الكتابة الرقمية وجماليات المكاشفة: قراءة في شذرات عبد الحق الديوري - رشيد الهاشمي

شكل العرض
  • أصغر صغير متوسط كبير أكبر
  • نسخ كوفي مدى عارف مرزا

في زمنِ الرقمنة الجارفة، حيثُ يصبحُ العالمُ الافتراضيُّ فضاءً خصبًا للتعبير عن أفراح الذات وأتراحها، عن همومها وتوجساتها، عن آمالها وآلامها، يبرزُ اسمُ عبد الحق الديوري كواحدٍ من روَّادِ الإبداعِ الذين اختاروا الفضاءَ الرقميَّ المفتوحَ لينثروا فيهِ أجملَ ما جادت به قريحتهم من لآلئ الكلمات، وكنوز المعاني، وجواهر البديع والبيان. وكيف لا يكونُ كذلكَ وهو ابنُ واحة زيز؟ ترعرعَ في أحضانِها، ونشأَ تحتَ ظلال نخيلها، وتربَّى بينَ جدران بيوتها الطينية. فتشبَّعَ بثقافتها الأصيلة، وتفاعلَ مع طبيعتها المتأرجحة بين الجمال والقسوة، ومع أبنائها الذينَ صاغتهم تجاربُ الحياةِ العميقة. عاشقٌ للحياةِ والفنِّ والسفر، مُولَعٌ بالجمالِ والكلمة والحكمة، جعلَ من الكتابةِ وَطَنًا للروح ومرآة للذات، ومن الإنسانِ قضيةً وجوديةً لا تفارقُ وجدانَه.

في نصوصِه الشذرية، ينسابُ حنينٌ صافٍ كجدولِ الواحة الخضراء والمثمرة، حاملاً بين سطورِه وجه الإنسان الصافي، والملهم والمشاكس أحياناً، وبذورَ الأملِ والسلام. اختارَ الديوري أن يركب الغيمة المستحيلة، فيُزيِّنَ جسدَ الكلمةِ في الفضاءِ الأزرق، الذي صارَ لهُ موطئَ روحٍ ودارًا. لم يبخلْ على القارئِ بجزءٍ من ذاتِه، ففتحَ نوافذَ قلبهِ على مصراعيها، يُشرِكُهُ انطباعاتِه وقلقَهُ وأحلامَه. فالكتابةُ عندهُ ليست ترفًا فكريًّا، ولا منصّةً للتباهي أو مرآةً للذات، بل هيَ ضرورةٌ وجوديةٌ لا تقبلُ المساومة. يقولُ في ذلكَ :

أنا لا أحب كل ما أكتب،

 كما لا أستلذ كل ما آكل.

 لكن تدفعني إلى الفعلين حاجة النفس، للتنفيس والبقاء !

إنَّها شهادةٌ صادقةٌ تُجسِّد الكتابةَ كفعلِ مقاومةٍ؛ مقاومةِ اليأسِ بالكلمةِ، وترميمِ الذاتِ بالبوح، وتطهيرِ الجروحِ بإشراقِ المعنى (الكلمة شفاء). فكما أنَّ الجسدَ يطلبُ القوتَ ليدفعَ الجوعَ، فإنَّ الروحَ تطلبُ الكلمةَ لتدفعَ الظلامَ عنها. وكما أنَّ الطعامَ قد يكونُ مُرّاً أحياناً، لكنَّه ضروريٌّ لاستمرارِ الحياةِ، فإنَّ الكتابةَ – حتى حين لا تُرضي صاحبَها – تظلُّ وسيلة للتداوي، وجسراً يعبرُ به الإنسان من وحشةِ الصمتِ إلى فسحةِ التعبيرِ.

وتبعاً لذلك، فإن الفضاء النصي عند الديوري يقوم على عدة مبادئ، منها المكاشفة عن الذات، والاختزال، والتكثيف والانزياح، بعيدًا عن النسقِ التقليديِّ والتحليلِ العقلانيِّ الجاف. فهي لا تخضعُ لقيودِ المنطق، بل تتدفَّقُ كقطعٍ موسيقيةٍ حُرَّة، تحملُ في طياتها شحناتٍ عاطفيةً مكثَّفة. على حدِّ تعبير بنسالم حميش، فإنَّ نصوصَه لا تتيه في متاهاتِ الفلسفةِ المعقَّدة، ولا تُثقلُ كاهلَ القارئ بألفاظٍ متعالية، بل هي أقربُ إلى القصيدةِ الغنائية؛ تسعى إلى كلمةٍ صادقةٍ موجعة، مقتصدةٍ في ألفاظها، وعميقةٍ في دلالاتها. ورغمَ أنَّ هذا النوعَ من الكتابة قد يبدو للوهلةِ الأولى مُشتَّتًا أو غيرَ مترابط، فإنَّه يخفي في أعماقه وحدةً عضويةً متماسكة، تُمزجُ بين الذاتي والموضوعي، بين البوحِ والرؤية. فشذراتُ الديوري ليست مجرَّدَ كلماتٍ مبعثرة، بل هي لآلئُ تُشكِّلُ عقدًا سرديًّا فريدًا، يحملُ بصمةَ كاتبٍ يُحسنُ تحويلَ الشظايا إلى فنٍّ، والقلقَ إلى جمال.

 

  • جدلية الوعي والشقاء

يقوم البناء الدلالي لشذرات عبد الحق الديوري على كشف واقع التناقض الصارخ الذي يعج به هذا العالم الفسيح، ورصد الصراع الذي يطبع التجربة الإنسانية في عمق الوجود. فمعظم نصوصه تبرع في رصد الشيء ونقيضه، وخاصة ما ارتبط إدراكه عند الكاتب بالشقاء، كما يؤكد ذلك قوله:

من شقاء المرء

إدراكه للشيء ونقيضه!

من زاويةٍ نفسية، يُمكن قراءة هذا النص كتعبيرٍ عن الصراع بين الوعي واللاوعي. إدراك الشيء ونقيضه يُشبه اكتشاف الهو والأنا الأعلى في آنٍ واحد، مما يُولّد عذابًا نفسيًا. كما يُذكّرنا بفكرة فرويد عن "قلق الحضارة" حيث يُدرك الإنسان ثمن كبت غرائزه من أجل العيش في المجتمع. الشقاء هنا ليس مجرد ألمٍ عابر، بل هو شرطٌ وجوديٌ يُرافق الوعي بالازدواجية الكامنة في النفس والعالَم. يُمكن تفسير الشقاء هنا كضريبةٍ يدفعها الإنسان لقاء وعيه. ففي اللحظة التي يُدرك فيها المرء أن كل يقين يحتمل الشك، وكل حقيقة تُخفي نقيضها، يفقد القدرة على العيش بسذاجةٍ مطمئنة. هذا ما يُشبه مقولة نيتشه عن "موت الإله" وانكشاف الهاوية التي كان يُخفيها اليقين الميتافيزيقي. النص يُجسّد إذاً المأساة الكامنة في كينونة الإنسان العاقل الذي يُدرك أن المعرفة لا تحرره بل تُثقله، وتجعله حبيس المعاناة، وهذا ما يؤكده بقوله :

لما اتسعت عيناي

ضاق صدري !

يُبرز النص بشكل لافت العلاقة الجدلية بين الوعي والمعاناة. فالعينان المتسعتان ترمزان إلى الحساسية المفرطة والعمق الفكري، بينما الصدر الضيق يعكس الثقل العاطفي الذي يرافق هذه الرؤية الثاقبة. يمكن أن نقرأ في هذا إشارة إلى معاناة المبدع الذي يدفع ثمن رؤيته الاستثنائية بالوحدة والقلق، أو إلى المعاناة الوجودية للإنسان الذي يدرك محدوديته في عالم لا معنى له. على المستوى الأسلوبي، يعتمد النص على تقنية التضاد القوي بين "اتساع" و"ضيق"، مما يخلق صدمة دلالية تدفع القارئ إلى التأمل. هذا التضاد ليس مجرد محسن بديعي، بل هو تعبير عن التناقض الأساسي في التجربة الإنسانية: أننا نطلب المعرفة بحثًا عن الحقيقة، لكن الحقيقة قد تسلبنا طمأنينتنا.

نسيتني

في فترة الفتوة،

فأدركني الكبر صغيراً

يُظهر النص كيف يصبح الوعي أداةً للتعاسة عندما يحوّل الإنسان من حالة الاندماج الطبيعي مع تدفق الحياة إلى حالة المراقبة الذاتية المؤلمة. ففعل النسيان ليس هنا خارجيا فقط، بل يشير إلى وعي ذاتي مفرط جعل الكاتب يشعر بأنه خارج دائرة الاهتمام، حتى من ذاته. هذا الوعي الانفصالي هو ما خلق الشقاء الأولي. تكمن مأساة النص إذاً في وعي الكاتب الحاد بمرور الزمن بينما هو عاجز عن استثماره. هذا الوعي الزائد باللحظة العابرة حوّل مرحلة الشباب من تجربة معاشة إلى مجرد فترة يُحاسَب عليها. الوعي هنا لم يكن أداةً للتمكين بل أصبح سجناً زمنياً يمنع التدفق الطبيعي للحياة.

  • جدلية الحياة والموت

تتشابكُ في هذه الشذراتِ خيوطُ التناقض الأبدي: الحياةُ تُناجي الموتَ في رقصةٍ لا تهدأ. وفي قلبِ هذا الحوار المصيري، يوقّعُ الديوري كلماتهُ كأنها أنفاسٌ أخيرةٌ تبحثُ عن خلود :

وَبُؤْسٌ مُحِبٌّ... كِذْبَةُ الحَيَاةْ!

وَمَمَاتٌ مُقِرٌّ... حَقِيقَةُ المَوْتْ!

في هذين السطرين، يبرز التوازي التركيبي بوصفه أداة فنية محورية، لا تقتصر على التماثل الشكلي فحسب، بل تتجاوزه إلى تكامل دلالي. فكل عنصر في السطر الأول يجد مرآته في السطر الثاني، ليس في البنية النحوية فحسب، بل في الثقل الدلالي أيضًا، مما يخلق تناغمًا عضويًا بين الشكل والمضمون. هذا التوازي المحكم لا يكتفي بإقامة تماثل سطحي، بل ينغمس في أعماق النص ليشكل نسيجًا من التقابلات التي تثري الدلالة وتضاعف من إشعاعها.

وعلى صعيد الدلالة، ينسج عبد الحق الديوري لوحة وجودية تعج بالثنائيات الحادة: الحياة والموت، الوهم والحقيقة، المعاناة والاعتراف. فالحياة هنا تُصوَّر ككذبة وجودية ثقيلة، عبء لا يُحتمل، حيث تتحول كل ملذاتها - من دفء عابر، ولحظات بهجة، وذكريات عتيقة - إلى سراب زائل، محكوم عليه بالفناء في مواجهة الموت كمصير حتمي. لكن المفارقة تكمن في ذلك التمسك الإنساني العنيد بالحياة، رغم إدراكه زيفها، ورغم ما تنثره على دربه من شظايا الألم وخيبات الأمل. هذه المفارقة تُجسد أبلغ تجليات الوجود الإنساني، حيث يصبح التعلق بالحياة ضربًا من التحدي الوجودي في مواجهة حتمية الفناء. وهكذا يتحول النص إلى مرآة عاكسة للقلق الإنساني الأزلي، حيث تُختزل المأساة البشرية في هذا الصراع بين إدراك زوالية الوجود، والإصرار على الاحتفاء به رغم كل شيء.

في عوالم الديوري، تظل صدمة الموت قائمة حتى في خضم صخب الحياة التي تبتلعنا :

الخَوْفُ مِنَ المَوْتِ...

مَا يَجْعَلُ دَاخِلَ أَجْوَفَ شَكّاً!

أَلَيْسَ الأَجْدَى أَنْ نَعِيشَ بِسَعَادَةٍ؟

مَا دَامَتِ الحَيَاةُ عَبْرَةٌ زَائِلَةٌ،

وَالْمَوْتُ وَعْدٌ حَقٌّ لَا مَحَالَةَ،

فَلِمَ الحُزْنُ وَالأَلَمْ؟

تتجسد في هذه السطور رقصة وجودية مثقلة بثقل الأسئلة المصيرية، حيث يتحول الخوف من الموت إلى كائن مجسد يأكل من أعماق الذات، فيتحول إلى غرفة مهجورة تتراكم فيها أصداء القلق. هذا التشخيص للخوف الوجودي يحيلنا إلى صورة مادية للفراغ الداخلي، حيث يتحول القلق المجرد إلى كيان ملموس يمكن قياس أبعاده. وفي مواجهة هذا الخوف القاتم، يعلو صوت الكاتب مقاوما كل هذا الأسى، وكأنه يمسك بيد القارئ ليقوده من ظلمة الكهف إلى نور المواجهة.

تتخذ الحياة هنا طابعاً سائلاً كالعبرة الزائلة، في تشبيه يختزل تعقيدات الوجود في قطرة دمع تتبخر تحت شمس الزمن، بينما يتحول الموت من فكرة مجردة إلى "وعد حق" ثابت كالجبال، في انتقال دلالي يخلق توتراً شعرياً بين هشاشة الحياة وصلابة الموت. هذا الانزياح الدلالي يحوّل الثنائية التقليدية إلى معادلة وجودية معقدة، حيث يصبح التناقض بين الطرفين مصدراً لإشعاع النص وقوته التأويلية. وتتجلى ذروة السطور في السؤال الأخير الذي يهزّ القارئ من أعماقه: "فلم الحزن والألم؟"، سؤال يحمل في طياته كل المرارة والدهشة الإنسانية تجاه هذا التناقض الأبدي.

يبنى النص على مفارقة شعرية عميقة، حيث يتحول الإدراك العقلي لزوالية الحياة إلى عجز عاطفي عن تقبل هذه الحقيقة، في صراع درامي بين المنطق والوجدان. الإيقاع هنا يلعب دوراً محورياً في تعزيز هذه التجربة، فينتقل من التقطع القلق في البداية إلى الانسياب التأملي في الوسط، ثم ينفجر في النهاية بسؤال وجودي يخترق الصفحة كصاعقة. اللغة تتنقل ببراعة بين التجريد والتجسيد، بين الفلسفة والعاطفة، لتخلق نصاً يحمل في طياته كل تعقيدات الوجود الإنساني.

في الختام، لا يسعنا إلا أن نعترف بأن شذرات عبد الحق الديوري تُشكِّل عوالمَ مكتملةً رغم صغر حجمها، كاللآلئ التي تختزل ألق البحر في حباتها الصغيرة. فبين السطور، ينساب نور الكشف والإلهام، مُعبِّرًا عن تجارب الإنسان بلغةٍ تجمع بين رصانة الفكر ورشاقة التعبير، كأنما الكاتب ينسج خريطةً للروح بأحرفٍ نابضة بالحياة. هذه الكتابة الرقمية ليست مجرد نصوص عابرة، بل هي شهادات وجودية تلامس الأعماق، وتفتح نوافذَ للتأمل حيث يمتزج الجمال بالحكمة. وهكذا، تظل شذرات الديوري شموعًا مضيئة في فضاء الأدب، تُذكِّرنا بأن الكلمة الحقيقية لا تنتهي عند حروفها، بل تبدأ منها رحلةٌ من الأسئلة والدهشة، كأنها نهرٌ يجري بالقارئ إلى بحارٍ من المعنى لا تنضب.

تعليقات (0)

لاتوجد تعليقات لهذا الموضوع، كن أول من يعلق.

التعليق على الموضوع

  1. التعليق على الموضوع.
المرفقات (0 / 3)
Share Your Location
اكتب النص المعروض في الصورة أدناه. ليس واضحا؟