قصة تبييض كلمة... - عبد المجيد النحكامي

شكل العرض
  • أصغر صغير متوسط كبير أكبر
  • نسخ كوفي مدى عارف مرزا

كلمة لم تكن في أصلها سوى وصف لغوي عادي كأي وصف بريء، ثم تطوّرَ الوصف مع الزمن إلى تصنيف عرقي تراتبي قيمي، ثم جاء نشطاء متحمسون فجعلوا منه عنوانا مُجَمَّلا لهُوية شعب بعدما أخرجوه من سياقه، وزَيّنوه بجميل الأوصاف في عيون من يجهلونه ويجهلون سياقه.
ذلك الوصف بقناعِه الجميل تمكن بفعل الدعاية القوية للمتحمسين من التسلل إلى الخطاب الرسمي والأكاديمي.. فبلغ من سعة التداول ما جعله يتملص من حمولته التاريخية "المُخجلة" و يكتسب "شرعية"، كأننا هنا أمام عملية "إعادة تأهيل دلالي" تشبه في آلياتها ما يعرف بـ"تبييض الأموال"...

(1) ـ الحقيقة المُرة المخفية:
سبق أن بينا في مقال سابق أن كلمة "أمزيغ" في سياق جنوب شرق وجنوب المغرب على الأقل (شرق و جنوب جبال الأطلسين المتوسط و الكبير، على امتداد أحواض تافيلالت و درعة و سوس)، تحمل معنى "العرق الأبيض" في مقابل كلمة "حرطاني" (أحرضان) وما يماثلها التي تحمل معنى "العرق الأسود". وإذا قلنا جنوب شرق وجنوب المغرب، فإننا نقصد بذلك المنطقة التي تضم أكبر كتلة سكانية تتحدث البربرية، وهذه الكتلة بأعرافها وذاكرتها الموغلة في القدم هي مرجعنا في ما نسطره هنا.
كلمة "أمزيغ" إذن هي من قبيل الوصف الذي لا يُستدعى إلا في مقابل مخالفه: فلا نقول "أمزيغ" إلا في مقابل "أحرضان"؛ هكذا وبكل بساطة. هذه الثنائية العرقية التي نجد لها صدًى قد يكون شاهدا قويا على عراقتها في كتب التاريخ القديم التي تتحدث عن ثنائية "الليبيين" و"الإثيوبيين" قبل أكثر من 2500 سنة ، وقبل أن يظهر في تاريخ بلاد المغرب ما يعرف بتجارة الرقيق.
غير أن تطور التاريخ الاجتماعي للمنطقة جعل ذلك الوصف العادي البريء ينزاح في دلالته إلى تصنيف عرقي تراتبي قيمي يُعلي من شأن العرق الأبيض، وينزل بشأن العرق الأسود إلى أدنى الدركات. حقيقة مرة لا يمكن إنكارها، كما لا يمكن فصلها عن تاريخ البشرية جمعاء التي سارت قدما نحو "مركزية العرق الأبيض". وهكذا، فالخطاب التراتبي السائد ربط المزايا بالعرق الأبيض والرزايا بالعرق الأسود، حتى اعتقد الناس أن هذا الأخير لا يليق بانحطاطه المزعوم إلا أن يكون في رتبة أدنى تحت أقدام الرجل الأبيض، وفي خدمته على كل حال...
من رحم هذا الواقع العنصري المجحف ولد معنى "الرجل الحر النبيل": هو "حر" في مقابل "العبد" الأسود، و"نبيل" في مقابل "الحقير" الأسود. هذا النُّبل المزعوم ليس "خُلقا" محمودا كما توحي لنا بذلك أدبيات الحركة الأمازيغية وهي تتحدث بأسلوب عاطفي مغرق في الرومانسية عن معنى كلمة "أمزيغ" منزوعا من سياقه الاجتماعي..؛ بل هو مجرد "نُبْل خِلقي" مزعوم يستمد معناه من نُبل اللون، ونُبل الملامح..، ونبل العرق الأبيض عموما.

وهنا تبرز مفارقة عجيبة تكشف زيف هذه التراتبية؛ فهذا "البياض" الذي يُتخذ معياراً للسيادة ليس في واقع الأمر سوى وهم فسيولوجي وتصنيف نسبي. فالطوارقي مثلا من فئة "تماشق" صاحبة "النبل" قد يحسب نفسه منتمياً لـ"العرق الأبيض" بملامحه "النبيلة"، مستنداً في ذلك إلى مقارنة نفسه بجاره الزنجي الذي يبدو له أشد سواداً فأقل نبلا في صورته، فيضعه في أسفل الهرم الاجتماعي لمجرد كونه من غير البيض. غير أن الحقيقة أن ألوان البشر ليست في مجملها سوى درجات متصلة من الدُّكنة؛ بحيث إن هذا الطوارقي الذي يرى نفسه "أبيض" في بيئته الطوارقية، لو قابلناه بشيوخ جنوبنا الشرقي ممن يُصنفون ضمن "الأمازيغ" لما ترددوا لحظة في تصنيفه ضمن "الحراطين"، ولاستنكروا قول من يصنفه "أمازيغيا". أما لو قابلنا "بياض" هؤلاء جميعا ببياض سكان شمال أوربا لصُنفوا جميعا ضمن "الزنوج" أو "السود" عموما. إنها إذن خدعة بصرية أنتجتها نفسية الاستعلاء، ليتمسك البعض بوهم الانتماء لـ"العرق النبيل" لمجرد تقابله مع من هو أشد منه سواداً.
و لعل استعراض مثال شخصية الباشا التهامي الكلاوي في المغرب يساعدنا على فهم وضعية "نبلاء" الطوارق: فالباشا التهامي الكلاوي يتربع على رأس قبيلة "كلاوة" الأمازيغية. غير أن المفارقة أن هذا الذي يصنف "أمازيغيا" و في خدمته حَشْدُ من عبيد "إحرضانن"، يصفه الفرنسيون بـ"الزنجي" (بحسب "كوستاف بابان" في كتابه عن "الباشا الكلاوي")!.. فهؤلاء الأوربيون يصفون صورته كما تراها أعينهم، في حين أن تصنيفه "أمازيغيا" لم يكتسبه إلا بالنسب لوالده، أما عن والدته فقد كانت زنجية و منها اكتسب صورته "الزنجية". و لعل هذه الوضعية هي الأقرب لواقع "نبلاء" الطوارق الذين اختلطت دماؤهم بالزنوج و أخذوا من ملامحهم، غير أن احتفاظهم بانتسابهم إلى آبائهم الأوائل جعلهم يحتفظون بامتياز الانتماء إلى فئة "التماشق" "النبيلة".
مثال آخر يعزز هذا التفسير نكتشفه في عهد السعديين: فقد بادر السلطان السعدي أحمد المنصور الذهبي إلى غزو بلاد السودان بجيش يتركب من أوربيين. ولهذا الغرض وجه كتيبة تعد بما يقارب 3000 رجل بقيادة رجل إسباني سنة 1590 للهجوم على جيش السونغو من جهة الصحراء. استقر مقام رجال الجيش هناك، وسيطروا على بلاد السودان، وتنازع قادتهم حكمه. «وتزوج الإسبان السودانيات، و اختلطوا شيئا فشيئا بالسكان، غير أن أحفادهم الرماة كونوا أرستقراطية تظاهرت بالتفوق إزاء الزنوج الصرحاء»... فحال أحفاد الإسبان هؤلاء يبدو لنا تماما كحال أحفاد فئة "التماشق".

(2) ـ سكان المغرب الأقدمون:
تكاد أدبيات الحركة الأمازيغية في تطرقها لتاريخ المغرب تُجمِع على أن "الأمازيغ" هم أحفاد "الليبيين" الذين تحدثت عنهم كتب التاريخ القديم (انظر على سبيل المثال كتاب "أحاديث هيرودوت عن الليبيين (الأمازيغ)" وكتاب "صورة الأمازيغ في الكتابات الوطنية والأجنبية" الذين أصدرهما المعهد الملكي للثقافة الأمازيغية). وبذلك فإن "الأمازيغ" دون سواهم هم سكان المغرب الأقدمين، وهم أصحاب "صك الملكية" الشرعيون دون منازع.
غير أن المصادر التي تنهل منها تلك الحركة، نجدها هي نفسها تتحدث إلى جانب الليبيين بوصفهم عناصر بيضاء، عن "الإثيوبيين" بوصفهم عناصر سوداء. على هذا تشهد مختلف الأدبيات الكلاسيكية اليونانية والقرطاجية واللاتينية: هيرودوت وحانون وسيلاكس وغيرهم...
و لكن الخطاب المهيمن داخل الحركة الأمازيغية يغطي على هذه الحقيقة التاريخية الموثقة، ويركنها جانبا بعيدا عن الأضواء الكاشفة، تماما مثلما يركن جانبا عنصر "إحرضانن" فلا نرى في واجهة المشهد إلا عنصر "إيمازيغن".
و مما يؤسف له أن الخطابات الرسمية والأكاديمية انساقت جميعا وراء تيار هذه الدعاية المهيمنة محليا ودوليا؛ فأصبح العالم كله لا يتحدث إلا عن "الأمازيغ" بوصفهم ضحايا التهميش، جاهلين جميعا بالمهمشين الحقيقيين على مدى قرون من التاريخ والأحق بالمظلومية، وبأن ذلك الاسم نفسه هو "صك إدانة" في حد ذاته لعنصر أبيض يميز نفسه باسم "أمزيغ" في مقابل العنصر الأسود الذي تطلق عليه أسماء متنوعة تشترك كلها في نبرة التحقير...

(3) ـ شهادات من الميدان:
ـ منع التزاوج: قضى العرف المحلي منذ القديم ألا يتزوج "إيحرضانن" من "إيمازيغن". الأمازيغ في هذا الوضع يستنكفون عن ذلك، ويرونه رغبة لدم فاسد في التسلل إلى دمائهم الطاهرة النقية النبيلة. أليس هذا الموقف حرصا على "النقاء العرقي"؟
ـ الفصل في المقابر: بلغ الاستعلاء في بعض الحالات الخاصة إلى الفصل ما بين مقابر "إيمازيغن" ومقابر "إحرضانن".
ـ الحرمان حتى من حق الحياة: تَحْفَظ الذاكرة المحلية لقرى إحدى الواحات بأن عناصر من "إيمازيغن" اتفقوا قديما على قتل جيرانهم من "إحرضانن"، فكان ما كان، وتشهد على ذلك، بحسب الرواية الشفوية، مقبرة يقال أنها لسودٍ في قريةٍ لا نجد فيها حاليا إلا البيض. ألا يمكن تصنيف هذا الجُرم في خانة "التطهير العرقي" على مستوى تلك القرية؟
ـ الخطاب اليومي: في حالات الغضب الشديد تتفلت عبر بعض الأفواه عبارات تنطلق مما رَسَبَ في النفوس عبر أجيال، تتحسّر على واقع معاصر يتساوى فيه "أمزيغ" مع "أحرضان"، أو يجد الأولُ الثانيَ في موقع أرقى منه وملزما بخدمته.
ـ شهادة من العُرف المحلي: في سؤال لشيوخٍ من مواقع مختلفة في بوادي جنوب شرق المغرب (ممن يُصنفون ضمن "إيمازيغن") عن جيرانهم السود الذين يشاركونهم نفس الأرض ونفس اللغة ونفس الثقافة: هل يمكن أن نصنفهم ضمن الأمازيغ؟ فأجمعوا جميعا على جواب "الرفض" مع نبرة من الاستنكار أو ما يقارب الاشمئزاز.
ـ الوصاية الأكاديمية: طالب جامعي في إحدى حصص التاريخ القديم، يشدد في كلمة له على أصالة "الحراطين" ببلاد المغرب بوصفهم أحفاد "الإثيوبيين". غير أن أستاذه الذي كان من ذوي النزعة الأمازيغية سارع إلى السخرية من الفكرة والتقليل من شأنها، محاولا بذلك الإحراج أمام الزملاء إقناعه بسخفها للتخلي عنها ما دام أن الدعاية المتداولة تدعو الناس إلى التسليم بأن "الليبيين" وأحفادهم "الأمازيغ" هم وحدهم أصحاب الأصالة على أرض شمال إفريقيا...
ـ تكريس المؤسسة التعليمية للتهميش: تلاميذ مغاربة في الجنوب الشرقي، من العرق الأسود، تعَوَّدوا على مضض على وصفهم من قبل جيرانهم الأمازيغ بـ"إسوقوين"، وهم يعلمون علم اليقين أنهم لا يصنفون ضمن عنصر "إيمازيغن" ولا يصح ذلك على الإطلاق في منطق العرف الموروث. هؤلاء التلاميذ، وهم يمثلون نصف عدد من في القسم أو ثلثيه أو حتى أكثر من ذلك، يُعلمونهم في مادة الاجتماعيات أن سكان المغرب الأقدمين هم "الأمازيغ" بوصفهم أحفاد "الليبيين"، ثم يحدثونهم عن الممالك "الأمازيغية" وثورات "الأمازيغ"، وجمال "الأمازيغ" الشقر... هم هنا لا يجدون ذواتهم نهائيا، وتتكرس في نفوسهم فكرة أنهم ليسوا من نبات هذه الأرض، وأنهم دخلاء عليها، بل وأنهم حصرا من أحفاد عبيد السودان. وإنه لمن المفارقة أن يركز الجميع على أحفاد عبيد السودان ويتغاضون عن عبيد البيضان الذين استقدموا من أوربا في مراحل تاريخية مختلفة. فبأي حق تُربط العبودية بأحفاد العبيد السود ويعفى منها أحفاد العبيد البيض؟!.. وماذا يفعل هؤلاء التلاميذ أمام نظرة الاحتقار هذه التي تنمو بذرتها معهم في القرية ثم يتعزز نموها ويشتد في دروس المدرسة؟!!..

(4) ـ استدراك الانحراف:
لعل الجميع سيستنكر كل الشهادات المشار إليها، وسيعتبرها من موروثات الماضي التي يجب الخلاص منها، وأن الخطاب الوطني المعاصر يسعى جاهدا منذ الاستقلال لتجاوزها بأساليب شتى. غير أن الواقع أننا ما نزال رهينة عقلية "مركزية الرجل الأبيض".
كيف ذلك؟
قد ينبري البعض للقول بأن الكلمات الموروثة عن حقبة سابقة من قبيل: "الحرطاني" و"أسوقي" و"إسمك" (أو "إسمخ")، إلخ، بما تحمله من معاني التحقير، هي كلمات مُدانة جملة وتفصيلا، ويجب هجرها في أقرب الأجيال. غير أننا نغفل أن كلمة "أمزيغ" نفسها هي من ذات المعجم الموروث، وأن الاستمرار في الترويج لمصطلح قائم بنيويا على الثنائية الاستعلائية "أمزيغ/أحرضان" هو استمرار في إنتاج التمييز. وعليه فإن أي مشروع إصلاحي حقيقي يبدأ بنقد هذا المصطلح نفسه وتجاوزه، كما نريد تجاوز مصطلحات عنصرية أخرى من معجمنا: ذلك أن كلمة "أمزيغ" لم تنبت إلا لمقابلتها بكلمة "أحرضان"، وأن إدانة وهجر هذه الأخيرة يفترض إدانة وهجر الأولى. وبالعودة إلى حالة المجتمع الطوارقي على سبيل المثال، كان علينا أن ننتبه أصلا إلى أن كلمات "تماشق" التي يُنظر إليها على أنها نفسها تنحدر من كلمة "أمزيغ"، لم تكن أبدا عنوانا هوياتيا محايدا، بل اسما تمييزيا خاصا بالفئة التي تحتكر لنفسها صفة "النبل" وتتربع قمة هرم مجتمع الطوارق. فأي منطق حقوقي هذا الذي يقبل تكريس التراتبية الاستعلائية من خلال فرض اسم هوية فئة محدودة على باقي الفئات الأخرى؟
مسألة أخرى غاية في الأهمية عن عقلية "مركزية الرجل الأبيض": إنها الاستحواذ الرمزي على بلاد المغرب من خلال نسبه لعنصر "إيمازيغن". بما يعني أنهم أصحاب الفضل الوحيدون في إنتاجه: فاللغة نسبت إليهم، وكذلك الشعب والأرض ومجموع الإرث الثقافي المادي واللامادي!!..
في ظل هذا الاستحواذ الرمزي، كيف يستقيم بناء هوية وطنية جامعة ومتوازنة يتمثل فيها الجميع ذاته بكل أريحية و فخر؟
إن نسبة الأرض واللغة والتاريخ بشكل أحادي لعنصر "إيمازيغن" يُسقط من المعادلة مكوناً أصيلاً من سكان هذه الأرض، ويُعيد إنتاج نفس التراتبية الاستعلائية القديمة وإنْ بلباس حقوقي وأكاديمي حديث. ليبقى السؤال المركزي هنا: ماذا كان دور السكان السود الذين يصنفون "إحرضانن" في هذا المشهد؟ هل كانوا مجرد خلفية تؤثث المشهد الذي يسيطر عليه "إيمازيغن"؟ هل كانوا مجرد عناصر هامشية (كومبارس) تؤثث خلفية البطل الذي لن يكون إلا "أمازيغيا"؟ هل كان بالإمكان أن يكون هناك وجود أصلا لتراث الواحات لولا عقول و سواعد الحراطين، و تحملهم الممتد لتشغيب البدو الرحل من "الأمازيغ"؟ لماذا يتم إغفال الدور التأسيسي لهؤلاء الحراطين في بناء نظام الواحات و هندسة المياه و العمران حتى أن شارل دوفوكو عبر عن انبهاره بأناقة المنشآت السكنية بحوض درعة على خلاف المناطق الأخرى التي زارها من قبل في إطار اكتشافه للمغرب؟
هذا الإغفال أو التهميش المتعمد ليس بالجديد. بل هو أسلوب رمزي قديم يتجدد حاليا مع "الحركة الأمازيغية". فبحسب غابرييل كامبس، كون الليبيون الخيليون أصحاب العربات طائفة محاربة فرضت هيمنتها على السود الذين سبقوهم إلى الظهور في الصحراء الكبرى. فصار السود (رغم وجودهم الفعلي و العددي الكبير) لا يظهرون في الرسوم و النقائش الصخرية، و هذا بحسب كامبس ليس فيه ما يدعو إلى الاستغراب؛ فالقاعدة العامة تقوم على أن العرق الحاكم هو وحده الذي يظهر في الفن الرسمي. و لا نزال إلى اليوم نرى النقائش في الصحراء تصور جمالين من البربر المستعربة قد تسلحوا بالحراب و البنادق، و لا يظهر عليها مزارعو الواحات السود رغم أنهم يمثلون ثمانية أعشار سكان الصحراء.
إن استدراك هذا الانحراف لا يعني بالضرورة إنكار المكون اللغوي أو الثقافي القديم للمغرب (و الذي نُصِرُّ للأسباب المشار إليها فيما سبق على تسميته بكلمة "البربري" المحايدة منذ تاريخنا الوسيط، مع ضرورة الاحتفاظ بالأسماء المحلية)، بل يتطلب شجاعة نقدية لمراجعة المفاهيم وكشف حمولاتها العرقية، ومن ثم تجاوزها إلى مفاهيم جامعة. يجب إذن الانتقال من خطاب "الأحادية العرقية" إلى مفهوم "المواطنة الجامعة"، حيث تكون الأرض ملكاً لكل من يعْمُرها ويبنيها، وحيث تُصان الكرامة الإنسانية بعيداً عن أوهام الاصطفاء والنقاء العرقيين أو المظلوميات المنتقاة.
إن الإصلاح الحقيقي لا يكون بتغيير مواقع الضحية والجاني، بل بتفكيك البنية الفكرية التي أنتجت التمييز أصلاً؛ فتاريخ بلاد المغرب كان دوماً ثمرة تفاعل خلاق بين مختلف الأعراق والألوان، والتنكر لهذه الحقيقة هو استمرار في نفس جناية "مركزية العرق" التي ندعي جميعاً محاربتها.

تعليقات (0)

لاتوجد تعليقات لهذا الموضوع، كن أول من يعلق.

التعليق على الموضوع

  1. التعليق على الموضوع.
المرفقات (0 / 3)
Share Your Location
اكتب النص المعروض في الصورة أدناه. ليس واضحا؟