الأحد, 21 أيلول/شتنبر 2025 23:45

صدور كتاب "منطق التسلط في الخطاب المتطرف دراسة في بلاغة الكذب والتطرف ودلالة ما بعد الحقيقة" للدكتور بدر الحمري

قيم الموضوع
(3 أصوات)

صدر للدكتور بدر الحمري، أستاذ الفلسفة والباحث في تحليل الخطاب الديني، مؤلف تحت عنوان « منطق التسلط: في بلاغة الكذب والتطرف ودلالة ما بعد الحقيقة »، عن دار دجلة الأكاديمية ودار المرهج 2025.

قسم الكتاب إلى أربعة فصول؛ تناول الأول بلاغة الكذب وما بعد الحقيقة، والثاني الحقيقة في عال ما بغد الحقيقة، والثالث منطق آليات التسلط في الخطاب المتطرف، أما الرابع فتناول التربية على المحاججة الناقدة ضد مغالطات المتسلط، فضلا عن المقدمة والخاتمة والآفاق الإشكالية.

وقف المؤلف د. بدر الحمري بداية عند  دلالة مفهوم التسلُّط ومنطقهُ الذي وضعه عنوان هذا الكتاب، إذ لم يكن هذا العنوان اعتباطياً، بل جاء بتعبير بول ريكور « بعد طول تأمل » في الخطابات التي تتبناها الجماعات المتطرفة منذ 1928 على الأقل. فما هي دلالات التسلُّط؟ وما معنى « منطق التسلُّط » ؟

يعني التسلُّط، حسب المؤلف، في دلالته اللغوية القهر، والسَّلاطة، ومن مفارقات اللِّسان أنّ السَّلِيط هو فصيحُ اللسان، والسليطة هي المرأة الصَّخّابة، إذا تسلطت بلسانها فأفحشت. كما يأتي معنى التسلط بمعنى الخمطُ، وقولهم تخمط الفحلُ، إذا هاج وهدر أو غضب وتكبّر. ويقالُ تأمّرَ عليهم، أي تسلَّطَ. هكذا فإن التسلُّط في شبكته الدلالية يعني القهرُ وسلاطة اللسان وفصاحته المؤدية إلى الصّخب والفحش والهيجان والغضب والتكبر والتَّأمُّر.

بناء على ما سبق يرى د. بدر الحمري أنه إذا كانت السُّلطة تعني الحق في الأمر، فإنّ التسلُّط يعني الخروج عن هذا الحق ليصبح تأمُّراً ينتجُ قهراً، أو تسيّداً ينتجُ خراباً. إنّ السلطة لها مرجعية شرعية قانونية في أفقها الأخلاقي، لكن عندما تنزلُ إلى حضيض التأمُّر فإنها تصيرُ تسلطاً بين طرفين على الأقل، طرف مُتسلط وسَليط ومتأمِّر، لا يعترفُ بأحد إلاّ بهويته الهائجة على الجميع، وليس واجباً عليه أن يفكر في الآخر ويعترف به، لكن يرى في وجوب طاعته له القاعدة الأولى والوحيدة في دستوره الفاحش. وإذا تعرضت السلطة للفشل فغالباً ما يكون بسبب الفساد أو الوهن أو التصدع أو آنهيار القيم أو خلل في أمريتها المشروعة، لكن التسلُّط منذ البداية يعلنُ التصدع والفساد ونهاية الأشياء .. في مقابل ذلك، وهي مفارقة صارخة، يَعدُ بسلاطة خطابه بالجنان وحور العين والخلافة .. الدَّموية.

ومما يمكن أن يستفاذ من هذا الكتاب أنّ التسلُّط هو اللاشرعية في آمتلاك السلطة والاستحواذ عليها بالعنف. أما منطقه السليط فهو يُستثمر في بناء آليات تضليلية للوضع الذي يرى فيه المتكلم نفسه أعلى من المٌخاطب / الجمهور ولو كان مساوياً له في الرتبة الاجتماعية أو السياسية أو الفكرية أو الاقتصادية، أو أقل أيضاً، وهنا التسلُّط ينتقل من مستواه البلاغي المشحون إلى مفهومه الاستراتيجي المتوحش في الخطابات المتطرفة العنيفة؛ حيثُ يُلاحظ فيه اغتصاب الضعفاء والتحرّق والتلهّب والشدّة عليهم، والمتطرفُ إذا تسلط فبلسانه، وإذا فعل ذلك أفحشَ وأفسدَ الزرعَ والنّسلَ. من ثمة، فإن اللسان بداية التسلط ( السلاطة ) وخاتمته إشاعة الفسادِ في بلاد النّاس، والتلهف على خيراتها، وقتل أبريائها، وترويع مواطنيها، والتآمّر عليهم، وتخريب أوطانهم كما هو الحال مثلا في سوريا والعراق وليبيا ..!

نلمس من خلال  قراءتنا للكتاب أنه بين التسلُّط والتطرف علاقات قرابة قوية جداً، لا على حقيقة بلاغة التوحش فقط، ولكن في تزييف الواقع والنصوص ومنطقهما، يمدِّد من خلالهما المتطرف تسلطه ويفرض على المخاطبين خطابه عبر التحريض والتضييق والكراهية والصد، فلا يصير معه حديث عن امتلاكه لسلطةما، وإلاَّ فعلينا أن نكون على قدر كبير من السذاجة حتى نصفه كذلك.

في هذا السياق يشير الباحث إلى اختلافه مع ما ذهب إليه جيل دولوز في قراءته للمعرفة والسلطة عند ميشال فوكو، ويرى بأن التحريض والتضييق مثلا لا يمثلان قوى السلطة وفعلها بقدر ما يمثلان قوى التسلط أكثر؛ ففي الأولى تحضر الشرعية والقانون والعدالة والحق بينما في الثانية لا تحضر هذه القيم إلاّ من جهة تزييف المفاهيم وخداع الناس ومغالطاتهم والتحكم فيهم، من ثم تغييب الشرعية

لا غرو من أنّ التفكير المتسلِّط مُربكٌ للمجتمعات، يُرخي بحمولته التاريخية الدَّموية، وبفتاواهُ الوحشية، على أية مُحاولة في العيش المشترك تتخذ من التعددية الدينية والثقافية متنفساً لها، أو تستقي إنسانيتها من مشروع السَّلام القائم على التسامُح والتراحُم، فيكشف هذا التفكير عن جانب مظلم في تأويليته المنحرفة للقرآن أو الحديث، ما دام النص الدينيّ هو مُنطلقه ومرجِعه الأول في التَّسلُّط المتلقي. إنطلاقاً مما سبق يطرحُ  د. بدر الحمري السؤال الآتي: ما هي الآليات التي يتمكنُ عبرها المتطرفُ من التسلُّط على المتلقين؟ ليجب عنه عبر فصول الكتاب ومباحثه ... ويرى أنّ التسلط الديني عند المتطرف ليس شكلا خطابياً عادياً، دعائياً، أو دعوياً، أو فقهياً، أو حتى دينياً بالمعنى العام للدين، بل إنه خطاب يميل إلى السياسة بمعناها اللا-نبيل؛ ولك أن تتخيّل كل الأضداد التي تمزق مفهوم النبل، بل وتغتصب حقوقه التاريخية في مبحث القيم؛ من نماذج تلك الأضداد يمكنُ ذكر: الدونية، الانحطاط، الخساسة، الوحشية، الظلم، الاستبداد، القهر، الغطرسة، الكذب .. إلخ. وهذا الخطاب يقول الباحث بدر الحمري، لن أقول عنه إنه ينفلتُ من كل تحديد معرفي أو تدقيق ثقافي أو تقويم مسيره في طريق الفهم، بل إنه يخترق كل سوء فهم، ويجعل من سوء الفهم فرصته الأولى الذهبية من أجل التمكين في الأرض والتجذر في الواقع المعيش.

هذه الدراسة محاولة لفهم (بعض) من (تلك) الآليات المنطقية بعدَ تفكيكها وتشريحها بطريقة تقف عند تسلطها البلاغي والحجاجي المغالط معاً، والمحاولة كما يقول رولان بارط « جنس لا يخلو من آلتباس » غير أن الالتباس هنا في قلة الدراسات العلمية التي تناولته من جهة، وعدم قدرتها على فضحه أمام الجمهور المتعاطفِ مع شعاراتها، والدليل أنه خطاب « يتمدّدُ » في نسيج بعض المجتمعات ولو بشكل رمزي خاصة مع حرية الاعلام الرقمي اللامواطن، وإن لم يتنبه له ستكون على المدى القريب مجتمعات آيلة للسقوط الحضاري والثقافي والروحي.

معلومات إضافية

  • الكاتب: بدر الحمري،
  • مجال الكتاب: فلسفة
  • تاريخ الصدور: 2025
  • دار النشر: دار دجلة الأكاديمية ودار المرهج
قراءة 16684 مرات

تعليقات (0)

لاتوجد تعليقات لهذا الموضوع، كن أول من يعلق.

التعليق على الموضوع

  1. التعليق على الموضوع.
المرفقات (0 / 3)
Share Your Location
اكتب النص المعروض في الصورة أدناه. ليس واضحا؟

آخر المقالات