شعرية الاحتفاء بجمالية المكان والقيم من خلال قصيدتي: محمد بنيس: - "فاس عن فاس نأت" 1 و 2 - "ورقة البهاء" - د. ا محمد برغوت

شكل العرض
  • أصغر صغير متوسط كبير أكبر
  • نسخ كوفي مدى عارف مرزا

كانت الأمكنة الأثيرة على نفوس الشعراء والأدباء والفنانين في كل مراحل التاريخ الإبداعيي ملهمة لتفجير مشاعر الارتباط المتجذر بها، والشوق والحنين إلى مراتعها، واستدعاء فضاءاتها الساكنة في أعماقهم، والتي تحرضهم على الاعتزاز بالانتساب إليها، والإعراب عن الأحاسيس المولدة للأشجان على ما قد يصيبها من إهمال وعدم الاهتمام بتجديد نسغها.

وهذا ما حرض كبار الشعراء والمبدعين عامة على الاحتفاء بجمالية مدنهم التي نشأوا في أحضانها، وإشادتهم بالقيم التي اكتسبوها في كل مراحل طفولتهم أو شبابهم بها.

وهذا الرجوع إلى استدعاء الصور الهاربة للأماكن المألوفة هي ما سادت في أشعار القدماء والمحدثين معا، و يؤكد : "غاستون باشلار" أن المكان كان و ما يزال مركز اجتذاب دائم في الفن عموما، وذلك لأنه يركز الوجود في حدود تحميه". وهذه الحدود المحفورة في ذاكرة الشعراء والأدباء والفنانين كفترات ساكنة في الوجدان وفي الجهاز العصبي، هي ما تحرك مشاعر الإنسان عامة رغم تباعد الزمان.

  • فاس عن فاس نأت "2"

بوح شعري حول مراتع طفولة الشاعر : "محمد بنيس" وامتنان للبيئة التي تفتقت فيها أكمام زهرات عمره ، وعرفان بمكانة فاس: التاريخية/الحضارية/الثقافية/الدينية... التي ألهمت شعراء المغرب والمشرق على السواء.

وتتمفصل القصيدة إلى نصين متكاملين ( 1 و 2 ) أو لوحتين متناظرتين :

  • النص الأول : إشادة بحاضرة فاس، مقصد العلماء والأولياء ، وحصن المقاومين الأشداء ، ومنارة علمية/دينية/اجتماعية/فنية.
  • النص الثاني : وصف يتقطر حسرة على ما آل إليه واقعها الحالي من إهمال وجحود ونكران.

ويمكن القول إجمالا أن القصيدة بشقيها ( 1 و 2 ) مندرجة في شعرية الاحتفاء بالحيز الجغرافي والإنساني الساكن في وجدان الشاعر يوحي بالذكرى واستدعاء الصور الهاربة من فترات طفولته المنسربة بين تجاعيد السنين.

يطالعنا النص الأول بالحديث عن فاس كحاضرة وشاهدة على الأصالة والعراقة، ثم يستطرد الشاعر في سرد ووصف ما يميزها كتحفة عمرانية عابقة بالدروس والعبر، إنها فاس الانتماء والهوية:

"ها أنت تحيطين النعش الحجري

بخيوط كوفية

برشاش

أرصدة في حاشية الزليج

بمواويل الطرب الأندلسي".-1-

يتضح من خلال مخاطبة الشاعر لمدينته – الأثيرة – أنه حريص على إحصاء معالمها، ووصف مظاهر بهاء عمرانها المتجلي في عمارتها المعبرة عن إتقان صناعها وحرفييها المبدعين للمنمنمات والنقوش الخشبية ومشيدي أسوارها الحجرية الشامية التي تحفها وتقيها من عوادي الزمن.

ثم   تتوقد عاطفته حين يستدعي ذاكرته لاستحضار بهائها وسحرها المترسب في وجدانه تجاهها:

            "ها أنت أمامي

            أوضح من ظلمات البحر على

            جسدي

            تجتازين الضوء القمري إلى أقصى الكلمات.

            ضاقت عنك الشمس وضاقت

            عني العتمات،

            ها أنت على ألواح الفتنة تنتقلين

من فانية

لجلالة فانية

تتخطين حزام الضوء فلا تنذهلين.

ها أنت صفاء منطفئ

في أجراس الحلم

وفضاء منعرج

يتدحرج في سرداب اليتم

 لأراجيح الشهداء

انجذبي بنئني

لمجاريك اندفقي يا سيدي البراح

في حوضي لغاتي كيف أحرر

فارسي من فاس". -2-

هذه هي فاس كتحفة عمرانية عابقة بالدروس والعبر، إنها فاس الانتماء والهوية الثقافية، والتاريخية باعتبارها مهد الأسر التي تعاقبت على حكم المغرب، إنه تاريخ حافل بالفتوحات :

            "في ضوء الحجارة

والثغور القادمات مع القوافل

والغبار

غسق لفاس

قمر لنهر سبو العتيق" -3-

والملاحظة التي تسترعي الاهتمام هنا سمو تعبيره الشعري بتوظيف الانزياح اللغوي الذي يرقى نحو آفاق فسيحة من الخيال المجنح. وهذا ما يساعد الشاعر على أن يطلق العنان لعواطفه وأثرها المتسرب في وجدانه تجاه مدينته.    

وهو كلما توغل في إحصاء مفاتنها التي انغرس تأثيرها النفسي في كل خلية من خلاياه، تراه يعترف بأنه أصبح سجينا لغرامه بها، وعشقه الساري في وجدانه لها، ولا يعرف طريقا تحرره مما تمارسه عليه مدينته المرصعة بالضوء الهادي المنير للعتمات وألواح الفتنة وأجراس الحلم، إنها الصافية المطهرة من كل دنس.

ثم يسترسل الشاعر، محرضا ذاكرته على استدعاء شريط مراحله الطفولية ، فيخيل إليه أنه يراها "رقرقات منقاذة نحو المساءلة الطليقة". وهو  إذ يستحضر هذه الفترات الزاهية من عمره الذي انسرب في حواريها وزقاقاتها، مستظلا بظلال نخيلها، يستعين على وصفها بكلماته المعبأة بانشطار حدائق معناها "علها تساعده على" تفتيت الصور البديعة" للجمال الذي حباها الله به :

من ارتفاع أقواسها المثبتة على ضوء حجارتها الشامية، وقمرها المنير لنهر سبو العتيق :

 "حجر يحاصر بعضه بعضا يفكك رقرقات طفولة منقاذة

نحو المساءلة الطليقة في انسياق النخل على نحت الجسارة

في شقوق الغفوة الأولى تزود من شعيلات الفصاحة بذرة

الفتك السعيدة هيأ الكلمات للظن المعبإ بانشطار حدائق

المعنى

سيصحب ماءه

سيفتت الصور البديعة لارتفاع القوس

ها هو يهتدي بشفافية الفراغ

بخطورة

مطعونة

بمساقط الأنفاس" -4-

ثم تستدرجه ذاكرته لإحصاء أماكنها وأحيائها العتيقة، والموشومة بأصوات وإيقاعات الحرفيين التقليديين، والصائغين للأواني النحاسية والفضية :

"وهذا ابن سلمان على

درجات الصفارين

يتفرس في أطياف غياب

صرخات

آهلة

ببرودة

حسبتها لطخات

وسحاب". -5-

2- فاس عن فاس نأت "2"

أما في هذا النص الثاني، فتغمره غلالة حزن الشاعر وبالغ حسرته على مآل مدينة : فاس المحروسة وواقعها،  لقد أفردت ، وتركت للوحشة والإهمال :

"ترحل فاس الليلة نحو الرقع

المجهولة في عمق الأعماق تهيج

خلجان الوحدة هل كانوا حين

نأوا

عنها فرحين بغير صنادق الإسمنت

معلقة في حلكة هذا العالم مفتونين

بغير قوارير الغاز المضغوط إلى

أقصى الصيحة وافخر بالآلهة تهديك

الأعضاء من الألمنيوم المستورد". -6-

فها هي فاس تنقاد إلى استهلاك السلع الصناعية المستوردة، وتقطع صلتها بما أبدعه صناعوها التقليديون من نفائس وكنوز مضمخة بعر ق  جبينهم الوضاح ، وأنامل مبدعيها الفنانين :

"جمل وجهك بالمرهم والقلب

استبدله بمعجون البلاستيك". -7-

وفي لحظة التأسي على حالها، يتوسل الشاعر لمخيلته كي تعود به القهقرى إلى الماضي المجيد لمدينته المستباحة، فيلتمس أن يحصن "ابن حبوس" – الشاعر / رمزها التاريخي – غيمتها :

"حصن يا ابن

حبوس غيمتها

سنسافر من حوض الإنشاد إلى زيتون زلاغ مراكبنا

أشباح ترحل في النبضات حواس وهبناها النهش اللعنة

عققناها وجعلناها تغرق في سم كان لنا". -8-

            ها قد تبدل حالها بين ماضيها المشرق الزاهي، وحاضرها الذي أصبح فيها أهلها عاقين جاحدين لما كانت تمثله في دهرها المهمل :

            "يكلمني نورس من مساء بعيد علي

هيئة الخيزران عن الذاهبين معي

لجنوب الغواية مندفعين بحبر تسيل

عذوبته شعلا ينصتون لماء سبو لم

تقم بيننا حجة هو هذا المساء له أمم

تتآلف في سحب تتحدر   من شهوة

اللحظات جداول آبقة تتوجس ساعتها

صور تتوارد يسكنها التائهون". -9-

فها هي روضات فاس ومنتزاهاتها تستغيث بمن يرويها ليعيد لها بريقها وبهاءها الذي هجرته مياهها المنسحبة.

لقد أصابها التصحر واليباس الذي شل مفاصلها ، وصد عن حدائقها الغناء أهازيج الفرح والطرب بمناسبات إحياء أعيادها التي استحالت توجعا وكربا وأعياد ممنوعة.

 "كلمني من قصب مجهول

خبئني في صدفات الحلم

أغمرني بجليل النار أنا الموؤودة

دثرني

انظروا إلي أيها العابرون جيدا

هذه كسواتي الثلاث

خذوا منها واحدة

وضعوها على مدينة فاس

ثم انظروا إليها

تذوب

أهلها يتلاشون

بنيانها وأسوارها

وماؤها

يتلاشون". -10-

إن الشوق والحنين لألفة الأمكنة الساكنة في وجدان الشاعر ، ها هي تبدو عالقة بالذكرى ، وهو ما يستدعيه للعودة إليها ، واسترجاع ما ترشح به من مشاعر الأسى والأسف على ماضيها الذي ولى.

بهذه الطريقة إذن ، يتحسر الشاعر على تبدل حال مدينته الأثيرة ويحز في نفسه هذا البون الشاسع بين حاضرته السارية في خلاياه ، وبين واقعها الراهن.

  • ورقة البهاء : القصيدة واحدة من مجموع قصائد ديوان محمد بنيس :

" ورقة البهاء" التي خصها للسفر في أماكن وفضاءات مدينته الساكنة في أعماق روحه العاشقة لسحرها الموشوم في ذكريات طفولته . إنه بوح ينم عن الإخلاص والامتنان لهذه الحاضرة التي تعلم فيها الحبو الآمن في سراديب أزقتها وأحيائها الفوارة بمظاهر حضارة عمرانية /ثقافية/دينية/علمية... دارسة ، وتدرج في الارتقاء بمعرفته في حياض مدارسها العتيقة التي فتحت له نوافذ الفكر والأدب، والثقافة والطرب، ليصبح على ما هو عليه : الشاعر الأريب والمفكر اللبيب.

وبين الذكريات ولحظات استرجاعها فاصل زمني طويل. ولذلك نجد الشاعر يحرض ذاكرته مرارا ليستل منها لوحات من مراحل طفولته بمدينة الثقافة والعرفان ، والسماحة والأديان ، فاس المنارة الزاهية بتاريخها المجيد.

وتنساب مشاعر الاعتزاز بالمدينة في النص انسياب الدم في شرايين الشاعر، حيث يقول :          

            "فاس انسيابك لا نسيابي من

عروقك يطفح الآذان قافلة

محررة هي الصحراء غصن نقي

أبايع يهتدي ليل التذكر

بالعطاش من المجانين الذين

يموجون الخيزران ممالك تدنو

بأضواء معتقة لهن  خيولهن

موشحات جيش منتصر لأندلس

عبور سبو لعاشقة دم النعمان

ألوية توسدها المسافة هل تسلم

فيك تاريخ مذابحه تكلم أنت

متكئ على ظل الرماد". -11-

لفاس إذن صحائف تاريخ مضمخ بحلول القوافل التي تحج إليها من الصحراء ملبية آذان التقوى والفلاح للممالك الدارسة، وأمجاد جيش المنتصرين للأندلس ها هي مخلدة في الموشحات وطرب الآلة الأندلسي.

وهو إذ يعود للاحتفاء بمدينته وتاريخها الوضاح ، تنثال عليه صور الأمكنة الراسخة في وجدانه ك :

"فاس تل مرنان

منخفض

أفق

للحفل

بياض حار

... فاس عرصات للروح

الوثنية

أشجار الرمان

دوالي الأعناب

النارنج

نواوير  الغنباز..."

... فاس

تنغيم رباب أندلسي..." -12-

ثم يسترسل في التذكير ب"ابن حبوس" رمزها التاريخي وشاعرها الذي سجل أمجاد الموحدين بها :

"هل تسمع فاس تغني لابن سلمان

وأعني ابن حبوس

ولد يفتل إقليد الشعر

ويعاشر أقواس سبو

ولد يغسل أدراج الصفارين

بدماء الصمت

ولد يعبر من أشفار امرأة

لمنازه غرناطة

ولد فتش في رمل سبأ

عن رنين الشام". -13-

تلك إذن كانت الصور الهاربة لفضاءات فاس بكل جمالها البادي في العمران، المحروسة بأسوار من حجر أملس مصقول مجلوب من بلاد الشام ، وورعها اللابث في الأذان المنبهة للناسكين والمتصوفة الأخيار، ونشاطها الساري في أحيائها العتيقة، وبهائها الذي لا يخطئه الرائي في حدائقها ورياضاتها، وجلالها الراسخ في جامعتها ومدارسها ، وكل المظاهر الزاهية لحضارتها المسجلة في صحائف تاريخها الممتد عبر اثني عشر قرنا .

غير أن انتشاءه بسرد مفاخر مدينته وصور أمجادها لا يطول كما يحلو للشاعر ، إذ يستوقفه واقع حالها  ، فيستشعر المرارة والألم على مآلها اليوم بعد أن نأى عنها أهلها وحماتها ، لقد تغير حالها وأصبحت بؤرة لكل أصناف الإهمال ، وهذا ما يؤلب عليه الحزن السوداوي نظرا لمظاهر الفقر المنتشرة في المدينة والذي صد عنها أهازيج الأفراح في واقعها المر هذا :

" فاس عن فاس نأت

مجذوب يستقصي أخبار الجوع

ويثبت فيها نخلة صرخته

فاس عن فاس نأت

فقر يتجول بين منازه منهدمة

ويدون تشريعات إقامته

فاس عن فاس نأت

دمن تتراسل في عيد ممنوع

أو يحضنها وسواس مياه منسحبة". -14-

هذا هو محمد بنيس الذي سكنته مدينته الفيحاء ، الزاهية البهية ، المنارة الشاهدة على عمق تراثها الذي أضاء العقول ، وأهدى الحيارى ، وخلد إبداع الفنون المتمثلة في كل أصناف المصنوعات والمنحوتات الراقية ، وحفظ تراث الموسيقى الطربية الأندلسية والشامية وساهم في إغنائها .

والشاعر حينما يستدعيها في نصوصه الشعرية ، تنثال عليه مشاعر مزدوجة :

  • مشاعر الزهو والاعتزاز بالانتماء إليها ، ومن ثم فهي :

أليفة / بهية / ولصيقة بذات الشاعر .

  • مشاعر التحسر والألم والتأسي على حالها ، ولذلك يعتبرها :

غريبة / متحولة / ونائية عنه .

وهذا ما يدعوه إلى توظيف لغة شعرية حالمة مجنحة منتشية ببلاغة التصوير والإيحاء في الحالة الأولى ، وانصياعه للغة واصفة تقريرية مسترسلة في الحالة الثانية .

إنه يمزج بين اللغة الشاعرية الرامزة والكثيفة الدلالة ، وبين الاسترسال  النثري المتحرر من كل قيد ، وكأنه ينشد الحرية المطلقة . وهي الطريقة التي تبناها الشاعر محمد بنيس في مجمل دواوينه ، وهذا ما قاده أحيانا إلى الانسياق وراء تمثلات "سوريالية" .  وعن هذا يقول هو نفسه عن تصوره للكتابة :

 

"الكتابة أنقاض

كل مرة

في انحلالها تلمع"

 

إن الكتابة بهذا المعنى في نظره ، أشبه بمجرى الماء الذي قد ينساب هادرا ، أو ينحسر إلى جدول صغير يحضن الغيلم والبط العوام.

ومن هذا المنطلق الذي تبناه الشاعر يميل أسلوبه إلى أن يحدث فجوات داخلية تنزاح فيها الدوال عن مدلولاتها المعجمية ، فيبطنها بفجوات توتر غالبا ما تسقطه  في غموض وإبهام لا يتيسر فك شفراته على المتلقي العادي ، وكأنه يتعمد الكتابة للقارئ اللبيب المحصن بالمعرفة النقدية الضرورية لكشف عالمه الغامض . فاللغة عنده بهذا المعنى يحولها إلى فضاء أنقاض. ويقول عن هذا المعنى :

           "لي لغة تورثني سماء الموت". 

الهــــــوامــش

 "جماليات المكان والقيم : "نصوص من الشعر العربي تقديم وانتقاء" د. عبد الله بنصر العلوي . ص: 192

  • نفسه. ص : 192-193
  • نفسه. ص : 193-194
  • نفسه. ص : 193
  • نفسه. ص : 194-195
  • نفسه. ص : 196
  • نفسه. ص : 196
  • نفسه. ص : 197
  • نفسه. ص : 197-198
  • نفسه. ص : 198-199
  • نفسه. ص : 201-202
  • نفسه. ص : 200-201
  • نفسه. ص : 202-203
  • نفسه. ص : 203

 

تعليقات (0)

لاتوجد تعليقات لهذا الموضوع، كن أول من يعلق.

التعليق على الموضوع

  1. التعليق على الموضوع.
المرفقات (0 / 3)
Share Your Location
اكتب النص المعروض في الصورة أدناه. ليس واضحا؟