تنبيهات (5) : دعوى هجوم الجابري العنيف على ابن المقفع والكتّاب المترسّلين - البشير النحلي

شكل العرض
  • أصغر صغير متوسط كبير أكبر
  • نسخ كوفي مدى عارف مرزا

1.
«
وعلى الكاتب الصبر على الملازمة والاجتهاد في النّصيحة والوفاء للوزير في حال الدّولة والنكبة، والمواساة له بنفسه في حال اليسرة، والعسرة، والرجاء، والشدة، وكتمان أسراره، وطي أخباره، وتزيين أموره بكل ما يجد السبيل إليه.

ومتى ظفر الناس بعيبٍ من عيوب صاحبه، اجتهد في ستر ذلك وتغطيته والتأول فيه حتى يخرجه من العيب فيه، كما يحكى عن بعضهم، وقد قال بعض «رسل الملوك إني رأيت في مذهبكم مساكين يشكون الجوع ويسألون الناس في الطريق. فقد كان ينبغي لملككم أنْ يغنيهم عن ذلك.» فقال له: «إنّ ملكنا لرأفته رعيته، ومحبته لمنافعهم، علّى في رعيته قوما في أموالهم حقوق لله-عز وجل- لا يستحقون من الله-عز وجل- الثواب في الآخرة إلا بإخراجها. فلو أغنى المساكين، لما وجد الأغنياء الّذين في أموالهم الحقوق من يدفعون ذلك إليه. فكان ثوابهم يبطل. فترك ملكنا هؤلاء المساكين على أحوالهم، إنما هو لهذا المعنى، ولتعرض الأغنياء للثواب، بمواساتهم».

فأول لملكه فيما عابه به رسول عدوه تأولا حسنا أخرجه من العيب به. فكذلك ينبغي أن يكون كاتب الوزير له فيما يحمل به أمره، ويزيل به عيبا إنْ لحقه»[1]

«وعلى الوزير إذا فعل الكاتب جميع ما ذكرناه، ولزم ما وصفناه، أن يكفيه مؤونته، ويزيد على الكفاية بالإحسان إليه، فإن الله –عز وجل- يقول: «للذين أحسنوا الحُسنى، وزيادة» والحسنى: المكافأة. والزيادة: هي الزيادة على الاستحقاق في المجازاة»[2]

2.
«فقام رجل مِنْ عُرْض الناس، فقال: أيها الملك، أتضع الخراج الباقي على الإنسان الفاني، وعلى كَبد تموت، وعلى زَرْع يجِفّ، ونهر يَذْهب، وعَيْن تغور؟ فقال كِسْرى: يا ذا الكلْفة المشئوم، مِن أيّ طبقات النّاس أنتَ؟ فقال: أنا رجلٌ من الكتّاب؛ فقال كِسْرى لِكُتّابه: اضربوه بالدُّويّ حتّى يموت. فضربه الكتّابُ، تَبَرِّياً إلى كِسْرى من رأيه، حتّى مات، وقالوا: نحن راضون بما صنع الملك. فصُنِّفت الوضائع على أصناف الغلّات والنّخل والشجر»[3]

فاتحة:

   يقول العمري في مقاله "الوظيفة البلاغيّة والرؤية البيانيّة"[4] إنّه سيعمل على إظهار «مدى استفادة الجابري من قضايا مركزية في البلاغة»[5] وأنّ قراءته ستكون «إيجابية تبرز جوانب القوة، وتسقي البذور الواعدة، وتسائل ما تراه مثيرا للتساؤل[6]» ويوضّح أنّ تقديم التّراث كان بالنّسبة للجابري «مسؤوليّة سياسيّة» «وليس رفاهية علمية، أو رياضة أكاديمية[7]»، ويضع تناوله للتّرسّل في الخطاب السّياسي أُنموذجا لقدرته على تحليل النّصوص تحليلا يعتمد على خبرته الفلسفيّة النّقديّة واحتكاكه القويّ بالتّراث العربي". لكن القارئ لا يجد في مقال العمري عمّا كتبه الجابري في التّرسّل غير الطّمس والإتيان بمآخذ مختلطة لا تتوجّه على الفيلسوف. ونحن نضع تلك المآخذ موضع المناقشة، ونرتّبها تحت المحاور الأساسيّة التّالية: (1) ضعف التّأصيل في معالجة القضايا البلاغيّة؛ (2)  تحميل المسؤوليّة كاملة لبلاغة ابن المقفع والكُتّاب المترسّلين في ترسيخ قيم الطّاعة؛ (3)  تغييب المقام؛ (4) تغييب القصد؛ (5) ترك الواجب الأكاديمي القاضي بالجمع بين التّرسّل و"التّوقيعات"؛ (6) مقتل ابن المقفع حجّة على وقوفه ضد "الطّاعة"، عكس مُدّعى الجابري. وهي محاور نفرِّعها هي الأخرى لمناقشة لمزٍ كثير مدسوس في ثنايا مقال العمري. 

  • ضعف التّأصيل، أو استعمال "القضايا البلاغيّة" دون معالجة نظريّة:
  • صيغة المأخذ:

   يقول العمري «نكتفي هنا بأنموذجين يظهران مدى استفادة الجابري من قضايا مركزيّة في البلاغة من دون معالجة نظرية[8]». وهذا قول غير صريح، ذلك أنّ العدول عن استعمال الحرف المصدري والفعل (أن يعالج) إلى المصدر الصريح (معالجة) في المركب "دون معالجة نظرية" يجعل "ترك المعالجة" فعلا للعمري أو للجابري، فلا نعرف إن كان العمري هو الّذي سيترك المعالجة النّظرية للأنموذجين البلاغيّين اللّذين يقدمهما حجّة على استفادة الجابري من البلاغة، أم أنّ الأمر يتعلّق بالحكم بكون الجابري هو الّذي استفاد "من قضايا مركزيّة في البلاغة" فوظّفها في التّحليل دون أن يقدِّم لذلك بالتّوضيحات اللّازمة. وبناء الأقوال على هذا النّحو لا تدقيق فيه، وهو ما يكون من الإهمال، أو يكون مقصودا لاستغلال الاشتباه عند إرادة التّنصل. وأغلب الظّنّ أنّ العمري أراد أن يُفْهَم عنه أنّ الجابري لا يعالج "القضايا المركزية" في البلاغة الّتي يوظّفها في التّحليل معالجة نظريّة، وما أتى به من كلام يتعلّق بما قام به "البلاغيون الجدد" من توضيح لـ"حجية الصورة" ومن القول بأنّ أحد "اجتهادات" الجابري يقع في الإطار القابل للتفسير بمصطلح إيزر "يبدو كما لو" دليل عليه. هذا وجهٌ للاشتباه في هذا القول، والآخر يتمثّل في تضمّنه لكلمة "قضايا"، و"القضايا مستعملةٌ فيه بمعناها العام، أي بمعنى "المسائل" أو "الموضوعات"، فيكون المأخذ على الجابري أنّه قد "استفاد" من مسائل وموضوعات تنتمي لحقل البلاغة من دون أن يعالج تلك الموضوعات معالجة نظريّة! وقد يكون العمري استعمل "القضايا البلاغيّة" قاصدا الـمفاهيم البلاغيّة، فيكون ذلك غلطا؛ ويكون مراده أنّ الجابري طبّق "مفاهيم بلاغيّة" في تحليلاته دون أن يقدم بخصوصها التّوضيحات النّظريّة الضّروريّة للفهم. وسواء حملنا العبارة على المعنى الأوّل أو المعنى الثّاني، فإنّها تدلّ، في عمومها، على ضعف التّأصيل عند الفيلسوف بترك المعالجة النّظريّة للمفاهيم أو للقضايا البلاغيّة، وهو عيب يخرم العلاقات الاستدلاليّة في خطابه. فهل كان ذلك كذلك في المسائل أو في المفاهيم في أعماله؟

  • موجز في علاقة الجابري بالبلاغة:

   يَفْهَمُ مأخذَ العمري على الجابري ويأخذُه عنه من لم يعرف للعلم منفعة غير العثور على "الأوجه البلاغيّة" واستعراض المحفوظ ممّا قاله هذا وذاك في حقل البلاغة الّذي ابتُلِيَ بِجَمْهَرة من الآخِرين المتعاضدين المتظاهرين على الحقّ، ويفهمه ويأخذه عنه، أيضا، من لا معرفة له بأعمال الفيلسوف؛ فالمفاهيم و"القضايا البلاغيّة" ليست موضوع كتبه في الرّباعية الأوّلى والثّانية، وهو إنّ تناول جانبا من ذلك في أيّ موضع من الرباعية الأولى فإنّما يتناوله من جهة علاقته بـ"العقل". وهو في كلّ ذلك متيقّظ ودقيق؛ والفكرة الّتي يردّدها فقيه الفلسفة طه عبد الرحمان عن كون البيانيّين في الثّقافة العربيّة سبقوا إلى اكتشاف جانب الحجاج في اللّغة وأنّهم وسّعوا المنطق، فصار عندهم "منطقا طبيعيّا" هي نفسها الفكرة الّتي أوضّحها الفيلسوف منذ كتابه "تكوين العقل"[9]. وبالطّبع، فإنّ طه عبد الرحمان يضيف إلى الفكرة دائما ما يلائم منظوره وصفة الفقيه فيه، فيفتي بواجب أخذ ذلك المنطق الطّبيعي عنهم وتثمين ما أصّلوه من أدوار استدلاليّة للآليّات البيانيّة ولآليّة المماثلة خاصة، والعمل على تنميته وتوسيعه ردا على الجابري الذي –يزعم الفقيه- ينكر ذلك ويكفر به. أمّا العمري فلا يرى ما قام به الفيلسوف من عمل جبّار لصالح البلاغة، لأنّه ينظر بـ"تكتّم" إلى نقد الفقيه للفيلسوف ولا يتحرّى فيه، ولأنّ المنظور الّذي يصدر عنه بخصوص المجال البلاغي تبسيطي: فإمّا أن نكون مع "البلاغة" أو ضدها. لذا فإنّ الجابري بعيد عن كلّ ذلك، لأنّه ضدّ فهمٍ للبلاغة يسعى أصحابه إلى تأبيد إخضاع الإبداع وعلم البلاغة لبنية عقليّة تحكمها سلط محوريّة متطالبة، هي سلطة اللّفظ وسلطة الأصل (السّلف-القياس) وسلطة التّجويز، ومع بلاغة تسعى إلى الانفكاك عن "إبداعيّة" «التّوليد» و«حسن الاتّباع»[10] وعن "علميّةٍ" تحضن هذه "الإبداعيّة" الّتي تُقوّي وتتَقوّى بسلط تلك البنية العقليّة، وتجتهد من أجل الأخذ بمستلزمات العلميّة والانخراط في العقلانيّة النّقديّة فيما يخصّ "علم البلاغة"، وبمستلزمات الإبداعيّة بالانخراط في الحاضر انخراطا حرّا أصيلا فيما يتّصل بمجالات "الفنّ". وحفرياته تتبّعت بالتّشخيص والرّصد حركات تكوّن قواعد الّنشاط الذّهني وطرائقها في العمل وفسّرت البنيات من الداخل، وجودها في أنفسها، وعلاقاتها المشكِّلة لبنية العقل ككلّ؛ وأبرزت كيف غَلَبتْ مبادئُ ومفاهيم وإجراءات تُسَيِّد التّقليدَ في "البيان" والظّلاميّة في "العرفان" والشّكليّة في "البرهان" وتشدّ كلّ ذلك إلى لحظة "التّدوين"، خاصّة بعد أنّ تجاوزت هذه النّظم المعرفيّة المكوّنة للعقل العربي مرحلة الصّراع والتّداخل التّكويني إلى مرحلة التّفكّك والتّداخل التّلفيقي ودفعت ما يخالفها من مبادئ ومفاهيم وإجراءات التّفكير العلمي إلى وضعية "السّلب" بالمعنى الجدلي. وهي الوضعيّة الّتي لم تستطع أن تُجاوزها إلى الآن رغم ظهور اتّجاه تجديدي امتدّ على مدى ثلاثة قرون قبل أن يهمد في كلٍّ من الأندلس والمغرب[11]. وإذن فإنّ تشخيصَ الفيلسوف متعدِّدُ الاعتبارات، فهو يشدّد على قوّة مكوّن أو آليّة أو حركة في مستوى وباعتبارٍ ما، ويشدّد على ضعف ذلك في مستوى أو باعتبار آخر. وعند مراعاة عمل الفيلسوف بالأخذ بمستلزمات النظر الموضوعي، فإنّ القارئ يجد، إنْ كان منصفا، أنّ تشخيصه للحركة  الّتي أوصلت إلى احتراف تكرار تقاليد «لحظة التّدوين» هو عمل لصالح العلم ولصالح البلاغة؛ كما أنّ فحص خطاب التّرسّل، وإظهار اجتهاد كُتّاب السّلاطين "في تسخير بلاغتهم المسلّحة بالزّخارف اللّفظية لـ«قمع حاسة النقد لدى المستمع والقارئ وجعله يستسلم لترادف الألفاظ وتناغمها[12]» ويستكين لـ«"ملك الزمان" الّذي هو زمانهم[13]» هو انتصار للحقّ، وللحقّ في النّقد، وإسهام في تحرير الكتابة والإبداع؛ وليس ظلما وهجوما على نحو ما يحاول الإيهام به الضّيّقون، ومن لا تمييز لديهم.

   ولا يغيب عن بال المنصف أنّ التّحليل عند الجابري هو أساسا تحليل تاريخي، وأنّ الظّواهر التّاريخيّة عنده هي، في الصّميم، ظواهر سياسيّة. وهذا واضح لكلّ قارئ، قبل أن يقوله هو نفسه ويلحّ عليه، فهو يقرأ التّاريخ بالسّياسة، ويشتغل بالسّياسة – عمليّا أو ذهنيّا- باستحضار التّاريخ [14]. وهو في هذه النقطة أرسطيّ نبيه بالغ الإفادة؛ ومعلوم أنّ أرسطو شدّد على الأهميّة القصوى لعلم السّياسة، ذلك العلم الّذي يحدّد للدّول العلوم الّتي لا غنى عنها، وللمواطنين تلك الّتي يجب أن يتعلّموا وإلى أي حد، ويصف لهم باسم القانون ما يجب فعله وما يجب الامتناع عنه، فوق أنّه العلم الّذي يستتبع العلوم العمليّة الأخرى الأكثر نفعا ويستخدمها، أي العلوم العسكريّة، والعلوم الإداريّة، والرّيطوريقا(=الخطابة)[15]. ونحن إذ نذكّر بهذا فلنقدّر الأمور قدرها. فالبلاغة تحضر في أعمال الجابري لذاتها  وتحضر في علاقتها بغيرها:

فعندما تحضر لذاتها تحضر في شكل حركة أو سيرورة تكوّن متعدّدة المستويات يتبادل فيها الإيجاب والسلب المواقع، لذلك يمكن أن نُلاحِظَ-وهذا لمجرّد التّمثيل - تنقّل الجابري بخصوص إسهام كلّ من عبد القاهر الجرجاني والسكاكي في "الكشف" عن منطق البيان بين: مستوى أول نظر فيه إلى اشتغالهما بالخطاب، والخطاب متعدّد، ومن مجالاته ما يفتقر المشتغل به إلى فقه الوظائف الاستدلاليّة للآليّات البيانيّة، وهذا من بين ما جعله لا يُخَطِّئ هذين البلاغيّين، بل ويرد على من عابوا عليهما ما اعتبروه خلطا بين "البلاغة" و"المنطق"؛ ومستوى ثان نظر فيه إلى العلاقة الّتي أقامها السكاكي بين "منطق البيان" و"المنطق" اليوناني ففسّر تصوّره لذلك وأبرز الطّريقة البيانيّة لتقديمه للمنطق اليوناني، منتهيا إلى أنّ السكاكي، وبغض النّظر، عن مراميه كشف ورسم الآليّات الذّهنية الّتي يستعملها "النّظام البياني" في التّفكير، وكرّسها "كسلطة مرجعية وحيدة[16]"؛ وهو ما لم يُثْنِه عن الإشادة بعرض السكاكي للمنطق اليوناني، الّذي يتميز بـ« ذكره لتفاصيل هامة حول الاختلاف بين «المتقدمين» و«المتأخرين» من المناطقة قد لا نجدها في مراجع أخرى[17]»؛ ومستوى ثالث شخّص فيه حضور "قيود" فقهيّة وكلاميّة في رؤى ومفاهيم ومسائل "الباحثين" في مجال البيان بمعناه البلاغي الضيّق نفسه؛ ومستوى رابع نظر فيه إلى بناء خطاب "البلاغيّين" أنفسهم وذهب إلى أنّ مستلزمات البناء العلميّ كانت تفرض إعادة ترتيب العلاقة بين البيان والبرهان، خاصّة بعد أن وصل السكاكي إلى النّقطة الّتي تفرض مراجعة الأسس.

وعندما تحضر البلاغة في علاقتها بغيرها فإنّها تحضر كسلب: فقد تَشكّل مجال البلاغة بفضل المتكلّمين الأوائل، خاصّة المعتزلة الّذين انشغلوا بالرّد على منكري الإعجاز ضدّا على الإسلام والعرب معا[18]،  وكان بذلك مجالا من مجالات "العلوم العربيّة الخالصة"، يعمل المشتغلون فيه على إتمام ما بدأه النّحاة من كشف عن منطق الخطاب العربي ببيان وجوه إعجازه، أي آلياته في البرهان؛ ومجموع آليات تلك العلوم هي ما شاء الفيلسوف أن يسمّيه "النّظام المعرفي البياني" وفاقا لرؤية ومنهج ومفاهيم المشتغلين في إطار تلك العلوم جميعها؛ أولئك الذين محوروا جهودهم حول النّص الدّيني وأصّلوا "للبيان في المناقشات والأبحاث الّتي ستسمى فيما بعد باللّغة والنحو والفقه والكلام". وقد كان "البلاغيّون آخر من ظهر على مسرح الدّراسات"[19]، لذا كان البيان عند أصحاب تلك الأبحاث والمناقشات اسما جامعا «ليس فقط لكل ما به تتحقّق عملية «الإفهام» أو «التبليغ» بل أيضا لكل ما به تتم عملية «الفهم» و«التلقي» وبكيفية عام: «التبيّن».[20]»؛ فامتدّ أثر هذا المنطلق إلى "البلاغة"، العلم ذي النّشأة المؤسّسة على "العلوم العربيّة" الأخرى، فتسمّى بـ"البيان" واستمرّ استعمال التّسمية عند الكثيرين، وأطلقت التّسمية عند السكاكي وخلفه على "البيان" بمعناه البلاغي الضّيّق، وهو ما كانت له آثار كبيرة جعلت هذا العلم يُثْقِل مجالَه بمسائل الفقه وعلم الكلام ويُقيِّد نتائجه بزاوية نظرهما المرتبطة جوهريّا بالقرآن لدوران الأوّل على "استنباط" الأحكام منه والثّاني على التّدليل على إعجازه والرّدّ على المنكرين؛ ما يعني أن وجوده متعلّق بما يقدّمه من آليّات ومفاهيم وتخريجات تخدم "نظام البيان" في صراعه مع النّظامين المعرفيّين الآخرين[21]. ولا يخفى أنّ الفيلسوف يلحّ، في مناسبات عديدة، على أنّ الانزلاق إلى تحكيم الآليّات البيانيّة في بناء العلم في كلّ المجالات لم يكن أمراً لا مفرّ منه، خاصّة أنّ القرآن نفسه الّذي يستغله البيانيون للتّمكين لطريقتهم في الفهم وإنتاج المعرفة إن كان يستعمل التّشبيه والمماثلة والقياس.. فإنه لا يعيِّن طريقة مخصوصة لبناء العلم في مجالاته المتباينة.

    ج- حجّة العمري في حكمه بضعف التّأصيل للقضايا البلاغيّة في مجال "التّرسّل":

من بين العناوين الّتي وضعها العمري تحت ما سمّاه بمدخل "البلاغة التّطبيقيّة عنوان "(أ) التّرسّل في الخطاب السّياسي". يبتدئ تحته بــ"تعريف" التّرسّل ويحيل إلى كتابه "في بلاغة الخطاب الإقناعي" إرشادا منه للقارئ من أجل "أخذ فكرة عن نشأة الكتابة في عصر الخطابة" ويقول: «إنّ ما يهمنا هو أن الجابري حمل المسؤولية كاملة للترسل في ترسيخ قيم الطّاعة، معنوناً الفصل الخامس من كتاب العقل السّياسي العربي: «التّرسّل أول تأليف في الأخلاق، والطّاعة أولى القيم!» [22]». و"يوضّح" عنوانَ الجابري قائلا "إنّ المقصود به هو أن التّأليف في الأخلاق لم يكن بلغة العلم التقريرية المحايدة المدعمة بحجج "عقلية"، بل كان عن طريق كتابة الرّسائل الّتي تحلّ محلّ الخطابة" مؤكّدا أنّ "الخطابة بدورها اعتمدت أسلوب التّرغيب والتّرهيب". يتحدّث، بعد ذلك، في ثلاثة أسطر بصيغة التّشكيك "عن تلازم ما سمّاه الجابري "أدب اللّسان" و"أدب النّفس"" و"يوضّح" أنّ مقصوده بأدب اللّسان هو "التّرسّل" «الّذي حمل قيما جديدة، اعتبرها الباحث دخيلة، وهي قيم الطّاعة وأخلاق الطّاعة»؛ ثمّ يعود ليحدّد "المهمّ" مرّة أخرى فيقول إنّ: «المهم في هذا المقام هو تركيزه على الدّور الّذي أدته صور الأسلوب حين حلّت، في نظره، محل «التبرير الدّيني والبرهان العقلي»[23]». لكنّه لا يذكر شيئا من "القضايا البلاغيّة الّتي لم يعالجها الجابري معالجة نظريّة"، بل يكتفي بإيراد مقتطف من كلام الجابري ويعلّق عليه على ما نحو ما سنرى في الفقرات المواليّة. وقد سبق للعمري أن عاب على الجابري "اختزاله" للبلاغة في التّشبيه؛ ويعود في هذا المقال ليدّعي أنّ الفيلسوف يستفيد من قضايا البلاغة "دون معالجة نظرية" وهو ادعاء مجرّد ليس له عليه، فيما وضعه تحت العنوان الّذي نناقشه هنا، حجّة تذكر. أمّا الفيلسوف  فقد تتبع  الآليّات البيانيّة من تشبيه وتمثيل ومماثلة واستعارة وقياس عند البلاغيّين والنّقاد في كتابيه "التّكوين" و"البنية" تتبّعا متعدّد المستويات متشعّب الأوجه، تنقّل في جميعها بالرّصد والتّحليل والتّفريق والجمع بجديّة جعلت عمله يتمتّع بصدقية لا تكفر؛ وحلّل خطاب التّرسّل تحليلا دقيقا استعمل فيه آليّات مختلفة قدّم بشأن ما يفتقر منها إلى التّوضيح القدر الكافي دون استعراض؛ لكنّه لا يقوم بذلك من منظور بياني لفظيٍّ ضيِّق[24]، ولا باعتباره بلاغيّا يضع علم البلاغة وأشكال التّعبير على رأس جدول أعماله، بل يكتفي، في ما يتعلّق بالعلم، بتتبع تكوّن موضوعاته ومفاهيمه وآليّاته ويدقّق في تصنيفاته، ويستمد في تحليله للخطاب وأشكال التّعبير ما له علاقة بموضوعه وما يحتاجه من مجالات علميّة مختلفة بما فيه مجال البلاغة نفسه مع الحذر اللّازم والنّقد الضّروري. 

   ولأن العمري لم يذكر حجّة على ما ادّعاه، فإنّنا نكتفي بتعقّب ما قال ممّا يسيء إلى أعمال الفيلسوف ولا ينفعه هو في شيء. فنشير، في البداية، إلى أنّ إيراد العمري حديث الجابري عن "أدب اللّسان" و"أدب النّفس" بصيغة التشكيك  "ما سمّاه الجابري .." لا ينقص من وجاهته البتّة، خاصّة أنّ الجابري لم يسمّ شيئا، بل قام بتشخيص تمييز قائم، وله عليه أدلّة كثيرة، وممّا أشار إليه الجابري مقتطف لأبي هلال العسكري يتحدّث فيه عن "حاجة الشّريف إلى "أدب اللّسان" المتمثّل في "الشّاهد" و"المثل" و"الشّذرة" و"الكلمة السّائرة"، بعد  "السّلامة من اللّحن[25]". وهو مقتطف كاف لتصحيح كلام العمري عن الجابري من وجوه: الأوّل أنّ البلاغيّين أنفسهم تحدّثوا عن "أدب اللّسان" و"أدب النّفس" وربطوا بينهما وليس "البلغاء" وحدهم من أمثال ابن المقفع، وهذا يعني أنّ الجابري لم يُسَمّ شيئا، بل رصد وشخّص؛ والثّاني، يزعم العمري أنّ الجابري «قصد بأدب اللّسان "التّرسّل"»، وهذا غير صحيح، لأنّ الجابري لا يساوي بين أدب التّرسّل وأدب اللّسان، إذ الثّاني أعمّ، ويحتاج إليه "الشّريف" في مجالات أخرى كثيرة منها ما ذكره أبو هلال العسكري في المقتطف نفسه الّذي أورده له الجابري؛ والثالث، أنّ الجابري لم يقل إنّ «التّرسّل حمل قيمة أخلاقية دخيلة هي قيمة الطّاعة وأخلاق الطّاعة» دون تقييدات، بل إنّه أوضّح أنّ هذا النّوع من "أدب اللّسان" المتمثل في "التّرسّل" أسهم بشكل كبير في تعزيز مفهوم الطّاعة بإقامته على أساس الدّين؛ والرابع هو أنّ الجابري يقول إنّ هذا النّوع من "أدب اللّسان" المتمثل في التّرسّل يكثر من الاستشهادات من الموروث العربي الإسلامي فيثقل الخطاب بما يقوم مقام الحجاج العقلي، فيشاء العمري أن يشكِّك في ذلك بالزّعم أن ذلك مرتبط بـ "نظر الجابري"؛ وهذا العسكري يؤكد أن أدب اللّسان" يستعمل "الشاهد" و"المثل" و"الشذرة" و"الكلمة السائرة"، لـ«يزيد المنطق تفخيما ويكسبه قبولا ويجعل له قدرا في النّفوس وحلاوة في الصّدور، ويدعو القلوب إلى وعيه، ويبعثها على حفظه ويأخذها باستعداده لأوقات المذاكرة، والاستظهار به أوان المجاولة في ميادين المجادلة والمصاولة في حلبات المقاولة. وإنّما هو في الكلام كالتّفصيل في العقد، والتّنوير في الرّوض، والتّسهيم في البرد[26]»؛ وهذا كلام لو فُصِّل لكشف مزاعم المعترض دفعة.

  • تحميل المسؤوليّة كاملة لبلاغة ابن المقفع والكُتّاب المُترسّلين في ترسيخ قيم الطّاعة:

    ويزعم العمري أنّ الفيلسوف حمّل المسؤولية كاملة للتّرسّل في ترسيخ قيم الطّاعة، ويضيف "أنّ البيئة العربيّة لم تكن في عصر ابن المقفع في حاجة إلى من يستورد لها قيم الطّاعة[27]"؛ وهذا الكلام لا يصدر إلا عن جهل بالتّاريخ وبعمل الفيلسوف أو برغبة عمياء تُحَرِّك للطّمس والتّزوير. وإنّا لنعجب ممّن يجد أنّ الجابري جعل خطاب التّرسّل هو المسؤول بشكل كامل عن ترسيخ قيم الطّاعة ويستمرّ في "الاعتدادِ به" وعدّه، فوق ذلك، فيلسوفا. والواقع أنّ نظرة الجابري أدقّ من أن تربط أيّ ظاهرة بعلّة أو سبب واحد؛ وإذا ما اقتصرنا على مسألة تبنّي النّظام القيمي الفارسي فإنّ كتاب "العقل الأخلاقي" هو في جزء كبير منه تتبّع صبور لأزمة القيم الّتي تولّدت في البيئة العربيّة إثر التّغييرات الّتي أحدثها فيها الدّين الجديد وأبرزتها "الفتنة الكبرى" وعمّقتها سيرورة الأحداث والوقائع عبر التّاريخ. ونحن، هنا، نعتمد أساسا على الفصل الخامس -الّذي يشير إليه العمري- من "العقل الأخلاقي"، فهو وحده كفيل بأن يُظْهِر المسافة الفاصلة بين تدقيق الفيلسوف وتحريف العمري بتبسيطاته المخلّة وإطلاقاته غير المنضبطة لوازع من علم أو خلق. وسنكتفي بالمقتضب الكافي-مع ذلك- في إبراز بُعْد الفيلسوف عن هذا الادّعاء الأجوف المتعلّق بتحميل الجابري المسؤولية كاملة للتّرسّل في ترسيخ قيم الطّاعة في الوقت الّذي لم تكن هناك حاجة لاستيراد تلك القيم. وننبّه منذ البداية إلى أنّ صاحب "نقد العقل الأخلاقي العربي" لم ينشغل بشعريّة الكتابات القديمة أو أدبيّتها، ولا فرق؛ ولم ينشغل، بالمقابل، بأخلاق النّاس الجارية في تفاعلاتهم العينيّة؛ بل انشغل بالعقل الأخلاقي، وهو -على النّحو الّذي وضّح في سياقات كثيرة بدءً من العنوان الفرعي- تلك المحصّلة الاعتباريّة لنظم أخلاقيّة تحملها مجموعات بشريّة منظّمة وغير منظّمة ديناميّة-متفاعلة في إطار سياسي. وفي سياق تتبّعه لكيفيّة تشكّل التّفكير في الأخلاق في المجال العربي بيَّن أنّ التّرسّل هو فعلا أوّل مجال خطابي ينقل ويروّج لنظام قيمي مرتبط بالثّقافة الفارسيّة، وأظهر أنّ بنية خطاب التّرسّل نفسها مستمدة من تلك الثّقافة مع إجراء تكييفات ضروريّة حتّى تكتسب صفات التّعبير العربيّ "المبين". أمّا الطّاعة الّتي تشكِّل القيمة المركزيّة في ذلك النّظام القيمي الّذي نقلته وروّجته الثّقافة ذات الأصل الفارسي فما كان لها أن تترسّخ إلّا بتضافر عوامل كثيرة، منها اعتضادها بما ساد في "فقه السّياسة" من إلحاح على واجب طاعة الإمام، وبما راج في علم الكلام -مع تغيير وقلب- من قولٍ بالجبر مع الجهم بن صفوان، وإسقاط لمبدأي "العدل والتّوحيد" -اللّذين قال بهما المعتزلة وحلفاؤهم من التّنويريين- على الخليفة "من أجل أن يبلغ كماله" فـ"لا يكون له شريك في الحكم ولا يتّصف بالصّفات الّتي يتّصف بها مطلق الناس[28]".  وإذن، فلقد كانت الطّاعة موجودة في الثّقافة العربيّة "الخالصة"؛ لكنّها لم تكن تشكّل فيها قيمة مركزيّة، وكانت موجودة في الثّقافة الإسلامية "الخالصة" لكنّها لم تكن تحتلّ فيها هي أيضا موقع الصّدارة. ومرتبتها في سلم أيّ نظام ليست ثابتة، وهي قابلة لأن تتحوّل بفعل توافر متغيّرات مختلفة فتنتقل في سلم نظام من النّظم القيميّة إلى موقع أدنى أو أعلى؛ والفيلسوف لا يفكّ الارتباط بين نظم القيم الّتي يرصدها ويشخّصها، ولا يعتبر أيّاً منها مستقلّاً متّصفاً بجوهرانيّة قد تدفع إلى عدّه برانيّا عن المجال العربي، لأنّ جميعها هو ما يشكّل عقل هذا المجال، ولا يعتبر أنّ أيّاً منها يمكن أن يتّصف بخلوص حقيقي يجعله مستقلا مكتفيّا بنفسه، بل يعتبرها نظما منتشرة في حقول وتخترقها نزعات وتيارات. بهذه الخلفيّة وفي هذا السيّاق يقول الفيلسوف (1) إنّ «أوّل درس في "الأخلاق والسّياسة" تلقاه العقل العربي كان على يد معاوية، حاملة السّيف، لا القلم، وكان بعنوان: "الجبر"» والجبر، كما لا يخفى، هو الإكراه وفرض الطّاعة في إطار دنيويّ قَبَليّ، والفيلسوف يُبْرِز هذه الطّاعة المفروضة بالقوّة الصّريحة العارية الّتي تكاد تستغني عن حيل اللّغة وخدمات الدّين ويقدّم لها حججا تقنع المُنْصِفين؛ ويقول (2) إنّ الدّرس الثّاني كان هو "الطّاعة"، و«كان هذه المرّة في مادة "الأدب"، والأدب قلم يقوم مقام السّيف»[29]. نعم "الأدب" بمعناه المتضمّن لما تدلّ عليه كلمة الأخلاق -الّتي لم تستعمل إلّا في ما ترجم أو لخّص من مؤلّفات اليونان[30]- هكذا قال؛ وقد قدّم لذلك في تحليله "كليلة ودمنة" و"عيون الأخبار" و"العقد الفريد" و"المستظرف" و"صبح الأعشى" -وهذا للتّمثيل فحسب- حجّته البالغة. والفيلسوف، في مستوى آخر، يرى أنّ للآداب السّلطانية النّصيب الأوفى في ترويج وترسيخ القيّم الكسروية وعلى رأسها "الطّاعة"؛ ولكنّ هذه القيّم الكسروية والثّقافة الفارسيّة الحاملة لها لم تهجم هكذا من تلقائها حتّى "يُحمّلها الجابري وحدها المسؤولية كاملة"! بل إنّ الدّولة الأمويّة في مراحل ضعفها ستعمل على تكييف آليّات صراعها من أجل الاستمرار في تجبّرها بالقضاء والقدر، فتعمد إلى طلب واستعمال تلك الثّقافة، وهو ما يعني أنّ الفيلسوف يشدّد على تَوَلُّد الحاجة إلى نقل الثّقافة الفارسيّة على مستوى بنية الدّولة أولا، فظاهرة التّحول في أسلوب الرّسائل جاء في سياق انفتاح الدّولة الأمويّة أواخر عهدها على الأدب الأخلاقي والسّياسي الفارسي "نتيجة التّحول النّوعي الّذي حصل في بنية الدّولة الأمويّة نفسها"[31] 

   فيظهر أنّ تحليل الفيلسوف متيقّظ، يضع في الاعتبار مجالات ومستويات ومتغيّرات لا يمكن أن نحيط بها في هذه العجالة، بلهَ أن يلتقطها متسرِّع يجعل قائدَه في كلامِه هواه! ففي هذه المسألة وحدها نجد الجبر الأموي، وحاجات الدّولة في مجال الاقتصاد والإدارة والسّياسة[32]، وضعف الدّولة الأمويّة وتكييفها لأدوات السّيطرة ممّا يَسّر وسَرّع نقل الموروث الفارسي، وضمن الموروث الفارسي، الأدب السّلطاني -عهد أردشير و"كتاب التاج في أخلاق أنوشروان" وكتاب الجاحظ المعتزلي "التّاج في أخلاق الملوك"..-وضمنه التّرسّل، وعلم الكلام! لكنّ العمري لا يأبه لهذا ولغير هذا، فيزعم –كأنّه يكتب لسكارى مغفّلين[33]- أنّ الجابري وجد نفسه "في حاجة إلى الهجوم العنيف على بلاغة ابن المقفع والكُتّاب المترسّلين ممّن حمّلهم المسؤوليّة كاملة واتهمهم بتمرير أخلاق الطّاعة[34]"! 

  • الهجوم العنيف على بلاغة ابن المقفع:

   وماذا عن القيمة الجماليّة لكتابات ابن المقفع، عن "بلاغتـ"ـه بتعبير العمري؟ ماذا قال الجابري بخصوصها؟ في تقديرنا لا بد من الانتباه إلى أنّ الجابري لا ينظر إلى الخطابات والعبارات في إطار فرادات مفترضة تربطها بذوات مؤسِّسة ومتطابقة وقادرة على الإنشاء من لا شيء على شاكلة إلهٍ كليِّ القدرة. لذلك، فإنّ كتابات ابن المقفع –وفق تقديم الفيلسوف- مضفورة من وقائع خطابيّة فارسيّة وأخرى عربيّة ومعجونة بطينة واقع تاريخي فردي وجماعي لا يمكن تمييز مكوّناته من زاوية منظورات تقليديّة مكتظّة باليقين. ولعل مؤلفّات ابن المقفع الّتي يغلب فيها النّقل والتّرجمة تقدّم حجّة إضافيّة على واجب التحرّز من النّظر إليها باعتبارها بلاغة خاصّة متفرّدة  على نحو مطلق تفجّرت بها ذات تتعالى على التّاريخ وتفرض نفسها باعتبارها البلاغة بالأحرف الكبيرة، لأنّ ابن المقفع نفسه يقرّر-وقد أورد ذلك الجابري- أنّ "السّابقين لم يتركوا، في مجال الأدب أو الأخلاق، لمن يأتي بعدهم مجالا للابتكار، مما جعل دور المؤلّف فيهما بعدهم محصورا في التقاط ما تركوا وتبويبه وتنضيده.."[35] وبذلك، يتّضح أنّ الجابري يبقى خارج الإطار الّذي يحاول العمري حشره فيه: فابن المقفع ترجم  كتبا عديدة –روّج فيها للقيم الكسرويّة- بأسلوب «عربي "مبين"، اعتبره بعضهم نموذجا في الكتابة، مما كرّسه عبر العصور والأجيال مرجعا في "أدب النّفس واللّسان»[36] ولقد «احتل ابن المقفع هذا الموقع ليس فقط بسبب كثرة ما كتب، ترجمة وتأليفا وتلخيصا، بل أيضا لأنّه استطاع أن يصوغ ذلك كلّه في أسلوب عربي اعتبر –عن صواب أو خطأ- المثل الأعلى في البلاغة بعد القرآن؛ فكانت نصوصه تتداول، ليس فقط من أجل مضمونها، بل أيضا من أجل أسلوبها. كانت تؤخذ كنماذج لتعليم الكتابة، أي "الإنشاء"[37] ويضيف في مكان آخر: «لقد تحدثنا عن الطريقة الّتي سلكها ابن المقفع في الكتابة، أعني عن أسلوبه الّذي اعتبر نموذجا في البلاغة. وقد تعمد هذا الأسلوب إلى درجة التكلف أحيانا علما منه أن البلاغة هي وسيلة الإقناع في الثّقافة العربيّة، وأن دورها –في العصر الأموي خاصة- هو النيابة عن المنطق والجدل. ولعلّ هذا كان الشّأن نفسه في الثّقافة الفارسيّة أيضا مما سهّل عليه المهمّة ومكّنه من إدخال نوع من البلاغة جديد في الخطاب العربي، هو ذلك الّذي يقال إنّ ابن المقفع قد اختص به[38]

   فنلاحظ أنّ الفيلسوف يسجّل تسجيلا وصفيّا محايدا المكانة الّتي حظيت بها كتابات ابن المقفع في الثّقافة العربيّة فيقول إنّها كانت ترتّب في الدرجة العليا لا يَفْضُلُها عند القدماء سوى القرآن، فقدّموها واعتبروها نموذجا للكتابة والإنشاء، ويوضّح أنّ ذلك لا يعود إلى محتوياتها المنقولة فحسب، بل إلى صياغتها العربيّة "المبينة" أيضا، أي الصّياغة الّتي تستمد من معهود استعمال العرب للغة في الإبانة. إلا أنّ الانتباه واجب إلى أن الحياد الّذي يقدّم به الجابري هذه المعطيات وإشارته المتكرّرة إلى الاختلاف حول قيمة هذه الكتابات يدلان على أنه لا ينطلق من الآراء الرّاسخة والتّصورات المتوارثة فيما يتّصل بالبلاغة والخطاب والنّص والقيمة الجماليّة وغير ذلك من المفهومات والمسائل الآيلة لمجالات تحليل الخطاب. لهذا تجده يشير إلى توظيف صنعة في الكلام غير مألوفة في ذلك المعهود العربي المشار إليه، صنعة تبدو في الكثير من سماتها متكلّفة بالقياس إليه، لجأ إلى استعمالها ابن المقفع –وعبد الحميد وسالم- لتعويض عصا الأمويين وسَيفِهِم بعد أن تسرّب الوهن إلى أوصال دولتهم واحتاجوا إلى تغيير أدوات الإخضاع، والثّقافة الفارسيّة الّتي ينقل عنها ابن المقفع وغيره كانت توفّر أهم عناصر تلك "الصّنعة ".

  ب- الهجوم العنيف على "التّرسّل":

    لم يرتم الجابري إلى مجال بعيد عن الموضوع الّذي يشغله، وتناوله للتّرسّل والآداب السّلطانيّة عموما فرضه موضوعه المتمثل في دراسة "العقل الأخلاقي العربي"[39]. وخطابات الآداب السلطانية لم تُكتب لتحقيق متعة فنيّة وجماليّة خالصة، ولا حتّى غالبة؛ بل هي خطابات تولّدت، أساسا، في إطار التّدافع السّياسي. والإلحاح على الأساسيات ضرورة لقطع الطّريق على محاولات جرّ هذه الآداب إلى مجال لا تنتمي إليه من أجل الاستمرار في رفع ما تحمله من رؤى وقيم وأفكار إلى مستوى الحقائق والحِكَم المطلقة الّتي لا يملك النّاس أمامها إلا الاستحضار والتكرار، وهو بالضّبط ما تصدّى له الفيلسوف بصرامة استثنائيّة. ونحن نؤجّل مناقشتنا الّتي نريدها مختصرة إلى العنوان الأساسي السادس، ونبدأ، هنا، بالمسائل الّتي تدخل في المجال الّذي ينظر من خلاله المعترض. ومن البيّن بنفسه أنّ البلاغي يمكنه أن يضع أيّ خطاب في أيّ مجال موضع التّحليل والمدارسة. والآداب السُّلطانية تشكّل موضوعا خصيبا يمكن أن يكون فيه للبلاغي النّبيه نظرات نافعة، قد تعزّز وتثري قراءة الفيلسوف، وقد تضعّفها، بالمقابل، وتبيّن بطلانها؛ وهذا مما لا يُشكل.

   ج- اتّهام "التّرسّل" بالتّكلف: 

   ينقل العمري فقرة كاملة للجابري بأمانة – يقول- لدقّة المسألة، نورد منها نحن ما يرتبط بـ"التّكلف" الّذي علّق عليه، ونثبتها كاملة بالهامش: «لقد كانت رسائل ملوك بني أمية، خاصة منهم المتأخرين، من أهم الوسائل الّتي استعملوها في نشر القيم الّتي كانت تخدمهم، قيم الطّاعة خاصة.. ولم يكن تأثيرها مقصورا على ما تتضمنه من أخبار وتوجيهات وأوامر مباشرة، بل كان جانب "التّرسّل" فيها أبلغ في نشر قيم بعينها. والتّرسّل صيغة تفيد معنى التّكلّف. فإذا كان موضوع الرّسالة هو إصدار "أمر"، لا يحتاج إلى أكثر من بضع جمل أو فقرات باللّغة العادية، فإن التّرسّل هو صياغة ذلك "الأمر" في نصّ بلاغي ترصف فيه الجمل والعبارات رصفا، وتتزاحم فيه الاستشهادات بالقرآن والحديث وغيرهما من الموروث العربي والإسلامي في قالب، بل قوالب لغوية يراد لها أن تقوم مقام التّبرير الدّيني والبرهان العقلي[40]». والفقرة الّتي ينقلها كاملة - بأمانة - تكشف الكثير من تلبيساته الطّامسة لحذر الفيلسوف وتدقيقه، وسنعود إلى بعض ذلك. أمّا في هذه الفقرة فننشغل بتعليقه على ما نقله من كلام الفيلسوف، مما له متاتة بـالـبلاغة. يقول معلقا: "إن الحكم على نص ما بالتكلف يقتضي إثبات عدم ملاءمة شكله المقام الّذي دبّج فيه والقصد المتوخى منه"، ثم يورد من محفوظه ما يتعلّق بارتباط صيغة الأمر بطبيعة العلاقة بين الآمر والمأمور، كأنّ تلك الدّروس الابتدائيّة ممّا يغيب عن نظر الفيلسوف. والواقع أنّ تلك الدّروس نفسها إنّما تحضر في تحليلات الفيلسوف على نحو دقيق إبداعي فعّال وليس في شكل محفوظات وأوراد. يقول الفيلسوف: «والتّرسّل صيغة تفيد معنى التّكلّف». وهذا من أبجديات علم الصرف، يوظّفه الجابري دون استعراض. فصيغة "التّفعل" في زِنَتِها المجرّدة نفسها هي ما يفيد، وفقا للبيانيّين أنفسهم، معنى "التّكلف". فـ" تَفَعّلَ" يمكن أن تفيد الكثير من الأغراض " كأن "تُكَسِّر" الشيءَ بالشّدة اللازمة فـ "يَتَكَسَّرُ" مُطاوٍعاً لك، وكَأَنْ "تُجَرِّعَ" الشّخصَ الدّواءَ فـ"يَتَجَرّعهُ" تدريحيّا مطاوعةً، وكأنْ يَتَكلّفَ الشّخْصُ "التّحَلّمَ" و"التّصَبُر"َ ويسعى لإبراز جوانب القوّة لدى الفيلسوف؛ ومعنى صيغة "التّرسّل" –في سياق كلام الجابري المقتطف- هو هذا المعنى الأخير: التّكلف. وهو مرتبط بالوزن المجرّد للكلمة، وليس له دلالة سلبيّة لا تفارقه، وإلّا دلّ على ما هو سلبي، مثلا، في "تحلّم" و"تصبّر" و"تكرّم"؛ وَلَيْسَ. لنقرأ ما يقوله ابن وهب، وهو للتّمثيل لا أكثر: «والتّرسّل من «ترسّلت – أترسّل – ترسّلا، وأنا مترسِّل» كما يقال «توقّفت بهم – أتوقّف – توقّفا، وأنا متوقّف»، ولا يقال ذلك إلّا فيمن تكرّر فعله في الرّسائل. كما لا يقال: «تكسّر» إلّا فيما تردّد عليه اسم الفعل في الكسر. ويقال لمن فعل ذلك مرّة واحدة: «أرسل – يرسل- إرسالا، فهو مرسل». والاسم «الرّسالة». أو «راسل – يراسل- مراسلة، وهو مراسل» وذلك إذا كان هو ومن يراسله قد اشتركا في المراسلة»[41] . ولنلاحظ عبارة ابن وهب: لا يقال ترسّل «إلا فيمن تكرَّر فعله في الرّسائل»؛ فهي لا تدلّ على تكرار فعل الإرسال  في ديوان الكتابة لدى السّلطان والأمير فقط ، وإلا قال " إلا في من تكرّر فعل كتابتة الرّسائل" مثلا؛ أمَا وأنه اختار أن يقول إنّ التّرسّل يقال "فيمن تكرّر فعله في الرّسائل" فإنّه يشير إلى الأمر نفسه الّذي تحدّث عنه الجابري، أمر تلك الخصائص العامّة المميّزة لهذا النّوع من الخطاب الّتي وضعها  في الاعتبار من اصطلحوا على تسميته بـ"التّرسّل"، وهي كلّ تلك الآليّات الخطابيّة الّتي تمكن الكاتب من "تزيين أمور" الوزير والخليفة والملك أو "المالك" «بكلّ ما يجد السّبيل إليه»[42]

   هذا وجه من الانتقال غير المراقب بين المستويات الّتي يُقَلّب فيها الفيلسوف نظره ويرتّب فيها كلامه، انتقال يجعل العمري يوهم القارئ أنّ ما قاله الجابري عن دلالة صيغة صرفيّة بما تتضمّنه من حكم عام -هو بالضّبط ما روعي عند من أطلق التّسمية وكرّسها وهم البيانيّون أنفسهم- هو حكم على نص متعيّن، ليتمكّن، بعد ذلك، مِن التدخّل بتعالم فجّ، لاستعراض معلومات ابتدائيّة تمنع الفهم عوض أن تنتجه وتعين عليه بسبب إقحامها في سياق غير مناسب، من قبيل(1) إنّ "الحكم على نص ما بالتكلف يقتضي إثبات عدم ملاءمة شكله المقام الّذي دبج فيه والقصد المتوخى منه"! و(2) «إن الحديث عن الزخم اللفظي الموحي بالتكلّف يقتضي أكاديميا تفسير الدّور الّذي كان يؤديه إنشاء مناقض في بنيته، مماثل في وظيفته، وهو التّوقيعات الشبيهة بالرّسائل البرقية. وكانت لها مكانة بلاغية لا تقل عن مكانة الرّسائل»

  • تغييب المقام:

   في ما يلي وجهٌ آخر لاستعمال المعلومات الابتدائيّة في مجال البلاغة لإحراز مكاسب لا تمتّ إلى العلم والأخلاق بصلة. لنَقرأ: «إن الحكم على نص ما بالتكلف يقتضي إثبات عدم ملاءمة شكله المقام الّذي دبج فيه والقصد المتوخى منه، فصيغة «الأمر» مثلا، تتحدّد بطبيعة المأمور وعلاقته بالآمر: قد يكون متمرداً، أو معانداً، أو غافلاً، أو حبيباً، أو ابناً مقرباً أو عاقاً..إلخ، ولكل من هذه الأحوال شكل يلائمه. ربما تكفي بضع كلمات مع خادم أو جندي تكون ذاته في مستوى الصفر بالنسبة إلى سيّده أو قائده العسكري. فهنا ربما تكون درجة الصفر الّتي ينزاح عنها الأمر بحسب الأحوال. والقصد يناقش في إطار تطور الأساليب من الشفوية إلى الكتابية، وفي معرفة أحوال التلقي في ذلك العصر[43]». فنلاحظ أنّ العمري يقوم، في هذا القول، بإجراءين اثنين بقصد تزييف "الحكم بالتّكلف" الّذي يسنده إلى الجابري: الأوّل هو "استعراض" معلومات أوليّة عن تبعيّة شكل أسلوب "الأمر" لنوع العلاقة بين "الآمر" و"المأمور"، وذلك بقصد تضييق مفهوم المقام بربطه بمستوى واحد من مستوياته، وهو المستوى الخطاطي المجرّد المرتبط بوضعيات تعليميّة تعتمد جملا منعزلة عن المواقف الفعليّة الّتي يتم ضمنها إنتاج وتداول الخطابات؛ والثّاني هو استعمال مفهوم القصد بمواربة تُميّع دلالته وتمكّن من مؤاخذة الفيلسوف بكلّ شيء وبلا شيء يمكن فرزه والاحتكام إليه: فالحكم بالتّكلف ينبغي أن يتم –إضافة إلى المقام- بالاحتكام إلى "القصد المتوخى منه"، والقصد "يناقش في إطار تطور الأساليب من الشّفوية إلى الكتابيّة، وفي معرفة أحوال التّلقي في ذلك العصر"! 

   والعمري لَمْ يوفّ مفهوم المقام حقّه من الّتيقّظ، أو لم يوَفّ الأمانة حقّها من التنزّه إن لم يكن قَصَد إلى التزييف[44]. فالمقام ليس مفهوما بسيطا، بل هو متعدّد المستويات، يمكن أن يتدرّج من الدّلالة على مجموع مكونات المجال الضّيّق الّذي تمّ فيه تداول الخطاب بين مرسل ومتلق وهو المعنى الّذي يوجّه إليه العمري هنا، إلى مجموع مكوّنات المجال الواسع الشّامل للمجتمع الّذي تمّ فيه ذلك، إلى مجال أوسع يضع في الاعتبار الفترة التّاريخيّة ككلّ. لكنّ هذا ليس وحده ما يجعله مفهوما إشكاليّا، يتوجّب استثماره بحذر؛ بل إنّ هناك ما هو أخطر، ولا يحضر في أفق التّصور التّقليديّ الّذي ينطلق منه العمري: إنّ مقام الخطاب الفعْلي يقع خارج الخطاب، وخارج لحظة قراءة ذلك الخطاب، وهو ما يعني أنّ الكلام في المقام وعنه يجب أن يتخلّى عن وهم إمكانيّة ملاحقته واسترجاعه بشكل مطابق؛ ويسعى، مقابل ذلك، إلى تشييده نوعا من التّشييد. وهذا بالضّبط ما قام به الجابري: إنّ التّاريخ عنده مبني، كما يؤكّد، على أساس مصادر اجتهد في البحث عنها وعمل على نقدها وتقويمها وتصنيفها[45]، ما يعني أنّه يعي تماما مباينة مستوى الثّقافة لمستوى الواقع، لذلك تراه يلحّ على زاوية النّظر الّتي ينطلق منها، فيوضّح أنّ ما يشغله إنّما هو "الفكر الأخلاقي"، أي: "الكلام المنظّم المكتوب الدّاعي إلى تطبيق نوع معين من الأخلاق" أو بصيغة أخرى ذلك "العقل" الجماعي، :«"كنظام" للقيم، يوجه سلوك الجماعة، سلوكها الفكري الروحي، وسلوكها العملي»[46]. والجابري الّذي يقوم بهذه التّمييزات الحذرة  يعرف أنّ الخطابات الّتي يشتغل عليها إنّما تمّت في واقع تاريخي طبعها وحلّ فيها بطرق متفاوتة في الخفاء والتّجلي، تبعا لمتغيّرات كثيرة. لذلك، فإذا كان بلا جدوى محاولة استعادة "المقام" على نحو مطابق، فإن السّعي لإعادة بنائه من خلال تلك الخطابات هو ضرورة تفرضها مسؤوليّة الباحث أمام شرطه التّاريخي الخاصّ؛ وهو يشدّد على ذلك في مناسبات مختلفة، يقول مثلا «..إنّما نقوم بنوع من التّحليل التّاريخي النقدي على مستوى الثّقافة "العالمة"[47]». وذلك  النّوع من التّحليل التّاريخي النّقدي يُبْنى على أساس خطابات وينفتح على أزمنة متعدّدة ومتشابكة: فنظام القيم العربي "الخالص" الّذي تقع "المروءة" فيه موقع القيمة المركزيّة يمتدّ إلى العصر الجاهلي والفترة الأمويّة الأوّلى خاصّة، لكنّه على المستوى التّاريخي إنما تشكّل في إطار ردّ فعل تأخّر إلى ما بعد عصر التّدوين «إلى النّصف الأوّل من القرن الخامس الهجري»[48]، ونظام القيم الإسلامي "الخالص" يمتدّ إلى الحدث القرآني وإلى الفتنة الكبرى وما بعد الفتنة الكبرى، لكنّ التّفكير في مشروع كتاب في الأخلاق تأخّر إلى النّصف الثّاني من القرن نفسه في إطار «التّنافس بين أنصار الموروث اليوناني وأنصار الموروث الفارسي[49]» الّذي ولّد الـ«شعور بالحاجة إلى "علم أخلاق إسلامي[50]»؛ والموروث اليوناني الّذي ارتبط فيه البحث في الأخلاق بالفلسفة والدّولة-المدينة وليس بالسّياسة والسّلطان أو الإمبراطور اتّسم انتقاله إلى الثّقافة العربيّة بتعدّد جعله هو، وحده، "سوقا للقيم"؛ وإذا كان أوّل ما نُقِل منه «هو تلك النّزعة الطّبّية الفيزيولوجيّة الّتي كرّسها جالينوس في هذا المجال من خلال قراءة أخلاق أفلاطون قراءة طبيب لا قراءة فيلسوف[51]» فإن الاتّجاه الفلسفي سيتخلّله التّلفيق وسيتسرّب إليه الموروث الفارسي وعهد أردشير مع الفارابي نفسه، والمنزع التّلفيقي الّذي يأخذ من هنا ومن هنا ليجمع «ثوبا من سبعين رقعة[52]»  هو الّذي سيحتلّ السّاحة كاملة؛  وبخصوص "أخلاق الفناء" -الّتي تؤدّي ضرورة إلى "فناء الأخلاق"- يبرز الجابري استنادا إلى التّاريخ والنّصوص أنّها لا تمتّ بصلة إلى الموروث العربي "الخالص" وإلى الموروث الإسلامي "الخالص" ويظهر، بالمقابل، أنّ  جانب الزّهد المعرض عن الحياة هو ممّا وُجِد بالحضارة الفارسيّة والحضارة اليونانيّة –الرومانيّة والمسيحيّة؛ لكنّ انتشار التّصوّف وأخلاق الفناء المرتبطة به في المجال العربي إنّما كان بسببٍ من تضافر عوامل كثيرة، وأنّ تلك الأخلاق اتّخذت مسارات متعدّدة متفاوتة ومتشابكة؛ أمّا حضور الثّقافة الفارسيّة في المجال العربي فيمتدّ إلى فترات سابقة على الحدث القرآني ، وقد شملت حفريات الجابري فترة تمتدّ من بداية القرن الثّاني الهجري إلى القرن التّاسع، وأظهرت أنّ "التّرسّل" من أهم الآليّات الّتي استعملها الأمويّون لنقل وترسيخ القيم الّتي رأوا أنها تمكّنهم من إدامة سلطانهم، وأنّه «أوّل صيغة من صيغ التّأليف في "الأخلاق" في الثّقافة العربيّة الإسلاميّة»[53].

   وإذن، فإنّ المقام عند الفيلسوف مفهوم مؤسَّس ومؤسِّس، وهو متعدّد المستويات متداخلها. لذلك، لا وجه لدعوى تغييب الجابري للمقام، ولا مبرّر. وقد رأينا معنى "التّكلّف" الّذي يتحدّث عنه الجابري في المقتطف الّذي أورده العمري، وقلنا إنّه وصف يستند إلى خصائص عامّة لـ"جنس" خطابي تولّد عن النّقل والتّرجمة من الفارسيّة وعن خطاب الرّسائل والخطابة في مجال الثّقافة العربيّة في آن؛ وهو، بهذا المعنى،  نفس ما يقصده "البلاغيّون" عندما يتحدثّون عن ضرورة الإشباع والاستقصاء لملء الصّدور والأخذ بمجامع القلوب في الكتب الصّادرة عن السّلاطين في "الأمور الجسيمة، والفتوح الجليلة، وتفخيم النّعم الحادثة، والتّرغيب في الطّاعة، والنهي عن المعصية[54]". لذلك قلنا إنّ ذلك الوصف ليس مرتبطا بخطاب معين مخصوص على نحو حصري. ويبقى أن نضيف الآن أنّ الجابري لم يقل قطّ إنّ خطاب "التّرسّل" لم يؤدّ الوظيفة الّتي أنيطت به، بل إنّه أبرز قيامه بتلك الوظيفة على الوجه الّذي ارتضاه المتعاقبون على السّلطة، وهو ما جعل القيمة المركزيّة في نظام القيم الكسروي تفرض نفسها « كثابت بنيوي يخترق مفعوله جميع نظم القيم الأخرى[55]»؛ لذلك ألح الجابري على واجب العمل على تفسير استعمال خطاب التّرسّل وتفكيك آليّاته في استدامة التّسلط وترسيخ قيم الطّاعة، وعلى أهميّة نقد "العقل" بقصد تحريره من الأشكال الثّقافيّة والقيم الأخلاقيّة المكرَّسة لفسح المجال أمام ابتداع خطابات وعلوم لا تخضع للمسبقات المتكلِّسة المتناسخة الحاجبة للآفاق.  

  • تغييب الفيلسوف للقصد:

 ويتكلّم العمري عن القصد وكأنّه مفهوم محدّد مفروغ منه، في حين أنّه مفهوم إشكالي لم يعد مقبولا استعماله دون تأطير واعتبار للحدود، خاصة بعد الكشف عن كون الفعل التّواصلي لا يخضع بشكل دائم للقصد والوعي؛ والاعتقاد بخضوع الفعل التّواصلي للوعي هو ارتهان لفهم تبسيطي للإنسان وطبيعة التّفاعلات الاجتماعيّة[56]. لكنّ العمري يتكلّم عن القصد وكأنْ لا شيء أوضّح منه، ويرسم له، دون تبصّر، اتّجاهين دلالين، كل واحد منهما متشعّب، ولكلٍ منهما مستلزمات نظريّة ومنهاجيّة: (1) فالقول "إنّ الحكم على نصٍّ ما بالتّكلّف يقتضي إثبات عدم ملاءمة شكله المقام الّذي دبج فيه والقصد المتوخى منه" قول يوجّه إلى مراعاة  القصد من النّص؛  وما يغيب عن العمري، أو يغيِّبه أنّ القصد المتوخّى من النّص يمكن أن يفهم منه قصد مؤلِّفه ومن ورائه –أيضا- قصد السّلطان أو الأمير في ما يتعلّق بالتّرسّل، ويمكن أن يفهم منه قصد النّص نفسه، فقد يُبْحَث في النّص عمّا أراده به صاحبه، وقد يبحث فيه عمّا يقوله النّص بمعزل عمّا أراده صاحبه منه، وإذا حصرنا  المراد في قصد المؤلف فإنّ هذا القصد نفسه متشعِّب، فمنه الواعي ومنه ما يرتبط بمستوى اللّاوعي، وإذا قصرنا المراد في قصد النّص فإنّ ذلك يتشعّب أيضا، بين مسار يبحث عن ذلك القصد بالارتكاز إلى انسجام النّص والكون الدّلالي الّذي يحيل عليه، وقصد القارئ وما يجده في ذلك النّص ممّا يرتبط بأهوائه ودوافعه وإرادته؛ (2) أمّا القول: " والقصد يناقش في إطار تطور الأساليب من الشفوية إلى الكتابية، وفي معرفة التلقي في ذلك العصر"، فيرسم للقصد اتّجاهين آخرين، يرتبط الأوّل بطبيعة "الجنس الأدبي"، أي بالقصد الجمالي الّذي يصدر عنه "المترسّل" في سياق تاريخي يشمل أجناسا خطابيّة شفويّة وكتابيّة؛ ويرتبط الثّاني بـ"معرفة التّلقي" في ذلك العصر، ويتشعّب هذا أيضا إلى إمكان البحث عن صفات المتلقي الّذي كُتِب النّص لأجله من خلال النّص نفسه، أو البحث في تلقيات النّص من قبل فئات القرّاء زمن إنتاجه أو بعده بالتّركيز على الخطابات الّتي تفاعلت معه، ومعلومٌ أن هذا النّوع من البحث إنّما يعتبر المعنى حاصل تفاعل بين "خطاطة" النّص و"الأطر" الدّهنيّة للمتلقي، وهو يفرغ من الأساس القراءات القائمة على قصد المؤلف والمعنى المراد من قِبَله، والقراءات الّتي تسلّم بوجود المعنى في النّص قبل عمليّات القراءة. تلك بعض الإشكاليّات الّتي تغيب عن العمري أو يُغيّبها وهو يوضّح للناس كيف كان على الجابري أن يتصرّف لكي يكون حكمه على التّرسّل بالتّكلّف مبرّرا!

أمّا الفيلسوف فيدرك تعقّد المسالة، ويتعامل مع "القصدية" تعاملا يصحّ وصفه بالظّاهراتي، فلا يُخفي انطلاقه من وضعيته ومن النظر إلى الماضي في ضوء ما يسعى إليه من "خير" في المستقبل، على نحو يصح معه القول إنه هو نفسه قصدية مفتوحة؛ وهو في نظره إلى الوقائع الخطابية يعتبرها وقائع في التّاريخ، ولكنها تحمل، هي نفسها، في طياتها تاريخيّتها، فيتعامل معها باعتبارها شبكة معقّدة من المقاصد. ثمّ إنّه لا يربط "المقاصد" حصريّاً بأيّ ذات مريدة واعيّة تمتلك الحقيقة واللّغة وتتحكّم فيهما، بل يتنقل في تحليله بين أنواع من المقاصد المتحقّقَة في الخطاب. والمقاصد في خطاب التّرسّل، مثلا، متباينة ومتعدّدة المستويات، منها مقاصد السّلطان (الخليفة أو الأمير) والكاتب السّلطاني، وترتبط بأوضاع اجتماعيّة وتتّصف بعموميّة تستمدّ جزءً منها من طبيعة جنس الكتابة نفسه، ومنها مقاصد خليفةٍ محدّد وكاتبٍ سلطاني مخصوص. غير أن ذلك لا يعني، البتّة، أن ما يقوله الجابري في قصد موضعي ضيّق عن "المنصور" أو "ابن المقفع" خاصّ بهما لا يتعدّاهما، ذلك أن ذات كلٍّ منهما مخترقة ومبرمجة ثقافيّا من ناحيّة، ولها من الوجود التّاريخي ومن "الذّاتية" ما به تعزّز أو تخترق، بهذا القدر أو ذاك، تلك البرمجة. والتّأثير المتبادل بين المستويات، في كلّ الأحوال، ممّا يتعيّن أن يُعْتَبر، والجابري يدرك ذلك ويراعيه أثناء تَقَلُّبه بينها. لذلك تجد عين الفيلسوف جوّالة بين زوايا نظر تتعدّد وتتباين وتتغيّر. فالسّلاطين الّذين عادة لا يكتبون: «يتركون الكتابة عنهم وباسمهم لـ "الكتّاب"». وماذا يفعل "الكتّاب"؟ «يكرّسون نمطا من الأفكار والقيم عبر النّصوص المتوارثة[57]». هذا لا يعني، البتّة، حصول التّطابق بين مقاصد السّلطان ومقاصد "كاتب السّلطان"؛ فالتّشابك لا يمنع التّفاوت والتّناقض، وهو ما يتتبّعه الجابري بنباهته المعهودة في مناسبات مختلفة، منها مناسبة تحليله لـ"كلية ودمنة" و"الأدب الكبير" و"الأدب الصغير" و"رسالة الصحابة" الّذي أبرز فيه أنّ "الكاتب السّلطاني" لا يفكِّر ولا يكتب إلا انطلاقا من وضعيّته، دون أن يعني ذلك أنّه يتصرّف بسوء نيّة أو أنه متآمر، ودون أن يعني ذلك أنّ سوء النّية والتآمر غير واردين بإطلاق[58]. لهذا، فهو من ناحية يحثّ نفسه -وفئة الكتّاب- على أن يبذل للملوك الطّاعة[59]، ومن النّاحية الأخرى يندّد بالطّغيان ويحذّر "من مصاحبة السّلطان" إمّا بالتّخفّي وراء الحيوان "الأعجم" أو بصياغة ذلك «في صورة القول الجامع باستعمال الجمل القصار الّتي يستحيل الربط بينها لتركيب تهمة أو استخلاص إدانة، ومع ذلك تقول كل شيء، وهي في ظاهرها "لا تقول شيئا"[60]»؛ والالتقاء والتّفاوت يحصل أيضا بين مقاصد "الكاتب السّلطاني" ومقاصد "كاتب سلطاني" محدّد، لذلك تجد الجابري يتتبّع ما يجمع وما يفرّق بين كل من سالم وعبد الحميد وابن المقفع، بل ويتتبّع ما يجمع وما يفرّق خطابات المؤلِّف الواحد.. وقد أشرنا في بداية هذه الفقرة إلى أنّ في عمل الجابري ما هو أبلغ في الدّلالة على تميّز تصوّره وتوظيفه للقصديّة: إنّ نظرته لا تلغي مقاصد الكاتب، ولا تتوقّف عند مقاصد "السّلطان"، بل تتضمّن جميع ذلك وتربطه بسلوك ثقافي يتّصف بتعالٍ غير ميتافزيقي: توارثُ نمط محدّد من الأفكار والقيم؛ أي أنّ هناك مقاصد لها مَتاتَةٌ بالتّرسّل نفسه باعتباره جنسا أدبيّا جديدا ولّدته متطلبات واقع تنظيم الدّولة، وتضافرت في رسم ملامحه تقاليد في التّفكير والتّعبير والتّداول تنتمي لمجالين حضاريين. وإذا قلنا إنّ هذا النّوع من "القصديّة" المتعاليّة لا تلغي مقاصد السّلطان من ناحيّة ومقاصد كاتب السّلطان من النّاحية الأخرى ولا تلغي مقاصد كاتب محدّد وخطاب مخصوص، فلأن الجابري يلح على الأمر في مواطن كثيرة[61].

  • ترك الفيلسوف للواجب الأكاديمي القاضي بالجمع بين التّرسّل و"التّوقيعات":

   يقول العمري: «.. كما أن الحديث عن الزخم اللفظي الموحي بالتكلف يقتضي أكاديمياً تفسير الدّور الّذي كان يؤديه إنشاء مناقض في بنيته، مماثل في وظيفته، وهو «التّوقيعات» الشبيهة بالرّسائل البرقية. وكانت لها مكانة بلاغية لا تقل عن مكانة الرّسائل[62]»

   لا نأبه لهذه السّفسطة الّتي يكون في إطارها الزّخم اللّفظي "موحيا" بالتكلّف وليس تكلّفا؛ ولكنّا نقول: إنّ الاعتراض على الفيلسوف بوجازة التّوقيعات والزّعم بأنّ توقّفه عند التّرسّل "يقتضي منه أكاديميا تفسير الدّور الّذي كان يؤديه "إنشاء" التّوقيعات"، هو تعالم لا يفسّره إلا الهوس الملحّ بجرجرة الفيلسوف إلى خارج الموضوع الّذي قرّر البحث فيه. فإذا كان الفيلسوف قرّر البحث في "العقل الأخلاقي العربي" ووجد أن كُتّاب السّلاطين كانوا سبّاقين إلى الحديث في القيم والأخلاق، فإنّ العمري يسعى إلى الإيهام بأنّ الفيلسوف إنّما انشغل بـ"شعريّة" الرّسائل أو قل بقيمتها البلاغيّة، وأنّ حكمه لم يكن منصفا، وكان عليه -ليكون كذلك- أن ينظر أيضا في "بلاغة" التّوقيعات[63]! وقد قلنا إنّ العمري يسعى إلى الإيهام، لأنّنا ندرك أنّ تخليطه لا يمكن أن يُقْنِع إلا من ليس في طبيعته شيء من القدرة على الفهم والتّمييز.  

   هذا والتّوقيعات لفظ له مفهومات متفاوتة يلزم تعيينها واعتبارها لمعرفة إمكان وحدود القول بوجود بنية واحدة "مناقضة" –هكذا بدون تقييد- لبنية الرّسائل، فالتّوقيع بنقطةٍ أو بألفٍ ليس هو التّوقيع بآية قرآنيّة أو مَثَلٍ أو بيتِ شعر أو ابتداع عبارة موجزة جازمة جامعة للمعاني، إضافةً إلى أن لفظ "التّوقيعات" استُعمل للدلالة على الرّسائل[64]. والرّسائل نفسها تتفاوت باعتبارات عدّة، فالإيجاز –يقول "الكُتّاب"- واجبٌ عند من يكتب في أمر أو نهي سلطاني «لأن حُكمَ كتب الأوامر والنواهي السّلطانية حُكْمُ التّوقيعات الجازمة الوجيزة الجامعة للمعاني.. إذا كان الأمر والنّهي واقِعَين في معنى واحد لا يحتاج أن يُرْسَم فيه ويُمَثَّلَ ما يكون العملُ بحسبه[65]».

  • مقتل ابن المقفع حجّة على تقييده لمفهوم الطّاعة:

   والفيلسوف يعرف أنّ الإيجاز والتّطويل نسبيّان ومتدرّجان، وأنّ لكلٍّ مقامات؛ وهو يراعي ذلك عند غيره، ويستعمله في كتاباته، وهذا مما لا يُشْكل. ما يشُكِل في هذا السّياق هو، بالضّبط، السّعي المحموم من قِبَل العمري إلى نقل انشغال واشتغال الجابري من النّظر الفلسفي الّذي يتتبّع الأصول ويفكّك البداهات والأفكار المتلقاة إلى مجال "إبدال" بلاغي تعشّش فيه تلك البداهات والأفكار الّتي تُعَطّل العقل وتكبّل طاقات الحياة في الفرد وفي المجتمع. إنّه سعي إلى إفراغ مشروع الرّجل من القوّة، والقوّة في السّياق الّذي نتكلّم فيه تتمثّل في كون الجابري ينظر من زاوية الدّلالة والمعنى ويضع أمام الأعين وظيفة تدمير القدرة على التّمييز الّتي تثوي في التّرسّل وفي عموم الآداب السلطانيّة، ويُحْرِج، بالتّبَع، كلّ التّنظير والتّبرير اللّذين قامت –وتقوم- بهما كتب "الآداب" و"البلاغة". في الشّقّ الأوّل،  يُظْهِر أن ديناميّة نشوء الدّولة التدريجي في البدايات التّأسيسيّة مع الدّعوة والخلافة الرّاشدة أتاح انبثاق "مجال سياسيّ" إنْ كان ينطلق من "الدّعوة والعقيدة" فقد كان يحتكم إلى المصلحة، ويسترشد في الغالب بقيم بدويّة[66] إسلاميّة ليس فيها للطّاعة ذلك المفهوم الّذي ستتّخذه لاحقا[67]؛ لقد كانت حاضرة-وهو ما لم يميِّزه العمري- بمفهوم مباين لما سيؤول إليه الأمر مع "طاعة الدّين" الّتي ستقتحم الثّقافة والمجتمع وتتحكّم في مفاصله وأوصاله؛ فالنّبي، مثلا، لم يكن "ملكا" ولم يَكُنْ "خليفة لله" في أرضه، ولم يسع إلى أن يصير كذلك، وأعوانه لم يشكِّلوا معه وفي ما بينهم أيّ تراتب يمكن أن يماثل تراتب الملك والوزراء والأمراء وعموم رجال الدّولة كما سيصير إليه الأمر في ما بعد، بل كانوا "أصحاباً" و"صحابة"، وكانت فترة خلافتهم له فترة «الانتقال من دولة الدّعوة إلى دولة الفتح.. فكل شيء كان «مفتوحا»: لم تكن هناك مذهبيّة أرثودكسيّة، إذ كان أكثر تصرّفات الصّحابة مبنية على مضمون الحديث النبوي: «أنتم أدرى بشؤون دنياكم» مع استلهام المصلحة العامّة وروح الدّعوة المحمديّة وفي هذا وذاك كان الاجتهاد وكان التّأويل [68]». ويأتي تأسيس الدّولة الأمويّة فيتخلّى معاوية عن مبدأ الشّورى ويقلب خلافة الرّسول إلى ملك فـيحقّق «التوافق بين «القبيلة»، باعتماد الشرعية القرشيّة إلى جانب المجالدة، وبين «الغنيمة» باعتماد مبدأ المؤاكلة والمشاربة، وبين «العقيدة»، باعتماد الجبر القبلي.[69]» وقد قدّم الجابري تبريرات وافية توضّح أنّ لجوء الأمويّين في مرحلة حكمهم الأوّلى إلى استغلال الدّين إنّما كان في حدود إضفاء الشّرعيّة على استيلائهم على الحكم، وفي سياق الرّد على دعوى أحقّية الهاشميّين، وأنّهم لم يستغلوا  الأخلاق وحيل اللّغة بنفس الطّريقة الّتي قام بذلك بعدهم الوارثون من بني العبّاس، بل ومن بني أمية أنفسهم في مرحلة ما قبل السّقوط[70]. لذلك، فإنّ الطّاعة في عهدهم ترجع، في الأغلب، إلى الرّهبة والرّغبة المرتبطتين بتنفيذ الوعيد والوفاء بالوعد والعطاء على الغناء لا على الهوى. وقد ذهب ابن خلدون في تبريره لدور "الغلب"  والعصبيّة القبليّة في سياق حديثه عن اشتراط النّسب القرشي في الخلافة إلى حدّ أن فسّر به شموليّة الدّعوة الإسلاميّة نفسها، فهي لم تكن عامّة إلّا «لأن عصبية العرب كانت وافية بها[71]». وهذا أمر بالغ الأهميّة في سياق الجابري الّذي يضع نصب عينيه واجب التّأسيس لاستقلال المجال السّياسي، وجعله مجالا للتّفاوض حول سبل تنظيم حياة النّاس في المجتمع تنظيما عقلانيّا يتيح تفتّح الأفراد وازدهار المجتمع وتقوية الدّولة. والجابري إذ يدقّق ويضع الفواصل فللتّنبيه إلى أنّ الطّاعة المفروضة بالقمع والإرهاب كان يمكن أن تتخفّف، مع الزمن، بفعل الصّراع، خاصة أنّ المرحلة الأوّلى من الحكم الأموي كانت تتميّز بقدر من الوضوح والتّحلّي بأخلاق المروءة، أو على الأقل بقدر من الطّموح إلى ذلك؛ وهو ما لم يعد ممكنا، بالمقابل، مع مفهوم الطّاعة الّذي اتخذ منحى خطيرا واكتسب دلالات إضافيّة تعزّزه في المرحلة الأخيرة من الحكم الأموي، ثم، بشكل خاصّ، في حكم العباسيّين الّذين جعلوا منه قيمة مركزيّة، ذلك أنّ خطابهم سيجمع «بين «القبيلة» و«العقيدة» على مختلف الأصعدة، فيدمج الأولى في الثّانية بتوسّط «الإرادة الإلهية»: القرابة من النّبي تزكّيها إرادة الله بتطهير أهل البيت من الرجس وتخصيصهم بنصيب من الفيء والغنيمة ليس لغيرهم. واستحقاق بني العباس الخلافة دون الطّرف الآخر من أهل البيت جاء على يد أهل خراسان الّذين ابتعثهم الله لينفذوا –فقط- إرادة الله في رد ميراثهم إليهم: ميراث النّبي في الخلافة عنه.[72]»

    وبذلك تتّضح المسافة بين تمييزات الفيلسوف الّتي تبرز حضور "الطّاعة" في السّياق العربي الإسلامي ولكن بمفهوم مختلف باختلاف الفترات التّاريخيّة، وبين تخليط المعترض الّذي يظنّ أنّ مفهوم الطّاعة واحد يخترق التّاريخ على نحو متطابق، فَيبني عليه القول الجزم بأنّ "البيئة العربيّة لم تكن في عصر ابن المقفع في حاجة إلى من يستورد لها قيم الطّاعة"!

   والجابري مفكّر لا يكتب للمتسرّعين ممّن يقف عند قصديّة "موضعيّة" فيعتبرها قصديّة "كليّة" يختصر فيها عمله كلّه: فعندما يبرز كيف تحوّلت الطّاعة في الفترة العباسيّة فصار الخليفة لا خليفة للرّسول بل خليفة لله، وكيف صار الله نفسه واسطة بين النّاس والخليفة[73]، وعندما يلحّ على الدّور الكبير للآداب السّلطانية في ذلك، وعلى أنّ تلك الآداب إنّما هي منقولة من الأدبيّات السّلطانية الفارسيّة، فليس ليقول إنّ الوضع في المجال العربي الإسلامي قبل ذلك لم يكن به أيّ حضور لأخلاق الطّاعة، وأنّ فترة الدّعوة والفترة الرّاشدة والأمويّة بعدها لم تُورِّث للفترة العباسيّة شيئا من ذلك، وأنّ هذه الفترة شكّلت قطيعة مع ما سبقها، أو، على العكس، أنّ هذه الفترة ليس بها من المظاهر ما يدلّ على الازدهار والتّطور. إنّ الفترة العباسيّة وفق تصوّر الجابري فترة تطوّر تولّدت عن حركة ثوريّة متعدّدة المكوّنات، وهذا لا شكّ فيه. وابن المقفع نفسه «جزء من ظاهرة جديدة، ظاهرة بروز "طبقة" الخاصّة في المجتمع العربي الإسلامي كشريحة اجتماعية[74]»،  طبقة تخترق في تكوينها القبيلة. فهو، وغيره من الكُتّاب، من "صحابة الخليفة"، وإن لم يكونوا من قبيلته أو من زعماء وأعيان قبائل أخرى، كما كان الشّأن في المراحل السّابقة[75]. بيد أنّ السّياسة في نظر الفيلسوف "ليست وحيدة الاتّجاه"؛ لذلك فهو يعتبر أنّ هذه الطّبقة الّتي يمكن اعتبارها مظهرا من مظاهر التّطوّر هي، في الوقت نفسه، طبقة "طفيليّة" تتشكّل من أفراد يتعيّشون من تحلّقهم حول الأمير ووضعهم لخبراتهم رهن إشارته. يصف التوحيدي الحاجة إلى هذه الطبقة، فيقول: «أشرف الصّناعات يحتاج إليها أشرفُ النّاس، وأشرف النّاس المَلِك، فهو محتاج إلى البليغ والمنشئ والمحرّر، لأنّه لسانه الّذي به يَنطِقُ، وعينُه الّتي بها يُبْصِر، وعيبته الّتي منها يَستخرج الرّأي ويستبصر في الأمر، ولأنّه بهذه الخاصّة لا يجوز أن يكون له شريك، لأنه حامل الأسرار، والمحدّث بالمكنونات، والمُفضى إليه ببنات الصّدور.»[76] لذلك فإنّ الكُتّاب كانوا يوجّهون إلى العناية بفئتهم، ويوصون بإكرام "الكُتّاب" لأنّ الله يجري "أرزاق العباد على أيديهم [77]"

   وقد رأينا أنّ العمري مُنْكِرٌ لوقوف الجابري عند مؤلّفات "البلاغيّين" من أمثال الجاحظ والجرجاني والسكاكي في كتابيه "البلاغة العربيّة" و"المحاضرة والمناظرة"، وهو منكر في المقال الّذي نناقشه هنا لوقوف الجابري عند كتابات كتّاب السّلاطين، وهي كتابات ليست من "علم" البلاغة؛ بل هي كتابات في السّياسة والأخلاق، وحديث العمري عن "بلاغة" ابن المقفع إنّما هو حديث عن "كتابات" ابن المقفّع الّتي تتميّز في نظره ونظر الكثيرين بقيمتها البلاغيّة الفائقة. ولسنا ندري بأيّ وجهٍ يمكن أن يقع له العذر لدى أحد من النّاس، بلهَ الباحثين، إذ من الواضح أنْ ليس من الممنوع تناول الكتابات أيّا كانت قيمتها "البلاغيّة"  بالتّحليل والدّراسة من زوايا نظر مباينة للمنظور البلاغي؛ بل إنّ رولان بارط، الّذي أعاد تسليط الضّوء على "البلاغة" بمقاربته التّاريخيّة-البنيويّة الرّائدة، اعتبرها "تقنية"، و"علما أو ما قبل-علم"، و"أخلاقا"، و"ممارسة اجتماعيّة"، بل و"نسقا مؤسساتيّا قمعيّا يفرض اليوم مسافة نقديّة لا بد منها[78]". والجابري ارتأى أن يتّخذ تلك المسافة النّقديّة مع التّراث العربي، فكان أن قام بعملٍ رصين في "التّكوين" و"البنية" خصّ فيه مؤلّفات "علم البلاغة" بتحليل مُنْساق مُتوجّه، وكان أن تعاطى إتمام ذلك في العقل "السّياسي" و"الأخلاقي" وعمد، أثناء تتبّع تكوين ذلك "العقل"، إلى فرز مستويات واستراتيجيّات متشابكة[79] انبثقت عن تفاعلها الدّينامي الإيديولوجيا السّلطانية الّتي تُقْصِر وظيفة العقل، في حقل السّياسة، على التّبرير. وقد كان ابن المقفع «أوّل من دشّن القول في الإيديولوجيا السّلطانية[80]» فـ«انصرف مثلما فعل عبد الحميد إلى الأدبيّات السّياسية الفارسيّة، ولكن لا ليستوحي منها شروط الإنقاذ ووسائله بل ليقدّمها كإيديولوجيا متكاملة للدّولة العباسيّة النّاشئة. وبما أنّ سلاح التّرسّل –رسائل الدّعوة إلى ترك الفتنة ولزوم الطّاعة- لم يكن له في الدّولة الجديدة مثل ذلك الدّور الّذي كان له في الدّولة المنهارة فقد كان لا بد من ظهور سلاح آخر جديد تكون جدّته وتأثيره وانتشاره في مستوى طموحات الدّولة الجديدة المنتصرة، سلاح الكتاب.[81]»

   وكُتُب ابن المقفع هي في تهذيب الأخلاق ممّا يحتاج إليه كلّ الأفراد على اختلاف طبقاتهم وفق الرّأي الرّاسخ المتوارث. لكنّ من واجبات الفيلسوف ألّا ينطلق من متوارث الآراء فيما يجعله موضوع البحث، حتّى لو تعلّق الأمر بكتابة تُعْتَبر ذات مبان "يُضرَب بها المثل في البلاغة". لذا، فإنّ الجابري يفحص كتابات ابن المقفع ويبرز أنّها لم تكن كتابات "فيلسوف سياسي" ولا كتابات "أديب حالم"، بل كانت كتابات خبير يضع قلمه رهن إشارة رجالات السّلطة في زمانه. ورغم أن "الأمراء" و"العلماء" أصبحوا في العصر العباسي "شخصاً واحدا هو الخليفة" وأن ما يقوله ابن المقفع إنّما هو "تنظير وتفصيل بخطاب سياسي أدبي «عقلاني» لما كان يدّعيه أبو جعفر المنصور من أنّه يصدر في حكمه عن إرادة الله[82]"،  فإنّ ذلك لا يعني عدم تميّز طبقة الكُتّاب الّتي يمثّلها ابن المقفع، الطّبقة الّتي إن كان عليها واجب الطّاعة شأن جميع النّاس، فهي تطمح إلى أن تحظى بالامتيازات الّتي يقتضيها توسّطها بين الإمام والعامّة. فالكُتّاب لا بد أن ينطلقوا من أوضاعهم الفرديّة والاجتماعيّة في فهم الأشياء وتقدير الأمور، ولا بد أن يكونوا ورثوا من سالفيهم نوعا من "التّعليمات" ولا بد أن يحيّنوها وينقلوها إلى خالفيهم؛ وتلك "التّعليمات" تتضمّن، من بين أشياء أخرى، أنواع العلاقة الّتي يتعين أن تجمعهم بالطّبقات الأخرى والأدوار المنوطة بهم تجاهها. فعلاقة الكاتب بالسّلطان ينبغي أن تكون هي الطّاعة، ودوره أن ينصح له ويكتم سرّه، ويزيّن سيرته، ويذبّ عنه باللّسان واليد، ويسعي لمرضاته وتقدير الأمور على موافقته[83]، وعلاقته بطبقة "الخاصة"، أهل المروءة  من الثّقات، هي المؤانسة والانبساط وواجبه تجاههم هو التّعاون والتّكافل، أمّا علاقته بطبقة "العامّة" فالتّحرز والانقباض والتّشدد[84]، ودوره تجاههم أن يسعى، من أجلهم، إلى تحبيب العدل إلى السّلطان، وأن يحملهم هم على الطّاعة والاقتناع بأنّ "الخلافة" شأنٌ إلهي، وأنّ شؤون المجتمع والدّولة شأنُ الخليفة. لكن لا بد من الانتباه إلى أنّ هذه "التّعليمات" متعلّقة برغبات ذات اعتباريّة للكاتب، أو قُلْ إنّها تُمثّل وجها واحدا لذات فرديّة واجتماعيّة تبحث عن وضع مضبوط يسمح بالعيش والتّطور؛ أمّا الوضع الواقعي لشخصيّة ابن المقفع فمكثّف اجتماعيّا ونفسيّا ومكتنف بالقلق وبمشاعر العزلة: فالكاتب من طبقة العامة، لكنه لم يعد منها بل صار من طبقة أخرى طفيليّة وانتهازيّة مرتبطة بـ "السّلطان" ولي نعمتها وضامن وجودها، من هنا عزلة هذا الكاتب عن طبقته "الأصليّة" وحذره منها؛ وهو من "الخاصّة"، وفي الخاصة الأمراء والولاة وأعيان القبائل، والكاتب منبتّ لا سند له من قبيلة أو عشيرة أو مال، والمكائد ديدن هذه الطّبقة، وحتّى الكُتّاب، وهم فئة داخل هذه الطّبقة، متنافسون، والتّعاون معهم والانبساط لهم لا يعفي من الحذر، من هنا تجد عند ابن المقفع تنظيرا للانتهازيّة حتّى في التّعامل مع هؤلاء الكُتّاب[85]؛ أمّا الارتباط بالسّلطان فمحفوف بالمخاطر، وهو ما يمكن توضيحه بالاستناد إلى كتاب "كليلة ودمنه" نفسه كما يقوم به الجابري في بعض المواضع: فاختيار "الأسد" ليمثّل السّلطان «اختيار له "باطن" أيضا. الأسد يمثل القوّة فعلا، وهذا "ظاهر"، ولكن الأسد يفترس باقي الحيوانات افتراسا، فعلاقته بها علاقة افتراس، ولذلك كان على المتعامل معه، كالكاتب وغيره أن يتسلح بالحذر.[86]» . وإذن، فإنّ الخطر مُحْدقٌ، والحذر من "العامّة"، و"الخاصّة"، و"السّلطان" مطلوب. ومع ذلك، ورغم أنّ الحذر استراتيجيّة بيولوجيّة يعزّزها العقل والثّقافة بالنّسبة للإنسان، فإنّ أسباب الهلاك قد تكون أقوى من كلّ تحرّز واحتياط[87]. وابن المقفع الّذي كان يحثّ على عدم التّقليل من أحد، وإن كان حقير الشّأن، هو نفسه من كان يعبث بسفيان بن معاوية بن يزيد بن المهلب بن أبي صفرة أمير البصرة وينال من أمّه ولا يسمّيه إلا بابن المغتلمة، فاضْطَغن هذا عليه[88]؛ وابن المقفع الّذي كان يعرف خطورة مجاورة "السلطان" ويحذّر من تقلباته، هو نفسه من دخل في صراع أفراد العائلة حول السّلطة عندما استجاب لعيسى وسليمان ابنا علي فكتب أمانا لأخيهما عبد الله بن علي من أبي جعفر المنصور وكان "خالف عليه وادّعى الخلافة لنفسه"[89]، "ووكّد ابن المقفع ذلك الأمان واحترس من كلّ تأويل و"تنوّق في الشروط" بتعبير صاحب "وفيات الأعيان"، فعَظُم ذلك على الخليفة المنصور الّذي كان يستعمل سفيان للضّغط على أخويه سليمان وعيسى لتسليم عبد الله، .. وأمرَ سفيانُ بالتّنّور فَسُجِر.

   فيظهر أنّ القول إنّ  مقتل ابن المقفع دليل على وقوفه ضدّ سطوة الدّولة العباسيّة[90]، وعلى تطويقه لـ"مطلب الطّاعة بقيود لا مزيد عليها" قول يصدر عن فهم بسيط وعقل تكبّله المسبقات العاميّة، ويقع بعيدا عن الواقع وعن أعمال ابن المقفع، وبعيدا عن أعمال الجابري الّتي سلكت في التّحري والفهم والتعقيل من السّبُل ما لا يستوعبه المتسرّع الناطق عن أهواء مضطربة.

خاتمة:

   كان أرسطو يميز في تصنيفاته للعلوم بين علوم أساسية وعلوم فرعية، ويجعل الفرعية تابعة للأساسية حتى وإن تمتعت بتميز موضوعاتها وأهدافها؛ وقد جعل "الأخلاق" نوعا من السياسة، وجعل "الخَطابة" تابعة شأنها شأن العلوم العسكرية والإدارية لعلم السياسة الذي اعتبره أشرف العلوم وأنفعها. في حقل الثقافة العربية لم يتحدّد مجال السياسة نفسه، بلهَ أن ينشأ علم خاص به. كان هذا المجال من فترة الوحي إلى فترة نشأة الدولة الأموية مرورا بالخلافة الراشدة مفتوحا قابلا لاحتمالات عدة، منها قابليته لأن يتشكّل فيه الوعي بحق الناس في التفكير والتداول في شؤون الاجتماع والسياسة والحكم، لكن المسار الذي اتخذته الوقائع مع وهن الدّولة الأموية وسقوطها ونشوء الخلافة العباسية أغلق ذلك الانفتاح وحدّد المسار: لقد دمج الدين في السياسة، فتعزّزت الطاعة بإقامتها على أساس الدين بتأثير مباشر من "الآداب السلطانية" الفارسية التي انتشرت في كل مجالات ومستويات الواقع؛ من هنا نفهم تلك العبارة التي ينتهي بها كتاب "نقد العقل الأخلاقي": «لم ينهض العرب والمسلمون بعد، ولا إيران ولا غيرهما من بلاد الإسلام، النهضة المطلوبة. والسبب عندي أنهم لم يدفنوا بعد في أنفسهم "أباهم": أردشير![91] ». وأردشير، باختصار، هو جعل السلطان حارسا للدين وحاكما باسمه، وجعل طاعة السّلطان طاعة لله لأنّه خليفته في الأرض. وعندما يتم دمج الدين في السياسة، فإن ذلك لا يمكن أن ينتج عنه تبعية السياسة للدين كما يعتقد البسطاء حتّى على فرض أن تشريعاته واضحة وكاملة وصالحة لكلّ الأزمنة والأمكنة، بل ينتج عنه استعمال الدين استعمالا سياسيا، فينفتح الباب وسيعا أمام ادعاء امتلاك الحقيقة وكتم أنفاس الناس. وبالطبع فإن الجابري يشدّد على أن القرآن والحديث لا يتضمن ما يجعل هذا الدمج مشروعا، فـ«لا شيء في القرآن – وفي الحديث الذي يشهد له القرآن بالصحة- يشير من قريب أو بعيد إلى ربط طاعة الله بطاعة أحد (غير الرسول المبلغ عنه) أو إلى جعل المُلك توأما للدين[92]»، ورغم ذلك –يضيف- ـ«فإن "سوق الأدب" في الثقافة العربية –وهي الموروثة أصلا عن دولة كسرى وثقافتها- تأبى إلا أن تجعل هاتين القيمتين الكسرويتين من حقائق الدين في الإسلام، والإسلام بريء منهما[93]».

 

الهوامش:     

 [1]- ابن وهب: البرهان في وجوه البيان، ت. أحمد مطلوب وخديجة الحديثي، مكتبة الرشد-ناشرون، ط. 1، 2012، ص. 418.

[2]- نفسه، ص. 419.

[3]  - أبو عبد الله محمد بن عبدوس الجهشياري، كِتابُ الوزَراءِ والكُتّاب، ت: مصطفى السقا وإبراهيم الإبياري وعبد الحفيظ شلبي، سلسلة ذخائر العرب (105)، دار المعارف، القاهرة، 2025، ص.5.

[4]- محمد العمري: الوظيفة البلاغيّة والرؤية البيانيّة، الوارد ضمن: محمد عابد الجابري، المواءمة بين التراث والحداثة، مجموعة من المؤلفين، المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات، بيروت، ط.1، 2016.

[5]- نفسه، ص. 117.

[6]- نفسه، ص. 109.

[7]- نفسه، ص. 114.

[8]- نفسه، ص. 117.

[9]- يقول الجابري: «هناك من الباحثين العرب المعاصرين من يلوم السكاكي على كونه مزج الحديث عن البيان وهو فرع من فروع علم البلاغة بالحديث عن الاستدلال وهو أحد أقسام علم المنطق. ونحن لا نرى ما يبرر هذه المؤاخذة، اللهم إلا إذا كان المرء يصدر عن تصور يقيم فاصلا بين الخطاب المنطقي والخطاب البلاغي كما هو الشأن عند أرسطو. أما عندما ينظر المرء إلى الخطاب العربي كما هو في ذاته –لا كما يمكن أن يقرأ من منظور يتخذ أرسطو سلطة مرجعية- فإنه سيجد أن له منطقا خاصا هو بالذات أساليبه البلاغيّة. ونحن نعتقد أنه إذا كان السكاكي أو غيره من البلاغيّين المتأخرين قد قرأوا أساليب البيان العربي قراءة منطقية فلأنّهم اكتشفوا طابعها المنطقي وليس لأنّهم كانوا «يقحمون» المنطق في غير ميدانه. وإذا كان هناك من تدخل لمنطق «أجنبي» فهو ينحصر في طريقة عرض المادة.» أنظر: تكوين العقل العربي، مركز دراسات الوحدة العربيّة، بيروت، ط. 15، 2021، ص. 128.

[10]- نفسه، م.م، ص. 91-92.

[11]- بنية العقل العربي، مركز دراسات الوحدة العربيّة، بيروت، ط. 15، 2024، ص. 555 وما بعدها.

[12]- العقل الأخلاقي العربي، مركز دراسات الوحدة العربيّة-بيروت، ط. 10، 2025، ص.135.

[13]- نفسه، ص.135.

[14]- يقول الجابري في توضيح تمثيلي جميل كنا أوردناه في مقال سابق: «..كنت في هذه المؤلفات الّتي تنتمي إلى نحن والتراث، والّتي منها هذا الكتاب، كمن يطل من النافذة على شارع معين، وبطبيعة الحال لم يكن من الممكن أن أرى نفسي أمشي في ذلك الشارع وأنا أطل عليه. ومع ذلك فلا بدّ من الاعتراف بأنني، عندما كنت أكتب مقالات وكتبا خارج أفق «نحن والتراث»، متحركا وسط زحام ذلك الشارع، كنت أشعر بالنافذة تطل علي باستمرار.

   ذلك في الحقيقة مظهر من مظاهر «جدلية السّياسي والثقافي» في مسيرتي الفكرية، منذ أن بدأت أحس فعلا أني أشق طريقي فيها: جدلية قراءة التّاريخ بالسّياسة، وممارسة السّياسة – عمليا أو ذهنيا- باستحضار التّاريخ. وإذا جاز لي أن أعتز بشيء في هذه المسيرة فهو حرصي الدائم على إحراج السّياسة بالتّاريخ وليس العكس.» أنظر: الجابري: مدخل إلى القرآن الكريم، الجزء الأوّل، في التعريف بالقرآن، مركز دراسات الوحدة العربيّة-بيروت، ط. 1، 2006، ص.15.

[15]-  ARISTOTE: ÉTHIQUE À NICOMAQUE, Traduction J. BARTHÉLEMY SAINT- HILAIRE, Ed. librairie Générale Française , 1992, P. 37.

[16]بنية العقل العربي، م. م، ص. 101.

[17]- نفسه، ص. 100.

[18]-  تكوين العقل العربي، م.م، ص. 128.

[19]- بنية العقل العربي، م.م، ص. 13-14.

[20]- نفسه، ص. 14.

[21]- قبل أن تتفكك تلك النظم الثلاثة في "محصّلة" توفيقية تجعل "العقل" غائصا في بركة الجمود الآسنة.

[22]الوظيفة البلاغيّة والرؤية البيانيّة، م.م، ص. 118. الواقع أنّ الفصل الخامس الحامل لهذا العنوان الّذي يذكره العمري إنّما هو الفصل الخامس من كتاب "العقل الأخلاقي العربي".

[23]- الوظيفة البلاغيّة والرؤية البيانيّة، م.م، ص. 118-119.

[24]- يستثمر الجابري البلاغة في حدود ما يقتضيه موضوعه ومنهجه وأهدافه، فقد توقف، وهذا للتمثيل، عند شكل توظيف الضمير في كل من الخطابة والترسل وعند الجمل القصار والحكم ذات البنية المنفتحة وذات البنية المنغلقة والمشهد عند الجاحظ .. وغير ذلك كثير مما يجعل خطابه موضوعا خصيبا للفحص البلاغي المتثبت؛ ولا نحتاج إلى التذكير أن خطاب علم البلاغة يجب أن تتوافر له مستلزمات العلمية، أما خطاب الفلسفة فمستلزماته مختلفة بسبب من طابعه التأويلي. ويُحْمَد للجابري تحرّيه غير المتاح حتى لمن يحسب نفسه على العلم، أنظر، وهذا للتمثيل أيضا، تنبيهه للفهم غير السياقي لكلام ابن المقفع، وليقارن بمن قال جازما عن هذا الكاتب إنه "طوّق مطلب الطاعة بقيود لا مزيد عليها": «.. وتستمر النّصائح لتصل إلى أنواع الملك فتقرر: ّأن الملك ثلاثة: ملك دين وملك حزم وملك هوى". وتنقل كتب "الأدب" في الثّقافة العربيّة –كلها تقريبا- هذه العبارة عن ابن المقفع، وجميعها يقف هنا، عن قصد أو غفلة، عند "ويل للمصلين". ذلك أن صاحب "الأدب الكبير" يشرح هذه الأصناف الثلاثة كما يلي: قال: "فأما ملك الدّين فإنه إذا أقيم لأهله دينهم، وكان دينهم هو الّذي يعطيهم ما لهم ويُلحق بهم الّذي عليهم، أرضاهم ذلك، ونزل الساخط منهم منزلة الراضي في الإقرار والتسليم". ومعنى هذا أن الحكم باسم الدّين يريح الحاكم من النقد والمطالبات، فالناس يقبلون ما يقدم لهم باسم الدّين حتى لو لم يلب حاجاتهم، فهم ينسبون ذلك إلى الله ويسلّمون. وهذا يذكرنا بأردشير وطريقة توظيفه للدين. "أما ملك الحزم فإنه يقوم به الأمر، (لكنه) لا يسلم من الطعن والتسخط، ولن يضر طعن الذليل مع حزم القوي". هنا يقوم "الحزم"، يعني القوة والبطش، مقام الدّين في حمل الناس على السكوت والاستسلام، يبقى ملك الهوى وهو "لعب ساعة ودمار دهر.» أنظر: العقل الأخلاقي العربي، م.م، ص.178.

[25]- نفسه، ص.47.

[26]- نفسه، ص.47.

[27]- الوظيفة البلاغيّة والرؤية البيانيّة، م.م، ص. 106—107-108.

[28] - العقل السّياسي العربي، مركز دراسات الوحدة العربيّة-بيروت، ط. 13، 2024، ص353.

[29]- العقل الأخلاقي العربي، م.م، ص.149.

[30]- نفسه، ص.494.

[31]- يقول الفيلسوف: «إن الفرضية الّتي تفرض نفسها في هذا المجال هي أن التطور النّوعي الّذي حدث في أسلوب الرّسائل، أعني ظاهرة "التّرسّل"، هو نتيجة لتحول نوعي حصل في بنية الدّولة الأموية نفسها، وأن التأثير الفارسي قد جاء نتيجة هذا التحول. فما عسى أن يكون هذا التحول الّذي جعل الدّولة الأموية تنفتح في آخر عهدها على الموروث الفارسي الأخلاقي والسّياسي.

هنا لا بد من الانتباه أولا إلى أمر على جانب كبير من الأهمية بالنسبة لموضوعنا، وهو أن الدواوين، والكلمة فارسية (جمع ديوان ومعناه سجل أو دفتر)، كانت تكتب بالفارسية، خاصة ديوان الخراج (سجلات المالية)، وقد نقلت إلى العربيّة ابتداء من زمن عبد الملك بن مروان. وإذن فـ"الكتاب" (كتّاب الدواوين) في هذه المرحلة كانوا يعرفون الفارسية وعلى صلة ليس فقط بمصطلحاتها الإدارية بل بمجمل ثقافتها. يؤكد هذا ما يعزى إلى سالم من أنه "نقل رسائل الفرس"، كما سنرى في ما بعد. أما تلميذه الّذي غطى عليه بإنتاجه وشهرته، والّذي لازم اسمَه لقبُ "الكاتب" (عبد الحميد) فإن معلوماتنا عن صلته بالثّقافة الفارسية لا تترك مجالا للشك في هذا الحضور المبكر للموروث الفارسي في عملية تأسيس الفكر الأخلاقي في الثّقافة العربيّة. وعبد الحميد كما هو معروف صديق ملازم لابن المقفع الّذي كرس كل جهده لنقل "أدب الفرس"، أي نصوصهم الأخلاقية والسّياسية». أنظر: العقل الأخلاقي العربي،م.م، ص.145.

[32]- يقول الجابري «هنا لا بد من الانتباه أولا إلى أمر على جانب كبير من الأهمية بالنسبة لموضوعنا، وهو أن الدواوين، والكلمة فارسية (جمع ديوان ومعناه سجل أو دفتر)، كانت تكتب بالفارسية، خاصة ديوان الخراج (سجلات المالية)، وقد نقلت إلى العربيّة ابتداء من زمن عبد الملك بن مروان. وإذن فـ"الكتاب" (كتّاب الدواوين) في هذه المرحلة كانوا يعرفون الفارسية وعلى صلة ليس فقط بمصطلحاتها الإدارية بل بمجمل ثقافتها. يؤكد هذا ما يعزى إلى سالم من أنه "نقل رسائل الفرس"، كما سنرى في ما بعد. أما تلميذه الّذي غطى عليه بإنتاجه وشهرته، والّذي لازم اسمَه لقبُ "الكاتب" (عبد الحميد) فإن معلوماتنا عن صلته بالثّقافة الفارسية لا تترك مجالا للشك في هذا الحضور المبكر للموروث الفارسي في عملية تأسيس الفكر الأخلاقي في الثّقافة العربيّة. وعبد الحميد كما هو معروف صديق ملازم لابن المقفع الّذي كرس كل جهده لنقل "أدب الفرس"، أي نصوصهم الأخلاقية والسّياسية». أنظر: العقل الأخلاقي العربي، م.م، ص.145.

[33]- هذه عبارة للعمري يصف بها الطريقة التي يكتب بها صاحب "التبالغ والتبالغية"، رشيد يحياوي.

[34]- الوظيفة البلاغيّة والرؤية البيانيّة، م.م، ص. 106—107-108.

[35]- العقل الأخلاقي العربي، م.م، ص.178. وكان الجابري أورد قبل ذلك الفكرة نفسها لعبد الحميد الكاتب: «ولو كان المؤدبون أخذوا العلم من عند أنفسهم أو لُقّنوه إلهاما من تلقائهم، ولم نُصبهم تعلموا شيئا من غيرهم لنحلناهم علم الغيب ووضعناهم بمنزلة خالقهم المستأثر بعلم الغيب عنهم بوحدانيته وفردانيته في إلهيته». نفسه، ص. 146.

[36]- نفسه، ص. 189-190.

[37]- نفسه، ص.171.

[38]- نفسه، ص.194.

[39]- "الأدب" عند القدامى كان يجمع أدب اللّسان بأدب النّفس على نحو ما أوضّح الجابري، وإن حكى عنه العمري ذلك بأسلوب التشكيك. قال: «تحدث الجابري ..عن تلازم ما سماه "أدب اللّسان" و"أدب النّفس"..». وكلام القدامى في ذلك كثير لا يكفر. يقول الجاحظ، وهذا مجرّد مثال: «والأدب أدبان: أدب خُلُقٍ وأدب رواية، ولا تكمُل أمور صاحب الأدب إلّا بهما، ولا تجتمع له أسباب التّمام إلّا من أجلهما، ولا يُعدّ في الرؤساء، ولا يثنى به الخنصر في الأدباء، حتى يكونَ عقلُه المتأمِّر عليهما والسّائس لهما.» الجاحظ: فصل من رسالته إلى أبي الفرج الكاتب في المودّة والخلطة، مجلة المورد العراقية، المجلد السابع-العدد الرابع، خاص بالجاحظ، العدد.4، 1978، ص. 188.

[40]- «لم يكن العصر الأموي عصر خطابة فحسب، بل لقد شهد هذا العصر أيضا، خاصة في أواخره، ظاهرة "أدبية" جديدة كان لها شأنها، هي الأخرى، في تكريس قيم معينة. نقصد بذلك ما يسمى في الكتب الأدبية بـ"التّرسّل". لقد كانت رسائل ملوك بني أمية، خاصة منهم المتأخرين، من أهم الوسائل الّتي استعملوها في نشر القيم الّتي كانت تخدمهم، قيم الطّاعة خاصة.. ولم يكن تأثيرها مقصورا على ما تتضمنه من أخبار وتوجيهات وأوامر مباشرة، بل كان جانب "الترسل" فيها أبلغ في نشر قيم بعينها. والتّرسّل صيغة تفيد معنى التكلف. فإذا كان موضوع الرسالة هو إصدار "أمر"، لا يحتاج إلى أكثر من بضع جمل أو فقرات باللّغة العادية، فإن التّرسّل هو صياغة ذلك "الأمر" في نص بلاغي ترصف فيه الجمل والعبارات رصفا، وتتزاحم فيه الاستشهادات بالقرآن والحديث وغيرهما من الموروث العربي والإسلامي في قالب، بل قوالب لغوية يراد لها أن تقوم مقام التبرير الدّيني والبرهان العقلي».

«ومما يضفي على هذا النّوع من "الخطاب" أهمية خاصة، بالنسبة لموضوعنا، هو أنه سرعان ما أصبح طريقة في كتابة الرّسائل الرسمية (والوصايا والعهود) تتعلم وتقلد، ومن ثمة يعاد إنتاجها عبر العصور.. ومن هنا سيكون "التّرسّل" أول صيغة من صيغ التّأليف في "الأخلاق" في الثّقافة العربيّة الإسلامية». أنظر: الوظيفة البلاغيّة والرؤية البيانيّة، م.م، ص. 119.

[41]- البرهان في وجوه البيان، م.م، ط. 1، 2012، ص. 193.

[42]- نفسه، ص. 418.

[43]- الوظيفة البلاغيّة والرؤية البيانيّة، م.م، ص. 119-120.

[44]- نقول ذلك مفترضين أن تعقد مفهوم "المقام" ممّا لا يخفى على أحد، وقد جادل العمري نفسه غيره زاعما أنه وسع هذا المفهوم أو ساهم في توسيعه. أنظر: محمد العمري: المحاضرة والمناظرة في تأسيس البلاغة العامة، إفريقيا الشرق، 2017، ص.  314 ، وما بعدها.

[45]- تلك مرحلة أولى، تليها مرحلة التّحليل والمقارنة والنقد و"القراءة". أنظر: العقل الأخلاقي العربي، م.م، ص.18.

[46]- نفسه، ص.24.

[47]- نفسه، ص.131.

[48]- نفسه، ص.491.

[49]- نفسه، ص.536.

[50]- نفسه، ص.536.

[51]- نفسه، ص.293.

[52]- نفسه، ص.424.

[53]- نفسه، ص.133.

[54]- يقول أبو هلال العسكري: «وقال غيره: البلاغة الإيجاز في غير عجز، والإطناب في غير خطل. ولا شك في أن الكتب الصادرة عن السلاطين، في الأمور الجسيمة، والفتوح الجليلة، وتفخيم النعم الحادثة، والترغيب في الطّاعة، والنهي عن المعصية، سبيلها أن تكون مشبعة، مستقصاة، تملأ الصدور، وتأخذ بمجامع القلوب..». أنظر: كتاب الصناعتين، ت. مفيد قميحة، دار الكتب العلمية-بيروت، ط. 1، 2008، ص.149.

[55]العقل الأخلاقي العربي، م.م، ص.227.

[56]- A.J. Greimas et J. Courtés: Sémiotique, dictionnaire raisonné de la théorie du langage, HACHETTE, 1993,  P. 190.

[57]- أنظر ما يقوله عن عبد الحميد وابن المقفع: العقل الأخلاقي العربي، م.م، ص.135.

[58]- نفسه، ص.193.

[59]- يورد الجابري المقتطف التّالي من "الأدب الصغير":« ويكتم سرهم ويزين سيرتهم، ويذب بلسانه ويده عنهم، ويتوخى مرضاتهم، ويكون من أمره المواتاة لهم، والإيثار لأهوائهم ورأيهم على هواه، ويقدر الأمور على موافقتهم، وإن كان ذلك مخالفا؛ وأن يكون منه الجد في المخالفة لمن جانبهم وجهل حقهم، وأن لا يواصل من الناس إلا من لا تباعد مواصلته إياه منهم، ولا تحمله عداوة أحد له ولا إضرار به على الاضطغان عليهم، ولا مواتاة أحد على الاستخفاف بشيء من أمورهم والانتقاص لشيء من حقهم؛ ولا يجترئ عليهم إذا قربوه، ولا يطغى إذا سلطوه، ولا يلحف إذا سألهم، ولا يدخل عليهم المؤونة، ولا يستثقل ما حملوه، ولا يغتر إذا رضوا عنه، ولا يتغير إذا سخطوا عليه، وأن يحمدهم على ما أصاب من خير منهم، فإنه لا يقدر أحد على أن يصيبه بخير إلا بدفاع الله عنهم. ». نفسه، ص.177.

[60]- نفسه، ص.179.

[61]- يقول، وهذا للتمثيل فحسب: «لقد أوردنا النّصوص السابقة على طولها لنضع القارئ أمام خطاب ناضج  يتعدى مجرد الاستطراد في رسالة، ويتجاوز مجرد الرغبة في تكريس قيم الطّاعة والتسليم للأمير إلى شيء آخر جديد، يتجاوز "أدب اللّسان" و"أدب النّفس"، إلى نوع ثالث هو "الآداب السلطانية"، الآداب الّتي تهتم بالصفات الّتي يجب أن يتحلى بها السلطان – والكاتب ملازم له- وبالطرق الّتي يجب أن يسلكها هذا وذاك، في تدبير "الأمور" صغيرها وكبيرها، ليضمن لنفسه النجاح في مركزه والاستمرار فيه». نفسه، ص.140.

[62]- الوظيفة البلاغيّة والرؤية البيانيّة، م.م، ص.120.

[63]- يقول الجابري في سياق كاف لأن يُعْرَف منه لماذا لا يناقش التّوقيعات": «أما المرويات الّتي يتكون منها الموروث العربي "الخالص" فليس لنا أن نتوقع أن نجد فيها تحليلا أو تنظيرا لدور العقل ولا لأي مفهوم آخر. ذلك أن هذا الموروث يتكون كله من "كلمات قصار"، نثرا أو شعرا، تقرر "حقيقة" تحمل برهانها وحجتها في بداهتها وفطريتها، فهي لا تقبل الاعتراض وفي نفس الوقت لا يمكن إقامة الدليل على صحّتها لأنها عبارة عن تجربة مكثفة ممحصة، ويجب أن تؤخذ كذلك..» أنظر: العقل الأخلاقي العربي، م.م، ص.104-105.

[64]  - للتمثيل، فقط، نورد ما قيل إنه توقيع المأمون إلى الفضل بن سهل: «وذكر عيسى ابن محمد بن حميد أنه رأى توقيعاً بخطّ المأمون للفضل بن سهل: «أغْنَيْتَ يا فَضْلُ بْنَ سَهْلٍ بِمُعاوَنَتِكَ إيّايَ عَلى طاعَةِ اللّه، وإقامَةِ سُلْطاني، فَرَأيْتُ أنْ أُغْنِيَكَ، وَسَبَقْتَ النّاسَ مِنَ الْحاضِرِ كانَ لي، والْغائبِ كانَ عَنّي، فأحْبَبْتُ أنْ أسْبِقَ إلى الْكِتابِ لَكَ بِخَطّي، بما رَأيْتُهُ عَلى نَفْسي؛ وَأنا أسْأَلُ اللّهَ تَمامَهُ، فَإنّ حَوْلي وَقُوَّتي وَمَقْدُرَتي وَقَبْضي وَبَسْطي بِهِ، لا شَريكَ لَهُ؛ وَقَدْ أقْطَعْتُكَ السّيبَ بِأرْضِ الْعِراقِ، عَلى حِيازَةِ تَميمٍ مَولى أمير المؤمنينَ، عَطاءً لَكَ وَلِعَقِبِكَ، لِما أنْتَ عَليْهِ مِنَ النّزاهَةِ عَنْ أمْوالِ رَعِيّتي، وَلِما قُمْتَ بِهِ مِنْ حَقِّ اللّهِ وَحَقّي، فَلَمْ تَأخُذْكَ فيّ لَوْمَةُ لائمٍ، وَلَمْ تُراقِبْ ذا سُلْطانٍ ولا غَيْرَه، وَقَد جَعَلْتُ لَك بَعْدَ ذلِكَ مَرْتَبَةَ مَنْ يَقول في كُلِّ شَيءٍ فَيُسْمَعُ مِنْهُ، وَلا تَتَقَدَّمُكَ مَرْتَبَةُ أحَدٍ ما لَزِمْتَ ما أَمرْتُكَ بِه، مِنَ الْعَمَلِ للّهِ وَلِنَبِيِّهِ، والْقيامِ  بِصَلاحِ دَوْلَةٍ أنْتَ وَلِيٌّ بِقِيامِها، وَجَعَلْتُ ذلِكَ كُلَّهُ لَك بِشَهادَةِ اللّه، وَجَعَلْتُهُ لَكَ كَفيلاً على عَهدي. وَكُتِبَ بِخَطّي سَنَةَ سِتٍّ وَتِسْعينَ وَمِئةٍ.»» أنظر: كِتابُ الوزَراءِ والكُتّاب، م.م، ص.306.

[65]  - أبو العباس أحمد القلقشندي، صبح الأعشى، مطبعة دار الكتب المصرية، القاهرة، 1922، ص.95.

[66]  - أنظر الفصل الثّاني " من الدعوة إلى القبيلة" في: العقل السّياسي العربي، م.م، ص.79، وما بعدها.

[67]  - يميّز الجاحظ نفسه بين طاعة المحبة والرغبة والرهبة والدّين. أنظر: الجاحظ: فصل من صدر كتابه في النساء، مجلة المورد العراقية، المجلد السابع- العدد الرابع، 1978، ص.250.

[68]  - العقل السّياسي العربي، م.م، ص.228.

[69]  - أنظر الفصل الثّاني " من الدعوة إلى القبيلة" في المرجع السابق، ص.79 وما بعدها.

[70]- يقول الجابري، وهذا لمجرّد التمثيل: «على أن معاوية كان صريحا في تذكير خصومه بكونه إنما يحكمهم بالقوة الّتي بها هزمهم: قوة القبيلة وقوة الدهاء والسّياسة. تروي مصادرنا أن معاوية قدم المدينة عام الجماعة (سنة 41 ه) فتلقاه رجال من قريش فقالوا: "الحمد لله الّذي أعز نصرك وأعلى كعبك"، فما رد عليهم شيئا حتى صعد المنبر، ثم قال: "أما بعد، فإني والله ما وليتها بمحبة علمتها منكم ولا مسرة بولايتي، ولكن جالدتكم بسيفي هذا مجالدة". ثم دعاهم إلى تعايش سلمي على أساس "عقد" منفعي لا مجال فيه لا لتوظيف الدّين ولا لتوظيف الأخلاق ولا لادعاء العمل بسيرة الخلفاء الراشدين، بل صرح لهم أنه حاول حمل نفسه على سيرة أبي بكر وعمر وعثمان ولكنها "نفرت من ذلك نفارا شديدا". لذلك يقترح عليهم أشياء ملموسة واقعية وممكنة:" مؤاكلة حسنة ومشاربة جميلة". أما مسألة ما إذا كان أهلا من الناحية الشرعية للمنصب الّذي انتزعه، منصب الحكم، فيجيب عنها بالقول: "فإن لم تجدوني خيركم، فأنا خير لكم ولاية". وهو، بعد، لا يطلب رضاهم ولا الإخلاص في طاعتهم له، وإنما يطلب منهم كف سيوفهم عنه، أما غير ذلك فلا يلتفت إليه. قال:" والله لا أحمل السيف على من لا سيف له، وإن لم يكن منكم إلا ما يستشفي به القائل بلسانه، فقد جعلت ذلك له دَبْر أُذني، وتحت قدمي. وقد سار الخلفاء الأمويون من بعده على نفس النهج، إلى الوقت الّذي ظهر فيه الكاتب سالم وعبد الحميد. وهكذا نجد الوليد بن عبد الملك –سنوات فقط قبل تسلم سالم ديوان الرّسائل- يخطب، مباشرة بعد دفن أبيه سنة 96 ه، خطبة قصيرة يدعو فيها إلى الطّاعة فعلا، طاعته كملك يتولى الحكم لأول مرّة، ولكن لا باسم الدّين ولا باسم الأخلاق ولا باسم سيرة سلفهم، بل يدعوهم إلى الطّاعة عارية من كل تبرير، الطّاعة بمعنى الخضوع للقوة. قال:".. فعليكم بالطّاعة ولزوم الجماعة، فإن الشيطان مع الفذ، وهو من الجماعة أبعد. واعلموا أنه من أبدى لنا ذات نفسه ضربنا الّذي فيه عيناه، ومن سكت مات بدائه"». نفسه، ص.142. ويمكن أن تجد، بالإضافة لما يورده الفيلسوف وهو واف كما يعرف الجميع، الكثير مما يشهد لتأويله؛ من ذلك ما ورد في "العقد الفريد" عن وصف ابن العاص لسياسة معاوية: «وقال عمر بن العاص: رأيتُ معاوية في بعض أيامنا بصفّين خرج في عدّة لم أره خرج في مثلها، فوقف في قَلْبِ عسكره فجعل يَلْحَظ مَيْمَنَتَه فيرى الخَلَل، فيبدرُ إليه من يَسُدّه. ثم يفعل ذلك بميسرته، فتُغنيه اللحظة عن الإشارة. فدخله زَهْوٌ مما رأى، فقال: يا بن العاص، كيف ترى هؤلاء وما هم عليه؟ فقلت: والله يا أمير المؤمنين لقد رأيتُ من يسوس الناسَ بالدّين والدنيا فما رأيت أحداً أوتي له من طاعة رعيّته ما أوتي لك من هؤلاء. فقال: أَفَتَدري متى يَفسُد هذا وفي كم ينتقض جميعه؟ قلت: لا. قال: في يوم واحد. قال: فأكثرت التعجب. قال: إي والله وفي بعض يوم. قلت: وكيف ذلك يا أمير المؤمنين؟ قال: إذا كُذِبوا في الوعد والوعيد، وأُعطوا على الهوى لا على الغناء: فَسُد جميعُ ما ترى». أنظر: ابن عبد ربه: العقد الفريد، ت: مفيد محمد قميحة، دار الكتب العلمية، بيروت، ج.1، ط.1، 1983، ص. 25.

[71]  - ابن خلدون: المقدمة، ت: حامد أحمد الطاهر، دار الفجر للتراث، القاهرة، ط.1، 2004، ص. 249.

[72] -  العقل السّياسي العربي، م.م، ص.337. ومما يستشهد به الجابري لإبراز ذلك قول أبي العباس السفاح مؤسس الدّولة العباسية في أول خطبة له بعد مبايعته: «الحمد لله الّذي اصطفى الإسلام لنفسه تكرمة، وشرّفه وعظّمه، واختاره لنا وأيّده بنا وجعلنا أهله وكهفه وحضنه والقوام به.. وألزمنا كلمة التقوى وجعلنا أحق بها وأهلها، وخصّنا برحم رسول الله (ص) وقرابته، وأنشأنا من آبائه وأنبتنا من شجرته واشتقنا من نبعته» ثم –يقول الجابري- يواصل خطاب شرعية "القرابة" فيطلب السند لها في القرآن فيقول «ووضعنا [الله] من الإسلام وأهله بالموضع الرفيع، وأنزل بذلك على أهل الإسلام كتاباً يتلى عليهم، فقال عز من قائل فيما أنزل من محكم القرآن: (إنما يريد الله ليذهب عنكم الرجس أهل البيت ويطهركم تطهيرا) (الأحزاب 33)، وقال (قل لا أسألكم عليه أجرا إلا المودة في القربى) (الشورى 23) وقال (وأنذر عشيرتك الأقربين) (الشعراء 214) وقال: (واعملوا إن ما غنمتم من شيء فإن لله خمسه وللرسول ولذي القربى واليتامى) (الأنفال41) فأعلمهم جل ثناؤه فضلنا وأوجب عليهم حقنا ومودتنا وأجزل من الفيء والغنيمة نصيبنا تكرمة لنا وفضلا علينا..». نفسه، ص. 336.

[73] - يورد الجابري، في سياق حديثه عن ذلك، قول أبي جعفر المنصور ثاني الخلفاء العباسيين من خطبة له يوم عرفات: «أيها الناس إنما أنا سلطان الله في أرضه، أسوسكم بتوفيقه وتسديده، وأنا خازنه على فيئه، أعمل بمشيئته وأقسمه بإرادته وأعطيه بإذنه. قد جعلني الله عليه قفلا إذا شاء أن يفتحني لأعطياتكم وقسم فيئكم وأرزاقكم فتحني، وإذا شاء أن يقفلني أقفلني. فارغبوا إلى الله أيها الناس وسلوه في هذا اليوم الشريف.. أن يوفقني للصواب ويسددني للرشاد ويلهمني الرأفة بكم والإحسان إليكم ويفتحني لأعطياتكم وقسم أرزاقكم بالعدل عليكم إنه سميع مجيب»، والنتيجة، يعلق الجابري، "أن إرادته هو من إرادة الله: هو يتصرف بإرادة الله، أو إرادة الله تتصرف بواسطته، لا فرق." نفسه، ص. 338.

[74] - نفسه، ص.341.

[75] - هذا لا يمنع من القول إن مجتمع القبيلة بدأ «يتصدع مع ظهور الإسلام». أنظر المرجع السابق، ص.333.

[76]  - التوحيدي، الإمتاع والمؤانسة، ت: محمد حسن محمد حسن إسماعيل وأحمد رشدي شحاتة عامر، دار الكتب العلمية، بيروت، ط. 1، 2007، ص.95.

[77]  - «وكان عبد الحميد يقول: اكْرموا الكتاب  فإنّ الله عز وجلّ أجرى أرزاق العباد على أيديهم». أنظر: كِتابُ الوزَراءِ والكُتّاب، م.م، ص.80.

 [78]- رولان بارط: البلاغة القديمة ت: عبد الكبير الشرقاوي، نشر الفنك، مطبعة النجاح الجديدة، المغرب، 1994، ص.91.

[79] - أنظر، مثلا، كلامه عن "الكتلة التّاريخيّة" الّتي مكنت من وصول العباسيين إلى الحكم، وأفضت على المستوى الاجتما-سي إلى ترتيب جديد تقوم فيه بين منزلة "الخليفة" ومنزلة "العامة" "خاصة" في الوسط، وتقوم بين هذه المنازل شبكة من العلاقات الثابتة في إطار بعض التحولات، ويعتبر كل ذلك "بنية سطحية" تتعالق مع "بنية عميقة" إليها يرجع "اللاشعور السّياسي" وفيها تتحدّد العلاقات بين «القبيلة» و«الغنيمة» و«العقيدة». العقل السّياسي العربي، م.م، ص.329 وما بعدها.

[80]  نفسه، ص.341.

[81]العقل الأخلاقي العربي، م.م، ص.193-194.

[82] - «ومن هنا تكون «طاعة الإمام من طاعة الله» كما سيروج لذلك الكتاب المنتجون للإيديولوجيا السلطانية»، يضيف الجابري. أنظر: العقل السّياسي العربي، م.م، ص.350.

[83]- مما يورده الجابري من "الأدب الصغير": «إن للسلطان المقسط حقا لا يصلُح لخاصة ولا عامة أمرٌ إلا بإرادته، فذو اللب (=الكاتب السلطاني) حقيق أن يخلص لهم (للملوك) النّصيحة، ويبذل لهم الطّاعة، ويكتم سرهم، ويزين سيرتهم، ويذب بلسانه ويده عنهم، ويتوخى مرضاتهم، ويكون من أمره المواتاة لهم، والإيثار لأهوائهم ورأيهم على هواه، ويقدر الأمور على موافقتهم، وإن كان ذلك مخالفا، وأن يكون منه الجد في المخالفة لمن جانبهم وجهل حقهم. ولا يواصل من الناس إلا من لا تُباعد مواصلته إياه منهم، ولا تحمله عداوة أحد له ولا إضرار به على الاضطغان عليهم، ولا مواتاة أحد على الاستخفاف بشيء من أمورهم والانتقاص لشيء من حقهم، ولا يكتمهم شيئا من نصيحتهم، ولا يتثاقل عن شيء من طاعتهم، ولا يبطر إذا أكرموه، ولا يجترئ عليهم إذا قربوه، ولا يطغى إذا سلطوه، ولا يلحف (=يلح) إذا سألهم، ولا يدخل عليهم المؤونة، ولا يستثقل ما حملوه، ولا يغتر إذا رضوا عنه، ولا يتغير لهم إذا سخطوا عليه، وأن يحمدهم على ما أصاب من خير منهم أو من غيرهم ، فإنه لا يقدر أحد على أن يصيبه بخير إلا بدفاع الله عنه بهم». أنظر: العقل الأخلاقي العربي، م.م، ص.177.

[84]- نفسه، ص.185.

[85]- يقول الجابري إن ابن المقفع يجتهد في الدعوة إلى التعامل مع "الكاتب" منافسه في المهنة ومع "العامة بـ "أخلاق سامية"، لكنه يدعو في نفس النّص إلى أخلاق أخرى "انتهازية" ويورد مقتطفات من "الأدب الكبير". أنظر المرجع السابق، ص.184-185.

[86]- نفسه، ص.176.

[87]  - يورد الجهشياري أنّ ابن المقفع احتاط عندما وُجِّه إلى سفيان قاتله من قبل عيسى بن علي الّذي كان يكتب له. أنظر: كِتابُ الوزَراءِ والكُتّاب، م.م، ص.105-106.

[88]  - من أسباب اضطغانه عليه أيضا ما يحكيه الجهشياري من أنه سفَر بين سفيان بن معاوية هذا والمسيح بن الحواري وتوسط للإصلاح بينهما، ولكنه "احتال على سفيان ودافعه وعلّله حتى استعد المسيح". أنظر المرجع السابق، ص.105.

[89]- يورد شوقي ضيف أنّ الجاحظ «يقول في بعض رسائله أنّ ابن المقفع أغرى عبد الله بن علي بالمنصور»، وإنْ أوّل ذلك بكون الجاحظ إنّما يقصد تضييقه في "الأمان" الّذي كتبه لعبد الله على المنصور. وشوقي ضيف يشير إلى رأي آخر تردّد عند أبي الفرج الأصبهاني والبيروني وابن خلكان والبغدادي والمرتضى مفاده أنّ مقتل ابن المقفع يرجع إلى زندقته، وهو نفسه يؤكّد رأي هؤلاء، فبعد أن ذكر أن بعض الباحثين يشكّ في نسبة كتاب يعارض القرآن إليه، قال: «غير أنّ ذلك لا ينقض زندقته فقد شهد بها معاصروه ومن جاءوا بعدهم». أنظر: شوقي ضيف: الفن ومذاهبه، في النثر العربي، دار المعارف-القاهرة، ط. 16، 2012، ص.136-137.

[90]- سقط في هذا التّبسيط جابر عصفور أيضا، حين أرجع مقتل ابن المقفع إلى حمله لأفكار «تهدّد سطوتها (الدولة العباسية) وتزعزع هيبتها، وتكشف زيف الأفكار الّتي كانت مؤسسات الدّولة وفقهاؤها يعملون على إشاعتها، من مثل ضرورة طاعة المحكومين للحكام وإن رأوا منهم العدول عن العدل إلى الجور، فالخلافة عطية إلهية فيما يقولون، والله ميز نوع الإنسان عن جنسه بفضل الكلام، وفضل منه صنف الملوك، وخلق فريقا للنعيم فضلا، وآخر للجحيم عدلا، وعلى المحكومين السمع والرضا، فالطّاعة واجبة لأولي الأمر من الحكام، مهما كان سلوكهم.» أنظر: جابر عصفور: بلاغة المقموعين، ضمن: المجاز والتمثيل في العصور الوسطى، مشترك بين باحثين، دار قرطبة للطباعة والنشر، البيضاء، ط. 2، 1993، ص. 16.

[91]العقل الأخلاقي العربي، م.م، ص.630.

[92]العقل الأخلاقي العربي، م.م، ص.627.

[93]العقل الأخلاقي العربي، م.م، ص.627.

المراجع:

  • أبو حيان التوحيدي: الإمتاع والمؤانسة، ت: محمد حسن محمد حسن إسماعيل وأحمد رشدي شحاتة عامر، دار الكتب العلمية، بيروت، ط. 1، 2007.
  • أبو عبد الله محمد بن عبدوس الجهشياري: كِتابُ الوزَراءِ والكُتّاب، ت: مصطفى السقا وإبراهيم الإبياري وعبد الحفيظ شلبي، سلسلة ذخائر العرب (105)، دار المعارف، القاهرة، 2025.
  • أبو العباس أحمد القلقشندي: صبح الأعشى، مطبعة دار الكتب المصرية، القاهرة، 1922.
  • أبو هلال العسكري: كتاب الصناعتين، ت. مفيد قميحة، دار الكتب العلمية-بيروت، ط. 1، 2008.
  • ابن خلدون: المقدمة: ت: حامد أحمد الطاهر، دار الفجر للتراث، القاهرة، ط.1، 2004.
  • ابن عبد ربه: العقد الفريد، ت: مفيد محمد قميحة، دار الكتب العلمية، بيروت، ج.1، ط.1، 1983.
  • ابن المقفع: كليلة ودمنة، تح. مصطفى وهبة، دار الغد الجديد، القاهرة، ط.1، 2010.
  • ابن وهب: البرهان في وجوه البيان، ت. أحمد مطلوب وخديجة الحديثي، مكتبة الرشد-ناشرون، ط. 1، 2012.
  • محمد العمري: الوظيفة البلاغيّة والرؤية البيانيّة، ضمن: محمد عابد الجابري، المواءمة بين التراث والحداثة، مجموعة من المؤلفين، المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات، بيروت، ط.1، 2016.
  •  المحاضرة والمناظرة في تأسيس البلاغة العامة، إفريقيا الشرق، 2017.
  • الجابري: تكوين العقل العربي، مركز دراسات الوحدة العربيّة، بيروت، ط. 10، 2009.
  • بنية العقل العربي، مركز دراسات الوحدة العربيّة، بيروت، ط. 7، 2004.
  • العقل السّياسي العربي، مركز دراسات الوحدة العربيّة-بيروت، ط. 13، 2024.
  • العقل الأخلاقي العربي، مركز دراسات الوحدة العربيّة-بيروت، ط. 10، 2025.
  • مدخل إلى القرآن الكريم، ج.1، في التعريف بالقرآن، مركز دراسات الوحدة العربيّة-بيروت، ط. 1، 2006.
  • الجاحظ: فصل من رسالته إلى أبي الفرج الكاتب في المودّة والخلطة، مجلة المورد العراقية، المجلد 7- العدد 4، 1978.
  • فصل من صدر كتابه في النساء، مجلة المورد العراقية، المجلد 7- العدد 4، 1978.
  • رولان بارط: البلاغة القديمة ت: عبد الكبير الشرقاوي، نشر الفنك، مطبعة النجاح الجديدة، المغرب، 1994.
  • شوقي ضيف: الفن ومذاهبه، في النثر العربي، دار المعارف-القاهرة، ط. 16، 2012.
  • جابر عصفور: بلاغة المقموعين، ضمن: المجاز والتمثيل في العصور الوسطى، مشترك بين باحثين، دار قرطبة للطباعة والنشر، البيضاء، ط. 2، 1993.
  • ARISTOTE: ÉTHIQUE À NICOMAQUE, Traduction J. BARTHÉLEMY SAINT- HILAIRE, Ed. librairie Générale Française, 1992.
  • J. Greimas et J. Courtés: Sémiotique, dictionnaire raisonné de la théorie du langage, HACHETTE, 1993.

تعليقات (0)

لاتوجد تعليقات لهذا الموضوع، كن أول من يعلق.

التعليق على الموضوع

  1. التعليق على الموضوع.
المرفقات (0 / 3)
Share Your Location
اكتب النص المعروض في الصورة أدناه. ليس واضحا؟