ماذا بعد المونديال؟ عندما تتحول الشعوب إلى جماهير ! - محمد منير

شكل العرض
  • أصغر صغير متوسط كبير أكبر
  • نسخ كوفي مدى عارف مرزا

   المونديال ليس مجرد منافسة رياضية تحسم فيها النتائج بالأهداف، ولا مجرد احتفال عالمي تتزين فيه المدن بالأعلام والألوان. إنه في العمق، ظاهرة اجتماعية شاملة تكشف الكثير عن الإنسان المعاصر وعن حاجته الدائمة إلى المعنى وإلى الانتماء وإلى لحظة نادرة ينسى فيها إكراهات الواقع. فالكرة في زمننا، أصبحت لغة عالمية تتجاوز الحدود وطقسا جماعيا يعيد تشكيل الوعي والانفعال ويصنع لحظات استثنائية من الإجماع العاطفي الذي تعجز السياسة والاقتصاد والدين أحيانا عن تحقيقه.     المونديال ليس مجرد منافسة رياضية تحسم فيها النتائج بالأهداف، ولا مجرد احتفال عالمي تتزين فيه المدن بالأعلام والألوان. إنه في العمق، ظاهرة اجتماعية شاملة تكشف الكثير عن الإنسان المعاصر وعن حاجته الدائمة إلى المعنى وإلى الانتماء وإلى لحظة نادرة ينسى فيها إكراهات الواقع. فالكرة في زمننا، أصبحت لغة عالمية تتجاوز الحدود وطقسا جماعيا يعيد تشكيل الوعي والانفعال ويصنع لحظات استثنائية من الإجماع العاطفي الذي تعجز السياسة والاقتصاد والدين أحيانا عن تحقيقه.
     إن رياضة كرة القدم فن لكنها أيضا رقصة على ملعب الفراغ؛ تمريرات ومراوغات وأهداف تداعب الحقيقة والهموم والزمان، وتتمايل الأجساد بالتحليق قبل التصفيق وتتحول المدرجات إلى مسارح كبرى تنصهر فيها الطبقات الاجتماعية والهويات المتعددة في هوية واحدة "هوية الجمهور المشجع". إنها لحظة نادرة يتصالح فيها الإنسان مع ذاته ويجد في انتصار فريقه تعويضا رمزيا عن إخفاقاته اليومية وفي جمال اللعبة عزاء عن قبح العالم.
     لا يمكن أن نستوعب لعبة المونديال كحدث رياضي معزول، لكن باعتباره أيضا مؤسسة اجتماعية تنتج المعنى وتصنع الانتماء وتعيد إنتاج الأمل. أشار (إميل دوركايم) إلى أن المجتمعات تحتاج بين الفينة والأخرى إلى لحظات من "الفوران الجمعي"، حيث يشعر الأفراد بأنهم جزء من كيان أكبر منهم. وفي المونديال يتحقق هذا المعنى بوضوح؛ إذ تختفي الفوارق مؤقتا ويتحول ملايين الأفراد إلى جماهير تهتف بصوت واحد وتبكي وتفرح بإيقاع واحد كأنها تعيش طقسا مقدسا جديدا، غير أن هذه اللحظة برغم قوتها تبقى عابرة. فما أن يتم إطلاق صافرة النهاية حتى يعود الجميع إلى حياتهم اليومية، إلى البطالة وغلاء المعيشة والأزمات السياسية والقلق الاجتماعي وضغوط الحياة التي لم تتغير بانتهاء المباراة، ويبرز هنا سؤال الحقيقة وهو، ماذا بعد المونديال؟

     إن الجماهير رغم مرارة العيش ما تزال تلاحق المستديرة وتناور مشاكلها المستحيلة حتى صافرة اللانهاية. فالمشجع لا يراوغ واقعه على عشب الملاعب لأنه يجهله بل لأنه يعرفه حق المعرفة. لذلك تصبح الكرة وسيلة لإعادة ترتيب العلاقة مع الألم لا لإلغائه تماما ولكن لتأجليله ما استطاع إلى ذلك سبيلا؛ لأن المستديرة تمنح الإنسان فسحة للتنفس داخل زمن خانق وتعيد إليه شيئا من القدرة على الاحتمال.
     وصف (كارل ماركس) الدين بأنه «زفرة المخلوق المقهور»، ويمكن القول إن كرة القدم في كثير من المجتمعات المعاصرة، أصبحت تؤدي وظيفة اجتماعية مشابهة لكنها بصيغة دنيوية. فهي لا تلغي أسباب المعاناة لكنها تمنح الناس قدرة مؤقتة على التعايش معها. أما (بيير بورديو) فيدفعنا إلى النظر إلى ظاهرة كرة القدم بوصفها حقلا اجتماعيا يعكس علاقات القوة والهيمنة والرموز، حيث تتحول المنتخبات إلى رأسمال رمزي تستثمره الدول في بناء صورتها الدولية، بينما تستثمر الجماهير انتصاراتها في ترميم كرامتها الجريحة.
     من جهة أخرى، يرى (غي ديبور) في كتابه "مجتمع الفرجة" أن العالم الحديث أصبح يعيش تمثلاته وصوره عبر واقع الفرجة المباشرة ويغدو المونديال ذروة الفرجة العالمية؛ حيث تصبح الصورة أكثر حضورا من الواقع ويصبح الانفعال الجماهيري سلعة تنتجها وسائل الإعلام والمنصات الرقمية وشركات الإعلان، ويستهلك الجمهور القصص والرموز والإعلانات وصور النجوم والهوية التي تصنع حولهم من خلال مباريات المونديال.
     إن المفارقة الكبرى تكمن في أن الشعوب تغيب بينما تحضر الجماهير. فحين تبدأ البطولة تتراجع النقاشات حول التعليم والصحة والعدالة الاجتماعية والعمل، لتحل محلها نقاشات حول التشكيلة والخطة والتحكيم. لا لأن هذه القضايا فقدت أهميتها، وإنما هكذا هو الإنسان، يحتاج أحيانا إلى تعليق قلقه الجماعي ولو مؤقتا حتى يستطيع مواصلة الحياة. غير أن الخطوات نحو التنمية والتقدم والازدهار تؤجل مرة بعد أخرى، إلى ما بعد الاحتفال وإلى ما بعد الوقت بدل الضائع كأن المجتمعات تدخل في هدنة مع أزماتها لا لحلها لكن لتأجيل مواجهتها. هنا تكمن خطورة الفرجة، حين تتحول من لحظة استراحة إلى نمط دائم للعيش ومن وسيلة للتنفيس إلى أداة لإدارة الإحباط الاجتماعي. إن كرة القدم بهذا المعنى تحمل وجهين متناقضين، فهي تمنح الإنسان الأمل لكنها قد تصنع له وهما بالاكتفاء بالأمل، وتبني التضامن الاجتماعي لكنها قد تؤجل المطالبة بالإصلاح، وتنتج السعادة لكنها لا تنتج العدالة وهي تخلق لحظة وطنية استثنائية لكنها لا تستطيع وحدها بناء وطن قوي!
     يرى (زيغمونت باومان) أن الإنسان المعاصر يعيش "حداثة سائلة"، حيث تصبح العلاقات والهويات والانتماءات مؤقتة وسريعة الزوال والمونديال يجسد هذه السيولة بامتياز؛ فبعد أسابيع قليلة من الاحتفال تتلاشى الأعلام من الشرفات وتختفي الأغاني من الساحات ويعود الجميع إلى إيقاع الحياة المعتاد كأن شيئا لم يكن، ويبقى السؤال معلقا،هل كانت الفرحة بداية لتحول اجتماعي أم مجرد مراوغة عاطفية؟ وفي الوقت الذي تعاني فيه المجتمعات من أزمات اقتصادية وسياسية، يصبح الانتصار الرياضي تعويضا رمزيا عن غياب الإنجازات التنموية، ولهذا تستثمر الدول المتخلفة في الرياضة بوصفها قوة ناعمة بينما تستثمر الشعوب فيها بوصفها أملا جماهيريا. لكن التنمية الحقيقية لا تقاس بعدد الكؤوس المونديالية بقدر ما تقاس بجودة التعليم وفعالية المؤسسات وعدالة توزيع الثروة واحترام الكرامة الإنسانية.
     إن الجماهير لا ترفض العودة إلى واقعها لأنها تكره الحقيقة ولكنها تعبت من تكراره، إنها تبحث عن لحظة تشعر فيها بأن المستحيل ممكن وأن الفوز ليس حكرا على الأقوياء، ولذلك فإن ظاهرة كرة القدم تمنح الفقراء - ولو لساعات قليلة - شعورا بالمساواة مع العالم وتعيد إليهم الإحساس بأن الحلم "ليس مستحيلا" وما يزال مشروعا. غير أن السؤال الذي ينبغي جعله ملعبا وهدفا للنقاش الحر، وهو : ماذا نريد أن نكون، شعبا يصنع مستقبله بوعي، أم جماهيرا فقط؟ الجماهير تصفق للأهداف أما الشعوب فتصنع الأهداف الكبرى، الجماهير تحتفل بالانتصار أما الشعوب فتجعل من الانتصار الرياضي طاقة لبناء الإنسان والمؤسسات، الجماهير تنتظر البطولة القادمة بينما الشعوب تشتغل على البطولة الأصعب، وهي : "بطولة التنمية والعدالة والمعرفة".
ماذا بعد المونديال؟ !!بعد أن تطفأ الأضواء ويغادر اللاعبون الملاعب وتعود الشوارع إلى صمتها ويبقى الواقع في هوان تلو الهوان. هناك يبدأ الشوط الحقيقي؛ حيث لا يكفي الإبداع في المراوغة و"تيكي تاكا" بقدر ما يلزم التفكير والإبداع، ولا يكفي التسديد على الشباك بقدر ما ينبغي تحقيق الأهداف، ببناء المدارس وتطوير الجامعات وإصلاح المستشفيات وإنتاج المعرفة وصناعة الثقة بين المواطن والمؤسسات. فالكرة ستظل أجمل الفنون عندما تبقى مصدرا للفرح لا بديلا عن صناعة المستقبل، وستظل المستديرة قادرة على جمع الملايين حول حلم واحد لا يكتمل إلا حينما تتحول الجماهير بعد صافرة النهاية إلى شعب يملك إرادة الفعل، ويؤمن بأن أجمل انتصار ليس ذلك الذي يتحقق فوق العشب الأخضر بقدر ما يتحقق في حياة الإنسان ويصبح الوطن نفسه فريقا ينتصر لكل أبنائه.

تعليقات (0)

لاتوجد تعليقات لهذا الموضوع، كن أول من يعلق.

التعليق على الموضوع

  1. التعليق على الموضوع.
المرفقات (0 / 3)
Share Your Location
اكتب النص المعروض في الصورة أدناه. ليس واضحا؟