الاسترجاع الزمني النّصّي في رواية الشيء الآخر، من قتل ليلى الحايك - علاء حمد

شكل العرض
  • أصغر صغير متوسط كبير أكبر
  • نسخ كوفي مدى عارف مرزا

         عندما نطرق باب الاسترجاع النصّي، فنحن نطرق زمنيته أيضاً، ولكن بما أنّنا بزمنيّة مختلفة، تكون حالات الماضي المتقلبة غير ثابتة في نسق معيّن، ومن هنا نستنتج بأنّ حالات الفلاش باك متوفرة من خلال الاسترجاع النصّي – الزمني، وفي الوقت نفسه ألا يشتغل الفلاش باك بمصدر متقدّم، فهو مختصّ بحالات نفسيّة ونصّية مرتبطة بالحالات الآنية.

لقد استطاع الكاتب الفلسطيني غسان كنفاني أن يبني روايته من خلال شخصية المحامي (صالح)، وجعله البؤرة الحركيّة للشخصيات المرتبطة به. ونستطيع أن نتوقف في عدّة مناطق بخصوص الحالة الزمنيّة واسترجاعها النصّي، ومنها الزمنيّة الداخليّة والتي تكمن أهمّيتها بالتقاء العناصر وتفعيلها في الداخل النصّي ومنها: زمن الحدث (زمن القصة، المدلول أو المضمون السردي)، زمن الحكاية (الدال أو الملفوظ أو النصّ السردي ذاته) وزمن القراءة. أمّا الزمنيّة الخارجية فتتعلّق بالكاتب والقارئ والتاريخ، ولكن نحن في مهمّة نصّية وفي استرجاع ما نستطيعه في زمن الحدث والكتابة من جهةٍ، وفي الاسترجاع النصّي من جهةٍ ثانية.

في رواية (الشيء الآخر، من قتل ليلى الحايك) نلاحظ أنّ هناك تبدّلات زمنيّة، منها التبدّلات الاسترجاعيّة، أي العودة إلى زمن الحدث، ومنها الآنية، وقد تكون وليدة اللحظة، و(اللحظة تعتبر من الزمنيّة ذات الوحدة القصيرة)، ومن خلال هذه التبدّلات يقودنا النّصّ إلى وحدات زمنيّة صغرى، وهي تلك الوحدات ذات العلاقة مع المقاطع السرديّة.

(لقد قدّم المتهم القضية بسرعةٍ كبيرة، إنّني أتساءل أمام المحكمة إن كانت كلّ الأوراق التي قدّمها بعد وفاة والد ليلى قد جمعت بهذه السرعة بمجرّد المصادفة... لدينا قناعة بأنّ هذه الأوراق كانت معدّة منذ زمن بعيد. " 1 ". حين ذهب محجوب السيّد، والد المغدورة ليلى، إلى الأرجنتين قبل نصف قرن تقريباً كان مجرّد فلاح مغامر لا يعرف أحداً – وقد وجد في بيت سيّدة أرجنتينيّة في مقتبل العمر، أرملة ووحيدة، ملجأ أمضى فيه سنواته الأولى الصعبة – وقد أشرفت تلك السيّدة الفقيرة النبيلة على الشاب الشرقي الحائر إلى درجة لم ينسها محجوب رغم كلّ شيء، طوال عمره. " 2 ".

قبل الجريمة بيوم واحد شعر المتّهم، كما جاء، بأنّ الضحية التي كانت تصرّ على الاستمرار بقضية الإرث حتى النهاية بدأت تميل إلى إنهائها بتسوية، ولكن لم يخطر على باله إطلاقاً أنّ السيدة النبيلة كانت تريد أن تعطي الإرث كله إلى مشروع خيري. " 3 ).

من الممكن أن تكون بعض الرسائل الزمنيّة واستحصالها الاسترجاعي أن تكون مؤرخة، وبعضها غير مؤرخة، ففي المؤرخة نعرف زمن وقوع الحدث ومدى علاقة التتابع الزمني وأهمّيته وخصوصاً في الرواية التي نواجهها، فإنّ مايشغل المتلقي، زمن وقوع الجريمة، والتواصل الزمني للأحداث.

أمّا غير المؤرخ منه، فنتعرف عليه من خلال زمن وقوع الفعل، ويعتبر الاسترجاع النصّي، - بوصفه - مجموعة من العلاقات الزمنيّة والنصّية، أي أنّ العلاقة الزمنيّة ذات علاقة بالإحساس، وذات علاقة بحياة الشخصيّة الظاهرة في النصّ الروائي.

في المقطع الأوّل من الحدث المنقول، ليس هناك حدود زمنيّة، بل جعل جمع الأوراق بصيغة غامضة، ومن خلال هذه الصيغة من الطبيعي أن تُثار بعض الأسئلة، وذلك لتوضيح زمنيّة الأوراق وعلاقتها بالشخصية، وكما ذكرت إنّ العناصر الزمنيّة تؤدّي علاقاتها مع الشخصيات الظاهرة.

لقد دمج المؤلف الزمنيّة بشكلها المغامر وذلك لمعرفة حدود الشخصية من جهةٍ، والتعرّف على مصداقية الحدث من جهةٍ ثانية. عند إثارة الموضوع لدى (المؤلف) يثير معه الانقطاع الزمني، وذلك لكي يجعل النصّ ذا منحى تشكيكي، مما يعطي للإثارة مساحة أوسع، ومن خلال هذه المهمّة نلاحظ أنّ الأسئلة قابلة للإثارة أيضاً، وفي الوقت نفسه يفسح المجال لتدخّل شخصيات أخرى، حيث تتوسّع الرقعة التي انطلق منها المؤلف.

عندما نتحدّث عن الاسترجاع النصّي، فنحن نقصد الاسترجاع الشمولي بما يتعلق بالزمنيّة، ونلاحظ أنّ الزمنية تقترن بالمكان؛ ففي المقطع الثاني تكون الزمنيّة مقترنة بالمكان (بيت السيّدة الأرجنتينية التي استقبلت الشخصية محجوب)، ومن خلال هذا التواجد، نلاحظ أن الزمنيّة سجّلت لقطة حركيّة مدعومة ببنية دلاليّة، وهي الدلالة الزمنيّة التي أنشأت الحركة وما يتعلق بالمكان.

في المقطع الأخير الإخباري،نلاحظ أيضاً علاقة الزمن بالإرث، فبواسطة الزمن يخبرنا النصّ كاسترجاع حتمي، العلاقة الزمنيّة بالشخصية المغدورة من جهةٍ، وبقرار قد اتخذته من جهةٍ ثانية.

ياترى كيف بدأت تلك الزمنيّة النافذة والمتعدّدة في المساحة النّصّية. حيث أنّ النّصّ كمساحةٍ تأثيريّة يؤثر بالزمنيّة في مساحتين، المساحة الزمنيّة الخاصّة، والتي تشتغل في الزمنيّة الداخليّة للنصّ الروائي، والمساحة الزمنيّة العامة، والتي تقودنا من الداخل النصّي للزمنيّة إلى الخارج النّصّي، حيث تظهر العلاقات بين المساحتين ويجمعمها الحدث النّصّي الرئيسي، وكذلك البطل الجمالي والذي يعدّ أيقونة حركيّة جامعة.

قد نحسّ بحركة الشيء دون النظر إليه، وقد نتخيل هذه الحركة، وعند المساحة الخيالية تكبر الأشياء، كما هو الآن في الجريمة التي حدثت، فكلّ ما هنالك نتخيّل تلك الجريمة، ومن خلالها نثير الأسئلة التي تخطر ببالنا، وبما أنّ الحركة الدلاليّة ذات علاقة مع تلك الأشياء، إذن لكلّ شيء صيغة اتجاهيّة معرفيّة. (ربّما لا يمكن أن نعرف أيّ أمر عنها إذا لم نمكث في المجال الذي تلاقينا داخله. إلا أنّنا لا يمكن أن نتملص من السؤال هل يمكن، على الأقل في هذا المجال الذي نقيم داخله دائماً سلفاً لدى الأشياء، أن نتّجه إلى الأشياء ذاتها. إذا فعلنا ذلك سنقرّر انطلاقاً من هنا بعض الأمور عن الأشياء ذاتها. وعليه فمن الحكمة ان نغضّ النظر بإصرار عن الإطار القائم حول الأشياء وأن نوجّه نظرنا حصرياً إلى بنيتها. " 4 ).

من الطبيعي أنّ ظهور الأشياء يكون متعلّقاً بالزمنيّة، حيث تُدار المعلومات والأحداث التي مرّت بزمنيّة معيّنة، وعادة يكون الزمن في الماضي، أي يستدعي هنا الحضور الاسترجاعي والفلاش باكي، وتعدّ هاتان الخطوتان، استرجاعاً نصّياً، فتكوين الكتابة وديمومتها ضمن زمنيّة معينّة، وديمومة النّصّ، متعلّقة بديمومة الاسترجاع الزمني. ومن هنا يكون للزمن هيكل يعتمد عليه الرائي في بناء البنية الروائية.

ومن خلال الاسترجاع النصّي – الزمني؛ يضاف إلى المساحة الزمنيّة للحدث، مساحة أخرى متعلّقة بالزمن الأوّل، ومن خلال هذه الوسيلة، تولد مساحة جديدة (خصوصاً في نظام الحكاية)، أي حكاية جديدة نابعة من المساحة التي تعلقت بها. (الحكاية مقطوعة زمنيّة مرتين: فهناك زمن الشيء المروي، وهناك زمن الحكاية "زمن المدلول وزمن الدال". وهذه الثنائية لا تجعل الالتواءات الزمنيّة كلها – التي من المبتذل بيانها في الحكايات – ممكنة فحسب "ثلاث سنوات من حياة البطل ملخصة في جملتين من رواية، أو في بضع لقطات من صورة مركّبة سينمائية – تواترية -، إلخ"، بل الأهمّ أنّها تدعونا إلى ملاحظة أنّ إحدى وظائف الحكاية هي إدغام زمن بزمن آخر. " 5  ).

......

[1] - غسان كنفاني – رواية: الشيء الآخر، من قتل ليلى الحايك؟ ط2 لسنة 2014م – دار منشورات الرمال، قبرص – ص 87

2- المصدر نفسه – ص 88

3- المصدر نفسه – ص 91

4- مارتن هايدغر – السؤال عن الشيء – ترجمة: د. اسماعيل المصدق – مركز دراسات الوحدة العربية، لبنان، بيروت - ص 67

5- جيرار جينيت – خطاب الحكاية، بحث في المنهج – ترجمة: محمد معتصم، عبد الجليل الأزدي وعمر حلى – ط2 لسنة 1997م، المشروع القومي للترجمة، مصر، القاهرة - ص 45

تعليقات (0)

لاتوجد تعليقات لهذا الموضوع، كن أول من يعلق.

التعليق على الموضوع

  1. التعليق على الموضوع.
المرفقات (0 / 3)
Share Your Location
اكتب النص المعروض في الصورة أدناه. ليس واضحا؟