"كيما اليوم" لـليلى طوبال : صوتٌ نسائـي حالم يرتق جروح الإنسانية الراهنة - سلمى بلطي

شكل العرض
  • أصغر صغير متوسط كبير أكبر
  • نسخ كوفي مدى عارف مرزا

في إطار فعاليات الدورة الثالثة من المهرجان الوطني للمسـرح التونسي – مواسم الإبداع، احتضنت قاعة فن الرابع، يوم الاثنين 03 نوفمبر 2025، عرض "كيما اليوم" للفنانة المسـرحية التونسية ليلى طوبال التي اختارت هذه المرة أن تدخل عوالم الإخراج، حاملة معها نصوصها المميزة، ورؤيتها السينوغرافية الخاصة، وصوتها المسـرحي الفريد، في عملٍ قام بأدائه كل من مايا سعيدان، وأصالة نجار، ودينا الوسلاتي، وفاتن شرودي، وخديجة المحجوب، وأمان الله التوكابري.

وعلى الرغم من تغير موقع ليلى طوبال من العملية الإبداعية في هذا العمل، من التمثيل إلى الكتابة والإخراج، فإن أول ما يلفت انتباهنا في هذه المسـرحية، هو ما نلمسه من روح الممثلة التي حتى وإن غاب جسدها عن الركح، فقد ظل نفَسها حاضرًا في مختلف الشخصيات التي رسمتها، وفيما تتلفظ به من خطاب، وفي طبيعة الحكاية التي تجمع بينها. ذلك أن طوبال تضعنا منذ البداية أمام حكايةِ بشـريةٍ على حافة الاندثار، حيث لا ينجو من الحادث المروع الذي تتعرض إليه شاحنة تحمل أنابيب السوائل المنوية والبويْضات التي تبرع بها البشـر القليلون المتبقون على الأرض، سوى حيوان منوي وحيد، وبويْضة واحدة، سيحتضنهما باطن الأرض، أين ستنمو شخصية "دنيا" التي ستولَد من رحم الأرض في وضعية عجائبية. غير أن "دنيا" تختفي في ليلة عيد ميلادها الخامس، عندما تقرر أمها الأرض استرجاعها، تاركة وراءها الشخصيات الأربع الأخرى، "ميمون"، و"جنات"، و"أوركيدة"، و"بيسان"، في حالة فزع وبحث محموم عنها. وفي المسافة الفاصلة بين اختفاء "دنيا" وعودتها، يمتد العرض ليشمل وضعيات درامية مختلفة نجحت طوبال من خلالها في مساءلة واقع الإنسان المعاصر وتعريته مراوحَةً بين "تشاؤم العقل" (الذي عبر عنه هذا الاختفاء) و"تفاؤل الإرادة" (الذي عبرت عنه هذه العودة)، على حد عبارتيْ فيلسوف الالتزام الفني أنطونيو غرامشي.

فكيف وظفت طوبال المتخيل المسـرحي لتعرية واقع الإنسانية الراهنة؟ وإلى أي حد تمكنت في هذا العمل من ترجمة رسالتها الفنية الداعية إلى الحب بوصفه انفعالا إيجابيا يمكن من خلاله مقاومة فضائع الواقع المحلي والعالمي؟ وبأي معنى يحول هذا الافتراض "الأبوكاليبتي" الذي قام عليه العمل، المسرحَ إلى فضاء لإعادة بناء إنسانية الإنسان؟

 

  • عوالم متقاطعة: المراوحة بين الخيالي والواقعي:

تقدم هذه المسرحية نسيجًا معقدا من العوالم المتقاطعة، إذْ برعت طوبال في بناء عالميْن متوازيـيْن ومتداخليْن في آن واحد: عالم الواقع المأساوي الذي توشك فيه البشـرية على الاندثار، وعالم الخيال العجائبي الذي تلتقي فيه البويضة والحيوان المنوي الوحيديْن في باطن الأرض لإنجاب "دنيا". وبين هذيْن العالمَيْن، تولَد "دنيا" بوصفها اختزالا مكثفا للحياة (كما يدل على ذلك اسمها)، وبوصفها بَدْءًا جديدًا، ولكنه بدءٌ خالٍ من أي "أوجاع" هووية بالنظر إلى أنها ابنة الأرض من ناحية، وإلى أنها لا تحمل من "أصلها" غير هويته البيولوجية من ناحية أخرى. وبمجرد أن تقتحم "دنيا" العالم الواقعي، ثم تختفي منه، يجد هذا العالم نفسه أمام أسئلة تتعلق بشروط وجوده واستمراره.

إن هذا التقاطع بين العالميْن، ليس مجرد تقنية سردية، بل هو أداة نقدية سوف تستخدمها المخرجة لاحقًا، لتعرية واقع الإنسانية الراهنة، وتحويل فكرة "نهاية العالم" الفلسفية، إلى فعل مسرحي يقترب في بعض ملامحه من العبثية. ذلك أن الانتقال التدريجي من التوازي إلى التناقض إلى التداخل لا يقتصر على عوالم الحكاية، بل يمتد إلى تركيبة الشخصيات الأربع الأخرى التي يمكن أن نلاحظ تناقضًا واضحًا في خارطتها النفسية، فكل شخصية تحمل في طياتها بعدًا ثنائيا متصارعًا، نرى ذلك مثلا في قول إحدى الشخصيات: "وقفت عارية كشجرة في الخريف، تنظر الربيع حتى تكسوها الأوراق من جديد وتزهر"، وقد عبرت هذه الصورة الشعرية عن حالة الانتظار التي تعيشها شخصية "بيسان"، والتي تمتد إلى الشخصيات الأخرى في صور مختلفة من التمزق والألم الوجودي والصـراعات الداخلية التي تظهر في مونولوجات تكشف عن الوجه النفسي الخفي لكل شخصية.

وقد ساهمت سينوغرافيا العمل الرمزية في تجسيد هذه العوالم المتخيلة، أين يتحول جدارٌ تملؤه الثقوب إلى استعارة بصـرية مؤثرة ومعبرة عن الحدود الوهمية الفاصلة بين العوالم. نعم، ثمة ثقوب كثيرة تخترق الجدار الفاصل بين "عالم الخير"، حيث تختفي "دنيا" ثم تعود، و"عالم الشـر" الذي تتحرك فيه أوركيدة، وبيسان، وميمون، وجنات، والذي تقسمه هو الآخر جدران افتراضية لعبت الإسقاطات الضوئية دورًا محوريا في بنائها وتقسيم المساحات التي تحدها داخل فضاء العرض. وإذا كانت هذه الجدران تجسيدًا لمشاعر العزلة والانهيار والتمزق الداخلي الذي تعيشه الشخصيات، فقد تحول الجدار المثقوب الذي يفصل بين عالم هذه الشخصيات، وعالم "دنيا" وأمها الأرض، إلى استعارة للتواصل المستحيل والانفصال المؤلم.

ومن خلال الانزياح المسـرحي وكسـر مبدأ الواقعية، تبدأ طوبال في طرح البدائل المتخيلة الممكنة للصورة المأساوية التي وصل إليها الواقع البشـري، مصممة طيلة العرض أن لا تتركنا على حافة الهاوية، وأن تجعلنا في ذهاب وإياب مستمريْن بين الإنسانية والتوحش، والخير والشـر، والممكن والمتخيل. ويمثل هذا الانتقال المستمر من العالم إلى نقيضه جوهر الرؤية الفنية لطوبال التي ترفض الاستسلام للواقع المأساوي، وتصـر على خلق مساحات للأمل، حتى في أشد لحظات اليأس. وهكذا، بينما نتأرجح بين الواقعي والخيالي، يأتينا صوت الأرض صادحا في قراءة مميزة، صوتًا يقسمنا إلى نصفين ويستميت في تعريتنا، ويدعونا بكل قوة إلى الأمل، وإلى التشبث بالحياة والمقاومة، في طرح يجسد الكيفية التي يحول بها الإبداع التصورات الفلسفية الوجودية، إلى لغة مسرحية مؤثرة.

  • صراع الأضداد: من التوحش إلى الأنسنة:

تقدم المسـرحية خارطة معقدة من الأضداد المكونة لمجموعة من الثنائيات التي انبنت عليها الديناميكية الجدلية للعرض، بدءًا بثنائية الخير والشـر، مرورًا بثنائية التوحش والإنسانية، وصولًا إلى ثنائية الحياة والموت وما بينهما. غير أن هذه الثنائيات لا تحضـر كمعدالات بسيطة، بل تتشابك في نسيج درامي محكم، يعكس تعقيد الوجود الإنساني، فاتحة بذلك نافذة صغيرة على المقترح الهيغلي الذي يدعم الفكرة القائلة بأن صراع الأضداد يولد ديناميكيات جديدة تنتهي بالضرورة إلى التغيير. ذلك أن شخصيات المسرحية الأربع (أوركيدة، وبيسان، وميمون، وجنات)، تمثل نماذج بشـرية تحمل في داخلها تناقضات عميقة، مجسدة بذلك الرمزية المسـرحية التي تحول الشخصيات إلى تمثيلٍ لقوى اجتماعية ونفسية متصارعة. فمن جهة، نراها تتشبث بالحياة وتتمسك بالأمل، ومن جهة أخرى، نلمس في سلوكياتها آثار التوحش والأنانية التي ولدتها ظروف البقاء القاسية، في إطار ما بعد إنساني يختبر حدود الأخلاق و الإنسانية .

وتمثل شخصية "دنيا" المحور الذي تدور حوله هذه الثنائيات، فهي تجسيد للأمل النقي، ولكنها في الوقت نفسه تطرح سؤال الوجود في عالم فقد معناه. وبهذا المعنى، فإن ولادتها المعجزة من بويضة وحيوان منوي وحيدين، تطرح إشكالية الجوهر الإنساني وحدود أنسنته في عالم بات على حافة الهاوية، من خلال الفضاء المسرحي بوصفه استعارة للوجود الهش. ويتجلى هذا التناقض في مشاهد عدة، تتحول فيها الشخصيات من حالة الدفاع عن القيم الإنسانية إلى تبني سلوكيات لا إنسانية في سبيل البقاء. وعلى هذا النحو، نجحت طوبال في تحويل المسـرح إلى مختبر وجودي يختبر فيه المتفرج حدوده الأخلاقية والإنسانية من خلال نسيج درامي معقد تتفاعل فيه الأضداد، لتخلق عرضا مسـرحيا مشتبكًا مع أسئلة الوجود والإنسانية، في عصـر ما بعد الإنسانية، كما نجحت في تقديم رؤية فنية تجمع بين العمق الفلسفي والقدرة على التأثير في المتلقي.

لكن، إذا كانت هذه الأضداد والثنائيات انعكاسًا للرؤية الفكرية التي قامت عليها المسـرحية، فكيف تمظهرت بصمة ليلى طوبال الشخصية في هذا العمل؟ وكيف انتقلت من صوت الكاتبة – الممثلة، إلى المخرجة التي تخلق عالمًا سحريا يعكس روحها وتجربتها الفنية؟

  • ليلى طوبال: المخرجة التي "تتكلم" وهي صامتة:

تضعنا مسـرحية "كيما اليوم" أمام خطوة جديدة في المسار الفني لليلى طوبال، حيث تنتقل من ممثلة و كاتبة محترفة، إلى مخرجة تبحث عن صوتها الخاص. فهل استطاعت طوبال تحقيق التوازن بين احترافها للكتابة المسـرحية، ورؤيتها بوصفها مخرجة في هذا العمل؟

يقودنا هذا التساؤل إلى ضرورة النظر في العلاقة الإشكالية بين الكتابة والإخراج. وإذا ما نظرنا في الجانب الطاغي على هذا العمل (بين النص المكتوب والرؤية الإخراجية)، وجدنا أن الجانب النصـي قد سيطر على المشهد في مناسبات عديدة، حيث قدمت طوبال الملامح الرئيسة للشخصيات عبر النص أكثر من تقديمها لها عبر اللغة المسرحية الشاملة، وهو ما يدعونا تباعًا إلى التفكير في كيفية التعامل مع هدا الإشكال، فهل يمكننا اعتباره ضعفا إخراجيا أم اختيارًا جماليا، وهل يمكننا الجزم بأن الدراماتورجيا والكتابة الركحية قد قدمَتا في شكل وحدتيْن منفصلتين أم أنهما قد كونا نسيجا متكاملا؟

اعتمدت ليلى طوبال في هذا العمل على دراماتورجيا تقدم الشخصيات في شكل كتل منفصلة، أساسها المحوري هو النص، وقامت في عدة مواضع بتحويل هده الكتل النصية إلى كيانات حية متحركة في الفضاء الركحي، في محاولة جدية لتوجيه الممثلين على الركح و اللعب بمختلف المكونات البصـرية، بالإضافة إلى الأداء الحي للصوت الذي عوض في لحظات فارقة الموسيقى، كاشفًا عن الحالات النفسية والذهنية للشخصيات التي أرادت طوبال تقديمها للجمهور. لكن، على الرغم من هيمنة النص في عدة مواضع من العمل، فقد نجحت المخرجة، بالاعتماد على لغة مسـرحية متقنة، تجمع بين الإضافة والتشكيل الفضائي وحركة الممثلين، في اصطحابنا إلى رحلة جمالية نجحت في أكثر من موضع في تذويب النص داخل الرؤية البصـرية، وفي توحيد الكلمة مع الصورة، وهو ما رأيناه على سبيل المثال في نهاية المسرحية عندما ينفتح الباب الفاصل بين عالم الشـر وعالم البشر، فيستعيد البشر حرف الباء الذي تخلوْا عليه في خضم الأحداث، في مشهد ختامي يقترح انفتاحا على عالم الحب والأمل ويزرع فيه الحائط المثقوب أزهارا، في صورة تجمع بين الشخصيات الأربع و دنيا في شكليْها، طفلةً قبل الاختفاء، وشابةً عند رجوعها.

تمثل مسرحية "كيما اليوم" محاولة جادة لصياغة لغة مسـرحية خاصة، تجمع بين قوة النص وعمق الرؤية البصـرية، وحتى وإن طغت الكاتبة المسرحية على المخرجة داخل شخصية ليلى طوبال نفسها، فقد استطاعت في النهاية تقديم عمل يحمل بصمتها المميزة، محققة بذلك انتقالا سلسًا من ممثلة تخدم النص إلى مخرجة تخلق مسـرحًا سحريا لا تسعى من خلاله إلى تمكين المتفرج من لحظة تطهير بالمعنى الأرسطي البحت للكلمة، بقدر ما تجعل منه وسيطًا لتبث في المتفرج نفسًا مقاومًا لطالما حاولت ليلى طوبال ترسيخه في الفضاء المسرحي والفضاء العام.

سلمى بلطي

تعليقات (0)

لاتوجد تعليقات لهذا الموضوع، كن أول من يعلق.

التعليق على الموضوع

  1. التعليق على الموضوع.
المرفقات (0 / 3)
Share Your Location
اكتب النص المعروض في الصورة أدناه. ليس واضحا؟