الخلافات الفلسفية وتحدي التكامل والتحقيق المفاهيمي - أحمد رباص

شكل العرض
  • أصغر صغير متوسط كبير أكبر
  • نسخ كوفي مدى عارف مرزا

بنوع من الفضول الفلسفي، المصحوب بدهشة الاكتشاف، قادني البحث عما قيل وكتب حول هذا الموضوع إلى هذه الدراسة الرائعة المنشورة على النت بقلم بينوا غوتييه. وبما أن الكتابة ثمرة للقراءة، كانت هذه الترجمة:
عندما نقارن حالة تخصص مثل الفلسفة بحالة تخصص علمي مثل الفيزياء، فمن الصعب عدم التوصل إلى الملاحظة التالية.
من ناحية، نلاحظ اتفاقاً واسعاً، عملياً وصريحاً، على هوية الوقائع التي ينبغي الإبلاغ عنها، أو على النظريات أو القوانين التي تسمح بتحقيق ذلك، أو حتى على الأساليب والأدوات والتقنيات التي تستخدم لاكتشاف وتحليل الحقائق التي يتم تسليط الضوء عليها باستمرار. بالتناسب، حتى لو كان موضوعا لإجماع واسع، فإن تاريخ التخصص لا يعتبر شيئا من المهم الاتفاق عليه؛ بل يعتبر غير ضروري لمتابعة البحث لأن حالة التخصص في لحظة معينة يبدو أنها تحتوي على كل ما، ولا شيء غير ما، تم إنتاجه في لحظة سابقة من البحث ولم يتم دحضه أو تجاوزه في هذه الأثناء. باختصار، ينظر إلى هذا التخصص، على الأقل في الممارسة العملية، على أنه تراكمي ــ وهي طريقة كلاسيكية تماما وممكن تماما، كما ذكرنا ألكسندر بيرد مؤخرا بذلك، اعتبارها تقدمية.

على الجانب الآخر، وهو بالطبع الجانب الفلسفي، لا شيء تقريبا من هذا صحيح. كما كتب مايكل ديفيت، إذا "كان العلماء لا يتعلمون أكثر فأكثر عن العالم فحسب، بل يتعلمون أيضا كيفية اكتشاف الأشياء المتعلقة به"، فمن الملاحظ أيضا أن الفلاسفة، حتى بعد ألفي عام، لم يتمكنوا من إثبات (أو الاتفاق على) أي شيء يتعلق بأي موضوع للتفكير استطاعوا التعاطي له، ولا من تحديد (أو الاتفاق على) كيف استطاعوا أن يأملوا في تحقيق ذلك.

أحد الأسباب التي يتم تقديمها أحيانا لمحاولة تفسير عدم الإجماع الذي نلاحظه بين الفلاسفة هو فكرة أنه ليس من الممكن حقا في الفلسفة تأسيس حقائق يمكن الاتفاق عليها، لأنه لا شيء يجعل القضايا الفلسفية صحيحة. ولكن حتى لو افترضنا أن هذه الفكرة صحيحة، فإن المشكلة هي أنها لا تفسر بشكل كامل الخلاف العام الذي يسود في الفلسفة: حتى لو لم تكن هناك حقائق فلسفية بالمعنى الدقيق للكلمة، أو حتى لو لم يكن من الممكن تصور أننا سوف نجدها في يوم من الأيام، لدينا دليل يسمح لنا بمعرفة أننا قد حققنا هذه الأهداف، ولا يترتب على ذلك بأي حال من الأحوال أنه لا يمكن أن تكون هناك مواقف فلسفية أكثر عقلانية وأكثر تبريرا وأكثر تماسكا أو تأييدا من غيرها يمكن، بالنسبة لهذه الأنواع من الأسباب، الاتفاق عليها.

لكن، بطريقة يمكن أن نعتبرها محبطة للغاية، لا يبدو أيضا أن هناك اتفاقا بين الفلاسفة على مسألة معرفة الأسباب أو الحجج التي يمكن اعتبارها حاسمة بالنسبة لمشكلة فلسفية معينة.

إن ما يكون بالتالي عرضة للتشكيك بسبب نوع الخلاف الذي يسود في الفلسفة، والتناقض القائم بينها وبين علم مثل الفيزياء، ليس فقط فكرة الحقيقة الفلسفية، ولكن أيضا، وربما بشكل مباشر أكثر، فكرة العقل أو العقلانية الفلسفية القادرة على إعطاء معنى لإرادة البرهنة لصالح المواقف الفلسفية التي يدافع عنها، والتي لا يبدو أن أي فيلسوف مستعد للتخلي عنها تماما، على الأقل في الممارسة العملية.

تقريبا، جميع علماء نظرية الاختلاف الذين تناولوا مسألة عواقبها في الفلسفة يحتفظون بموقف من النوع التالي: نظرا للخلافات أو الخلافات المستمرة والمعممة التي تحدث داخل المجال الفلسفي، فإن الموقف المناسب هو القبول وليس الاعتقاد. بهذه الروح، يقول ديفيد كريستنسن بما أنه من الواضح أنه حتى أفضل الفلاسفة غالبا ما يرتكبون الأخطاء، فيجب علينا أن نعترف بأن المنهج الفلسفي بشكل عام غير موثوق به تماما؛ ويترتب على ذلك أنه لا ينبغي لنا أن نثق بشكل مفرط في استنتاجاتنا الفلسفية. وبشكل أكثر دقة، يجادل ريتشارد فومرتون بأنه يمكننا أن نستنتج من العدد الكبير من الإجابات غير المتوافقة التي يتم تقديمها لكل مشكلة فلسفية (أو، بالمثل، نستنتج من معرفة أن "معظم الآراء الفلسفية تنتمي إلى الأقلية") الاستنتاج التالي: "أغلبية الفلاسفة" (وحتى "الأكثر ذكاء") "لا يمكن الاعتماد عليهم عندما يتعلق الأمر بالوصول إلى الحقيقة الفلسفية".

بنفس الروح، تدافع هيلاري كورنبليث عن فكرة أنه عندما نعرف، في ما يتعلق بمجال بحث معين، أن الرأي الذي تدعمه أغلبية أعضائه موثوق به بشكل عام، فإننا ننحاز إلى المنشق (سواء كنا هذا المنشق أم لا)، وليس إلى جانب رأي الأغلبية، لا يشكل معرفيا استراتيجية عقلانية. ومع ذلك، وفقا لكورنبليث، فإن المجال الفلسفي ليس هو نفسه المجال العلمي أو الرياضياتي: فتاريخه لا يوفر لنا سببا للثقة في أحكام أعضائه، أو اعتبارها موثوقة، أو الاعتقاد بأن هناك تقدما يحدث هناك. ونتيجة لذلك، فإن "تاريخ مجالنا يجعل من التواضع المعرفي الموقف العقلاني الوحيد المتاح"؛ ولا تتردد كورنبليث في استنتاج أنه في حالات الخلاف الفلسفي يجب علينا "تعليق الحكم"؛ وأنه "نظرا للحالة الراهنة للمجال الفلسفي، لا يكون رأي احد [...] مبررا" .

من جهة أخرى، حتى لو افترضنا أن الموقف العقلاني الذي ينبغي اتخاذه بالنسبة للفيلسوف (أي بالنسبة لشخص منخرط بالفعل في هذا النوع من الجدل الذي يدور داخل المجال الفلسفي) ليس بالضرورة شكلاً من الشكوكية تجاه جميع المواقف الحالية (بما في ذلك موقفه)، فمن الممكن أن يكون مثل هذا الموقف هو الموقف الوحيد العقلاني بالنسبة لفرد يقع خارج المجال الفلسفي ويتساءل عما يمكن أن يتوقعه من التخصص، إذا كرس نفسه له، للإجابة عن أسئلته الفلسفية.

كتب جيسون برينان، في مقال نشر مؤخرا:

"لنفترض أن شخصا ما يفكر في اللجوء إلى الفلسفة على أمل الحصول على إجابات حقيقية على أسئلته الفلسفية. إنه يريد أن يعرف كنه السببية، التبرير، الخير، العدالة، إلخ.. ويلاحظ أن الفلاسفة يختلفون بشكل كبير حول الإجابات على هذه الأسئلة، ويخلص من ذلك إلى أن احتمال أنه من خلال الانخراط في الفلسفة سوف يحصل على إجابات حقيقية لهذه الأسئلة احتمال ضعيف. ولذلك يصبح متشككا في المجال الفلسفي ويبتعد عنه. هل ارتكب هذا الشخص خطأ؟".

بمعنى آخر، هل يحق لهذا الشخص أن يستنتج من الخلاف العام السائد في الفلسفة أن عليه "الامتناع عن استخدام المنهج الفلسفي" إذا أراد الحصول على أجوبة صحيحة لأسئلته الفلسفية، وهذا بدافع من كون هذا الخلاف يبين أن هذا المنهج ليس "أداة للحقيقة" يمكن الاعتماد عليها، ومن باب أولى إذا كان الذين استخدموها وتوصلوا إلى استنتاجات متباينة أو غير متوافقة هم (أو كانوا) من أفضل العقول التي عرفتها البشرية؟ وفقا لبرينان، يجب أن نتفق على اعتبار الحكم عقلانيا تماما لذلك الشخص الذي، مع ملاحظة العدد الكبير جدا من المواقف المتنافسة حول مسألة فلسفية معينة، يستنتج أن حقيقة استخدام المنهج الفلسفي في هذه المسألة ستقوده بالتأكيد إلى اعتبار هذا الموقف أو ذاك صحيحا على الرغم من أنه - كما يمكنه أن يرى بسهولة من وجهة النظر غير الملتزمة التي يتبناها حاليا - من المرجح أن يكون هذا الموقف خاطئا وليس صحيحا، نظرا لعدد المواقف المتنافسة الموجودة.

إذا لم يتخل هذا الشخص تماما عن احتمال تكريس نفسه للتأمل الفلسفي، يمكن أن نأمل في دق المسمار الأخير في نعش الفلسفة في نظره من خلال تذكيره بملاحظة كواين التي ذكرها بوفيريس في دروسه عن الأنساق الفلسفية:

"لا تتمتع الفلسفة بالثبات أو القوة الاستدلالية التي تتمتع بها الفيزياء الفلكية، ليس هناك إجماع مهني حول ما يمكن اعتباره فلسفة جادة. يمكن للمعادل الفلسفي للمنجم أن يستفيد من مكانة مهنية لا يستطيع المنجم الوصول إليها."

بعبارة أخرى، كما يكتب بوفيريس، “الفيلسوف الذي يعتبر […] أنه في موقع عالم الفيزياء الفلكية، لا يتوفر على وسائل مماثلة لوسائله، ما أحوجه إلى الكثير منها، لمواجهة خصمه على أمل النجاح في جعله يلوذ بالصمت". ومع ذلك، وفقا لكواين، هذا وضع لا يمكن استيعابه دون تناقض لأننا نتوقع من الفلسفة أن تزودنا بإجابات حقيقية على الأسئلة التي نطرحها على أنفسنا، أو تلك التي تثيرها: "بالنسبة لمن يتعاطى للفلسفة بروح علمية، كبحث عن الحقيقة، تكون ممارسة التسامح تجاه فلسفة سيئة التفكير غير معقولة تماما كما هو حال تسامح عالم الفيزياء الفلكية مع علم التنجيم."

يبدو أن الحجج التي تم تقديمها للتو تفرض استنتاجا مفاده أن الموقف العقلاني الوحيد الذي يجب تبنيه في مواجهة الخلاف العام الذي يسود في الفلسفة، إن لم يكن هو الحفاظ على شكل من الشكوكية المطلقة حيال ادعاء هذا التخصص تسليط الضوء على الحقائق الفلسفية، فهو على الأقل قبول أن هناك فرصة جيدة لأننا لم نصل إلى الحقيقة من خلال التوصل إلى الاستنتاجات التي قادنا إليها حكمنا الفلسفي (على الأقل عندما تكون هذه الاستنتاجات متعارضة مع تلك التي توصل إليها فلاسفة آخرون ليس لدينا أي سبب للاعتقاد، بغض النظر عن هذا الخلاف، بأنهم فلاسفة أقل جودة منا).

غير أن هذا الاستنتاج لا يكون حتميا إلا بشرط قبول ما تفترضه هذه الحجج، والذي ليس في الواقع بديهيا بأي حال من الأحوال، وهو وجود الحقائق التي يتعين على الفلسفة الوصول إليها، والفكرة التي مفادها أن الهدف في الفلسفة هو النجاح في تشكيل والدفاع عن النظريات الفلسفية التي هي صحيحة بالمعنى الذي يمكننا أن نقول عن الفيزيائي أنه يسعى إلى تشكيل والدفاع عن النظريات الفيزيائية التي هي صحيحة.

الآن يبدو لي أن الطريقة التي تمارس بها الفلسفة - وعلى وجه الخصوص (1) الطريقة التي نتفاعل بها عندما نعلم أن أحكامنا الفلسفية لا تشاركها الغالبية العظمى من الأعضاء الآخرين في المجال الفلسفي، أو ( 2) إن الموقف الذي نتخذه تجاه الأحكام الفلسفية التي يدعمها أقراننا ولكننا لا نفهم سبب فرضها – يدل على أن هدفنا في الفلسفة ربما لا يكون النجاح في الحفاظ على نظريات صحيحة، بمعنى أن هذا وعلى العكس من ذلك هو الحال في العلوم.

لنتخيل هكذا أنني أؤيد موقفا فلسفيا أعتبر أني قدمت لصالحه حججا مقنعة تسمح، في رأيي، بالرد على جميع الاعتراضات ذات الصلة التي وجهت أو يمكن توجيهها إليه. بعد ذلك، لنتخيل أنني علمت أن الأغلبية أو معظم زملائي الذين قرأوا موقفي يختلفون معي في ما يتعلق بصحته. وأخيرا، دعونا نتخيل أنني أتخلى عن هذا الموقف ببساطة بسبب المعارضة الهائلة التي يواجهها. لا يبدو لأحد، لا لزملائي ولا لي، أنني قد حققت أي تقدم فلسفي بالتخلي عنه بهذه الطريقة، أي أنني أنجزت شيئا مُرضيا فلسفيا بالتخلي عنه دون رؤية (أو حتى ملاحظة) كيف كان معيبا. إن حقيقة أننا نستطيع، وأنني أستطيع، تقدير أن لدي فرصة جيدة، من خلال التخلي عنه، للتخلي عن موقف معيب فلسفيا لا تعني بأي حال من الأحوال أنني قمت بتصحيح موقفي فلسفيا، وأنني أصبحت بذلك فيلسوفًا أفضل، وأن عملي الفلسفي المستقبلي ذو حظ أقل لأن يكون معيبا.

ولكن هل يختلف وضع الفيلسوف في هذه النقطة عن وضع أي عالم؟ هو كذلك لأنه حتى لو لم يختلفا في بعض الجوانب، فإن هناك جانبا يظهر فيه الاختلاف الحاسم.

(1) من المؤكد أنه من الممكن لكل من الفيلسوف والعالم أن ينكرا بعض استنتاجاتهما (التي يعتقدان مع ذلك أنهما قدما لصالحها حججا مقنعة تسمح لهما، حسب رأيهما، بالرد على جميع الاعتراضات ذات الصلة التي تم تقديمها أو يمكن أن تثار ضدهما) وذلك ببساطة بسبب المعارضة الهائلة التي يواجهانها (لا سيما من الأكثر كفاءة وشهرة بين زملائهما)؛ ويتنازلان عنه لأنهما يستنتجان من هذه المعارضة الهائلة أن استدلالهما لا بد أن يكون غير صحيح، مع أنهما لا يران سبب ذلك. بمعنى آخر، من الممكن أن (أ) يقبلا أن ( ع) لم يتم إثباته من خلال البراهين أو الحجج التي قدماها، على سبيل المثال، من اجتماع لآخر؛ (ب) يعتقدان أنه يجب عليهما قبول ذلك حتى لا يقعا في خطأ أو ارتباك بشأن معرفة ما إذا كانت p ؛ ولكن (ج) مع الاستمرار في الاعتقاد في وجود p نظرا لهذا الدليل أو الحجة.

(2) ومع ذلك، فمن الصعب - ولا يزال كذلك بالنسبة لكليهما - أن نتخيل أنهما سيبدآن بعد ذلك في تبني ودعم عملهما المستقبلي بشأن المواقف التي يتقاسماها أولئك الذين يعارضانهما بشدة إذا لم يفهما بماذا يمكن للحجج أو البيانات التي قدمها ربما الأخيرون لتبرير مواقفهم التي تبرر فعلا، أو أكثر مواقفهم.

(3) لكن نقطة الاختلاف بين حال العالم وحال الفيلسوف هي: أن تأسيس عمله أو تفكيره الفلسفي على أطروحة فلسفية لا يفهم سبب فرضها لا يشكل شيئا، وهي بالنسبة لأي فيلسوف طريقة مقبولة ومرضية لممارسة النشاط الفلسفي، وهو ما لا يحدث في العلوم. لا يتعلق الأمر بالقول إن الكيميائي، على سبيل المثال، يمكن أن يجد أنه من المرضي والمقبول الاعتماد على النظريات الفيزيائية التي يعتبرها غير مثبتة من خلال النظريات والبيانات المتاحة له والتي يعتقد أنها صحيحة وصادقة، ولكن ليقول إنه يستطيع الاعتماد بشكل كامل على النظريات الفيزيائية التي لا يفهم ما الذي يثبتها (بدلاً من غيرها، مثلا)، أو كيف يتم إثباتها من خلال البراهين التي يقدمها له زملاؤه الفيزيائيون، لأنه لا يعتبر نفسه قادرا على ذلك بتقييم هذه الأدلة بنفسه، ويعتبر أن زملاءه الفيزيائيين، الحاضرين والماضيين، كانوا وهم الآن قادرون على ذلك. وهذا هو الموقف الذي يتبناه العالم باستمرار في عمله. بمعنى آخر، إذا كان الهدف الذي يسعى إليه كل عالم هو النجاح في تكوين نظريات صحيحة أو تفسيرات مرضية للظواهر التي يريد تفسيرها، فإن تحقيق هذا الهدف (أو تقدم العلم) لا يعني بالضرورة أنه يجب عليه أن يكون مدركا لسبب وجود أي نظرية يعتمد عليها في ذلك – وهذا يعني أنه يمكن أن يجد أنه من المرضي تماما المضي قدما بهذه الطريقة.

إحدى الطرق المباشرة إلى حد ما لتفسير حقيقة أن الأمر ليس هو نفسه في الفلسفة هي التأكيد على أننا لا نتغيى في الفلسفة نفس نوع الهدف الذي يسعى العلماء لتحقيقه: فالأمر لا يتعلق بإنتاج نظريات حقيقية حول الأسئلة التي تهمنا. نحن ــ لأنه بخلاف ذلك كان بوسعنا أن نتفق على التعامل مع هذه التساؤلات، أو حتى اعتبارها محلولة، من خلال الاعتماد، كما يفعل العلماء، على أطروحات فلسفية لا ندرك لماذا تفرض ذاتها (لكن تتم مشاركتها على نطاق واسع جدا في المجال الفلسفي) – بدل تحقيق نوع معين من فهم كنه بعض الأشياء (السببية أو الهوية الشخصية أو المعرفة، مثلا) والذي لا يتمثل في اكتشاف الحقائق حول هذه الأشياء بالمعنى الذي يسعى العلم إلى اكتشافها. وبتعبير أدق، فإن المفهوم الذي يمكن وصفه بأنه فيتجنشتايني - والذي يتكون بموجبه من نشاط بحث وتوضيح مفاهيمي يهدف إلى وضع حد لنوع الحيرة التي يتعامل معها - قادر بطبيعة الحال على أن يأخذ في الاعتبار الفرق بين موقف الفيلسوف والعالم أمام الأطروحات التي لا يفهمون السبب الذي جعلها تفرض ذاتها.

ووفقا لهذا المفهوم، فإن المجتمع الفلسفي ليس، كما يقول جاك بوفيريس، “مجتمع المعرفة” من حيث أنه “على عكس ما يحدث في البحث العلمي حيث يمكن للفرد الاستفادة من المعرفة المكتسبة من العمل السابق دون أن يضطر إلى بذل نفس الجهود التي بذلها أسلافه، لا يمكن للعمل الفلسفي أن يكون إلا شيئا شخصيا بحتا". وبعبارة أخرى، ليس الفيلسوف، وهذا بالضبط ما يجعله فيلسوفا، بالنسبة لفيتجنشتاين "مواطنًا في مجتمع الفكر".

ومن أجل الحصول على فكرة أوضح عن نوع الفهم الذي يثبت المفهوم الفيتجنشتايني للفلسفة أنه ما نسعى للحصول عليه عندما نكرس أنفسنا له، سأسعى الآن إلى تلخيص أهم ما تضمنه مقال نير لبيتر هاكر، بعنوان "الفلسفة: مساهمة، ليس في المعرفة الإنسانية، بل في الفهم الإنساني"، ولإظهار كيف أن هذا المفهوم لديه الوسائل لمقاومة الاعتراضات التي يوجهها إليه تيموثي ويليامسون في "فلسفة الفلسفة".

وفقا لهاكر، "من المضلل أن نقترح أن الفلسفة لا تسعى إلى معرفة حقائق جديدة، بل تسعى إلى فهم حقائق مألوفة ــ وكأن العلم لا يلبي هذه الحاجة. ولا يمكن للفلسفة بأي حال من الأحوال أن تفسر الظواهر بهذا المعنى. وبالتالي، مهما كان طلب الفهم، فهو ليس كالفهم الذي تحصل عليه العلوم التجريبية. […] يمكن للفلسفة توضيح الخصائص المفاهيمية لهذه العلوم واحتواء ميلها إلى تجاوز حدود الحس. إنها محكمة العقل."

الحقائق التي تثبتها الفلسفة حقائق مفاهيمية قبلية (مع الحرص على ألا نعني بذلك أنها يمكن أن تكون موضوعا لعلم قبلي)، وليست حقائق تتعلق بحقائق يمكن الوصول إليها تجريبيا؛ إن شكل المعرفة الذي تقدمه، "على عكس ما تحققه العلوم الطبيعية، لا يتعلق بالملاحظة أو الكشف أو الاكتشاف التجريبي، بل بالإدراك". ومن وجهة النظر هاته يكاد يكون التمييز بين العلم والفلسفة كاملاً:

"لا يمكن الإجابة على أي سؤال فلسفي عن طريق البحث العلمي، ولا يمكن التوصل إلى اكتشاف علمي عن طريق البحث الفلسفي. يمكن للفلسفة أن تكشف عن عدم اتساق بيان علمي، وليس عن زيفه.

على سبيل التناسب: "الفلسفة لا تفسر الظواهر كما يفعل العلم. وعلى النقيض من نظريات العلوم التجريبية، لا شيء افتراضي في التوضيحات المفاهيمية والإيضاحات الفلسفية. يمكن للعلوم التجريبية أن تسلم بحقيقة الكيانات من أجل تفسير الظواهر المرصودة ومن ثم المضي قدما للتحقق من صحة هذه التخمينات. على النقيض من ذلك، لا تستطيع الفلسفة أن تسلم بشكل مشروع بكيانات، مثل الطبائع البسيطة، الأشياء في ذاتها، الكليات، من أجل شرح الطبيعة القبلية للأشياء، أو بنية تصورنا المفاهيمي (الواقع في الوسط بين المعنى المجرد والإدراك، المترجم)، أو استخداماتنا للغة. ولا مكان في الفلسفة لاستنباط وجود مثل هذه الكيانات، وفق نموذج الاستدلالات على أفضل تفسير موجود في العلوم."

تناسبيا مرة أخرى: "الفلسفة لا تجعلنا نكتشف أي علاقة منطقية نحوية جديدة؛ نحن لا نتعلم قواعد جديدة للاستدلال؛ وعلى النقيض من توسيع المعرفة الرياضية عن طريق البراهين الجديدة، فإن البنية المفاهيمية التي نعمل عليها تظل كما كانت من قبل تماما. ولهذا السبب يتم تعريف ما تقدمه بشكل أفضل على أنه مساهمة في الفهم وليس في المعرفة."

ويضيف هاكر في موضع لاحق أنه يمكن، في الواقع، أن نقول، بشكل مبالغ فيه قليلاً، في الفلسفة، "كل جديد، فهو خاطئ".

ولإعطاء فكرة عن الحقائق المفاهيمية التي يقع على عاتق الفلسفة تأسيسها، كثيرا ما يضرب هاكر، في هذه المقالة، مثلا بما يمكن قوله عن الأحداث - ربما بقصد إظهار أن هذا النوع من الحقائق التي توصف في كثير من الأحيان بأنها ميتافيزيقية (والتي نعتقد أنه من غير المرجح أن يتم تأسيسها وقبولها من قبل فلسفة تعرف نفسها على أنها تحقيق مفاهيمي) هي في الواقع قادرة تماما على أن تكون كذلك: "الأحداث تحدث، تطرأ وتجري في الزمن t ولكن لا توجد في الزمن t"؛ "ليست لها مساحات ملونة ولكن يمكنها إصدار صوت"؛ "لديها مراحل، ولكن ليس لديها أجزاء أو أبعاد مكانية"؛ "لا تشغل مساحة"؛ "إنها قادرة على التحرك، ليس كما تتحرك الأشياء، ولكن بمعنى أن أطوارها المتعاقبة تحدث في أماكن مختلفة"؛ وهكذا دواليك .

لكن إذا كانت الفلسفة عبارة عن تحقيق مفاهيمي قبلي ولا تعلمنا أبدا أشياء لم نكن نعرفها من قبل، فيم تتمثل بالضبط حقيقة "إدراك" أن شيئا ما هو الحالة - الواقعة التي، وفقا لهاكر، يتمثل فيها شكل المعرفة الخاص بها؟ وكيف يمكن اكتساب مثل هذه المعرفة؟ كيف نعرف، مثلا، أن حركة الأجسام تختلف عن حركة الأحداث، وبأي معنى يصح القول إننا لم نتعلم شيئا جديدًا عندما توصلنا إلى استنتاج مفاده أن حركة الأجسام تختلف عن حركة الأحداث؟

وفقا لمفهوم فيتجنشتاين الذي يدافع عنه هاكر، من خلال اكتساب رؤية إجمالية عن استخدام المفاهيم المعنية نفهم أو ندرك أن حركة الأشياء تختلف عن حركة الأحداث. يتم اكتساب هذا الفهم، بشكل أكثر دقة: (1) من خلال إدراك ما نحن على استعداد لقوله، وما هي المفاهيم التي نحكم على أنها مناسبة لتطبيقها، على أساس إتقاننا لاستخدامها، في مواقف معينة راهنة أو مناقضة للواقع؛ و(2) ثم السعي لتحديد – من خلال الاستمرار بهذه الطريقة مرة أخرى – ما إذا كان من الممكن بالفعل استخلاص الاستنتاجات المختلفة التي نعتقد أنه يمكن استخلاصها مما حققناه على هذا النحو. وهكذا نكتسب تدريجيا هذا الفهم (أو هذه النظرة العامة إلى شبكتنا المفاهيمية) التي تسمح لنا برؤية الأسئلة أو الحيرة الفلسفية التي جعلها غياب هذا الفهم تختفي.

في الوقت نفسه، نرى بأي معنى، وفقا لهذا النوع من التصور، يمكن أن تكون هناك مسألة التقدم في الفلسفة، رغم أن الفلسفة "لا تضيف شيئا إلى المعرفة الإنسانية، باستثناء حقيقة إدراك الطرق المختلفة التي تكون بها عناصر مختلفة من تصورنا المفاهيمي متماسكة معا. يمكن وصف هذا التقدم بأنه تحليلي لأنه يتكون من "توصيف وتوضيح المفاهيم المولدة للمشاكل": لقد حدث، كما كتب هاكر، "تقدم في الفهم الفلسفي لمفاهيم مثل الحقيقة، الوجود، الاحتمال، العقل، الشخص، الخير، الحقوق، الالتزامات، أي تحسينات في أوصاف الشبكة المفاهيمية المحيطة بهذه المفاهيم المحورية ولكن الإشكالية".

بالتناسب، يمكن وصف هذا التقدم بأنه "تمييزي" من حيث أننا ندرك أنه يجب علينا رسم بعض الفروق بين الأشياء التي قد نميل تلقائيا إلى اعتبارها متشابهة، مثل، على سبيل المثال، [...] العلاقة المحددة/القابلة للتحديد والعلاقة النوع/الجنس".

وبهذا المعنى، يشير هاكر إلى أن "التقدم غالبا ما يبدو أقل مما هو عليه بالفعل. لأن مثل هذه التمييزات تُعتبر أمرا مفروغا منه بسرعة ثم ننسى [... أنها] رؤى تم الحصول بالنضال الشاق من خلال التفكير الفلسفي". ومع ذلك، يؤكد أنه لكون الفلسفة "مساهمة في الفهم وليس في المعرفة"، يكون نوع التقدم الذي يمكن مناقشته في الفلسفة، في الوقت نفسه، "محفوفا بالمخاطر بشكل فريد" .

فإذا أمكن أن يكون هناك تقدم من نوع لا يشبه التقدم الذي نواجهه في العلوم، فمن الممكن أن يكون هناك تراجع من النوع الذي لا نواجهه في العلوم. لأن الفلسفة ليست لها أسس، لأنها ليست تراتبية، لأنها لا تنتج نظريات تثبت صحتها بالتجربة، ولا نظريات تثبت ثم تطبق بواسطة التجربة، ["لأنها لا تقيم بنيات نظرية على أساس ما تقدمه من رؤى وتوضيحات مفاهيمية"]، لأنها ليست أساس أي تقنية، يمكن أن تغيب الفروق عن الأنظار، وقد يتوقف استخدام أساليب التوضيح، وقد تختفي المهارات التي تتطلبها. […] على وجه التحديد، وبما أن الفلسفة ليست سعيا إلى المعرفة بل سعيا إلى الفهم، لا يمكن لما تنجزه أن ينتقل من جيل إلى جيل مثلما تفعل الفضيلة. يمكن للتعليم الفلسفي أن يشير إلى الطريق (المؤدي) إلى الوضوح الفلسفي، تماما كما يمكن للوالدين أن يسعوا جاهدين لغرس الفضيلة في أطفالهم. لكن الإغراءات، القديمة والجديدة في آن واحد، للوهم، للتزوير، للمدرسية الجافة، للعلموية، والدقة المصطنعة التي يسمح بها الجهاز المنطقي، يمكن أن تكون قوية للغاية، ويمكن أن تتراجع البصيرة الفلسفية. يجب على كل جيل أن يحقق الفهم الفلسفي بمفرده، ويجب أن يتم فتح رؤى وتوضيحات الأجيال السابقة من جديد."

نرى أيضا أن أحد المعاني التي يمكن لنا من خلالها، وفقا لتصور من هذا النوع، أن نقول إن الفلسفة ليست، على عكس العلم، تخصصا تقدميا، هو أنه إذا كان صحيحا، كما أكد فيتجنشتاين، أن “المشكلات الفلسفية يمكن أن يتم حلها بالكامل في اللحظة التي تنشأ فيها من قبل الشخص الذي يطرحها"، فليس من شأن المشكلات العلمية أن تكون كذلك. والسبب في كون ذلك ليس هو الحال لا يتمثل في أننا نحتاج بشكل عام إلى الوقت لحلها - لأنه يبدو من الصعب الخلاف على أن معالجة المشكلات الفلسفية قد تتطلب أيضا وقتا، ووقتا قد يقل طولا على الأقل عن الوقت الذي قد نحتاج إليه لحل بعض المسائل العلمية - ولكن الذي لا نتوفر منه، عندما نريد حل مسألة علمية، على قدر نحتاجه لتحقيق ذلك. وبعبارة أخرى، فإن حقيقة أن الأساليب التي تستخدمها الفلسفة "تختلف جوهريا عن تلك المستخدمة في العلوم" لا تمنع بأي حال من الأحوال حل مشكلاتها من التقدم بمرور الوقت، ولكنها تمنع الفلسفة من أن تكون تقدمية، إذا كنا نعني بهذا حقيقة أن العناصر اللازمة لحل مشاكلنا قد تكون مفقودة ويجب اكتسابها بمرور الوقت.

إن تبني مفهوم فيتجنشتاين للفلسفة يعني، باختصار، التأكيد على أن الفلسفة تتكون من نشاط البحث والتوضيح ابمفاهيمي يهدف، ليس إلى تقديم نظريات حقيقية حول المشكلات التي تتعامل معها بالمعنى الذي يسعى العلم إلى تقديمها، ولكن لتحقيق ذلك النوع من الفهم الذي يسمح لنا هذا النشاط بالحصول عليه والذي، بالتبعية، يزيل الارتباك الشديد، أو مهاوي الحيرة، التي أغرقتنا فيها هذه المشاكل. لكن وضع حد لها، بحسب هذا التصور، لا يؤدي، خلافا لما يحدث في العلوم، إلى عدم ظهورها ليس لأن الأسئلة الواضحة والمشروعة التي تتمثل فيها هذه المشاكل التي تتطلب إجابات مرضية ومعقولة تم جلبها إليها، ولكن إلى إظهار أنه لم يكن هناك داع إلى طرحها. لا يتعلق الأمر، بقولنا هذا، إنه كان من الأفضل لنا ألا نتعرض لهذه المشاكل وألا نطرحها على أنفسنا، ولكن بالقول إن لا داعي لأن تطرح نفسها علينا كمشاكل عندما اصطدمنا بملفوظها وبدأنا نفكر فيها. إنها تشكل بالفعل ما أظهره توضيحها على أنها "مشاكل زائفة"، مبنية على مفاهيم حساسة بشكل خاص أو طرق كلام مضللة بشكل خاص، قادرة على أن تثير فينا أنواعا من "التشنجات العقلية" والشعور بعدم القدرة على فهم إيجاد أنفسنا في أفكارنا.

ومع ذلك، يبدو من المهم بالنسبة لي أن أشير إلى أن وصف المشكلات الفلسفية، كما فعل فيتجنشتاين في عدة مرات، بأمراض الفكر (وحلها العملي باعتباره "علاجا") يشكل استعارة مؤسفة نسبيا، لأنه يؤدي بشكل طبيعي تماما إلى التمييز الذي شددت عليه للتو: المرض هو شيء كان من الأفضل لنا ألا نتعرض له، وحقيقة الشفاء منه لا تشكل، مع ثبات باقي العوامل، وضعا نحسد عليه أكثر من حقيقة عدم الإصابة به؛ في حين أن حقيقة النجاح في حل ما سيبدو لنا، بمجرد حله، "مشكلة زائفة" لا تتمثل في النجاح في التغلب على حالة من الارتباك الفكري لم يكن من المفيد في حد ذاتها العثور عليها بشكل خاص أو مرغوب فيه، بقدر ما يتمثل في إخفاء الميول الاستدلالية غير الصحيحة والمتنافرة التي تكمن في مبدإ هذه الحالة والتي تنتج عن الاستخدام المضلل أو الملتبس الذي تصلح له بشكل خاص المفاهيم المتضمنة في المقام الأول في المشكلة (الزائفة).

عندما يتساءل فيتجنشتاين عما هو الهدف من اختراق قلب كل هذه " العتمات الصغيرة" المفاهيمية التي هي المشاكل الفلسفية، إذا كان هدفنا، بمجرد أن نتواجد بداخلها، هو محاولة الخروج منها عن طريق تبديدها، فإن الإجابة التي يمكن الإتيان بها هي إن هذه المسألة لا يبدو أنها طرحت بطريقة طبيعية إلا عندما نغفل حقيقة أن هذه الميول الاستدلالية غير الصحيحة لا تولد، أو لا تتطور، عندما ندخل إلى هذه العتمات، ولكنها تكشف عن نفسها بهذه المناسبة وهي مبدأ وجودها. بمعنى آخر، يمكن حل هذه المسألة على النحو التالي: “ما الفائدة من الدخول في كل هذه العتمات الصغيرة، كما تقول؟ حسنا، لكي تختفي هذه الميول المؤسفة، فإن الدخول فيها بشكل حازم، من خلال السعي إلى تبديدها، يشكل أفضل فرصة لمحاربتها. يمكنك بالطبع اختيار عدم الدخول فيها، لأنه في نهاية المطاف، بمجرد الدخول إليها، تجد هذه الميول، فرصتها، إن لم تكن الوحيدة، فعلى الأقل

الرئيسية للتعبير عن نفسها - وبعبارة أخرى، يمكنك اختيار عدم إعطاء المرض الفكري الذي ترتب عنها الفرصة لإنتاج أقصى قدر من التأثير. ولكن في هذه الحالة، لن تتوقف عن التأثر بها وسوف تميل طوال حياتك إلى قول أشياء غامضة للغاية عن مواضيع ستخرج منها، في الوقت نفسه، بارتسام عن كونها عميقة بشكل خاص (والتي، من جهتي، أجدها، علاوة على ذلك، مثيرة بشكل خاص).»

أحد المعارضين الأكثر حزما لهذه وجهة نظر حول الفلسفة هو تيموثي ويليامسون، الذي يؤكد في نفس الوقت (1) أن الفلسفة ليست تحقيقا مفاهيميا؛ (2) وأنها تعلمنا، على غرار العلوم، أشياء عن العالم؛ (3) وأنه من الممكن مع ذلك، على الأقل جزئيا، ممارستها "على كرسي مريح"؛ ولكن (4) هذا لا يعني أنها من خلال ملكة معرفية معينة، تختلف عن تلك التي ننخرط فيها في معرفتنا العلمية أو العادية عن العالم، تساهم في معرفته - بما في ذلك عندما يتم إجراؤها في كرسي مريح.

في مقابلة أجراها حول عمله "فلسفة الفلسفة" (2007)، يقول ويليامسون: "إن الاختلافات بين الفلسفة والتخصصات الأخرى لا تتميز عن الاختلافات بين الفيزياء والرياضيات والتاريخ والاقتصاد والبيولوجيا واللسانيات، والتي هي في حد ذاتها ملحوظة للغاية. وعلى وجه الخصوص، أقترح أن هدف الفلسفة، على المدى الطويل، هو اكتساب نوع من المعرفة بالطريقة التي تسير بها الأمور. وأعتقد أيضا أن ما يسمى بالانقسام بين المعرفة والفهم هو انقسام زائف: لا يمكنك أن تفهم لماذا يكون شيء ما على ما هو عليه دون أن تعرف لماذا يكون هذا الشيء على ما هو عليه."

من خلال هذا الإعلان الواضح بشكل خاص، يتم التأكيد بشكل خاص على فكرتين. (1) المنهج الفلسفية لا تختلف جوهريا عن منهج العلوم: أحدهما ليس قبليا جذريا بينما الآخر سيكون جذريا بعديا (مع ترك مسألة الرياضيات جانبا). (2) العلم والفلسفة لا يتعلقان بأشياء مختلفة جذريا، كما يعتقد أولئك الذين يعرّفون الفلسفة بكونها تحقيقا مفاهيميا، وفقا لويليامسون.

في ما يتعلق بهذه النقطة الأخيرة، يكتب ويليامسون في "فلسفة الفلسفة" أن “القليل من الأسئلة الفلسفية هي أسئلة مفاهيمية بالمعنى الذي يميزها”؛ أو أن "مجال الفلسفة ليس مفاهيميا بالمعنى الذي يميزه".

وبنفس الروح، وبشكل أكثر دقة، يرى ويليامسون أنه إذا كان كل ما يمكن أن نتعلمه من الحالات التي تخيلها جيتييه هو أنه "من الممكن من الناحية النظرية أن يكون لديك اعتقاد حقيقي ومبرر دون امتلاك المعرفة".

يقول ويليامسون: "هذا لن يدحض الفرضية القائلة بأن المعرفة هي، بطريقة ضرورية ميتافيزيقيا، الاعتقاد الحقيقي المبرر الذي مفاده أن الاحتمال المفاهيمي بأن شيئا ما له العدد الذري 79 دون أن يكون ذهبا يدحض الفرضية القائلة بأن الذهب هو، بطريقة ضرورية ميتافيزيقيا، العنصر الذي يبلغ عدده الذري 79. إن نظرية المعرفة تهتم في المقام الأول بطبيعة المعرفة، وليس بطبيعة مفهوم المعرفة. إذا كانت المعرفة في الواقع متماهية مع الاعتقاد الحقيقي المُبرر، فسيكون هذا هو المهم إبستيمولوجيا، بغض النظر عن الاحتمال المفاهيمي لعدم هويتهما.

ثم يتابع ويليامسون: "إن نتيجة تجربة فكرية مثل تجربة جيتييه، والتي تم تأويلها على أنها احتمال مفاهيمي بسيط، ستكون ذات أهمية لمنظري المفهوم في المقام الأول، وليس للإبستيمولجيين. […] وينطبق الشيء نفسه على التجارب الفكرية الموجودة في فروع الفلسفة الأخرى. لكن استخدام التجارب الفكرية لا يقتصر على نظرية المفاهيم فحسب؛ بل ينتشر كذلك في أغلب فروع الفلسفة."

من الصعب، عند قراءة هذا المقطع الأخير، ألا نشعر كما لو أننا إزاء مصادرة على المطلوب: يؤكد ويليامسون أن التجارب الفكرية التي يلجأ إليها الفلاسفة في كثير من الأحيان لإقامة استنتاجاتهم لا يمكن أن تقتصر على مفاهيمنا فقط، لأن هذه التجارب الفكرية تُستخدم في كل مكان في الفلسفة، بما في ذلك من قبل أولئك الذين لا يفكرون في وضع "نظرية عن المفاهيم". ما لم نفترض بعد ذلك أن الفلاسفة يفهمون بشكل أساسي أو بالضرورة ما يفعلونه عندما يمارسون الفلسفة - الأمر الذي من شأنه أن يجعل عمل ويليامسون غير ضروري تماما - تتلخص الحجة المقترحة في ما يلي: لا يمكن للتجارب الفكرية أن ترتبط بمفاهيمنا فقط، لأن هذه التجارب الفكرية تُستخدم في كل مكان. في الفلسفة وفي الغالبية العظمى من الحالات يتم استخدامها لحل الأسئلة الفلسفية التي لا تتعلق بمفاهيمنا.

لكن هذه النقطة ليست الأكثر أهمية. مثل هذه النقطة التي تظهر في كل من المقاطع التي استشهدت بها هي حقيقة أن ويليامسون يأخذ بشكل منهجي بفكرة أنه إذا كانت الفلسفة تتكون بالكامل من نشاط توضيح مفاهيمي، فهي إذن (1) تتعلق بمفاهيمنا بدلاً من العالم و (2) أنها تسعى جاهداة إلى إثبات حقائق حول مفاهيمنا؛ بمعنى أن العلم يسعى جاهداً إلى إثبات حقائق حول العالم.

ومع ذلك، فإن هذه الفكرة ليست واضحة بذاتها بأي حال من الأحوال، وتشكل، علاوة على ذلك، سوء فهم شبه كامل في ما يتعلق بنوع الموقف الذي يدافع عنه فلاسفة مثل بيتر هاكر، متبعين فيتجنشتاين. يتساءل هاكر: هل يمكننا أن نستخلص من التأكيد على أن الفلسفة هي تحقيق مفاهيمي كونها "تملك في نهاية المطاف مجالا محددا - أي المفاهيم؟" سيكون ذلك مضللاً. إن كونها بحثا مفاهيميا لا يعني التركيز فقط على المفاهيم، بل يعني، من بين أمور أخرى، عدم انتهاج الملاحظات والتجريبات.

بالتلازم، لا يترتب عن فكرة أن الفلسفة هي تحقيق مفاهيمي، وعن حقيقة أن ذلك يتم من خلال النظر في استخدام الكلمات التي تعبر عن مفاهيمنا، أن اللغة هي مجال الفلسفة؛ "اللغة هي ما يهتم به علم اللغة"، وهناك، على سبيل المثال، بالنسبة لللغوي "اهتمام قليل إلى حد ما بالتساؤل عما إذا كان بإمكاننا القول إن الأحداث تتحرك وبأي معنى". علاوة على ذلك، وعلى عكس ما يُفترض غالبا، لا يترتب عن فكرة أن الفلسفة هي بحث مفاهيمي أن هذه الطريقة في تصور الفلسفة وممارستها تحافظ على رابط خاص مع فلسفة اللغة.

قبل كل شيء، لماذا نفترض أنه إذا كانت الفلسفة عبارة عن تحقيق مفاهيمي، فإنها تدور حول المفاهيم وليس حول ما تدل عليه المفاهيم؟ يبدو لي أن هذه النقطة الأساسية في مفهوم فيتجنشتاين عن الفلسفة قد عبر عنها هاكر بشكل جيد للغاية حينما قال: "إن نوع الفهم الذي تسعى إليه الفلسفة فريد من نوعه. يمكن وصفها بطرق مختلفة ومضللة إلى حد ما. في الموقف الميتافيزيقي: تسعى الفلسفة إلى الحصول على فهم للطبيعة القبلية للأشياء وللعلاقات الداخلية بين الأشياء […]. في الوضع المفاهيمي: تسعى الفلسفة للحصول على لمحة عامة عن بنية (أجزاء) مخططنا المفاهيمي والعلاقات المنطقية النحوية بين عناصره. في الوضع اللغوي: تسعى الفلسفة إلى الحصول على لمحة عامة عن أجزاء لغتنا التي تؤدي، بطريقة أو بأخرى، إلى مشاكل مفاهيمية. إذا فهمنا هذه الأمور بشكل صحيح، نجدها أوصافا لنفس المشروع.

يمكننا إذن أن نقول، بكلمة واحدة، إن الحقائق المفاهيمية «تصف جوانب من طبيعة موضوعها؛ تحدد المفهوم المعني؛ وتظهر في استخدام الكلمات"؛ وأن إدراك الموقف الفيتجنشتايني يتمثل في إدراك أن الأمر يتعلق بنفس الشيء.

لا يمكننا بالطبع أن نقبل هذه النقطة، أو – هذه حالتي – أن نشعر بعدم القدرة على فهمها بشكل كامل واعتبار أن الفتجنشتاينيين يجب أن يكونوا قادرين على إخبارنا أكثر بكثير، أو أفضل بكثير، عن موضوعها. بحيث نصل ​​إليه ونتوقف عن أن نضع في أذهاننا بانتظام - على وجه التحديد لأننا لا نتمكن من فهمه بشكل كامل - فكرة أن هناك مع ذلك شيئا غامضا للغاية في حقيقة أننا، في تحليل مفهوم مثل مفهوم الحدث، فهمنا طبيعة الأحداث؛ أو فكرة أن هناك صدى هادئا بشكل غير سار في الاعتقاد بأنه ليس من الممكن أن نقول أي شيء عن طبيعة الأحداث أكثر مما يمكننا استخلاصه من مفهومنا عن الحدث. ولكن، في الفلسفة كما في أي تخصص آخر، سيكون من الأفضل، لتحظى للمناقشة بأي اهتمام، ألا ننسب إلى أولئك الذين نريد إفحامهم مواقف ليس لديهم أي نية للدفاع عنها، وأن نسعى جاهدين إما إلى مهاجمة الأطروحة التي يدافعون عنها حقا، أو، إذا حكمنا أنهم لم يقدموا لنا أسبابا كافية للاعتقاد بأن هذه الأطروحة من المحتمل أن تكون واضحة ومرضية حقا، إلى تقديم أسباب هذا الحكم. لكن، في "فلسفة الفلسفة"، لا يفعل ويليامسون أيا منهما.

لا أقصد هنا تقديم دفاع أو توضيح للموقف الفيتجنشتايني في ما يتعلق بنطاق التحليل المفاهيمي. سأشير ببساطة إلى أنه يبدو لي على الأقل أنه يستحق ألا نرفضه بمجرد هزة كتف منهكة أو مرهقة، مصحوبة باعتراضات يبدو قصورها شبه مقصود وأنه يهدف إلى إظهار القليل من الأهمية التي ينبغي (الآن) أن تعطى له. الشيء الذي أود أن أفعله هو أن أثير نقطة لا ينبغي اعتبارها ثانوية أو لا أهمية لها، وهي أن حقيقة توصيف الفلسفة باعتبارها تحقيقا مفاهيميا تسمح لنا بالوفاء على الفور تقريبا بما أسماه بيكوك "تحدي التكامل"، في حين أن مفهوم التفكير الفلسفي ونوع المعرفة التي من المفترض أن تسمح لنا الفلسفة باكتسابها، والذي دافع عنه ويليامسون، من جانبه، فشل في مواجهة هذا التحدي.

إن تحدي التكامل، كما كتب بوفيريس، "يتعلق بالصعوبة التي قد نواجهها، في ما يتعلق بأي مشروع معرفي، في توفير ميتافيزيقا مقبولة وإبستيمولوجيا عن الحقيقة لقضايا التخصص المعني". بعبارة أخرى، في حالة الفلسفة، "يجب ألا يكون هناك خلاف كامل أو حتى فجوة كبيرة جدا بين ما نعرفه عن العمليات التي تتشكل بها المعتقدات واليقينات الفلسفية، وفكرة أننا نصنع هذا النوع من المعرفة بالحقائق التي من المفترض أننا نجحنا في الوصول إليها بفضلها". وبتعبير أدق: “قد يكون هناك خلاف بين هذين الأمرين، لأنه قد يحدث أن نكوّن فكرة عما تتمثل فيه حقيقة [القضايا الفلسفية] وما تقتضيه مما له أثر على جعل الحقيقة سؤالا مستعصيا من وجهة نظر إبستيمية وجعل الطريقة التي يمكننا بها مع ذلك أن ننجح في معرفتها غير مفهومة، أو على العكس من ذلك، أن نشكل فكرة عن الطريقة التي يمكننا بها النجاح في معرفتها والتي تستبعد ذلك ويمكن أن يكون لها نوع المحتوى والتبعات التي نميل إلى أن ننسبها إليها."

كما رأينا (سابقا)، بالنسبة لويليامسون، "هدف الفلسفة، على المدى الطويل، هو اكتساب نوع من المعرفة بالطريقة التي توجد بها الأشياء" والتي لا تختلف جوهريا عن تلك التي يمكن أن تكتسبها العلوم. بمعنى آخر، الفلسفة والعلم لا يتمحوران حول أشياء مختلفة جذريا، بل حول العالم. الأولى، على عكس الثاني، يمكن مع ذلك ممارستها، على الأقل جزئيا، "على كرسي مريح"؛ لكن هذا لا يعني، كما أشرنا سابقا، أنه من خلال ملكة معرفية معينة، مختلفة عن تلك التي نجندها في معرفتنا العلمية أو العادية بالعالم، تساهم الفلسفة في معرفته - بما في ذلك عندما يتم إجراؤها على كرسي مريح.

وفقا لوليامسون، فإن المعرفة التي يمتلك الفيلسوف الوسائل اللازمة لاكتسابها، والتي يجب أن يسعى إلى اكتسابها، والتي يعود الأمر إليه لاكتسابها، هي (كما فهمنا بلا شك بالفعل) معرفة الضرورة الميتافيزيقية.

في ما يتعلق بكيفية قدرتنا على معرفة الضرورة الميتافيزيقية، يؤكد ويليامسون على الأطروحة التالية: "إن الوسائل المختلفة المتاحة لنا لاكتساب المعرفة غير الفلسفية يمكن استخدامها لتزويدنا بالمعرفة الفلسفية، بما في ذلك معرفة الضرورة الميتافيزيقية. أقوم بربط المناهج التي نستخدمها لتقييم المشروطات المضادة للواقع (قضايا تستعمل للتعبير عن وضعية افتراضية في الماضي وعن نتائجها المتخيلة، المترجم) للواقع خارج الفلسفة بفكرة الضرورة الميتافيزيقية. إنني أعرّف هذه الضرورة بأنها ما كان يمكن أن يكون، أيا كان ما كان يمكن أن يكون؛ ما هو في حد ذاته مشروط مضاد للواقع معمم. بقدر ما أستطيع الحكم، فإن المناهج التي نستخدمها لتقييم المشروطات المضادة للواقع بشكل عام مناسبة، حتى في حالات خاصة مثل حالة الضرورة الميتافيزيقية."

بعبارة أخرى: "بمجرد أن نرى ما هي القدرات المعرفية المطلوبة لشرح معرفتنا بالوقائع المضادة، نرى أن هذه القدرات كافية لشرح معرفتنا بالطريقة […] ويصبح من غير المعقول تماما افتراض أننا مع ذلك نستخدم القدرات المعرفية الإضافية وغير الضرورية عندما نقوم بتقييم تأكيدات الطريقة.

كيف إذن نفسر كون قدرتنا على معرفة ما هو ضروري ميتافيزيقيا لا تختلف عن قدرتنا على معرفة حقيقة الحقائق المضادة يساعد على تفسير كيف يمكننا، في الفلسفة، معرفة الضرورة الميتافيزيقية؟ يمكن إعادة بناء موقف ويليامسون على النحوذ التالي:

(1) تعد التجارب الفكرية من أكثر الأساليب استخداما بشكل منهجي في الفلسفة.

(2) تجارب الفكر الفلسفي في بعض الأحيان (وحتى في كثير من الأحيان) لها بعد مشروط.

(3) هذه التجارب الفكرية، مثل جميع التجارب الفكرية، غالبا ما تكون مجرد تفكير حول احتمالات مضادة للواقع، حيث أن معرفة أي حقيقة مشروطة، بالنسبة لويليامسون، هي معرفة "اعتماد مضاد للواقع".

(4) على وجه الخصوص، من خلال هذا النوع من التفكير، نتمكن كل يوم، بطريقة عادية تماما، من معرفة الحقائق حول العالم وأننا نستخدم تلك التي اكتسبناها لاكتساب حقائق جديدة.

(5) ومن ثم فإن تجارب الفكر الفلسفي تلعب دورا في القدرات التي نفعلها في معرفتنا بالعالم.

(6) وبالتالي، ليس لدينا أي سبب للشك في الاستنتاجات التي تقودنا إليها تجارب الفكر الفلسفي أكثر من الشك في تلك التي يقودنا إليها تفكيرنا المعتاد المخالف للواقع حول ما كان يمكن أن يحدث في الظروف المغايرة للواقع.

(7) ليس لدينا أيضا أي سبب للاعتقاد بأن هذه التجارب الفكرية لا تتعلق بالعالم بالمعنى الذي ترتبط به هذه الاستدلالات وبالطريقة التي ترتبط بها.

(8) بما أن تجارب الفكر الفلسفي تمتلك في بعض الأحيان (وحتى في كثير من الأحيان) بعدا نمطيا، يترتب على ذلك أنه لدينا ما يبرر على الأقل للوهلة الأولى الاعتقاد بأنها تسمح لنا بمعرفة ما هو ضروري أو ممكن أو مستحيل في العالم.

بمعنى آخر، يمكن للتجارب الفكرية التي نستخدمها باستمرار في الفلسفة، وفقا لويليامسون، أن تسمح لنا بمعرفة ما هو ممكن أو مستحيل أو ضروري ميتافيزيقيا، وليس فقط، كما قد نميل إلى الاعتقاد، ما هو ممكن مفاهيميا، أو مستحيل، أو ضروري. وهي تعمل، في الفلسفة كما في العلم، كأدلة أو حجج لصالح الاستنتاجات التي تسمح لنا بالوصول إليها.

يكتب باسكال إنجل، في تعليقه على الموقف الذي دافع عنه ويليامسون ويتفق معه إلى حد كبير، أن "التجارب الفكرية تشير جزئيا فقط إلى اكتشافات حول معتقداتنا أو مفاهيمنا. […] يتعلق الأمر بفرضيات نطرحها لنرى ما يأتي في ما بعد”. سأترك جانبا هنا ما يبدو لي أنه نقطة خلافه الرئيسية مع ويليامسون، أي حقيقة أنه يبدو من غير البديهي بالنسبة لإنجل التأكيد على أن كل تجربة فكرية فلسفية تتعامل مع احتمالات ميتافيزيقية وليس مع احتمالات مفاهيمية، "حيث لا توجد تجربة فكرية حقيقية" "يتعلق بمفاهيمنا أو فهمنا للمفاهيم"، حول كيفية تصورنا للعالم وليس حول العالم نفسه. ما يبدو أكثر أهمية بالنسبة لي هو أن إنجل يتفق مع ويليامسون على أن هدف الفلسفة يجب أن يكون بالفعل، مثل العلم، "الكشف عن الجواهر"، وأنها تستطيع تحقيق ذلك عن طريق التجارب الفكرية على وجه الخصوص.

والآن أود أن أبين، أخيرا، أن الحجة التي استخدمها ويليامسون لإثبات أن لدينا الوسائل لمعرفة الضرورة الميتافيزيقية يجب رفضها تماما. وبتعبير أدق، سأحاول أن أبين لماذا التجارب الفكرية التي من المفترض أن نكون قادرين من خلالها على معرفة الضرورة الميتافيزيقية في الواقع، لا تسمح بذلك. لن أحسم مسألة ما إذا كانت هناك جواهر أو مثل هذه الضروريات أم لا، ولن أدعي أنني أوضحت أنه، على افتراض وجودها، سنكون غير قادرين إلى الأبد على اكتشافها، في ضوء الوسائل المعرفية المتاحة لنا (الحجة بهذا المعنى يمكن أن تكون، مثلا، أن العلم لا يمكنه إلا أن يمكّننا من اكتشاف ما هو الحال، وأن التصور وعدم التصور ليسا دليلين موثوقين بالنسبة إلى الطريقة الميتافيزيقية). ما سأحاول إظهاره هو أن التجارب الفكرية التي نعتمد عليها في الفلسفة ليست من نوع الاستدلال المضاد للواقع الذي نستخدمه باستمرار في تفاعلاتنا مع العالم والذي يوجد أيضا في تجارب الفكر العلمية. بمعنى آخر، أود أن أبين أن طبيعة تجارب الفكر العلمي (أو الاستدلال العادي المخالف للواقع) ليست هي نفسها تجارب الفكر الفلسفي، وأن الأخيرة تنشأ من التحليل المفاهيمي - كيف أنه ليس من شأنها أن تكون هي نفسها نوعا من أدوات معرفة الضرورة الميتافيزيقية التي يراها ويليامسون فيها.

في الاستدلال المضاد للواقع العادي (كما هو الحال عندما نحكم على أن هذه الصخرة التي انتزعت من الجبل كانت ستنتهي في البحيرة لو لم تكن هذه الشجيرة موجودة هناك) أو في تجربة فكرية علمية (يمكننا أن نفكر مثلا في تجربة دلو نيوتن) تحدث الأمور، بشكل أساسي، بالطريقة التالية:

(1) نتخيل أولاً أن الوضعية المضادة للواقع X هي الحال؛

(2) نحاول بعد ذلك تحديد Y، أي ما سيحدث في الوضعية X - والذي يمكن تفسيره على وجه الخصوص على أنه يتمثل في "ملاحظة في الخيال" لما سيحدث في X؛

(3) يتم الحكم أخيرا (في تجربة الفكر العلمي على وجه الخصوص) بأن حقيقة حدوث Y في X يشكل عنصرا من حجة لصالح Z، في نظرية أو فرضية تفسر كيف أن Y هي الحال في X - نظرية أو فرضية صممت التجربة الفكرية لدعمها، أو أن التجربة الفكرية نفسها تقودنا إلى توخيها.

ما أود إظهاره هو أنه في حالة التجربة الفكرية من النوع الذي نواجهه في الفلسفة، من الخطإ القول بأننا نتخيل أن X هو الحال وأننا بعد ذلك نحكم بأن Y هو ما سيحدث إذا كان X هو الحال. في تجارب الفكر الفلسفي، نتخيل أن X هو الحال ونحكم بأن Y سيكون هو الحال، ولكن هذا لا يعني أننا نحكم بأن Y شيء سيحدث أو يحدث (بالمعنى الذي يمكن قول ذلك في تجربة فكرية عادية

أوعلمية). وبعبارة أخرى، الحكم بأن شيئًا ما هو الحال في الوضعية X ليس بالضرورة نفس الحكم بأن شيئا ما يحدث في حالة أن X ليس شيئا سيحدث في X.

لرؤية ذلك، لنفكر في تجربتين فكريتين فلسفيتين، الساعة المتوقفة لبرتراند راسل، والأمير والإسكافي لفرنسيس لوك.

تجربة راسل الفكرية الخاصة بالساعة المتوقفة هي كما يلي: تخيل أن الساعة في غرفة S قد توقفت، دون علمه، الليلة الماضية عند الساعة العاشرة ونصف مساءً، وأن S في صباح اليوم التالي ذهب، بالصدفة، في تمام الساعة العاشرة ونصف صباحا في إلى غرفته لاستشارتها، وأنه ليس لديه أي سبب للاعتقاد بأنها توقفت، وأنه يعتقد بالتالي أن الساعة هي العاشرة ونصف صباحا. يمكننا بعد ذلك أن نحكم، مع راسل، أنه إذا كان S في هذه الوضعية X، فلن يعرف أن الساعة هي العاشرة ونصف صباحا. حقيقة أن كون S لا يعرف أن الساعة هي العاشرة ونصف صباحا في X هو بالفعل أمر صحيح في هذه تلوضعية X؛ لكن أن يكون هذا صحيحا بالنسبة إلى X لا يعني أنه شيء يحدث في X (بالمعنى الذي يكون فيه Y هو ما سيحدث في التجربة الفكرية للصخرة المنتزعة من الجبل أو في تلك الخاصة بدلو نيوتن). الذي من شأنه أن يحدث في X هو، مثلا، أن يقرر S على الفور الخروج من بيته، إذا كانت لديه عادة قارة للخروج كل يوم إلى نزهة على الساعة العاشرة ونصف صباحا. وبالتالي فإذا تضمن تخصيص تلوضعية X أن S له هذه العادة، فإن الحكم الذي كنا سنشكله بأن، في S ،X يخرج على الفور من بيته، سوف يكون هذه المرة متعلقا بما يحدث في X،

بمعنى أن، في التجربة الفكرية للصخرة أو الدلو، واقعة الحكم بأن Y هو ما يحدث في X. الحكم بأن، في X يحدث y (أن يغادر (S) منزله على الفور) ينحدر من القدرات المعرفية التي يستدعيها استدلالاتنا المضادة للواقع العادية والعلمية؛ لكن الحكم القائل بأن S، في X، لا يعرف أن الساعة هي العاشرة ونصف صباحا ليس من نفس الطبيعة. بيد أن هذا هو الحكم الذي يمكن أن نصفه بالحكم الفلسفي، ليس الأول بالتأكيد. ولذلك فإن أحكامنا الفلسفية ليست من طبيعة الاستدلالات المضادة للواقع العلمية والعادية. وبما أنه من خلال التأكيد على أنها من هذه الطبيعة، يؤكد ويليامسون أنها تسمح لنا بمعرفة الضرورة الميتافيزيقية، ويترتب على ذلك أن ويليامسون لم يوضح كيف يمكننا معرفة هذه الضرورة.

ربما يستطيع أحد أتباع ويليامسون أن يعترض قائلاً إن حقيقة أن S، فيX، لا يعرف أن الساعة تشير إلى العاشرة ونصف صباحا هي بكل تأكيد أمر قد يحدث في X وبالتالي ليس هنا فرق بين هذه التجربة الفكرية وتجربة فكرية كتلك الخاصة بالصخرة، الفرق الذي أسعى جاهداً إلى التشديد عليه. يمكنه بالفعل أن يجادل بأن المعرفة، كما يؤكد ويليامسون في مكان آخر، هي حالة عقلية محددة، يتعلق الأمر بالتقرير في ما سيحدث في الساعة العاشرة ونصف صباحا: يتعلق الأمر بتقرير ظهور أو عدم ظهور لدى S لحالة عقلية معرفية. ومع ذلك، تكمن المشكلة في أنه، بالإضافة إلى الشكوك التي يمكن أن تثيرها بشكل مشروع فكرة أن المعرفة هي نوع محدد من الحالة العقلية (متميزة، مثلا، عن حالة الاعتقاد)، يكون من الصعب أن نرى كيف يمكن لتجربة فكرية مثل تجربة الساعة المتوقفة (أو مثل تجارب جيتييه) أن تقودنا إلى التقرير (ومع الحقيقة أيضا) في ظهور أو عدم ظهور الحالة العقلية لدى S في X؛ أو، بشكل أكثر دقة، لا يمكن لمثل هذه التجربة الفكرية أن تفعل ذلك إلا لأننا كنا قد حكمنا مسبقا بأن S لا يعرف أن p في X، وبالتالي مادامت المعرفة حالة عقلية، فإن ما يمكن أن يحدث في X هو أن S لن يكون في الحالة العقلية الخاصة بمعرفة أن p. لكن في هذه الحالة، كنا قد حكمنا مسبقا، على وجه التحديد، أن S لن يعرف أن p في X، مما يعني أن الحكم بأنه سيكون هناك ظهور (أو لا) لحالة عقلية معرفية n ليس هو نفسه الحكم بأنه ستكون هناك معرفة (أم لا)، وأنه عند تحديد ما إذا كانت هناك معرفة أم لا، فإننا لا نحاول تحديد ما إذا كانت الحالة العقلية المعرفية ستنشأ في الوضعية X التي تقودنا التجربة الفكرية إلى تخيلها.

بعبارة أخرى، نحن لا نستقصي S في الخيال للإجابة على سؤال ما إذا كان S، في X، سيعرف أن الساعة تشير إلى العاشرة ونصف صباحا؛ ولن نقوم بعد ذلك باستقصاء الشخص الذي نصادفه في الشارع، والذي يخبرنا بأن الساعة تشير إلى العاشرة ونصف صباحا، وأننا نعرف أيضا أننا في الوضعية الخيالية لـ S تماما، لتكوين الحكم بأن هذا الشخص لا يعرف أن الساعة تشير إلى العاشرة ونصف صباحا.

بشكل أعم، المعنى الذي يمكننا أن نقول فيه، لتحديد ما إذا كانت هناك معرفة في X أم لا، إننا نستقصي X بعناية ليس هو المعني الذي نستقصي فيه، من خلال الملاحظة والتجريب (الخياليين ربما)، هذه الوضعية ونعرف أو نكتشف أشياء عنها ليس من شأنها أن تكون معروفة بطريقة أخرى. في تجربة فكرية من نوع الساعة المتوقفة، المعنى الذي نستقصي به الوضعية X لنعرف ما إذا كان Y هو الحال في X يمكن تمييزه على النحو التالي: نحن نسعى جاهدين إلى ان نتمثل حدسيا كل جانب من الجوانب المهمة لهذه الوضعية X التي يتعين تخيلها، وأن ندرك بالتالي بنفس الحدس الوضعية التي تشكلها (الجوانب) أو تربط في ما بينها (الشيء الذي ليس صعبا بشكل خاص في التجربة الفكرية للساعة المتوقفة) من أجل تحديد ما إذا كان Y سيكون هو الحال في X.

وفق منطق الملاحظات السابقة، سأرد بالطريقة التالية على اعتراض ويليامسون (الذي تركته جانبا حتى الآن) والذي بموجبه يتمثل فهم شيء ما ببساطة في معرفة سبب وجود هذا الشيء. (بعبارة أخرى، يتمثل ببساطة في معرفة علله)، بحيث أن التمييز بين المعرفة والفهم الذي يعتمد عليه المدافعون عن المفهوم الفيتجنشتايني للفلسفة هو تمييز وهمي: فمن الممكن تماما التسليم، بشكل عام، بأن فهم حقيقة حدثت ( أو يمكن أن تحدث) في العالم يتمثل في معرفة

لماذا F حدثت (أو كان يمكن أن تحدث لاحقا) في العالم، وأنه، بهذا المعنى، لا يوجد فهم لF يمكن للفلسفة وحدها أن توفره، ولا فهم لF من شأنه أن يرتبط بنوع من المعرفة ليس من طبيعة ما لدينا عندما نعلم أن F هي الحال.

لكن هذا لا يعني بأي حال من الأحوال أنه لا يوجد سوى فهم لهذا النوع من الأشياء، وبالتناسب، فإن كل الفهم هو من الشكل الذي يتمثل في فهم هذا النوع من الأشياء. واقعة أن S، في X، لا يعرف أن الساعة هي العاشرة ونصف هو الشيء الذي نحاول فهمه في الفلسفة؛ ولكن بما أن هذه الواقعة ليست من الطبيعة التي يمكن القول بأنها تطرأ أو تقع في هذا الوضعية أو تلك، فإن فهمها لا يمكن أن يتمثل في معرفة أسبابها، إذ لا توجد سوى أسباب لما يحدث أو يقع.

لنأخذ الآن التجربة الفكرية للأمير والإسكافي بعين الاعتبار. لنتخيل أنه في صباح أحد الأيام، عند استيقاظه، يتذكر الرجل ممتلئ الجسم الذي استفاق في سرير الإسكافي كل ما يتذكره الأمير فيليب النحيف (سواء تعلق الأمر بذكريات الطفولة أو بتلك التي قرر في اليوم السابق أن يفعلها في اليوم التالي) و يتذكرها بضمير المتكلم (بعبارة وجيزة). ولنتخيل أيضا أن زوجة الإسكافي، وهي مستلقية بجوار هذا الرجل ممتلئ الجسم، تشير إليه عندما يستيقظ بأن عمله كإسكافي بالتأكيد يضر بيديه كثيرا. لنتخيل، باختصار، أن الرجل الذي يستيقظ في سرير الإسكافي يوجد، بطريقة غريبة، في استمرارية نفسية مع الرجل الذي يستفيق كل يوم في سرير الأمير.

في هذه الحالة، وفقا للوك، فإن الشخص المستيقظ في سرير الإسكافي هو فيليب النحيف. ومع ذلك (على افتراض أن حكمنا على هذه الوضعية هو نفس حكم لوك)، فهذا ليس شيئا يمكن أن يحدث في هذه الوضعية. في هذه الحالة، قد يحدث أن يستيقظ فيليب النحيف في سرير الإسكافي؛ ولكن لن يحدث أن يكون الشخص المستيقظ في سرير الإسكافي هو فيليب النحيف. وإذا حكمنا بأن ما سيحدث في هذه الحالة هو أن فيليب النحيق سيستيقظ في سرير الإسكافي، فهذا لا يشترط الحكم أولا بأن ما سيحدث هو أن فيليب النحيف هو الشخص الذي استفاق في سرير الإسكافي، ولكن بشرط الحكم أولاً بأن فيليب النحيف سيكون هذا الشخص. وهذا الحكم، على عكس الحكم المضاد للواقع حول ما سيحدث، ليس من طبيعة الفرضية على الإطلاق، وذلك على وجه التحديد لأنه لا يمكن أن يكون فرضية إلا إذا كان مرتبطا بما سيحدث في الوضعية المقصودة. إن واقعة أننا قد نكون غير متأكدين تماما مما يمكن أن يكون عليه الحال في تجربة فكرية من هذا النوع لا تكفي، بمعنى آخر، لإصدار أحكام بأن مثل هذه التجارب تدعونا إلى تكوين فرضيات - بمعنى أنها، على العكس من ذلك، كما هو الحال في التجارب الفكرية مثل تلك الخاصة بصخرة أو دلو نيوتن.

ارتباطا بما تقدم، في تجربة فكرية مثل تجربة الأمير والإسكافي (أو الساعة المتوقفة)، الاستنتاج الذي يمكننا استخلاصه من واقعة أن Y سيكون هو الحال في X، ليس، حيال هذه الواقعة، في نفس العلاقة كما هو، في تجربة فكرية مثل تجربة دلو نيوتن، الاستنتاج الذي يمكننا استخلاصه من واقعة أن Y سيكون هو الحال في X (بالمعنى الذي يحدث وفقه Y في X) حيال هذه الواقعة. في تجربة فكرية من النوع الأخير، يشكل الاستنتاج Z الذي يمكن استخلاصه منه (كما ذكرنا سابقا) تفسيرا لواقعة أن Y سيكون هو الحال لصالح النظرية أو الفرضية Z. وعلى العكس من ذلك، في تجارب فكرية مثل تجارب لوك أو راسل، فإن الاستنتاج الذي يمكن استخلاصه لا يتمثل على الإطلاق في الوعي بواقعة أن Y ستكون هي الحال في X: بين "في S ،X لا يعرف أن الساعة تشير إلى العاشرة ونصف صباحا" و"الاعتقاد الصادق المبرر ليس معرفة"، أو بين "فيليب النحيل قد يكون هو الشخص المستيقظ في سرير الإسكافي و"الاستمرارية النفسية تكفي لتحديد الهوية الشخصية"، لا توجد علاقة تفسيرية بالمعنى الذي توجد وفقه في التجربة الفكرية لدلو نيوتن علاقة بين Z وواقعة أن Y قد تحدث في X. على نحو مترابط، واقعة أن S قد يكون هو الشخص المستيقظ في سرير الإسكافي لا تشكل عنصر إثبات لصالح الأطروحة التي مفادها أن الاستمرارية النفسية تكفي لتحديد الهوية الشخصية بالمعنى الذي تشكل وفقه واقعة أن Y قد يحدث في X عنصر حجة لصالح النظرية Z التي تسمح بتفسير هذه الواقعة.

يبدو لي أنه أصبح من الواضح الآن أن هناك اختلافا في الطبيعة بين تجارب الفكر الفلسفي مثل تجربة الساعة المتوقفة أو تجربة الأمير والإسكافي، وتجارب الفكر العلمي مثل تجربة دلو نيوتن (أو الاستدلالات العادية المضادة للواقع مثل استدلاب الصخرة المنتزعة من الجبل)؛ وأن هذا الاختلاف يتعلق بطبيعة الأحكام التي تعمل هناك وطبيعة ما يمكن أن تسمح لنا بمعرفته؛ وأن مبدأ هذا الاختلاف يكمن في أن بعض الأحكام، على خلاف البعض الآخر، لا تتمثل في التقرير فب ما قد ينتج أو قد يحدث في وضعية مضادة للواقع X (حتى وإن تعلق الأمر في الحالتين بالحسم في ما سيكون عليه الحال في X). ولهذا السبب، مرة أخرى، من غير المرجح أن تكون تجارب الفكر الفلسفي نوعا من أدوات معرفة الضرورة الميتافيزيقية التي يراها ويليامسون فيها، إذا أردنا أن نعرف تلك الضرورة بالطريقة التي نعرف بها ما قد يحدث في العالم.

إن الطريقة التي آمل أن أوضح بها كيفية تمييز التجارب الفكرية الفلسفية عن التجارب الفكرية العلمية أو العادية، يبدو لي، علاوة على ذلك، أنها تؤدي إلى رفض موقف ويليامسون في ما يتعلق بالمعرفة بالضرورة الميتافيزيقية بطريقة أفضل من تلك التي يرفضها إ. ج. لوي. بقدر ما يفترض نقده، في ناحيتين على الأقل، أو يعترف بأشياء لا يبدو لي من غير المرجح أن يتم الطعن في حقيقتها مثل تلك التي طرحتها.

وفقا للوي، فإن الطريقة التي تكون على المحك عندما يصح القول إن الصخرة كانت ستنتهي في البحيرة لولا وجود الأدغال هي "ضرورة سببية أو طبيعية بشكل واضح" وليست ضرورة ميتافيزيقية؛ إنها، بعبارة أخرى، واقع سببي مضاد للواقع يجد نفسه متلفظا به بصدق في هذه الحالة وليس واقعا ميتافيزيقيًا مضادا (كما نواجه “عادةً” في الفلسفة، حيث نكون بالتالي معنيين بالضرورة الميتافيزيقية). وهكذا يغفل ويليامسون، وفقا للوي، عن التمييز بين الطرائق الميتافيزيقية والطرائق السببية أو الطبيعية - وهذا بلا شك لأنه يفهم معرفة أي حقيقة شكلية على أنها معرفة "اعتماد مضاد للواقع" يمكننا من خلاله، بكل ضرورة، إعطاؤه "التفسير الصوري" التالي:

□ أ ⇔ (∼ أ □ → ⊥)

وفي حالة وجود أي احتمال، التفسير الصوري التالي:

◇ ا ⇔ ∼(أ □ → ⊥).

لذلك، يجد ويليامسون نفسه منقادا إلى القول، وفقا للووي، إنه "يمكننا أن نعرف أن شيئا ضروريا ميتافيزيقيا من خلال التعرف على حقيقة مضادة للواقع للشكل الموصوف؛ الشيء الذي يحدث ببساطة من خلال التمكن من الحقائق المضادة التي "أعطانا إياها التطور". لكن، يتابع لوي، المشكلة هي أنه "حتى بافتراض أن هذه القدرة تقدم حقائق مضادة للشكل الموصوف"، فإنها تتعلق فقط بالحقائق المضادة "ذات طبيعة سببية مميزة، وليست ميتافيزيقية"؛ بحيث تكون الحقائق الضرورية التي تسمح هذه القدرة للمرء بمعرفتها بشكل موثوق هي “الحقائق الضرورية سببيا فقط، وليست الحقائق الضرورية ميتافيزيقيا […]. لذلك لم يفعل ويليامسون شيئا لشرح […] كيف يمكننا التعرف على [هذه الأخيره]” .

في رأيي، الخطأ الأول في انتقادات لوي هو أنه يجب عليه الالتزام بواقع الضرورة الميتافيزيقية، المتميزة عن الضرورة المنطقية والضرورة السببية (وهو بالتأكيد ليس شيئا إشكاليا بشكل خاص) في حد ذاته - والذي هو في أي حال. وهذا لا ينطبق بأي حال من الأحوال على شحص اسمه ويليامسون أو على معظم الميتافيزيقيين)؛ ولكن، قبل كل شيء، أن تكون، في هذه الحالة، بمثابة مصادرة على المطلوب. يصل هذا النقد في نهاية المطاف إلى حد الاعتراض على ويليامسون بأنه لم يوضح أننا نستطيع معرفة الضرورة الميتافيزيقية عن طريق القدرات التي نوظفها في استدلالاتنا العادية المضادة للواقع (مثل استدلاب الصخرة) مادامت هذه الأخيرة، بالنسبة للوي، تسمح لنا بمعرفة الضرورة السببية أو الطبيعية التي تتميز «بوضوح» عن الضرورة الميتافيزيقية التي من جانبها لا يمكن معرفتها بالطريقة التي تعرف بها الضرورة السببية. ما لم يخبرنا به لوي هو سبب عدم قدرتها على ذلك.

وبتعبير أكثر دقة: إن لوي بالطبع (بالنظر إلى ما طرحته) على حق في التأكيد على أننا لا نتعامل مع استدلال من نفس الطبيعة في حالة استدلال مثل ذلك المتعلق بمسار الصخرة وفي حالة استدلال مثل ذلك المتعلق بالوضع الإبستيمي لاعتقاد S. وهو محق أيضا في ملاحظة أن الأول هو استدلال يتعلق بما (على نحو ضروري) سيتبع سببيا لحدوث الوضعية X المضادة للواقع. لكن، من خلال الاعتقاد بأن الأول يتمثل في التقرير حول ما قد يحدث في X، في حين أن هذا ليس هو الحال في الثاني - لأن واقعة أن S، في X، يعرف أولا يعرف أن الساعة تشير إلى العاشرة ونصف صباحا ليست شيئا يمكن أن نقول عنه أنه جرى أو حدث في X -، نجد أنفسنا على الفور بصدد القول إن ما به "S في X لن يعرف أن الساعة تشير إلى العاشرة ونصف صباحا" لا يقوم على شيء سببي: أي شيء، في وضعية معطاة حالية أو مضادة للواقع، يكون (قد يكون) هو الحال إلا أنه لم يطرأ أو لن يجري ليس شيئا من شأنه أن يكون سببا؛ وليس هناك، بالبداهة، سبب إلا لما يحدث. لذا، وبالعودة إلى التجربة الفكرية للأمير والإسكافي، ما يمكن أن يكون سبب (مهما كان) لواقعة استيقاظ فيليب النحيف في سرير الإسكافي لن يكون هو سبب واقعة أن الشخص المستيقظ في سرير الإسكافي سيكون هو فيليب النحيل.

بعد أن أدركنا أن واقعة تأكيد أن S، في X، لن يعرف أن الساعة تشير إلى العاشرة ونصف صباحا لا تتمثل في التقرير حول ما قد يحدث في X نجد أنفسنا، من جهة أخرى، بصدد القول إن هذا التأكيد لا يرتكز على أي شيء سببي دون الحاجة إلى الالتزام بطبيعة ما يقوم عليه - وبتعبير أدق، دون الحاجة إلى تحديد طبيعة الطريقة، ميتافيزيقية أو مفاهيمية (على الأقل ضمنيا). لواردة في "S، في X، لن يعرف أن الساعة تشير إلى العاشرة ونصف صباحا."

ولكن، بعد كل شيء، أليس لدينا الآن عناصر إثبات تسمح لنا بتحديد طبيعة الطريقة (ضمنيا) موضع السؤال عندما نؤكد أن S لن يعرف أن الساعة تشير إلى العاشرة ونصف صباحا أو أن الشخص المستيقظ في سرير الإسكافي هو فيليب النحيل (أو أن الاعتقاد الحقيقي المبرر ليس معرفة أو أن الاستمرارية النفسية كافية لتحديد الهوية الشخصية)؟

إذا سلمنا:

(1) بأن الاستنتاجات من النوع الذي نتوصل إليه في التجارب الفكرية الخاصة بالساعة المتوقفة أو بالأمير والإسكافي لا علاقة لها بما يحدث في العالم؛

(2) بأنها، لهذا السبب، ليست من طبيعة الفرضيات - التي ترتبط دائما بما يحدث أو سيحدث في هذه الوضعية أو تلك (مثل تلك الموجودة في العلم أو في تفكيرنا المضاد للواقع، والأشياء العادية التي نشكلها حول العالم)؛

بعبارة أخرى، إذا سلمنا

بأن (1) + (2) لا يقومان على ما يقوم عليه العلم، وأنه ليس بالطريقة التي يقوم العلم على ما يقوم عليه أنهما يقومان على ما يقوم عليه.

فإن

(3) الضرورات المنصوص عليها في هذه الاستنتاجات تعود بالأحرى إلى التحقيق المفاهيمي عوضا عن المعرفة الميتافيزيقية إذا كان صحيحا أنه من أجل أن تعود إلى المعرفة الميتافيزيقية، ستكون هناك حاجة إلى استمرارية أكثر أهمية مع المعرفة العلمية.

ومع ذلك، لا يمكننا قبول هذه الجملة الأخيرة تماما ونؤكد، بالتالي، أن النقطتين (1) و(2) لا تجعلان من الممكن إثبات أن الضرورات المعنية تعود إلى البحث المفاهيمي وليس إلى المعرفة الميتافيزيقية. لكن يمكننا أن نتساءل كيف لا يمكن أن يميل الميزان بشكل جدي نحو البحث المفاهيمي إذا قبلنا ما طرحه لوي - رغم كونه ميتافيزيقيًا دون أدنى شك - حول طبيعة معرفتنا بطرائق معينة تعتبر، بالنسبة له، ميتافيزيقية بلا شك: "إن معرفة جوهر شيء ما لا تعني التعرف على شيء آخر من نوع معين، ولكن ببساطة تعني فهم ماهو هذا الشيء بالضبط. هذا هو في الواقع سبب كون معرفة الجوهر ممكنة، لأنها ببساطة نتاج الفهم - وليس الملاحظة التجريبية، ناهيك عن نوع غامض من شبه المعرفة الإدراكية مع كينونات باطنية من نوع معين."

لكن:

كل الحقائق حول ما هو ضروري أو ممكن، بالمعنى الميتافيزيقي، ترتكز على حقائق حول جوهر الأشياء - ليس فقط الأشياء الموجودة، ولكن الأشياء غير الموجودة كذلك. […] إذن، هذه حقائق يمكننا فهمها ببساطة من خلال فهم ماهية الأشياء […]. وبالتالي، فإن كل معرفة بالضرورة والإمكان الميتافيزيقي هي في النهاية نتاج الفهم .

في مقال أحدث، يوضح لوي أن “حقيقة فهم الجوهر لا تعني شيئا آخر […] سوى فهم تعريف حقيقي [بالمعنى الأرسطي]، أي فهم نوع خاص من القضايا». يتعلق الأمر، والحالة هاته، ب"القدرة الفكرية التي، مهما كان المفهوم الذي نتبناه، يجب علينا أن نسلم فعلا بأننا نمتلكها: القدرة على فهم بعض القضايا على الأقل، بما في ذلك تلك التي تعبر عن تعريفات حقيقية". يوضح لوي موقفه من هذه المسألة باستخدام المثال التالي:

"إنها حقيقة ضرورية ميتافيزيقيا، بحكم جوهر مثل هذه الأشياء، أن يتطابق التمثال البرونزي، في كل لحظة يوجد فيها، مع قطعة من البرونز، تختلف عدديا عن ذلك التمثال.

كيف نعرف ذلك، إذن؟

بالتأكيد ليس من خلال المراقبة الدقيقة لما هو موجود في مكان معين ووقت معين. وبالملاحظة لن نرى أن شيئين متميزين يشغلان هذا المكان. بل نعرف ذلك لأننا نعرف ما هو التمثال البرونزي وما هي القطعة البرونزية."

على أولئك الذين يؤكدون "أنهم لا يفهمون كيف [...] يمكن لشيئين مختلفين عدديا، تمثال برونزي وقطعة من البرونز، أن يتكونا من نفس الجزيئات البرونزية تماما في نفس اللحظة الواحدة"، يرد لوي بأنهم ببساطة، لم يدركوا أو لم يفهموا بعد ما هو التمثال البرونزي أو ما هي قطعة البرونز (أي جوهر هذين الشيئين وبالتالي الحقائق النموذجية التي تنطبق عليهما)، وعلى وجه الخصوص، أنهم لم يفهموا بعد "ما هي شروط هوية واستمرار مثل هذين الشيئين"؛ الأمر الذي كان سيسمح لهم بإدراك أنهما متميزان وبالتالي فهم الحقيقة الضرورية (المفترضة) ميتافيزيقيا وهي أنه في كل لحظة يوجد فيها تمثال من البرونز يتطابق مع قطعة من البرونز تختلف عدديا عن هذا التمثال.

والسؤال الذي قد نرغب بعد ذلك في طرحه على لوي هو: "كيف يتسنى لنا فهم ما هو جوهر شيء ما؟"؛ أو، إذا اعترض أحد على أننا نحقق ذلك على وجه التحديد من خلال فهم تعريفه الحقيقي: "كيف نتوصل إلى أن نفهم ما هو، بالنسبة إلى شيء ما، التعريف الحقيقي الذي يعبر عن جوهره (وبالتالي، بالنسبة إلى لوي، الضرورات والإمكانات الميتافيزيقية التي تنطبق عليه)؟"؛ أو مرة أخرى: “كيف، عند قراءة (مثلا) التعريف الحقيقي لشيء ما، هل نتمكن من فهم أن هذا هو بالفعل تعريفه الحقيقي؟". وبطريقة أكثر إيجابية بعض الشيء، يكون السؤال الذي قد نرغب في طرحه هو: "لأي أسباب بالضبط يجب علينا أن نرفض الفكرة - تجعلها النقطتان (1) و(2) معقولة - ألتي مفادها أننا من خلال التحقيق أو التوضيح المفاهيمي فهمنا طبيعة شيء ما، تعريفه الحقيقي، أو من تعريفه الحقيقي أنه تعريفه الحقيقي – وبالتالي الحقائق الضرورية التي تنطبق عليه؟"

يعتمد جواب لوي على هذا السؤال على منطق مماثل لذلك الذي طرحه ويليامسون (الذي ذكرته أعلاه) ضد فكرة أن الفلسفة هي نشاط التحقيق المفاهيمي: يتمثل التحقيق المفاهيمي في السعي إلى إثبات الحقائق حول مفاهيمنا بمعنى أن العلم يسعى جاهدا إلى إثبات حقائق حول العالم - وهذا يعني، بالنسبة إلى لوي، أن معرفة هذه "الأشياء أو الكيانات" التي هي "مفاهيمنا الخاصة". ومع ذلك، فإن "معرفة الجواهر ليست معرفة بالأشياء أو الكيانات من أي نوع" ولكنها، بالنسبة للوي (على عكس ويليامسون)، شكل من أشكال الفهم. قبل كل شيء، تقوم الحقائق التي نصل إليها من خلال التحقيق المفاهيمي، وفقا للوي، على مفاهيمنا وليس على العالم - على مفهومنا عن التمثال أو المعرفة وليس على التماثيل أو على المعرفة نفسها، مثلا. ومع ذلك، فإن "الحقائق الأساسية حقا" ليست "مجرد حقائق مفاهيمية" لأنها "لا علاقة لها، بشكل عام، بمفاهيمنا أو كلماتنا، بل بطبيعة الأشياء المعنية" .

في مواجهة هذه البرهنة، يمكن لنا، مرة أخرى، الاعتراض على أن واقعة انتهاج التحقيق المفاهيمي لا تعني بأي حال من الأحوال، على الأقل في ذهن شخص مثل فيتجنشتاين، أن الحقائق التي يمكن التوصل إليها سيرا على نفس النهج تقوم عل مفاهيمنا، بدلا من طبيعة الأشياء. ومع ذلك فقد أشرت أعلاه إلى أي مدى يبدو لي هذا السؤال الحاسم مشوشا بشكل خاص، وأود أن أنهي كلامي بتسجيل الملاحظة التالية: إذا سلمنا بأن النقطتين (1) و(2) وأيضا، مع لوي، بأن الحقائق الضرورية التي تهتم الفلسفة بإبرازها حول الأشياء التي تعتبرها (سواء تعلق الأمر بالمعرفة أو الهوية الشخصية أو هوية قطعة أثرية) تتمثل في فهم ماهية هذه الأشياء بدلاً من معرفة شيء عنها، يمكننا بعد ذلك أن نميل بشكل مشروع إلى اعتبر أن الاستدلال الفلسفي يتمثل في انتهاج التحقيق أو التوضيح المفاهيمي. وإذا افترضنا أننا نسلم بأن هذا هو بالفعل الطريق الذي يبدو أن الفلسفة تسلكه، فلا ينبغي لنا أن نعتبر أن المصادرة على المطلوب المتمثلة في الاعتراض على أن الفلسفة لا يمكنها أن تسير على هذا المنوال، مادام أنها يجب أن تكون قادرة على اكتشاف أشياء لا تسمح طريقة الانتهاج باكتشافها، لا تشكل أي سبب للاعتقاد بأن ذلك مجرد مظهر.

المصدر: https://books.openedition.org/cdf/3540?

تعليقات (0)

لاتوجد تعليقات لهذا الموضوع، كن أول من يعلق.

التعليق على الموضوع

  1. التعليق على الموضوع.
المرفقات (0 / 3)
Share Your Location
اكتب النص المعروض في الصورة أدناه. ليس واضحا؟