تلخيص كتاب "فلسفة الرفض" لغاستون باشلار - أحمد رباص

شكل العرض
  • أصغر صغير متوسط كبير أكبر
  • نسخ كوفي مدى عارف مرزا

كان كتاب "فلسفة الرفض"، الذي نُشر عام 1940، بمثابة إحياء كبير للإبستيمولوجيا الفرنسية. فيه سعى غاستون باشلار (1884-1962) إلى التوفيق بين التجريبية والعقلانية، ضمن عقلانية علمية، عقلانية "مفتوحة" تتغذى على اكتشافات العلم، بدلاً من توليد أنساق واسعة تنغلف على نفسها.
تقع فلسفة العلم عموما في شططين متعارضين: إما أنها فلسفية بإفراط، أي أنها ترتبط كثيرا بالمبادئ العامة، بالماقبلي، أو بالقيم العقلانية، أو أنها علمية بإفراط، وبعبارة أخرى تقتصر على نتائج معينة، على المابعدي، او على القيم التجريبية.
كانت الحاجة إلى فلسفة جديدة للعلم ملحة، فلسفة تظهر تحت أي ظروف يمكن أن تؤدي المبادئ العامة إلى نتائج خاصة، والعكس صحيح.
يتعين التوصل إلى التوفيق بين التجريبية والعقلانية: "العقلانية يجب فهمها، التجريبية يجب تطبيقها". أو مرة أخرى: "نثبت قيمة القانون التجريبي بجعله أساس التفكير. نقوم بإضفاء الشرعية على التفكير بجعله أساس التجربة".
هذه ليست ثنائية بمعنى أن التجريبية والعقلانية ليستا متعارضتين بل تكمل كل واحدة منهما الأخرى.
العقلانية التطبيقية تأخذ الدروس التي يوفرها الواقع لترجمتها إلى برنامج للإنجاز. هكذ يعرّف غاستون باشلار العقلانية العلمية التي يدعو إليها بأنها التيار الإبستيمولوجي الذي بحسبه "لا يعتبر التطبيق هزيمة أو تسوية. يريد (التيار) أن يطبق. إذا تم تطبيقه بشكل سيء، فإنه يتغير. لا ينكر مبادءه لأجل ذلك، بل يجدلنها.
نتيجة لذلك، يتميز هذا النوع من العقلانية عن الأنواع الأخرى بطابعه المفتوح:
"إنها الفلسفة الوحيدة التي تطبق وهي تحدد تخطيها لمبادئها. باختصار، إنها الفلسفة الوحيدة المفتوحة. كل فلسفة أخرى تطرح مبادءها على أنها غير ملموسة، وحقائقها الأولى على أنها شاملة وكاملة. كل فلسفة أخرى تفتخر بانغلاقعها".

لذلك فإن الفلسفة الحقيقية للمعرفة هي فلسفة منفتحة تبحث في الواقعي عما يتعارض مع المعارف السابقة. بينما يميل الفلاسفة بشكل عام إلى اعتبار ما يتعارض مع نظرياتهم تفاصيل، أو علامات على اللاعقلانية في المعطى، ولا يعدلوا أطروحتهم بأي شكل من الأشكال.
ثم يوضح باشلار المعنى الذي يعطيه لعبارة "فلسفة الرفض" التي اتخذها عنوانا لكتابه: "يجب أن يكون مفهوماً أن التجربة الجديدة تقول لا للتجربة القديمة، وبدون ذلك من الواضح أنها ليست تجربة جديدة".
فلسفة الرفض هي العقيدة الإبستيمولوجية المميزة التي تجعل من الممكن التفكير في التقدم العلمي ومرافقته. يحدث تقدم عندما ينظم العالم تجارب تهدف إلى نفي أو إبطال التجارب السابقة، وبالتالي التشكيك في النظريات المقبولة بشكل مسبق.
يمكن أن تكون التجربة التي تؤكد فقط التجارب والنظريات السابقة مفيدة؛ ولكن ليس بفضل ذلك يكون التقدم العلمي قادرا على تحقيق قفزة نوعية إلى الأمام.
لذا، فإن الأمر يتعلق بمحاولة تنظيم تجارب لدحض أو انتقاد النظريات المقبولة حتى الآن. هذا هو النهج الذي يعجل بالتقدم العلمي. الفلسفة التي تقول لا هي، خلافا لما قد يوحي به اسمها، ليست فلسفة منغلقة:
"إن كلمة لا هذه ليست نهائية أبدا بالنسبة لعقل يعرف كيف يجدلن مبادءه".
إنها ليست "لا" الدالة على العدمية، بل إنها، على خلاف ذلك، نشاط بنّاء يهدف إلى التفكير وترسيخ الطابع الخصب للتجربة.
يقدم باشلار طلبا مزدوجا: يطلب من الفلاسفة التمتع بحقهم في استخدام المفاهيم الفلسفية المنفصلة عن الأنساق التي نشأت فيها (مثلا: استخدم المقولة الكانطية دون أن تكون كانطيا). بالنسبة للعلماء، يطلب منهم أن يعترفوا بأن عملهم يسترشد بالافتراضات الميتافيزيقية (على سبيل المثال حول طبيعة المادة، إلخ..).
يبدأ باشلار في الحلم: ضد الفلاسفة الذين يميلون إلى فهم الواقع من وجهة نظر واحدة تتغاضى عن كل شيء وتشمله، يجب أن تكون هناك فلسفة لكل مشكلة، لكل معادلة: نحن في حاجة إلى فلسفة ملمة بالتفاصيل الإبستيمولوجية.
اخذ باشلار كمثال مفهوما علميا هو مفهوم الكتلة من أجل تحديد الأنواع المختلفة التي ينقسم إليها تفسيره الإبستيمولوجي.
تعكس هذه الأنواع المختلفة من التفسير التطور المعرفي، الذي يسير دائما في اتجاه تماسك عقلاني أكبر.
النوع الاول من أنواع تفسير كتلة الجسم يمكن وصفه بالحيوي.
لكون هذا النوع يعكس تقديرا "جشعا" للواقع، فهو يعتبر أن أكبر فاكهة هي الأفضل. لهذا السبب "يجسد مفهوم الكتلة الرغبة ذاتها في الأكل".
وهكذا يقع لنا خلط بين الكتلة والحجم. لكن سرعان ما تتناقض التجربة مع هذا التفسير الأول غير المرضي. غير أن التناقض الأول هو، كما هي الحال دائما، المعرفة الأولى.
هو تناقض عدم التناسب، في بعض الحالات، بين "الكبير" و "الثقيل" (وبالتالي بين الحجم والكتلة). ليس "الأكبر" بالضرورة هو "الأغنى". يأخذ باشلار كمثال قوقعة فارغة. من هنا ينشأ مفهوم "الكثافة"، نوع من "الثراء الحميم" ما يجعل مفهوم الكتلة مستوعبا (صيغة اسم الفاعل).
يقود هذا التناقض الأول العقل العلمي إلى تجاوز الجانب المرئي لجسم ما (حجمه) لتقدير كتلته. لا بد، والحالة هاته، من إيجاد أداة تسمح بتحديد الكتلة بشكل أكثر موضوعية؛ هذه الآلة هي الميزان. ثم بعد ذلك يدخل العقل في مرحلة ثانية: التجريبية (أو الواقعية).
مع هذا المفهوم البسيط والإيجابي يتوافق فكر تجريبي صلب، واضح، إيجابي، ثابت. نعتقد أن المشكلة قد تم حلها:
فكر كهذا تجريبي مرتبط بمثل هذه التجربة القطعية يطلق عليه اسم الفكر الواقعي.
ومع ذلك، فالأمر ليس بهذه البساطة. تستخدم التجريبية بالفعل الأداة (الميزان)، قبل معرفة النظرية (مبدأ الرافعة).
إنما في المرحلة التالية، مرحلة العقلانية، يصبح مفهوم الكتلة أكثر تعقيدا. من خلال ميكانيكا نيوتن العقلانية، اهتدينا إلى أنه يجب علينا تحديد هذا المفهوم في علاقته بمفاهيم أخرى: مفهوم الكتلة يتحدد إذن في مجموعة من المفاهيم وليس فقط كعنصر أولي من تجربة فورية ومباشرة.
كتلة جسم تتحدد في علاقة بقوته وسرعة الأخيرة.
تتأسس هذه المفاهيم الثلاثة بشكل مترابط على علاقة عقلانية واضحة ما دامت هذه العلاقة يتم تحليلها بنجاح بواسطة القوانين العقلية لعلم الحساب.
من وجهة نظر واقعية، هذه المفاهيم في غاية التنوع، وبالتالي فإن الجمع بينها في نفس الصيغة يكون من قبيل الوهم.
ومع ذلك، فإن العقلانية تتجاوز نفسها، ونصل إلى ما يسميه باشلار بالعقلانية الكاملة، العقلانية المعقدة، عندما نكتشف أن الكتلة تعتمد على السرعة: وبالتالي فإن كتلة الجسم تتناسب مع إزاحة هذا الجسم. تؤدي هذه المساهمة الأساسية لمبدأ النسبية لإينشتاين إلى فهم أن فكرة الكتلة المطلقة ليس لها معنى.
هنا مرة أخرى نجد أنفسنا أمام تعقيد في مفهوم الكتلة. هذه الفكرة البسيطة في البداية فسحت المجال لمفهوم معقد.
يصبح هذا التعقيد كليا (بمعنى أنه لم يعد مفهوما على نحو حدسي)، في المرحلة الأخيرة ، التي يسميها باشلار بالعقلانية الجدلية، أو حتى بالما فوق عقلانية.
في ما يتعلق بمفهوم الكتلة، نصل إلى هذه المرحلة الأخيرة مع ديراك الذي يوضح أن هناك كتلتين لجسم واحد. الأولى هي الكتلة كما فهمتها الفلسفات السابقة، من الواقعية إلى العقلانية المعقدة. وحتى إن كانت كل من هذه المقاربات الإبستيمولوجية تميزها بشكل مختلف، فقد اتخذت جميعا منها موضوعا لها. لكن ديراك يوضح أن الكتلة الثانية لجسم ما هي كتلة سالبة!
إذا التقى نصف ميكانيكا ديراك بالميكانيكا الكلاسيكية والنسبية ومددها، فقد أفضى النصف الآخر إلى جدلية.
بالنسبة لعالم من القرن التاسع عشر، يبدو مفهوم الكتلة السالبة "وحشي". بالنسبة لنا أيضا، نحن الذين كثيرا ما نظل محاصرين في المفهوم الواقعي للكتلة:
لدينا كسائر الناس ساعات من الواقعية وحتى حول مفهوم مدروس مثل مفهوم الكتلة، لم نخضع تماما للتحليل النفسي.
يمكننا أن نفهم الفرق بين شكلي العقلانية (البسيط والجدلي) من خلال فهم أنه إذا كان الشكل الأول يتوافق مع فلسفة " كما لو"، فإن العقلانية الجدلية أو الما فوق عقلانية تتوافق مع فلسفة "لماذا لا ": لماذا لا تكون الكتلة سالبة؟ إنما هنا يولد الحلم العلمي: ما الذي يمكن أن تتوافق معه الكتلة السالبة؟
يمكن لباشلار الآن أن يشرح بمزيد من التفصيل ما يتوافق مع "فلسفة الرفض". يتعلق الأمر بعمل جدلي ضروري للعقل، والذي يحافظ في المناقشة على النتائج التي تم الحصول عليها. هذا هو العمل الذي يقود العقل إلى تبني ثم رفض المقاربات الإبستيمولوجية المختلفة الموصوفة أعلاه، من أجل التقدم في فهمنا للمفهوم.
لذلك فإن فلسفة الرفض بناءة في الأساس، على عكس ما قد يوحي به اسمها: هذه الفلسفة التي تقول "لا" ليست إرادة للنفي. لا تنفي بدون دليل، ولا تتهرب من أي قاعدة، ولا تقبل التناقض الداخلي، ولا تنفي أي شيء في أي وقت أو بأي طريقة.
إنها تختلف عن الجدل الهيغلي، من حيث أنها تجريبية، في حين أن التجاوز الهيجلي يبقى مندرجا عند باشلار في الماقبلي.
تجدد الما فوق عقلانية فهمنا للعالم بعمق: "تكفي مسلمة واحدة لجعل كل الطبيعة تغني."
تحدد الما فوق عقلانية بطريقة ما موضوعا فوقيا - "ناتجا عن موضعة نقدية، وموضوعية لا تحتفظ من الموضوع سوى بما انتقدته".
الذرة مثال على الموضوع الفائق، كما يظهر في الفيزياء الدقيقة المعاصرة.
نلاحظ أنه ما دام التقدم صعد من الروحانية إلى العقلانية الجدلية، يتوقف الحدس المباشر عن كونه مصدرا للحقيقة، بل يصبح مصدرا للأخطاء، التي يتعين تصحيحها: "الحدوس مفيدة جدا: تصلح لأن يتم تدميرها".
أو مرة أخرى: "في جميع الظروف، يجب أن يفسح الفوري الطريق للمبني".
يعيد باشلار بناء العلاقات بين العلم والعقل. يمكن للفلاسفة أن يحاولوا (وهذا غالبا ما يوجد في عقائدهم الإبستيمولوجية) الإشارة إلى الكيفية التي يجب أن يتقدم بها العلم. هذا انطلاقا من تصورهم الميتافيزيقي للعالم.
بالنسبة لباشلار، العكس هو الذي يجب القيام به: "العلم يعلم العقل. يجب أن يطيع العقل العلم، العلم الأكثر تقدما، العلم المتطور . من الضروري تجنب هذا المنعكس الذي قد يكون لدى مؤلف النسق الفلسفي، المتمثل في رفض تجربة لا تتفق مع هذا النسق، والذي غالبا ما يتم بناؤه قبليا: "لا يحق للعقل زيادة تجربة فورية؛ على العكس من ذلك، يجب موازنتها مع التجربة الأكثر تنظيما وثراء".
لذلك إذا ثبت أن علم الحساب متناقض، فلن نتخلى عن هذا التخصص، لأنه مفيد للغاية، وقد قدم الكثير من البراهين على الدقة. سنصلح عقلنا، أي سنطور تصورا إبستيمولوجيا يسمح بالتناقض ويحتويه.
في الحقيقة، "لا يقوم علم الحساب على العقل. بل هو عقيدة العقل التي تقوم على علم الحساب الأولي". يجب أن يمتثل العقل لشروط المعرفة، وليس العكس".
هكذا، يجب أن تستمع فلسفة العلوم إلى العلوم وتقدمها، ولا تسعى إلى توجيهها انطلاقا من تصور تم تطويره قبليا:
"يجب أن يطيع العقل العلم. الهندسة والفيزياء والحساب هي علوم. إن العقيدة التقليدية للعقل المطلق والثابت ليست سوى فلسفة. إنها فلسفة عفا عليها الزمن".
بطريقة ما، يجب أن تنحني الفلسفة للعلم إذا أرادت أن تكون أكثر من فلسفة، إذا كانت تريد الارتقاء إلى مستوى العقل. هذا الحكم القاسي للغاية الذي اطلقه باشلار هو رد فعل على الفلسفات التي تقدم نفسها، بالنسبة للمؤرخ، بالشكل الذي أطلقنا عليه بالوراثة "فلسفة الشك". إن فلسفة الشك هذه في التاريخ هي قبل كل شيء التجلي الخاص لفلسفة ممتلئة دائما، كمحاولة لشرح العالم بأسره الذي يحيط بنا. كل أولئك الذين يعملون من أجل معرفة الواقع يواجهونها بالضرورة. يمكن لنا أن نقول عن فلسفة الشك هذه في التاريخ أنها فلسفة الشك في إمكانية معرفة الواقع بشكل عام. بل هي فلسفة تضع معرفة الواقعي كشيء ثانوي، أو تختزل هذا الواقعي، أو الواقعي الدال في الدائرة الميتافيزيقية.
وعليه، فإن الموقف القطعي الذي تبناه باشلار لا ينفي جوهر حجته، أي ما نعنيه بعقل في تعارض مع فلسفة بسيطة. في أحسن الأحوال، يحل محل النقاش حول مفهوم العلم، والذي يناقض تثمينه هايدجر بشكل جذري. لكن الشك في إمكانية المعرفة الوضعية والعقلانية يمكن تطويره أيضا باسم العقل العلمي.
بالعقل، يمكننا أن نعني شيئا مختلفا تماما عما يعنيه سبينوزا:
"كل الأشياء ضرورية، في الطبيعة لا يوجد خير ولا شر. هكذا يجب أن ينتمي كل ما نريده من الإنسان إلى نوعه، الذي ليس شيئا آخر سوى كائن عقلاني".
كان باشلار في مقدمته أكثر حذرًا: " إن استخدام الأنساق الفلسفية في المجالات البعيدة عن أصلها العقلي هو دائما عملية حساسة، وغالبا ما تكون عملية مخيبة للآمال". عندما نريد تسليط الضوء على مشاكل العلم بواسطة التفكير الميتافيزيقي، يتم خلط المبرهنات بالنظريات الفلسفية ، فيستاء الجميع: علماء فلاسفة ومؤرخون. يظن الفيلسوف أنه بدون علم، وقبل العلم، تكون له القدرة على تحليل النشاط المتناغم للوظائف العقلية. يضيف باشلار أن التفكير علميا "يعني أن يضع المرء نفسه في الحقل الإبستيمولوجي الوسيط بين النظرية والتطبيق، بين الرياضيات والتجربة". وهكذا فإن الفلسفة الملائمة للفكر العلمي يجب أن تضع نصب نظرها رد فعل المعرفة على البنية العقلية.
رغم أن استخدام الأنساق الفلسفية في المجالات البعيدة عن أصلها العقلي غالبا ما يكون عملية مخيبة للآمال، إلا أن الأمر لا يتطلب سوى عشر صفحات ليهتدي باشلار إلى "المطالبة بالحق في استخدام العناصر الفلسفية المنفصلة عن الأنساق التي ولدت فيها".
هذا التناقض، الذي لم يفشل في تبريره، يُظهر أن موقفه لا يمكن الدفاع عنه (من الناحية الفكرية) وأنه هو نفسه جزء من مركزية منطقية معينة، تحل البناءات الخطابية محل البرهان. استنتاجه أكثر وضوحا بقدر ما تكون القضية غامضة.
في الواقع، يتعامل الفيلسوف والعالم مع الشيء نفسه، أي "علاقة الوجود بالعالم"، التي تجعل تعريف فكرة الوجود والعالم أمرا لا مفر منه. لا توجد حدود عقلية قبلية بين الفيلسوف والعالم، ولكن الأشياء الفكرية سيكون لها جوانب مختلفة للغاية وفقا لتمثلاتنا عن العالم والوجود في العالم.
نحن نتفهم جيدا قلق باشلار، الذي يبدو لنا أنه كان الشغل الشاغل في القرنين الثامن عشر والتاسع عشر، والذي قد يبدو ان الزمن عفا عليه إلى حد ما في النصف الأول من القرن العشرين. إن الظهور النهائي لهذا الاهتمام هو بالضبط ما حدد أحد حدود الفترة التاريخية التي يغطيها بحثنا؛ الا وهي قلب العلاقات بين العلم والفلسفة، والمسافة المأخوذة من السلطات الميتافيزيقية ، والتقارب مع التجربة الإمبريقية.
ومع ذلك، إذا أثبتت مضخة الفراغ أو المنشور إمكانية وجود الفراغ وانحراف الضوء، والذي كان حتى ذلك الحين لا يمكن تصوره رسميا، إذا كانا يشكلان بالتالي إضافة عقلانية في المعرفة، ظلت فكرة العقلانية مرتبطة بالإنشاءات السكولائية. هل يجب أن نرفض الفلسفة إذن؟ النشاط العلمي يطور التناقضات أمام فهم الإنسان. أصبح أول منتج للأسئلة الفلسفية. من وجهة النظر هاته، كان كانط ب"جدله العقلي"، مفكرا مفصليا.
عن هذه الأسئلة والتناقضات، التي يساهم العلم بشكل كبير في تطويرها، يقدم العلم إجابات جزئية فقط، وستظل كذلك على الدوام. يلاحظ باشلار بوضوح أن أي معرفة جديدة تقتضي طرح محموعة من الأسئلة، وإعادة تنظيم آفاقنا العقلية. "يكتب قائلا أن أطروحة مثل أطروحتنا، التي تفترض أن المعرفة تطور للعقل، والتي تقبل الاختلافات التي تؤثر على وحدة ومتانة 'انا أفكر' لابد وأن تزعج الفيلسوف (...) المعرفة العلمية هي وعي العقل الذي يتأسس على الاشتغال على المجهول بالبحث في الواقع عما يخالف المعرفة السابقة.
ذلك ليس ببعيد جدا عن تصورات سبينوزا: "المعرفة هي معاناة بحتة؛ وهذا يعني أن عقلنا يتم تعديله بطريقة يستقبل معها أنماطا أخرى من التفكير لم تكن موجودة من قبل.."
إن إعادة التنظيم هذه ليست آلية ولكنها عمل فكري يناشد بالتحديد "العقل" أو "العقلانية". لا يمكن للعلم الذي يقود القفزات في أنماط التفكير أن يحدثها بنفسه.
لا يدعي باشلار أن الفلسفة عديمة الفائدة. ولكن من أجل "إعادتها إلى مكانها" يجب أن تخضع للتفوق العلمي، وللقيام بذلك، من الضروري إبعاد العقل الثابت والمطلق الذي يحصر الفكر ولا يسمح له بالتطور على إيقاع المكتسبات العلمية.
الفضاء الذي يبرزه باشلار، والذي يتطور فيه الفكر العلمي، أي مكان يقع بين الممارسة العلمية والفلسفة، يبدو مصطنعا إلى حد ما.
من الصعب تخيل أن الإبستيمي يمكن أن ينبثق من خليط مقدر بوعي من الممارسة والنظرية. كم يبدو صعبا القيام بتفكير إبستيمولوجي دون مراعاة الأشياء التي تتعامل معها العلوم المرصودة. هل يمكننا "جعل الممارسة والنظرية تلتصق ببعضهما البعض؟"
في الواقع، يفترض وجود هذا الفضاء أننا قادرون على عكس أنفسنا خارج ممارساتنا وخارج تمثلاتنا، لاختراع بُعد ثالث، والذي سيكون إبستيمولوجيا: نظرة العالم إلى علمه. فكيف نتخيل إذن أن هذا العالم ينحي جانبا رؤيته للعالم، رؤية اشتغلت عليها كل من الفلسفة والممارسة العلمية. في الحقيقة، الإبستيمولوجيا فلسفة محدودة.
ربما يظن المرء، كما يكتب إدغار موران، "أن تمديد الأساليب الكمية وأنماط التشيؤ المناسبة للعلوم الطبيعية إلى الإنسان من شأنه أن يحطم الانعزالية الإنسانية، ويعيد دمج الإنسان في الكون، وأن فلسفة الإنسان الخارق ستكون واحدة من التخيلات الأخيرة ، واحدة من آخر المقاومات المعارضة لعلم الإنسان. في الواقع، أقيمت الوحدة على أساس المنهج وليس على أساس النظرية".

 

 

 

 

تعليقات (0)

لاتوجد تعليقات لهذا الموضوع، كن أول من يعلق.

التعليق على الموضوع

  1. التعليق على الموضوع.
المرفقات (0 / 3)
Share Your Location
اكتب النص المعروض في الصورة أدناه. ليس واضحا؟