التراث والأصالة، الحداثة والمعاصرة، الاغتراب والنبوغ، الحل والشروط (2) عبد الله العروي - لحسن وحي

شكل العرض
  • أصغر صغير متوسط كبير أكبر
  • نسخ كوفي مدى عارف مرزا

. ما هي الحداثة؟
" كل ما يمكن قوله ضد الحداثة قد سبق أن قيل أثناءها وفي ظلها."
  العروي عبد الله
رجوعا  إلى البداية، يجبنا " العروي" عن السؤال الأول الذي طرحنا ضمن ما اعتبرناه تمهيدا في المقال السابق (ما هي الحداثة؟). الحداثة ما هي إلا واقع تاريخي ومفهوم مستنبط(1) ، والواقع التاريخي ها هنا بما هو ثورة اقتصادية، ثورة فكرية تعتبر العقل أساسا ومنطلقا لها، ثورة سياسية موجهة ضد كل أشكال الفيودالية (2)والكنسية، وإحياء لتراث القديم في الفلسفة والقانون، إصلاحا دينيا موجه ضد الكنسية واحتكارها التأويل للمقدس، وضد التقليد بما هو تكريس لتأويل واحد. مما يجعل إذا من التفكير فيها أو ضمنها أمرا جادا مستنيرا، بالمعنى الذي يحقق نوعا من الترابط والتكامل بين الثورات الأربعة: الاقتصادية، الفكرية، السياسية، الدينية. (إذ نلاحظ هنا مدى تحفظ وإحجام العروي عن ذكر ثورة اجتماعية/طبقية، ويعود ذلك طبعا إلى خلفيته الليبرالية.)، الثورات الأربعة ذات المجال المختلف والهدف الواحد. فالحداثة كمفهوم يدور في فلكه العديد من المفاهيم من مثال: سلطة الفرد، حرية الفرد، تدبير شؤون الفرد، هيمنة الفرد على الطبيعة... لتصبح هذه المفاهيم في ما بعد؛ أي بحلول الحداثة، مكونات مفهوم مستنبطة بالدرجة التي تجعل من الحرية حرية، من الديمقراطية ديمقراطية، ومن الفردانية والعقلانية والعلمانية/العلمية سبل التجديد.

 في المنوال نفسه؛ يسوق لنا العروي مثلا/تساؤلا توضيحا عن هذا الذي تفتقر له الشعوب السابقة كي تكون مجتمعات حداثية، ويقول متسائلا: في هذا الإطار نطرح سؤالا جرائيا. أن ندعو إلى القيام بتجربة ذهنية: في الميدان التاريخي، ماذا نقص أثينا أو مصر الفرعونية أو روما الوثنية أو مكة الوثنية لتكون مجتمعا حداثيا مع كل ما نعرفه عن هذه المجتمعات من صور نيرة. في الميدان المعلومي الصرف، ما علاقته بالعلم؟ هل هناك علاقة ترابط ضروري أو تناسب اعتباطي؟ هل الحرية تؤدي بالفعل إلى تقدم علمي، والعكس هل التقدم العلمي يؤدي، بعد فترات، إلى لتحرر؟ (3)

إن التكفير في الحداثة لابد أن تشبه العديد من الالتباسات، فقد يتم التفكير فيها انطلاقا من الواقع، أو كمفهوم يمكن بواسطته أن نقيم الواقع أو نؤوله، والحكم من خلاله على شعوب مضت دون أن تنقضي، أو بمقاييس خارجية. خروجا من هذا اللبس، يسلم بدايةً العروي على كون الواقع دائما ما يكون سابقا للمفهوم، الأمر الذي يجعل من الحداثة كمفهوم تبلور بشكل خاص إثر واقع خاص، اختصت به بقعة من أرجاء العالم؛ فكلنا يعلم أن الواقع سابق على المفهوم فلو لم تحصل الحداثة في بقعة من الأرض لما تبلور المفهوم.(4) وتزاد الصعوبة كل الصعوبة حينما نتساءل عن المفهوم لا عن واقعه. هذا ما يجعل المسألة أكثر لبسا؛ ذلك لكون الواقع التاريخي نفسه، باعتباره أقوال مؤرخين، يحمل بين ظهريه مفاهيم ظاهرية ومضمرة، وبالتالي فكل الصعوبة صعوبة الحكم من خلاله، مما يستلزم احتراسا وحيطة، كي لا ينساق الباحث إثر تقصيه ورصده وراء التعميمات، على أن يستشعر ما يقوله المؤرخين حول نشوء الحرية، الديمقراطية، العلم الحديث...، وذلك أيضا لكون المفهوم من إبداع الفلاسفة المناهضين للتاريخ.

غير أن ما يسجله المؤرخ في نظر العروي، كون الحداثة حدثت في بقع معينة، في وقت معين، ولم تكن قط قدرا وهكذا، بل كانت وليدة مراحل، ظل شعارها الحرية، كثورة مستمرة، كصراع مستمر بين الأنظمة والأفكار، على النحو الذي يجعل من التاريخ الحديث صراعا متواصلا بين الفئات. فكون الحداثة مواكبة لضدها تتولد حداثة مضادة للحداثة نفسها، أي أن مسير الحداثة يرافقه مسير مضاد لها. أو بعبارة أدق؛ في كل فترة نجد الظاهرة التي تبدو لنا في ما بعد من مكونات الحداثة وفي نفس الوقت نجد الظاهرة المناقضة لها.(5) هكذا هي الحداثة في تشكلها وفي ما يمكن اعتباره لا حداثة. إنها بلغة العروي تربي في جوفها ما هو ضدها؛ فعندما نقول أن الحداثة تشكلت وفق مراحل وبتدرج، نروم في ذلك كونها لم تنبثق وتظهر على شاكلة دفعة واحدة ولم تكن بقدر من الوعي لتجعل مكوناتها ملازمة لها في ظرفية تشكلها وفي حدود مكانها.

الحداثة بما هي فرض، فرضت نفسها على الجميع، بما فيه منشأها (الأصلي)، الأمر الذي يؤكد مدى انخراط شعوب العالم فيها، لكن بطريقة عنيفة، نظرا لتفاوت الحاصل في درجة الوعي والقبول بها والرغبة في تجاوزها أو معاداتها. وهذا الفرض من لدون الحداثة ما يكشف سر من أسرارها، أولا، كحداثة فشلت فيما تصب إليه، على المستوى السياسي والإنساني على وجه الدقة. ثانيا، بعدها الاستعماري الذي تجلى بوضوح في خلق مستعمرات وتفشي العنف. ثالثا، بُروز أزمات وتهاتفات على مستوى وظيفة المفاهيم، كمفهوم العقل والعلم اللذان كان من المفروض أن يقودان العالم إلى نور السلم والسكينة بين الشعوب أججا حوافز العنف والاقتتال، وكمفهوم الحرية، الديمقراطية، الفردانية وغيرها من المفاهيم التي أفرزت مفاهيم مضادة لها وألحقت تأزمات عدة؛ فمثلا أزمة الفردانية تجسدت في الماركسية لكونها على مستوى الأسس نقدا للفردانية، كما تجسدت أزمة العقلانية في الفرويدية على مستوى الشعور وأهمية اللاشعور في تكوين الوعي. في حين نجد النظام الفاشي يعكس بجلاء أزمة الديمقراطية إذ نكشف بحلول النظرية النسبية أزمة العلم. هذه هي النتائج السلبية التي خلصنا إليها رفقة العروي، نتائج تبين مدى مرارة التحديث المفرط والحداثة المركبة، على مستويين، المستوى الدولي، إذ لم يعرف قط بعدها العالم هدنة، حرب وراء حرب، اقتتال يتبعه اقتتال أشد، أما على مستوى السيكولوجي، فقد صار القلق النفساني والتيه العاطفي أمراض من أمراض أجيال التقنية، بحيث نرى اليوم في أوروبا نوع من العودة إلى روح الدين.

لحصر هذا (التفشي غير السليم للحداثة) في دائرة محددة، فإن ما يوجهنا " نحن" في نظر العروي، هو حداثة موشومة أوربية، إذ يميز بين صنفين اجتماعيين من التلقي، الأول: طوعي واستخدمها استخداما واعي منظم، بلغ نفاده الوصول إلى القمر وما تحت القمر؛ أي الفضاء والأرض. أما التلقي الثاني: فهو كصفعة، كركلة قاتلة تعكس صورة الحداثة في بعدها الاستعبادي والاستغلالي إلى حد الاستعمار البشع. وهي دون شك-كما سلف الذكر- حداثة مفروضة تنمي وتأجج النزعات العدوانية والمعادية لها، في تزامنها بالاستعمار.

في هذا السياق بضبط يقول العروي: وها هنا مجتمعات تلقت الحداثة كصفعة أو كركلة فرضت عليها فرضا في صورة التاجر[رجل الاقتصاد] والمبشر[رجل دين] والغازي[المستعمر] والمعمر[التقني-المهندس](6). وماذا عن المؤرخ؟ أولم تكون له صورة ضمن الرباعية؟ غير أن السؤال الوارد هنا هو: هل التخلص من الاستعمار بجميع أشكاله وأنواعه تخلصا من الحداثة؟ هذا إذا ما نظرنا إلى الحداثة كاستعمار اكتوت به بعض الدول النامية، والحصر - حصر الحديث - يزداد كل ما سمعنا على لسان العروي إن الحداثة موجة العوم ضد مخاطرة(7)، والموجة بطبيعة البحر الذي تأتي منه تفرض إما الغوص حتى تمر ويهدأ الواضع إلى حد الاستقراض السلبي، أو إما مواجهتها وردعها بقوة أو مواجهتها بطريقة لطيفة بغرض الاستفادة منها، المهم المواجهة دون الفرار والإذعان. فلا أحد يرفض توزيع الخيرات بالتساوي والعدل.. هذه هي أطروحة العروي في ما يتعلق بالحداثة.

إن تجاوز الحداثة رهين – حسب العروي- باستيعاب هذه الحداثة، كما هو حال التجاوز كشرط معارضتها؛ أي المعارضة بالتجاوز والتجاوز بالاستيعاب. في الواقع إن التجاوز والاستيعاب نفسهما يوجهان عوائق أقرب إلى عوائق قيام الحداثة نفسها، لذلك نأتي لذكر في الأخير ولو بإشارة ضفيفة إلى هاته العوائق التي تحول بيننا وبين تحقيق مطلب الحداثة، من زاوية مغربية ذات نظرة تاريخانية ماركسية لليبيرالية علمانية. أول هذه العوائق: العائق الفكري، الذي يتجلى في نظر العروي، في معارضة غبية جاهلة أو في التفنيد الماكر؛ أي القول بأن الحداثة تبرأ منها أصحابها بشيء من الندامة، فما جدواها بالنسبة إلينا، فيلزم أن نغفر لدعاتها وأصحابها. وهذا العائق أمره استئصاله مترك للحداثة ذاتها، فإما أن تقهره وإما أن يقوم عليها مقام اللف، لكنها خسارة كبيرة بالنسبة إلينا إلى حد تعبير العروي. في حين أن ثاني هذا العوائق: عائق التبعية الذي ما فتئ يعوق ويقزم من حرية الفرد ويحول بينه وبين تحقيق استقلاليته ضمن مجتمعها الخاص والعام (التبعية السياسية، الاجتماعية، الأسرية، التي تعوق التحديث...). وثالثها: عائق الإيمان والتسليم بالغيبيات، يرده العروي على الشكل الآتي: كل ما يعوق العقلانية العلمية (منطق التجربة والاستقراء) باللجوء إلى الغيبيات في حياتنا اليومية، في كل حركاتنا وسكناتنا، في مأكلنا وملبسنا ودوائنا، في ما نقرأ ونشاهد، يعوق التحديث(8). بالمعنى الذي يجعل من الإصلاح حبيس اللسان والقلب وأمر موكول للجوارح فقط، ولأن النهي لا يتم بهذه الطريقة، فالتدبير، تدبير الشأن العام يقتضي حرسا عقليا ونباهة سياسية فائقة وتاجرا موهوبا في عالم المال، لتحقيق التقدم والرقي. بالعودة إلى العائق الأخير، يرى العروي أنه إذا أردنا أن نحقق فعلية فكرية ونحقق ممارسات ناجعة، فلابد من ثورة ثقافية وتغلِب المنهج الحديث بنفس الصورة التي ظهر بها في بقعة معينة من المعمار. بناء على هذا؛ نسائل العروي: أوليس هذه نوع من التبعية؟

  • ما الذي يجعل من النقد الأيديولوجي، نقداً؟

 يميز العروي عبد الله بين ثلاثة أنواع من النقد، النقد الأدبي ومهمته الاهتمام بأشكال التعبير والكشف عن مدى ملاءمتها للمضمون الجلي ومدى اتباعيتها وإبداعيته، ثم النقد الفلسفي الذي يجعل مهمته استخراج أجوبة لبعض المشاكل التي يعتبرها أعمق ما يطرحه الإنسان وهو عالم المرئيات، فيما يأتي في خاتمة هذه النقود، النقد الأيديولوجي الذي تكن مهمته ووظيفته رصد وتتبع تلك النظرة الواحدة الموحدة التي تسيطر على خطاب ما، مهم كانت ظروف نشأته، كما يكشف أيضاً عن العوامل التي أفرزته وكرست نظرة موحدة واحدة له؛ أي الخطاب. ففي غالب الأحيان يحيل الناقد الأيديولوجي محل الناقد الأدبي أو الفلسفي، لكن يجب التمييز بين هذه الأنواع من النقد والحافظة على كل نوع في نطاقه الخاص- ليس لوسيان كولدمان ناقدا أدبيا رغم أنه كتب حول راسين ولوركا والقصة الجديدة في فرنسا، كما أن ماركس لا يعد ناقدا أدبيا لأنه كتب صفحات حول بلزاك في الأسرة المقدسة .. كما أن النقد المنتشر حاليا والمترتب على اللغويات الحديثة كما يمثله رولان بارت في فرنسا، يجب أن يعتبر نقدا فلسفيا، لا نقدا أدبيا منهجيا.(9)

 لكن قبل هذا كله نتساءل: ما النقد؟ إنه كذلك تعبير، إما منطوق أو مكتوب، نتاج ناقد متخصص في الموضوع المراد نقده. فكيف لتعبير أن يكون نقذا لتعبير أخر؟ إن هذا الأخير هو ما يكشف إن كان الأول جيدا أو رديئا أو هما معا في جوانبه، حين يكشف موضع القوة و وموطن الضعف فيه، حين يبرز حدود إمكانياته من انعدامها وقيمته، مع تقديم بديل كحل ممكن، بالتالي فما الذي يجعل من نقد الأيديولوجيا نقدا وليس إيديولوجية؟

 ينظر العروي إلى النقد الأيديولوجي، نظرة إيجابية، بحيث يسعى (النقد الأيديولوجي) بكيفية مختلفة إلى التعامل مع العمل المدروس، فمثلا عندما يدرس الناقد قصتين تمثلان مادة من نفس الجنس، واحدة رمزية وأخرى واقعية، فإنه لا ينساق وراء تقصي المعالم التعبيرية الأدبية فيه وإنما يضعها جانب، فمهمته ليست أدبية نقدية، بل يُلزم نفسه مسؤولية البحث في هاتان القصتان عن الفكرة الأكثر معقولية، سواء أكان قريبة أو بعيدة المنال والإدراك.

ما حال ومحل الناقد الأيديولوجي في هذا الشأن؟ لا شك أن الناقد الأيديولوجي دائما ما يكون أشد الارتباط بالمادة المحببة لديه وبالبحث الحر بوصفه توافقا بين الرأي الفردي والتيار الجماعي – كما حدده العروي-، إذ يجد ضالته في ما تصدره الصحف والمجلات والرسائل وبرامج الأحزاب والجمعيات، وهو يسعى لأن يكشف مدى تأثيره، ومن خلال تربطه بالرؤية العامة، الرؤية التي تتحول مع حركة الزمان إلى تصور إلى حد البداهة، الرؤية العامة بوصفها فكرا أو إيديولوجية، بالمؤشرات/المؤثرات التي كانت وراء ظهورها وذيوعها. إلا أن الناقد الأيديولوجي يخضع كذلك لنفس المؤثرات. وبما أن العروي يتخذ أسلوب التمييز بين المفاهيم وبين النقود، فقد سعى كذلك إلى التمييز بين أنماط الواعي بالحداثة الغربية.

  • في نقد أنماط الوعي بالحداثة الصادرة.

ينتقد العروي كل أنماط الوعي التجزيئي بالحداثة الصادرة، بما فيهم نمط الوعي الديني بها، ذلك لكونه يجعل من  نص الديني منطلق له ومن التقليد مبدأه، أي أنه – العقل الديني- يسلم بمرجعية تدعي امتلاك الحقيقة امتلاكا مطلقا،  ومن الحرية والعقل أساس تحقيق وتقدم الغرب، وهذا ما يتنافى مع ما جاءت به الحداثة الصادرة، ففي مقارنة هذا الأخير بين الإسلام وبين الأديان الآخر بما فيهم الديانة المسيحية، يرى أن الإسلام في مبادئه لا يتنافى البث مع ما يمكن اعتباره أسس الحداثة، الحداثة التي كانت بوكرها الأول ظهور صرعات بين مختلف النزعات الدينية واللادينية، بين الأطروحات الفلسفية والديانة المسحية.

فلا يكفي التفاعل على المستوى الحضاري لبلوغ/ ولوج الحداثة/الأزمنة الحديثة، لابد من دفع الثمن، ثمن الديمقراطية والحريات. ومشكلة أخرى ظلت تلاحق هذا النمط من الوعي، ألا وهي مسألة المفاضلة؛ بحيث يتم داخله اختيار فلاسفة ولحظات ونصوص وشيوخ بنوع من الذاتية وبنوع من التحيز والانحياز أو بعبارة أدق بنوع من البراغماتية. بناء على هذا؛ يتساءل العروي: ما دمنا نقرأ كتاب القرن 18 هل نستطيع أن نتعرف على روسو ونتجاهل مونتسكيو؟ هل يمكن إلى ما لا نهاية استخدام أفكارهم ضد الكنسية المسيحية وحدها؟ يأتي وقت ندرك فيه أن فلسفة التنوير تمثل نسقاً فكرياً يحاكم  نظاماً معيناً أينما وجد وتصرفاً معيناً أينما شوهد، وأن أوروبا لم تكن مملكة يحكمها البابا والقس وحدهما بل كان يحكمها كذلك الإمبراطور وخادمه النبيل الإقطاعي.(10)

وثاني أنماط الوعي بالحداثة الصادرة التي ينتقدها العروي، نجد نمط الوعي السياسي الذي ما فتئ هو الآخر يرى من الحداثة نقلة أو تحول من نظام وحكم إلى نظام وحكم آخر، من مجتمع إلى مجتمع آخر، مع تشيد أحزاب ودساتير، وبالتالي فهو نمط يقزم الحداثة في جانب، ألا وهو الجانب السياسي؛ أي في الليبرالية السياسية، الأمر الذي يرفضه وينتقده العروي، لا في الدعوة إليها وإنما في عدم فهمها فهما في لُبها وجذورها، في مكتسباتها وشروط تحققها بوصفها نظاما فكريا متكاملا، بدل إدراكها إدراكا سطحيا في جذورها التاريخية دون إسقاطها على واقع لا يمتلك إمكانية احتوائها، متسائلا العروي: كيف يمكن للفكر العربي أن يستوعب مكتسبات الليبرالية قبل وبدون أن يعيش حالة ليبرالية؟ (11) وفي موضع أخر يقول العروي: هكذا، يتصور التاريخ الزعيم الجديد وهو رجل قانون وسياسة، يمزج دعوة روسو بدعوة مونتسكيو، يفهم مثال الديمقراطية على شاكلة النظام البرلماني الإنجليزي، حيث تتمايز السلطات كما تتساوى أجزاءه المتجانسة.(12) ما يكشف عدم الاستيعاب بأن الحداثة احتوت كافة المجالات والحقول الثقافية والاجتماعية والسياسية والاقتصادية... .

يأتي النمط الثالث من أنماط الوعي بالحداثة الصادرة ممثلا في الوعي الاقتصادي، وهو الذي يختزل الحداثة في ما وصلت إليه التقنية بفضل العلم وفي البعد الاقتصادي الذي حملته، بفضل عملية التحول الحضاري الذي عرفته، وهذا النمط في رأي العروي يخرج تماما عن سكة الحداثة، الحداثة التي شكلتها عوامل عدة وجملة من التحولات الكبرى. العوامل والتحولات التي فرضها الواقع الاجتماعي والاقتصادي والفكري والسياسي والديني على أروبا لتنتقل من مرحلة وسطية إلى أزمنة حديثة؛ فالغرب قام في بداية النهضة باكتشافات جغرافية كبرى، وبإصلاح ديني، وبإرساء قواعد علم الطبيعي مبتكر. فلم ير .. من ذاته إلا ذلك العقل المغامر المتحرر من كل قيد وذلك النشاط الدائب المتنوع. كان هذا الوعي الجديد يعادي الكنيسة ويتنافى مع الوعي التقليدي المرتبط بها...(13) بالتالي فإنه لا يمكن اختزال الحداثة في جملة إجراءات اقتصادية، كأنها غدة وصفة جاهزة تقتضي وتنتظر التطبيق الفوري، وكأنها غدة حوضا من الذخائر الإنسانية ننتقي في ما يفدينا ونهمل ما قد يحرجنا ويخرجنا مما نحن عليه أو يوجهنا في تاريخنا كأن يصطدم بماضينا وحاضرنا.

ينهي العروي نقده لهذه الأنماط بالقول، توجد علاقة حقيقة بين أشكال الوعي عند الشيخ والزعيم والمهندس الداعي إلى التقنية والفئات الاجتماعية المقترنة بها، لكنها علاقة غير مباشر، تكاد تكون خارجية عن المجتمع العربي.(14)

أما النمط الأخير فهو النمط الذي تبناه العروي (نمط تاريخي ماركسي أيديولوجي)، وينطلق من مبدأ اعتبار الحداثة ظاهرة تاريخية كونية يقتضي النفاد أو العبور إليها سلك مسلك التاريخية، لا كاعتبارها اجراء اقتصادي تم في مرحلة ما واختصت به جماعة معينة، ولا كنقلة سياسية وفقط، ولا كتفاعل حضاري يتم بقوة الانتقائية والمفاضلة. ماذا يعني هذا؟ لابد من الإشارة ثانيا إلى أن الماركسية التي ينادي بها العروي هي التي جاءت مع ماركس واعتبارها كأداة مثلى تساهم في تحقيق الوعي بالحداثة الغربية؛ أي الأخذ ببعدها الأيديولوجي الذي دائما ما يرفض أي تقليد دون أن ينتقد أو يتعارض مع الليبرالية. أيديولوجية ماركسية/ماركسية، أيديولوجية مفتاح الفهم والوعي الحق بالحداثة الغربية وسبيل فهم الوضع العربي.

محصلة هذا؛ أنه لا يمكن الوعي بالحداثة خارج مسارها التاريخي، وعندما نقول مسارها، نقصد مسارها المشترك، أو بمعنى آخر كونها نقطة من نقط التاريخ الكوني التي بلغته المجتمعات الغربية(15)، لتمتد المسألة إلى العالم بأسره، لكن لكل مجتمع حداثته كما تصورها هو.

كل هذه الأنماط بما فيهم نمط العروي، ما هي إلا امتداد لحالة السجال والصراع حول قضية التراث ومسألة التحديث والحداثة. وعلى الجاب الآخر؛ تبعية، تأخر تاريخي، إيديولوجية، انتقائية، براغماتية، ماركسية في صورتها الأيديولوجيا.

أنهي هذا العنوان بتساؤلات ظلت علقة في ذهني وأنا أعرض أو بالأحرى استعرض مشهدا تاريخانيا عن الحداثة: ألسنا في وضع خارج الحداثة ونتساءل هل دخلنا فيها أم لا أنحسب ضمنها أم خارجها؟ أليس اختيارنا للحداثة إهمالا لشيء آخر؟ ألا يمكن تجاوز الحداثة بالحداثة نفسها؟ هل بلوغ الحداثة يفرض تجاوزها؟ هل الظروف المستحدثة أكثر نقاوة لتسرع في الإنتاج الاقتصادي ونقد الرجعية والتخلف وتحقيق ما نسميه اليوم تقدما ملاحظا؟

ومع أمل أن نتبع هذا المقال بمقال أخر، تتمة لما سبق الإشارة له في المقال: التراث والأصالة، الحداثة والمعاصرة، الاغتراب والنبوغ، الحل والشروط " عبد الله العروي" (1). وفيه سنتطرق إلى الآتي: في التراث والأصالة، الانبعاث والمعاصرة، الاغتراب والابداع، النبوغ والطموح.

الهوامش:

  • عبد الله العروي، " عوائق التحديث "، مجلة مدارات فلسفية، العدد 14( 1 يوليو 2006)، ص233.
  • يقصد بها تنظيم اقتصادي واجتماعي وسياسي ظهر بأروبا خلال العصور الوسطى وتميز باختلاف مفهوم الدولة والمواطنة وانتشار مجموعة من التقاليد والأعراف وأساليب العيش التي حكمت العلاقات بين السيد الإقطاعي والأقنان المرتبطين.
  • عبد الله العروي، " عوائق التحديث"، مجلة مدارات فلسفية، العدد 14( 1 يوليو 2006)، ص234.
  • المصدر نفسه، ص 235.
  • المصدر نفسه، ص235.
  • المصدر نفسه، ص 238.
  • المصدر نفسه، ص 239.
  • المصدر نفسه، ص239.
  • ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ، " منهج الفكر المغربي المعاصر" ، مجلة الثقافة الجديدة المغربية، العدد1 ( 1 مارس 1974)، ص 20-21.
  • ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ، الأيديولوجيا العربية المعاصرة، الطبعة الأولى، ( الدار البيضاء: المركز الثقافي العربي، 1995)، ص
  • ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ، العرب والفكر التاريخي، الطبعة الخامسة، ( الدار البيضاء: المركز الثقافي العربي، 2006)، ص 174.
  • عبد الله العروي، الأيديولوجيا العربية المعاصرة، الطبعة الأولى، ( الدار البيضاء: المركز الثقافي العربي، 1995)، ص44.
  • المصدر نفسه، ص54.
  • المصدر نفسه، ص 60.
  • عبد الحليم مهورباشة، " الحداثة الغربية وأنماط الوعي بها في الفكر العربي المعاصر، دراسة مقارنة بين عبد لله العروي وطه عبد الرحمن"، مجلة تبين، العدد23/6 ( شتاء 2018)، ص116.

تعليقات (0)

لاتوجد تعليقات لهذا الموضوع، كن أول من يعلق.

التعليق على الموضوع

  1. التعليق على الموضوع.
المرفقات (0 / 3)
Share Your Location
اكتب النص المعروض في الصورة أدناه. ليس واضحا؟