العـولمة: تعـايش الإختـلافـات *- علاء فوزي أبو طه

شكل العرض
  • أصغر صغير متوسط كبير أكبر
  • نسخ كوفي مدى عارف مرزا

أنفاسإذا كان العالم يعرف شكلا من إشكال العولمة يتمثل في وجود قوى دولية تشارك بصورة مباشرة في السياسات العالمية، عبر قنوات متعددة تصل المجتمعات بعضها ببعض، وفي شكل علاقات غير رسمية تقوم بين النخب الحكومية والغير حكومية، وبواسطة منظمات عابرة للقوميات كالمنظمات الدولية والشركات والبنوك متعدية الجنسيات، تلعب دورا مهما في تلك العلاقات.
ويكتمل هذا الشكل من أشكال العولمة مع النظام العالمي الذي استقر في إعقاب الحرب العالمية الثانية بإنشاء منظمة الأمم المتحدة وشبكة المنظمات والمؤسسات والوكالات المتخصصة المتفرعة عنها والعاملة في إطارها.
فهذان النمطان للعولمة، يخلوان من الهيمنة والسيطرة، وفرض النفوذ الواسع بدعوى الانفراد بالقوة المتفردة. وقد عاش المجتمع الدولي في ظل هذين النظامين ما يزيد عن أربعة عقود, إلي أن تغيرت الخريطة السياسية العالمية, واخذ بالتبلور والتشكيل في إعقاب انتهاء الحرب الباردة، قد انتهى إلى إيجاد آلية للتعامل على المستوى العالمي تقضى بإخضاع العلاقات الدولية في مجالات التجارة والاقتصاد والعلوم والتكنولوجيا إلى نظام ذو طابع عالمي موحد, والى إكساب العلاقات الدولية طابع العالمية, وهو ما  يصطلح عليه "العولمة"، فان المصالح المشتركة للشعوب والحكومات لن تتحقق في إطار هذا النظام بتجاوز هويات الأمم والشعوب، أو بمحو خصوصيتهم الثقافية والحضارية، وآيا كانت الأسباب وراء طبيعة العلاقات الدولية، فان هناك اتفاق بين الدارسين والباحثين والمفكرين بأن هذه العلاقات تنطوي على (صراع لا ينتهي على القوة من اجل المصالح)، ولكن على أساس ما يعرف بنموذج" الاعتماد المتبادل" ، فالعولمة تعني كما يقول "جوزيف س.ناي الابن" (زيادة في نمو شبكات من الاعتماد المتبادل بين الدول والجماعات على صعيد العالم كله)،  الذي يؤكد على الأبعاد التعاونية في الطبيعة الإنسانية وفي العلاقات بين الدول، (كما سنرى لاحقا انه لا يمكن للولايات المتحدة أن تحكم العالم وحدها دون التعاون مع باقي الدول والشعوب) وهذا النموذج "الاعتماد المتبادل" يستند إلى قوى روابط التعليم والتفاعلات الثقافية والتنمية الاقتصادية والتجارة الدولية، والتقدم التكنولوجي، ويعزز بذلك إمكانيات السلام الدولي، والكرامة والحريات الإنسانية الأساسية، وهذا النموذج للعولمة يرى العالم على انه يمثل (مجتمعا) من الدول (المجتمع الدولي) التي تتفاعل فيما بينها على مستوى عالٍ له ديناميكيته الذاتية في مجالات التبادل الدبلوماسي والاقتصادي والثقافي والاجتماعي.

لذلك فان العولمة لا يمكن أن تكون مجالا نقيضا للهوية دائما، ولن تكون بديلة عنها، والعولمة بهذا المفهوم وفي هذه الحدود، وفي إطار "التنوع الثقافي" وازدهار هويات الشعوب، وفي ظل الحوار الراقي الهادف بين الحضارات، هي الخيار الإنساني المتاح والمفتوح أمام مستقبل البشرية، وهو الأمر الذي سيؤدي وبالتتابع وبتراكم التجارب إلى تعميق الاحترام المتبادل بين الجميع.



إن التسامح أمر لا غنى عنه للعلاقات السليمة في أي مجتمع، وعندما يتحول التسامح إلى احترام متبادل، وهي صفة أكثر ايجابية فان نوعية العلاقات ترقى بشكل واضح، ومن ثم فإن الاحترام المتبادل يشكل أساسا لإقامة مجتمع إنساني تعددي، وهو نوع المجتمعات الذي يمثل الجوار العالمي ذاته، لا يتميز بالاستقرار فحسب، بل باحترام تنوعه الذي يغنيه.

وإذا فقدت نظرية العولمة هذا العنصر الإنساني، وعدمت هذا الأساس الأخلاقي، كانت إلى الإيديولوجية الشمولية اقرب منها إلى النظام القانوني القابل للتطبيق لصالح البشر كافة.

إن النظام القانوني الدولي لا يكون في خدمة الإنسانية، إلا إذا قام على قواعد القانون الدولي واستمد من روح الإنسانية وقيمها مبررات وجوده وعناصر بقاؤه واستمراره، إن العولمة ذات النفع العام لابد وان تكون محكومة بقوة القانون الدولي الذي يكفل للدول سيادتها كاملة غير منقوصة وللإنسان حقوقه الكاملة وغير مجزئة ومهضومة.

وهذا يقتضي العمل بأحكام القانون الدولي، وروح ميثاق الأمم المتحدة وخاصة المادة "13" منه التي تنص على أن التعاون الدولي في الميادين الاقتصادية والاجتماعية والثقافية والتعليمية، والإعانة على تحقيق وكفالة حقوق الإنسان، والحريات الإنسانية للناس كافة، والمادة "73" التي تؤكد على كفالة تقدم شعوب العالم في شؤون السياسة والاقتصاد والتعليم ومعاملاتها بإنصاف وحمايتها من ضروب الإساءة. كل ذلك مع مراعاة الاحترام الواجب لثقافات الشعوب.

إن حماية (حق التنوع الثقافي) تقتضي تنمية التعاون الدولي في ميادين التربية والعلوم والثقافة، في إطار العهود والمواثيق والاتفاقيات القائمة التي تحكم عمل المنظمات والمؤسسات الدولية والإقليمية، وفي الوقت نفسه، فإن ممارسة حق التنوع الثقافي على مستوى العالم، لن تتم إلا إذا انتعش الحوار الثقافي والحضاري وتطور، وأدى إلى ترسيخ قيم التوافق والتعايش والتعاون بين أتباع الحضارات والثقافات العالمية المختلفة، والى تدعيم التعاون الدولي في إطار المنظمات الدولية والإقليمية القائمة، والتي تشكل في حد ذاتها المنظومة العالمية التي تجمع حولها الشعوب والأمم والحكومات، والتي يتوافق عليها أتباع الأديان والثقافات والحضارات.

ولكي يكون التعايش والحوار هدفا مؤثرا، وتفاعلا فعالا بنيويا، يجب أن يقوم على قاعدة الاحترام المتبادل، بالمعنى الأخلاقي وبالمدلول الحضاري السلمي، كما يجب أن يكون التعاون والتشارك على أساس قواعد اجتمع البشر على صحتها وسلامتها. وانعقد الإجماع على اعتبارها القانون الذي يحكم المجتمع الدولي، بمعنى أن الحوار والتعايش لابد أن يكونا على قاعدة الضوابط القانونية والأخلاقية والإنسانية، بينما المرجعيات الدينية والثقافية والحضارية جميعا هي محل اختلاف وخلاف بين أصحابها وموضع تنازع بل هي مصدر صراع.
هكذا تصبح العولمة فرصة تاريخية للبشر تفضي إلى التفاعل الحضاري والثقافي، وفعلا مؤثرا في حركة التاريخ وعنصرا مساعدة على استتباب الأمن والسلام على الأرض، وقوة دفع لاستقرار الحياة الإنسانية، ولإزدهارها ورقيها.
لقد أضحى الحق في التنوع الثقافي اليوم قاعدة من القواعد الآمرة في القانون الدولي العام، وذلك استنادا إلى ميثاق الأمم المتحدة والعهود والاتفاقيات التي تحكم وتنظم علاقات التعاون الثقافي بين المجموعة الدولية، وفي كفالة هذا الحق من حقوق الإنسان، تأكيدا على الخصوصية الثقافية لكل شعب من شعوب العالم، وإبراز الهويات الوطنية ذات السمات الحضارية التي تشكل في مجموعها الهوية الإنسانية العامة القائمة على أساس وحدة الجنس البشري، ووحدة الصفات المشتركة التي أودعها الخالق في الطبيعة الإنسانية.
وكما جاء في المادة الأولى من إعلان مباديء التعاون الثقافي :

لكل ثقافة كرامة وقيمة يجب احترامها والمحافظة عليها.
من حق كل شعب ومن واجبه أن ينمي ثقافته.


تشكل جميع الثقافات، بما فيها من تنوع خصب، وبما بينهما من تباين وتأثير متبادل، جزءا من التراث الذي يشترك في ملكيته البشر جميعا.

ليس في تنوع الهويات وتعدد الخصوصيات ما يتعارض وقضاء المصالح المشتركة بين الشعوب والأمم في إطار التعاون الإنساني القائم على قاعدتي التعارف والتعايش، وإنما ينطوي هذا التنوع على عناصر تغذي الميول الإنسانية الفطرية نحو امتلاك أسباب التقدم والرقي بحافز من التنافس الطبيعي، ونازع من التدافع الحضاري، والعولمة تمثل هذه الفرصة للثقافات والحضارات للتواصل والاتصال، والتلاقح والتبادل البناء، الذي يخدم البشرية جمعاء، وجميع الحضارات والثقافات لما توفره أدواتها من سهولة هذا التواصل.

وكما تبين من الفقرة 3 من المادة الأولى من إعلان مبادئ التعاون الثقافي، كذلك ما تدل عليه سهولة الحصول  والتوصل إلى منجزات العولمة في المجالات العلمية والأدبية، المادية والمعنوية، أنها ليست حكرا على ثقافة أو قومية أو بلد دون غيرها، بل هي إرثا كاملا للبشرية جمعاء، ويمكن للجميع إن يستفيد من المنجزات البشرية في العلوم والتكنولوجيا، وما تنتجه العولمة من فرص شبه متساوية لإستغلال وسائلها وتوظيفها، كذلك نجد أن الجماعات  والمجموعات والدول والأفكار والأفراد والشركات المارقة، التي تحارب من قبل الجميع ويتم تضييق الخناق عليها، نجدها تستخدم وسائل وأدوات العولمة "الغربية" ذاتها، لتنشر أفكارها وفلسفتها، ولعل تنظيم القاعدة والجماعات الإسلامية الجهادية المختلفة اكبر مثال على ذلك، حيث تستخدم وسائل الاتصال والتكنولوجيا في أعمالها وتواصلها ونشاطها، وإن دل ذلك يدل على أن وسائل العولمة ليست حكرا على أحد، بل أنها متاحة لإستخدام الجميع، وتمثل العولمة فرصة لرفع سقف التحدي للاستخدام الامثل لهذه الأدوات والوسائل، كذلك نجد هناك توجه لنوع من الضبط الأخلاقي والقانوني لظاهرة العولمة، ويمكن الاستدلال هنا بـ"وثيقة حسن السلوك" للشركات المتعدية الجنسيات، رغم عدم إقرارها بعد، إلا أنها تمثل أداة ضبط تحول دون انفلات الشركات نحو مصالحها دون أخذها بعين الاعتبار حدود الدول وخصوصيات الشعوب والثقافات، ويمكن أيضا النظر إلى مجموعة الانتقادات الدورية المستمرة التي يطلقها المفكرون والكتاب والمنظرين الغربيين والأمريكيين للعولمة والغرور الأمريكي، ويمكن الإشارة هنا على سبيل المثال إلى ما طرحه الكاتب الأمريكي (كلايد برستوفتز) في كتاب الدولة المارقة: الأحادية الأمريكية وإخفاق النوايا الحسنة. متسائلا كيف يمكن للولايات المتحدة الأمريكية حكم العالم منفردة في عصر المعلومات؟ وصل إلى صعوبة بل استحالة قدرة الولايات المتحدة وحدها إلى حكم العالم، حتى حكم نفسها ضد الإخطار الخارجية دون إغناء التعاون مع الأقطاب والقوى الأخرى، تمثل هذه دعوة للتشارك والحوار، في زمن العولمة، يستحيل أن يستطيع احد ضبط حدوده ونفسه وضمان حمايته دون تعاون وتشارك وحوار بناء، وتتجلى هذه الضرورة في التوجه الاقتصادي الحميم نحو خلق تكتلات اقتصادية إقليمية ودولية، لوصول الدولة إلى قناعة بأنه لا يمكن لك أن تعيش وحدك مكتفيا بذاتك، مما زاد التوجه الحميم للتعاون الإقليمي والدولي لتمكين الاقتصاد والتنمية، كذلك ما تفرضه العولمة من أخطار عالمية بيئية وصحية واقتصادية وأمنية، تخلق تحدي على الدول أن تواجهها بالتعاون والتشارك والتعايش، والقفز عن الفوارق محل الاختلاف، والبحث عن نقط التلاقي والتصالح، لمواجهة أخطار عالمية عابرة للحدود، والعولمة ظاهرة حصلت بصورة طبيعية نتيجة إلى :-التفاعل الحواري عن طريق تكنولوجيا الاتصال أو من خلال عمليات المحاكاة

من خلال الدور الذي لعبته أدوات العولمة كالشركات العابرة للقوميات وصندوق النقد الدولي والبنك الدولي ومنظمة التجارة العالمية.

من خلال عمليات اندماج المؤسسات والشركات المتماثلة.

من خلال التأكيد المتزايد على أهمية تعزيز القدرات التنافسية التصديرية واعتبارات الكفاءة الإنتاجية الاقتصادية، كسبيل وحيد نحو الاندماج مع الاقتصاد العالمي.

بهذا تكون العولمة تحديا نحو الأفضل، ويجب أن تكون محفزا للتطوير والتنمية، وزيادة المرودية، وإعادة النظر في السلبيات وتعزيز الايجابيات وتطويرها، العولمة توفر فرصة لإعادة ترتيب الذات.

ولعل ظاهرة العولمة لا تخلو من مجموعة مزايا :

أن العولمة تساهم في نشر السلع والتكنولوجيا والمهارات في جميع أسواق العالم، وتباح للجميع دون تمييز.
أنها أداة تحديث لكل الصناعات والاقتصاديات في العالم.

اكتساب المزايا الإضافية من خلال الانتقال من اقتصاديات الحجم إلى اقتصاديات المجال على مستوى العالم كله.

زيادة المبيعات والأرباح للمنتج والمستهلك، عن طريق التوسع في التصنيع والتوزيع واستغلال فرص النمو في الأقاليم المختلفة.

خفض درجات المخاطر جراء انتشار أعمال الصناعة في أكثر من بلد.

فرصة للحوار والتلاقي والتعايش والتلاقح.

فرصة للاستفادة من التجارب العالمية في ميادين الاقتصاد والثقافة والاجتماع والعلوم الطبيعية والتطبيقية.

فرصة للإطلاع على كل الأحداث الدولية والمحلية، واستخلاص الدروس والعبر من المتغيرات الدولية والإقليمية والمحلية، ونشر الحريات والإطلاع على المنجزات البشرية والاستفادة منها.

تسليط الضوء أكثر من أي وقت على أهمية الحوار الحضاري والثقافي ، وزيادة الوعي الدولي بأهمية التشارك والتعايش.

وبالنسبة لموضوع السيادة الوطنية (الدولة) فكثير ما تقدَم العولمة على أنها عملية تعمل باتجاه تقليص دور الدولة بشكل كبير، ذلك أن بروز الأسواق المالية العالمية يضيق في بعض القطاعات من مجال مناورة السياسات الاقتصادية الدولية، والدول الغير قادرة على التحكم في معاملات البورصات والشبكات المالية، أصبحت معرضة لأي خلل قد يحدث في بقعة بعيدة من المعمورة، وحتى التكتلات الإقليمية فهي تساهم بطريقة أو بأخرى، في تآكل السيادة الوطنية، (تسريع البناء الأوروبي يواكبه تآكل متصاعد للسيادة). لكن المسألة تبقى نسبية، الاتحاد الأوروبي يحد من قدرات الدولة وسيادتها، لكنه يشكل البعد الأنسب القادر على فرض ضوابط على السوق، الشيء الذي تعجز عن تحقيقه الدولة بمفردها، كل هذا يحد من سيادة الدولة لكنه لن يقضي عليها تاما.

والعولمة مرغوب فيها من قبل الحكومات أكثر مما هي مفروضة، فبالرغم من أن الدول لا تتحكم في كل التطورات، إلا أنها ترى في التبادل الحر عامل نمو، ولقد فتحت أسواقها بمحض أرادتها. وبحسب تقرير الأمم المتحدة فان:" العولمة ليست عملية تلقائية، بل نجمت عن قرارات واعية للحكومات. عولمة الاقتصاد، بمعنى الاندماج المتنامي للأنظمة الاقتصادية ذات القاعدة الوطنية، هي نتاج التقدم التقاني. والتدابير التي اتخذتها الحكومات لتحرير الأسواق"

والحقيقة أن العولمة تفرض علي الدولة أن تصحح وتصوب الاختلالات الناجمة عن عمل آليات السوق, وتفرض عليها وظيفة اجتماعية, كما أن الدولة هي الأداة الوحيدة القادر على تحقيق التوازن بين مختلف المطالب المتنافسة، والوسيط الأنسب بين القوى الاقتصادية القومية وعبر قومية من جهة، والمواطنين ( المستهلكين ) من جهة اجري، ولاسيما بان النمو السريع للفوارق الاجتماعية يأتي نتيجة لعدم الاكتراث بأهيمة دور الدولة.

إن السوق وحدة لا يمكنه أن ينظم كل شي, وهذا يدل أن فرضية اختفاء الدولة فيها مبالغة كبيرة وقصور في استيعاب إفرازات العولمة, هذه الأخيرة التي تقلص من دور الدولة في بعض المجالات, ولكنها في حقيقة الأمر تعيد صوغ وظائفها, بل وتجعل دور الدولة لا غني عنه. ومن بين ابرز انعكاسات العولمة, الطلب المتزايد علي الدور الاجتماعي للدولة, إذ من المفارقة انه مع التقدم السريع لعملية العولمة تزداد وتتعدد المطالب ب"مزيد من الدولة".

وفي التقرير السنوي العشرين للبنك الدولي أكد بأن السوق لا يمكنها أن تنمو وتتطور في غياب دولة فاعلة, ويطالب البنك بإحياء دور الدولة " ليس كمتدخل مباشر ولكن كشريك كمحرك ومحفز للنمو", ويشير البنك أيضا إلي أهمية الشق الاجتماعي للدولة, وذلك إن الدولة التي تسعى لأن تكون فاعلة, يجب أن تمثل كل مواطنيها, ولفك الإشكال بين الدولة والسوق يري البنك الدولي " البلدان في حاجة إلي الأسواق لتتطور, لكنها تحتاج أيضا إلي مؤسسات عمومية ذات تأدية عالية لتطور أسواقها". لا يجب علي الدولة أن تتدخل في الحياة الاقتصادية, لكن يجب ألا تنسحب من الخدمات الأساسية. "وبدون دولة فاعلة لا توجد تنمية اقتصادية واجتماعية".  

العولمة الليبرالية ما زالت بحاجة للدولة والدولة ليست نقيض العولمة  والعكس صحيح, بدون التعاون الدولي الذي يمر حتما عبر الدول, لا يمكن أن تسير التحولات العالمية في الطريق السليم.

ومن خلال أعادة صوغ العولمة في وظائف الدولة, نستنتج بان العولمة لم تؤدي ولا يحتمل أن تؤدي أو تقود إلي إنقراض الدولة, لأن الدولة مطالبة من قبل مواطنيها وأكثر من أي وقت مضي بالقيام بدور توزيع الثروات, فالمواطنين يطالبون الدولة بالقيام بمهامها في مجال الصحة والتعليم والخدمات والبنى التحتية والاقتصاد عموما ويمكن القول انه: حتى وان كانت الدولة ووظائفها قد تآكلت بفعل بعض الاتجاهات العابرة للحدود, إلي أنه لم تظهر أي وحدة أساسية أخري تكون قادرة علي أن تحل محل الدولة وتستجيب إلي التغير الكوكبي.

وأخيرا رغم تعرض الدولة للهجمات, قد احتفظ الشكل التنظيمي الدولي (الدولة) بكل جاذبيته وإغرائه علي الساحة الدولية, فالقرن الفائت عرف ميلاد دول جديدة أكثر بكثير من اندثار دول كانت قائمة, منذ 1945 زاد عدد الدول بأكثر من ثلاثة أضعاف. إذ تأسست 24 دولة منذ 1985, ويبلغ عدد الدول حاليا ما يزيد عن 190 دولة، وان دل ذلك فيدل علي أن نداء الدولة مازال اقوي من نداء العولمة.

إن العولمة برغم كل سلبياتها إلا أنها لن تعمل على انتفاء دور الدولة، وما زالت الفاعل الأساسي في العلاقات الدولية، في زمن السلم وزمن الحرب، بل العولمة أحدث حاجة أكثر للدولة، جددت من مفهومها وإعادة إحياء نشاطها وممارساتها، ليست الشركات الأمريكية التي أعلنت الحرب على أفغانستان والعراق والحرب الشمولية على الإرهاب.

وإجمالا لهذا المطلب يمكن القول أن العولمة ليست بهذا الشر المطلق الذي يهدد القومية والهوية والخصوصية والدولة، بالعكس بل يمكن أن تمثل عامل مغذي لها، ومعرف بها، وتخلق لها من التحديات مما يساعدها على تطوير ذاتها والحفاظ على بقائها، فالعولمة تحدي حقيقي، لا مكان فيه للضعفاء، والهوية القومية تستطيع أن تبقى قادرة على الحفاظ على ذاتها، هذا فضلا على أن الهوية الثقافية ليست ذلك الشئ المادي الذي يمكن أن يخترق بسهولة، وان يتم إذابتها، بل هي قيم مزروعة ومغروسة في النفوس.

فما هي حقيقة الهوية التي نقصد؟ وكيف يمكن اختراقها؟ وما هي مقومات صمودها وتحصينها؟.
--------

* هذا المقال هو المطلب الثاني من  المبحث الأول: العولمة مفهوم وممارسة من بحث تحت عنوان :العـولمة والهـوية: إشكـالية التعـايش، الهـوية(العربية - الإسلامية) نموذجا. للباحث علاء فوزي أبو طه وقد خص به موقع أنفاس.
سنقدم  البحث على مراحل على أن ننشر فيما بعد البحث كاملا على مكتبة أنفاس .

تعليقات (0)

لاتوجد تعليقات لهذا الموضوع، كن أول من يعلق.

التعليق على الموضوع

  1. التعليق على الموضوع.
المرفقات (0 / 3)
Share Your Location
اكتب النص المعروض في الصورة أدناه. ليس واضحا؟