" رَأَيْتُ الْعَبَثَ وَ لَمْ تَضِقْ يَدايَ بِسُكونِ الْجِهاتِ الْنَّائِمَةِ. وَ رَأَيْتُ خَرائِطَ الْفَرَحِ تُعِدُّها بِمَكْر، ثَعالِبُ الْوَقْتِ الْعابِرِ فاتَّسَعَتْ بُقَعُ السَّفَرِ في قدمِي. ولَمَّا رُمْتُ انْتِشالَ الْحُقولِ مِنْ ضُباحِ الْكائِناتِ اللَّوْلَبِيَّة فَرَّتْ مِنْ أَصابِعي كُلُّ الدّالِياتِ. سَقَطَ الدَّمْعُ في جَيْبِي الْمُعَلَّقِ فِي فَهارِسِ النِّسْيانِ، فَتَّشْتُ في قاعِهِ عَنْ دُرَيْهِماتٍ أسُدُّ بِها ثُقوبَ الْحُقولِ الْمَسْلوخَة فَلَمْ أَجِدْ رَنيناً، وَوَجَدْتُ بَقايا مَخالِب، وَ نُتْفاتٍ مِنْ زَغَب، وَ حُشاشَةً مِنْ روح، وَ بَعْضَ أحْلام كانتْ دَفِينَة. "
ماذا تَقول أيّها الْمعْقُوفُ في يدِ الكلام؟ وهل أنتَ شاعرٌ فقدَ بوصلةَ البيان أم حاكٍ تاهَ عنهُ غزالُ المَجاز؟
انا الحاكِي و الْمحكِيُّ عنه. و أمّا العبثُ أعلاهُ فبعضُ السّلوك. و أمّا الجهاتُ النّائمَة فبعضُ السّكوت. و أمّا خرائطُ الْفرح فبعضُ الانْفِراجِ في سيماءِ العسْف و الخسْفِ و...
هل أنتَ تشْرَحُ لي؟ و هل بدوْتُ لك جاهلاً بمسارِب الْكلام؟
سيدي... لا تقلق و لا تندفع فليس قصدي أيُّ إهانة أو ما شابه. كلّ ما في الأمرِ أن الرّغبةَ في الكتابة انزاحتْ نحو التغميضِ الدّلاليّ بِقصدٍ يُنيخُ بالمحْكِي في أرْضِ النّخبة. و لا أرانِي جانَبْتُ صواباً إذْ ضيّقْتُ أفقَ الاستِقْبال. أليسَ من حقّي و أنا الحاكِي أن أختارَ قُرّائي؟
سأتركُكَ إلى نخبَتِكَ و أغادِرُ حماكَ. وليس مطلوباً منّي أن أذعِن لهذيانِك...
لك ما تشاء...
قال الحاكي:
و في غمْرةِ انتصارِ الثّعالِب على نقاءِ التّراب، دلفتُ أنا المحكِي عنهُ إلى ثقوبِ البسْتان. عبرْتُ شُعاعَ الثّقبِ الْوحيد الذي نسلتْ منهُ فصيلةُ ابنِ آوى. وجدتُ المقاسَ أكْبَرَ من بطنِها، فعلمتُ أن الثعالِبَ استأْسَدتْ و تكوّن أو تكوّمَ على صدرِها لِبْدٌ كثيف. وعلمْتُ أيضاً أن بعض الجهاتِ النّائمة تستيقِظُ في حالةٍ واحدَةٍ عندما تُدرِكُ أن الثعالِبَ في مأزق. فتصنعُ لها وجْهاتٍ أخرى أنسبُ لمواقِيتِها الثعْلبِيّة.
قالَ الّذي انتدبتْهُ الثّعالِبُ: أعلنُ باسمِ كل الثّعالِبِ أن الأمر لا يعْنِينا، و أن الثّقبَ لم يدْلِفْ منهُ و لا ثعْلبٌ واحِد. و إنها لفرْيةٌ عظيمةٌ ما جاء بها زمان. نحنُ لم نَلجِ البستانَ و لم نسرِقْ غلّته، كما لم نبدّل فرواتِنا أبداً. فابحثوا عن الفاعلِ و لا تذهبوا في تحقيقكم هذا المذهبَ المغلوط والّذي سيودي بكثيرٍ من الثعالِبِ البريئة. و فضلاً عنْ ذلك فشبَعُنا فيما يغمُرُنا من رزقٍ غابويٍّ يكفِينا و الحمدلله على نعمِه.
" رَأَيْتُ الْعَبَثَ ثانِياً وَ لَمْ تَضِقْ يَدايَ بِسُكونِ الْجِهاتِ الْنَّائِمَةِ. وَ رَأَيْتُ خَرائِطَ الْفَرَحِ تُعِدُّها بِمَكْر، ذِئابُ الْوَقْتِ الْعابِرِ فَاتَّسَعَتْ بُقَعُ السَّفَرِ في قَدَمَي .وَ لَمَّا رُمْتُ انْتِشالَ الْحُقولِ مِنْ ضُباحِ الْكائِناتِ اللَّوْلَبِيَّة فَرَّتْ مِنْ أَصابِعي كُلُّ الدّالِياتِ. سَقَطَ الدَّمْعُ في جَيْبِي الْمُعَلَّقِ فِي فَهارِسِ النِّسْيانِ، فَتَّشْتُ في قاعِهِ عَنْ دُرَيْهِماتٍ أسُدُّ بِها ثُقوبَ الْحُقولِ الْمَسْلوخَة فَلَمْ أَجِدْ رَنيناً، وَوَجَدْتُ بَقايا مَخالِب وَ نُتْفاتٍ مِنْ زَغَب، وَ حُشاشَةً مِنْ روح، وَبَعْضَ أحْلام كانتْ دَفِينَة ".
أهذا أنت ترجعُ بعد أن غادرتَ حكْيِي ووصمتَه بالنّخبوِيّ؟ مرحبا بحضورك مهما كان موقفك، فأنا أعتبركَ نُخْبَويّاً بامتِياز.
سيدي، كل ما في الأمر أن مسارَ الحكيِ انبعثَ مُشوّقاً فقرّرتُ أن أستمْتِع.
مرحبا بقلبك و عقلك و سمعك و كل جنود استساغاتك.
يبدو أنّ المسألةَ ستأخُذُ مجرىً آخرَ غيرَ الذي خطّطتْ له الجِهاتُ النّائمة. و أنّ الثعالِبَ بمكرِها الغريزيّ أسقَطتْ كفّةَ المتلاعِبِين و كسّرتْ أجنداتِهِم تكسيراً سينجُمُ عنهُ الكثيرُ من الضّرر. و لولا صبْرُ الجهاتِ و استعانتُها بالخبراتِ الأجنبية والمتخصّصة و المُكوّنَة أشدّ التكوين لكلّفها الأمرُ خيباتٍ لا قِبَلَ لها بتجاوُزِها...
هكذا تحوّل الدمعُ في مجراهُ... فمسحتِ الجهاتُ النّائمةُ التّهمَةَ في معشرِ الذّئابِ. و ألْصقَتْها بمكْرِها اللّولبِي. فشاعَ بينَ الأنامِ أن الذّئابَ دلفتْ إلى البستانِ وسرقتْ ما سرقتْ و عاثَتْ فيه ما عاثَتْ ودمّرتْ وخرّبتْ وأفسَدتْ. انطلتِ الحيلةُ زمناً على الإعلامِ و المثقّفينَ و باقِي الدهْماء وسائرِ الأنامِ. حتّى أوشكَ كلّ ذِئْبٍ على الرحيلِ من البِلادِ جرّاءَ هذه الوصمة و هذا الْبلاء.
انبرى ذِئْبٌ مثقّفٌ من عامّةِ الذّئابِ ويبدو من تعابيرِهِ أنهُ اشتغلَ سابقاً في المحاماة. قال و العهدةُ على الرواي: لم نشغلْ بالَنا نحنُ معشر الذئابِ بالسّرِقَة إلا لجوعٍ اعترضَ بطونَ صنفِنا أو لخصاصة هدّدتْ فصيلَتنا أو لسغبٍ شديد وضعَ انقِراضَنا في ميزان الموجودات. و أمّا اللمْزُ من جهاتٍ معلومةٍ أو مجهولَةٍ بأنّنا نمثّلُ متّهما أو مُداناً في قفص الاتّهامِ أو ما شابَه، فأمرٌ يبعث على الضحك، لأن الإشارةَ واضحةٌ و أوضحُ من شمسٍ في ظهيرة. و إنّنا من هذا المنبرِ الموقّر نقول لا لكلّ أفّاكٍ أثيم. و نشجبُ التهمةَ قبل الفعل ، و ندين من وصمنا بأدني صفة. وليطمئنّ الفاعل أننا لن نألوَ جهداً في المتابعةِ القضائية حتّى نبرّئَ ساحتنا من هذا الذي كان، بفعلِ فاعل موبوء...
لم يغمض لِلْجهاتِ النائِمة جفنٌ و لا استراحَ لها جنب. و قضت مواسِمَ حصادِ الانتخابات و الترشيحات في قحطٍ بائنٍ ومحلٍ أبْين. تجرّ ذيولَ هزيمَتِها خلفها أينما حلّتْ وارتَحلتْ. ولمّا ضاقَ بها الأمرُ ذِرْعاً جنّدتْ للأمر جيشاً عرمْرَما من جنودِ الشبكات العنكبوتية، تستثمرُ الوسائط الاجتماعية في التشهير بالفاعل الحقيقيّ الذي وضعتْ فيه ثقَتها العمياءَ وانصدَمتْ فيه أشدّ الصدمات...
الْصقَتْ إفْساد البستانِ لفصيلةِ الكلاب.
" الآنَ رَأَيْتُ الْعَبَثَ وَ لَمْ تَضِقْ يَدايَ بِسُكونِ الْجِهاتِ الْنَّائِمَةِ. وَ رَأَيْتُ خَرائِطَ الْفَرَحِ تُعِدُّها بِمَكْر، كِلابُ الْوَقْتِ الْعابِرِ فَاتَّسَعَتْ بُقَعُ السَّفَرِ في قَدَمَي .وَ لَمَّا رُمْتُ انْتِشالَ الْحُقولِ مِنْ ضُباحِ الْكائِناتِ اللَّوْلَبِيَّة فَرَّتْ مِنْ أَصابِعي كُلُّ الدّالِياتِ. سَقَطَ الدَّمْعُ في جَيْبِي الْمُعَلَّقِ فِي فَهارِسِ النِّسْيانِ، فَتَّشْتُ في قاعِهِ عَنْ دُرَيْهِماتٍ أسُدُّ بِها ثُقوبَ الْحُقولِ الْمَسْلوخَة فَلَمْ أَجِدْ رَنيناً وَوَجَدْتُ بَقايا مَخالِب وَ نُتْفاتٍ مِنْ زَغَب، وَ حُشاشَةً مِنْ روح، وَبَعْضَ أحْلام كانتْ دَفِينَة. "
سيّدي... و هل الكلابُ صاحبةُ الفعل؟
لا تتسرعْ يا صديقي. فأنا أربأ بك أن تكون ممّن يجتنون الثمارَ قبل نضجِها.
الحقيقة يا سيدي أنك شوّقْتني للنهاية حتّى نسيتُ نفسي، و وجدتُني كذلك المتفرج على شريط سينمائيٍّ عبر آلية اليوتوب، و وجدتُني كأنني أضغط على سهم التسريع لأحداث الحكاية. والأمر في حقّه و حقيقته يُعاش حكياً و حياةً بتفاصيله الدقيقة. هذا فرقٌ سرديّ ينبغي أن نسجّله في مقامات الحكي المتعددة بين مكتوبٍ ومسموعٍ و مرئيّ...
لا عليك يا صديقي، فالأمر يوشِكُ أن يكون عامّا. فأنا غالباً ما أقع في هذه الرغبة.
في سياقٍ مستضعفٍ لم يستطع كلبٌ واحدٌ ردّ التهمة. و السبب في ذلك مرجعهُ إلى أن الكلابَ لا تحظى بصفة النّدرة. فهذه تلعبُ دوراً في ترجيح كفّة الميزان للثعالبِ و للذّئاب. و أما الكلابُ فشأنها مختلف.
قد يقول قائلٌ مُعترضاً على تعليلنا بأن فصيلة الكلاب من نوع (البيتبول) أو (الجولدن) نادرة. نقول له وبسرعة الموقنِ من دليله، إننا نقصد بذلك الكلاب الضّالّة فقط. جفّتِ الأقلامُ وطُوِيتِ الصحف.
أفحمْتَني أيها الحاكي كما لم يفعل ذلك حاكٍ من قبل. و إنني لأشهد لك بالبراعة في وصم الحكي بالموضوعية. فأين تعلمتَ هذا؟
تعلّمته في حلقاتِ أسواقِ الحي المحمدي. دعنا من هذا، و قل لي أين وصلت حكاية الجهات النائمة مع الكلاب الضّالّة؟
لم تقف الكلابُ مكتوفةَ الأيدي أمام هذا العار و هذا الشّنار. فانبرتْ على بكرةِ أبيها إلى تفعيل نقابةٍ قديمةٍ للكلابِ كانتْ قد جمّدتْ أنشطتَها و لم تُجمّد أوراقها الرسمية. أعادت هيكلتها بسرعة برقية وانتدبتْ ناطقيها ليبلوا بلاء حسناً في صدّ ما هجمتْ به الجهاتُ النّائمة و نقضِ ما حاكتْهُ عبقريتُها الخائبة. لم تلجأ نقابة الكلاب إلى بديع القول و حجيج المرافعة وجميل البيان و قويّ البرهان، و إنما لجأت إلى فعل المقاطعة تنديداً بالإساءة الحاصلة في حقّهم.
سيدي، و ما موضوع المقاطعة التي يمكن أن تكون وازنة و مؤثرة وفاعلة وناجعة؟
صبراً يا صديقي صبرا...
لم أعد أطيق الانتظار يا سيدي... هات ما عندك هات.
حاضر يا سيدي ... إن فعل المقاطعة سلوكٌ حضاري و سلمي لا يقترفه إلا واعٍ بالمسؤولية. وقد أُسْقِطَ في يدِ الجهاتِ أن صدر هذا الفعل من الكلاب. حتّى ظنّتْه قاصمة ظهرِها. وقد ركزت نقابة الكلاب على مقاطعةِ قرار تسميم الكلاب بنشر الوعي بين صفوفها بمغبّات تناول هذه المواد القاتلة التي ترّوج لها الجهات النائمة للتقليص من عدد هذه الكلاب الضالة.
هل أفهم أن الكلاب كانت واعية بحملات التسميم و كانت تغض الطرف عن ذلك؟
نعم، سيدي... بعض الكلاب فقط.
هذا غريب جدّاً.
نعم، غريب و مؤسف و مأساوي.
و لمَ ذلك؟
تواطؤٌ من أجل البقاء في مقابل الإبادة الجماعية.
أكلّ هذا يحدث في بلادنا؟
نعم، و أكثر...
" ها أنا أرى الْعَبَثَ وَ لَمْ تَضِقْ يَدايَ بِسُكونِ الْجِهاتِ الْنَّائِمَةِ. وَ رَأَيْتُ خَرائِطَ الْفَرَحِ تُعِدُّها بِمَكْرٍ ناسُ الْوَقْتِ الْعابِرِ، فَاتَّسَعَتْ بُقَعُ السَّفَرِ في قَدَمَي . وَ لَمَّا رُمْتُ انْتِشالَ الْحُقولِ مِنْ ضُباحِ الْكائِناتِ اللَّوْلَبِيَّة فَرَّتْ مِنْ أَصابِعي كُلُّ الدّالِياتِ. سَقَطَ الدَّمْعُ في جَيْبِي الْمُعَلَّقِ فِي فَهارِسِ النِّسْيانِ، فَتَّشْتُ في قاعِهِ عَنْ دُرَيْهِماتٍ أسُدُّ بِها ثُقوبَ الْحُقولِ الْمَسْلوخَة فَلَمْ أَجِدْ رَنيناً وَوَجَدْتُ بَقايا مَخالِب وَ نُتْفاتٍ مِنْ زَغَب، وَ حُشاشَةً مِنْ روح، وَبَعْضَ أحْلام كانتْ دَفِينَة".
سيدي... أراك حوّلْتَ الحكيَ إلى بني البشر.
نعم، لأنّ البشر هم من دلف إلى البستانِ و سرقَ البستانَ و عاثَ في البستان ثم تركَ الثّقْبَ يتّسع في البستان...
***