضطرت للتخلي عنه، وعندما التقت بثامر، لم تره بذاته، بل رأت ضالتها: "رأيتُ صورة ابني في عينَيْه".
مكن هذا الفخ الشعوري ثامر من خيانتها، إذ استثمر في صورة ليست له، وخان وهماً لم يكن يعلم أنه يحمله، وتكمن المفارقة في كون الطفل المستحضر في العينين هو ذاته الابن المحرم عليها إعلان أمومتها له.
تتكرر اللعبة ذاتها في مخفر الشرطة؛ حيث يجلس عزوز أمام المحقق الشرس "إدريس بادة"، فيرى فيه الرضيع الذي كان ممدداً يوماً في حضن أمه "باية": "كان يمكن أن تصير ابني"، يقولها عزوز في سره وهو يواجه محققه. تصل المفارقة هنا إلى ذروة القسوة؛ فالسلطة التي تقهره الآن وتملك مفاتيح سجنه، تحمل الملامح الطفولية ذاتها التي كان يود يوماً أن يربيها بين يديه. يثبت هذا الترابط أن المرآة الروائية عند خطيبي لا تعكس الذات، وإنما تستدعي الغائب الذي يظل دوماً أكثر سطوة من الحاضر.
- الرعب مما بعد الموت: معركة عزوز ضد النسيان
يبني النص فارقاً سيكولوجياً دقيقاً بين خوفي عقيلة وعزوز:
- خوف عقيلة: آني، وليد اللحظة المتمثلة في المحقق، السجن، والنظرة الاجتماعية الراهنة.
- خوف عزوز: خوف مفارق، لا يخشى الموت في ذاته، بل يرتعد من مآلات ما بعد الفناء؛ يخشى طريقة ذكره، أو مرارة النسيان التام.
"هل سيكتشفون أمري كذلك، فأصير خزياً بعد موتي؟"
يظل الرجل الذي عبر أتون الحروب وغالب مجرى النهر طوال عقود مسكوناً بهذا الهاجس، منشغلاً بالحكم الأخلاقي الذي سيصدر في غيابه حين يكون عاجزاً عن الدفاع عن سياق قصته. يفكك هذا الهاجس سلوكياته التي قد تبدو عبثية:
- المقابلة التلفزيونية: رغبة محمومة لترك وثيقة صوتية تبرئ ذمته.
- قبعة شابلن (التي أرسلها للصحفي بودو): محاولة لترك أثر مادي يشهد على مروره بالتاريخ.
- الساعة الذهبية: دليل ملموس على أنه كان هناك، وأنه نجا.
"أملي الأخير في بودو، كي لا أُدفن في مذلّة"
لم يكن الصحفي بوابة للشهرة، بل كان الترس الأخير ضد التشويه. وتتحول المفارقة الفاجعة هذا الأمل إلى إدانة جديدة؛ فالقبعة التي قدمها كشاهد على نضاله، يُتهم بسرقتها نتيجة احتراق وثائق المتحف. لقد أراد ترك أثر ينطق بنقائه، فصار الأثر دليلاً على جرمه، وهنا يتجلى دور الرواية كأداة إنقاذ؛ فما عجز عنه عزوز في الواقع، حققه خطيبي في النص عبر حراسة الذاكرة من التبدد.
- البنية الزمنية: تكثيف التاريخ في يومين
تدهش الرواية القارئ معماريّاً بقدرتها على شحن فضاء زمني خارجي ضيق جداً (يومان فقط: 8 و9 جوان 1990) بحمولة تاريخية تمتد لنصف قرن، حيث تتدافع داخل هذين اليومين ثلاث طبقات زمنية بركانية:
|
الطبقة الزمنية |
المدى والتفاصيل |
|
الذاكرة القريبة |
أربعون يوماً (منذ أن علم عزوز بالحقيقة من لسان ياقوت). |
|
الذاكرة الوسيطة |
الحرب العالمية الثانية (إيطاليا 1943) — قفزة إلى الوراء بـ 45 عاماً. |
|
الذاكرة العميقة |
تاريخ الاستعمار والثكنة الفرنسية التي تحولت ميكانيكياً إلى مخفر وطني. |
تدمج الرواية هذه الطبقات بلا فواصل انطلاقاً من كون الجرح لا يعترف بالخطية الزمنية؛ فالجسد قد يكون مكبلاً في زنزانة ضيقة، بينما تنطلق الذاكرة طليقة تتشظى في الأزمنة. كلما ضاق خناق المكان، اتسع المدى الزمني الداخلي، ليختزل اليومان في سجلات الشرطة نصف قرن من الخيبات الوجودية.
- نوسة: الجرح الهامشي الصامت
تتحرك شخصية "نوسة" في ظلال الرواية كطيف عابر وحاسم في آن واحد؛ وهي المرأة التي دست السم لمخلوف ثأراً لـ"عكوري". لم تقف نوسة خلف قوس المحكمة، ولم يتصدر اسمها العناوين، ولم تُفرد لها فصول خاصة في المتن السردي.
يمثل هذا الغياب التداولي جزءاً من البنية التفكيكية التي يشتغل عليها خطيبي؛ فالقراءات النقدية للألم غالباً ما تركز على الضحايا الضوئيين في المركز وتغفل الجروح التي تنزف في العتمة. كانت نوسة هناك واختارت لغة مغايرة تماماً: السم بدلاً من القانون، والصمت بدلاً من الصراخ، لتؤكد أن المغالبة لا تأخذ قالباً واحداً، فالنهر واحد، ولكن لكل غريق طريقته الخاصة في مقاومة التيار.
- النهاية المعلقة: استمرار الفعل المضارع
تنتهي الرواية دون إغلاق ستائرها: عقيلة في غيبوبتها، الأب رهن الاعتقال، الساعة معروضة للبيع، والسيارة يقودها حي برخصة ميت. لا تصنع هذه المصاير خاتمة كلاسيكية، ولا تقدم إجابات مريحة، بل تترك كل شيء في حالة تعليق تام.
ويكشف هذا التعليق عن موقف جمالي وفلسفي نابع من إدراك الكاتب بأن الجروح التاريخية لا تُغلق بكلمة "تمت". ومن هنا يتجلى الإعجاز في اختيار العنوان: «أغالب مجرى النهر» كفعل مضارع مستمر، يفيد التجدد والاستمرار بلا نقطة نهاية، رافضاً الانغلاق، وتاركاً الإنسان معلقاً في طقس المغالبة الأبدية.
ما بعد النهاية
في ختام قراءة تدور حول جرح يرفض الالتئام، تفقد الخواتيم المريحة شرعيتها وتتحول إلى خيانة للنص، كونها تعيد إنتاج وهم المعنى المكتمل والوعي الزائف الذي يطبطب على الوجع.
إن رواية «أغالب مجرى النهر» لا تطالبنا بفهم الألم من مقاعد المتفرجين، بل تدفعنا لعيشه من داخل مسامه اللغوية، وتجعلنا نرى كيف يقود الحي حياته بوثائق الموتى، وكيف يتحول النضال إلى تهمة بسبب احتراق الأرشيف، وكيف يظل الغائب مسيطراً على الحاضر. لقد كتب سعيد خطيبي نصاً تبدأ حياته الحقيقية بعد إغلاق الغلاف الأخير؛ لأن الجرح الحي هو الجرح الذي لا يعرف طريقاً للانغلاق أبداً.